شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

الإسماعيليون والإخوان..مقاربة سلوكية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الإسماعيليون والإخوان..مقاربة سلوكية

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الأربعاء أكتوبر 09, 2013 10:15 pm

بقلم:سامح عسكر
الإسماعيليون والإخوان..مقاربة سلوكية(1)

في دراسة موجزة للمستشرق الإنجليزي برنارد لويس يرى أن الشيعة الإسماعيلية هي أكثر فرق الشيعة ذوات النزعة الثورية، وقال في كتابه.."الحشاشون فرقة ثورية في تاريخ الإسلام"..أن الإسماعيلية امتلكت من القوة في القرن العاشر الميلادي ما يجعلها أن تعلن عودة الإمام الغائب وتحكم الشمال الإفريقي بأكمله، وقد حدث ذلك وأعلن الإسماعيليون ولادة دولتهم الناشئة تحت اسم.."الدولة الفاطمية"..التي يحكمها المهدي ...ولم تقف حدود تلك الدولة على الشمال الإفريقي بل تخطته إلى حُكم سوريا في الشام والحجاز في شبه الجزيرة، أي أن الشيعة الإسماعيلية كانوا يحكمون كافة ربوع المسلمين بما فيهم مكة والمدينة، ولم يفلت من براثنهم سوى العراق وإيران اللتان كانتا تحت سيطرة الدولة العباسية في بغداد والسلجوقية في إيران، وكلتا الدولتين في العراق وإيران كان يحكمهم الأمراء السنة ..مما يُوحي بأن الخلاف بين الإسماعيليين والعباسيين والسلاجقة كان له بُعداً طائفيا راسخا.
حقيقة لابد من قولها أن الشيعة الإسماعيليين كان ظهورهم هو الأبرز طوال تاريخ المسلمين، ولم تكن للشيعة الإمامية قوة معروفة إلا بعد زمان الصفوي الإيراني الذي أنتج أول دولة شيعية إمامية قوية في تاريخ المسلمين، فقد سبق دولة الصفوي دولتين إماميتين هما الحمدانية في القرن التاسع والبويهية في القرن العاشر، ولكن كلاهما كان به من الضعف ما أنهى سطوتهما بسرعة...يكفي أن نعلم بأن السلاجقة السنيون هم الذي قضوا على البويهيين الشيعة في العراق، وفي تلك الفترة-أي في القرن العاشر والحادي عشر الميلادي-كانت الخلافة العباسية في سنواتها الأخيرة، ومع احتضار العباسيين إلا أن شعوب المسلمين كانت تبحث عن قائد يجمع صفوفهم بعد هذا التشتت الطائفي الذي ضرب المنطقة وأفرز بعد ذلك قدوم الحملات الصليبية والتتارية لتدمير واستهلاك المسلمين.
ربما لا يعلم البعض أن الطائفية هي التي ضربت أوصال المسلمين في هذا الزمن حتى أوهن ذلك جسدهم، وسمحت للصليبيين والتتار أن يعيثوا في الأرض الفساد، وكأن التاريخ يُعيد نفسه الآن، فما حمل صلاح الدين على حرب الفاطميين وما حمل السلاجقة على حرب البويهيين وما حمل الفاطميين على حرب الحمدانيين إلا هذا العداء السني الشيعي الموروث، ذلك العداء الذي يطل برأسه الآن في صورة الجماعات السنية والفصائل الشيعية التي تحشد كل فرقة أتباعها لزرع الكراهية في القلوب...حتى أن الدولة الفاطمية -التي قضت على الدولة الحمدانية- كان نظامها الديني إسماعيلي ، بينما الدولة الحمدانية كانت شيعة أمامية!..وهذا يعني أن العداء لم يكن مقصوراً على السنة والشيعة وحدهم، بل في كل مذهب يحاربون بعضهم سعياً وراء السلطة...فلا يظن جاهل أن قضية السلطة هي التي ستوحد المسلمين، فالشقاق يأتي منها والكراهية تنبعث من دخانها المشئوم.
كان الإسماعيليون في صراعهم الثوري يعتمدون على إزاحة النظام السياسي القديم ثم تنصيب الإمام المختار، وهم في ذلك يتشابهون مع الجماعات الدينية التي يظهر من رؤيتهم للسلطة على أنها الإمامة المقدسة، فما حمل الجماعات على تقديس الرئيس المصري المعزول محمد مرسي فوق منصة رابعة العدوية هو الذي حمل الشيعة الإسماعيليون على الثورة ضد الأمراء والخُلفاء، وهو الهدف الذي يخلقونه باستمرار ويتجدد بتجدد الزمان...هذا الهدف متوحد بين ثورة الإسماعيلية وثورة تلك الجماعات المعاصرة، أن يتم نشر العدل والرخاء بدلاً من الظلم والاضطهاد، أن يساوي الحاكم بين القوي والضعيف، ولكن ما جعل الإسماعيلية تفشل في تحقيق هذا الحُلم هو ما أفشل تلك الجماعات في أول اختبارٍ لها في حُكم مصر، فالسلطة مختلفة في حقائقها بين الواقع والتنظير، بين البرامج والشعارات، ويظهر أن الفشل بعد الثورة يكشف عن عدم وجود برنامج إصلاحي حقيقي يبتعد عن إثارة العواطف .
الفارق بين ثورة الإسماعيلية وثورة تلك الجماعات الدينية المعاصرة هو أن الإسماعيليين كانوا يبنون خطابهم المقدس ومبايعتهم للحكام على أساس القرابة للنبي ، بينما تبني تلك الجماعات خطابها السياسي على أساس التقديس للفرد ضمن الجماعة وإعلاء الذات كونها تقترب من فهم النبي للإسلام وتحقير الآخر كونه ناقص العقيدة وفقير العلوم وبحاجة دائمة لمُرشد يهديه إلى الحق...ولكن ما يميز الإسماعيلية عن الجماعات هو أن الإسماعيليين كانوا يعشقون العلوم العقلية والعرفانية ، فظهر منهم الفلاسفة واستطاعوا مجادلة ذوي الأديان والعقول، ونجحوا في صياغة مذاهب عقلية خاصة بهم ، وهذا الوضع أكسبهم شيئاً من المنطق، بينما الجماعات فشلت فشلاً ذريعاً في اكتساب هذا المنطق كونهم ينظرون لتلك العلوم العقلية نظرة تقليدية خالية من الإبداع وروح المنافسة، فشاعت بينهم نزعات الوصاية، وهذا الشيوع هو ما أنتج لديهم التفرق لأكثر من عشرات بل مئات الجماعات كل واحدة تختلف عن الأخرى إلى حد التكفير.
على جانبٍ آخر فالنظرية الثورية تشمل أن لكل حاكم قوي وظالم معارضة ضعيفة، وسينتج عن ضعفها ميولاً لكتم عقائدها وآرائها خشية الانتقام، وهذا ما نسميه بعقيدة.."التقية"..وتلك لم تكن مقصورة على المذهب الشيعي –كما هو مشهور-بل هي ممتدة في المذهب السني وأشهر من استعمل التقية هي جماعة الإخوان المسلمين، وهي مع تقيتها لا تتشابه مع نظائرها من بقية الجماعات الإرهابية التي جهرت بعقائدها وطرحت رؤاها الحقيقة في الإعلام...فالحذر والاحتياط هي السمة الأبرز للشحن الثوري الذي يستغل ضعف هذا الحاكم ليُعلن الثورة عليه، حدث هذا مع الإسماعيليين من قبل وقد حدث مع جماعة الإخوان، فالإخوان كانوا يكتمون الثورة بل في أدبياتهم الخاصة أعلنوا أن جماعتهم ليست ثورية، بل هي إصلاحية دعوية، ثم تغير الحال بعد ثورة يناير من العام 2011 فأصبحوا يرفعون شعار الثورة كلما شعروا بالحاجة إليه، ويمكن استطلاع ذلك من أحوالهم اليوم كانوا يكرهون الثورة وهم في سدة الحكم ثم رفعوا شعار الثورة بعد أن عزلهم الجيش .
وهم في ذلك يكررون المشهد الثوري الشيعي الذي يرفع لواء الثورة حين يحكمهم الغريب، بينما يحاربون الثورة إذا جاءت من الخصوم.
لا ننكر أن الإسماعيلية والشيعة بالعموم تعرضوا لاضطهاد وكذلك الإخوان وبقية الجماعات، وقد حدث ذلك نتيجة لعدائهم للسُلطات، فاضطروا إلى إخفاء عقائدهم خوفاً من بطش الحكام، وكما أن للإسماعيلية غُلاة ومعتدلين فللإخوان والجماعات غُلاة ومعتدلين، وحين تأتي الأجواء بالحرب على الأسس العقدية للمذهب ينشط كل فريق لترويج أفكاره عبر نظرية المؤامرة...فمن السهل على كل فريق أن يروج لأفكاره داخل غلاف من المؤامرة لا يراه إلا العاقل والشكاك، بينما أغلب الناس لا يرون هذا الغلاف وهم يُسلّمون في العادة إلى أن الأزمات هي نتيجة لمؤامرة الأشرار على الأخيار، وبما أنهم يعتقدون في أنفسهم الخير –كعادة كل الناس-فكل مخالف –حينها-هو من الأشرار، لذلك كلما تفشو نظرية المؤامرة في مجموعة من الناس كلما يزداد معها معدل الكراهية للجميع.
من الجماعات الشيعية الإسماعيلية والتي اشتهرت بقوة التنظيم هي جماعة الحشاشين ، ونستغرب كيف روى المؤرخون أخبارهم بالذم والقدح واتهامهم بأبشع التهم -منها الزندقة والإلحاد- ومع ذلك لم نقرأ لرؤسائهم كتاباً واحداً يؤكد هذه الصورة ، لن نخوض في عقائدهم فكافة أخبارهم جاءت من الخصوم و يصعب معه الوقوف على حقيقة الجماعة العقائدية وتقييم موقفها الصحيح من الدين...ولكن ما أجمع عليه المؤرخون أن الحشاشين كانت تمتلك أقوى تنظيم سري وفرقة اغتيالات سياسية في الشرق الأوسط برمته، حتى أنها قتلت أشهر وزراء السلاجقة في التاريخ وهو الوزير.."نظام الملك"..وبمجرد ذكر السلاجقة يتبين لنا حقيقة صراع الحشاشين مع السلاجقة وكيف أنه كان صراعاً طائفياً بين السنة والشيعة..
نقطة هامة يجب التركيز عليها فالمناهج التعليمية العربية لم تتعرض للخلفيات العقائدية لتلك الدول، فنحن ندرسها وندرس تواريخها ولكننا في عُزلة تامة عن الأسباب الحقيقية للصراع، وفي تقديري أن ذلك من أسباب شيوع التطرف الديني بأشكاله المختلفة التي أغفلت علاج هذا الداء.
نعود إلى الحشاشين
يمكن القول أنه وبمجرد انتساب الحشاشين للإسماعيلية يصلح معه القول بأن الحشاشين كانت تمتلك مجموعة من المفكرين والعُقلاء الذي أثروا مناطقهم بالحُجّة والبيان، وعلى عكس الكثيرين فأعتقد أن للجماعة رؤية خاصة للكتاب والسنة لم تختلف كثيراً عن ما هو شائع في حينه، ونظراً لانتشار تلك الفرقة في سوريا وانضمام الجماهير لها يمكن القول أنها اكتسبت نفس صفات الشيعة الفكرية والسياسية ،وأهم هذه الصفات هو تميزهم بالعقل والجدل وإبداعهم في النظريات الكونية والعرفانية...ذلك لأن أهل هذه المناطق- التي يسكنها الحشاشون -كانت تزخر بالعلوم والفلسفات المتعددة سواء إسلامية أو مسيحية أو يونانية،بينما لو كانت بُعِثت في جزيرة العرب فما الذي كان يُجبرها على احتراف تلك العلوم والبدو لا يمتهنون سوى الشعر والخيال الرقيق؟..قد يكون ذلك حجة مقبولة للذود قليلاً عن تلك الفرقة التي لم يصلنا من أخبارها سوى الذم والقدح، بينما نغفل عن أشباهها في زماننا المعاصر فنُخطئ التقدير




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



avatar
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام


الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 13437
نقاط : 25010
السٌّمعَة : 23
العمر : 37
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الإسماعيليون والإخوان..مقاربة سلوكية

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الأربعاء أكتوبر 09, 2013 10:17 pm

الإسماعيليون والإخوان..مقاربة سلوكية(2)
الفكر الإسماعيلي متأثر بالرؤية الثورية لآل البيت عموماً، وفي هذه لا يختلف عن بقية الشيعة الذين يقدسون ثورتي الإمامين الحسين وابن الحنفية في القرن السابع الميلادي، ولا يظهر من بواكير تلك الثورات إلا ظهور بعض غُلاة الشيعة كنتيجة للقمع السياسي في تلك الفترة، فكان من الطبيعي أن يظهر بعض غُلاة الإسماعيلية ويقولون بالتناسخ وتأليه الأئمة وبقية صنوف الإلحاد، غير أن هذا الغلو لم يستمر إلا في النصف الأول من القرن الثامن، بعدها ظهرت آراء شيعية عامة معتدلة ..تحارب هذا الغلو العقدي الذي أصاب الكثير ممن ينتسبون لآل البيت.
في تلك الفترة كان يعيش الإمام جعفر الصادق إمام أهل السنة والشيعة معاً، وقد كان لحضوره الأثر في نزع قيم التطرف إلى بواكير العمل الاجتماعي والسياسي المعتدل، وكذلك نشر أتباعه آراؤه الفقهية التي شكلت بعد ذلك فقه أكبر فرقة شيعية في التاريخ وهي فرقة الإمامية، ولكن بعد وفاة الإمام دب الخلاف بين الشيعة حول الإمامة، فاتجهت الأقلية إلى تنصيب إسماعيل وهو الابن الأكبر للإمام الصادق وسموا بالإسماعيليين، واتجهت الأكثرية إلى تنصيب موسى الكاظم وهو الابن الأصغر للإمام الصادق وسموا بالإماميين.
من هنا بدأ الافتراق يحذو حذوه مرة أخرى ولم يعترف كل فريق بإمامة الآخر، غير أن برنارد لويس يرى أن تنصيب الأكثرية لموسى الكاظم ربما كان لتطرف إسماعيل، وهذا يعني أن الإماميين كانوا أكثر اعتدالاً في الرأي من الإسماعيلية وفي ذلك شئُ من الصحة، فغالب الجماعات والفرق الشيعية المتطرفة خرجت من رحم الإسماعيلية...نتج عن ذلك أن اشتهر الإسماعيليون بالعمل السري خشية أن ينتقم منهم أتباع موسى الكاظم أو السنيون الذين يملكون أراضٍ وسلطاتٍ واسعة ، أي أن الإمامية لم تكن بحاجة إلى العمل السري نسبةً إلى اتجاه معظم الشيعة إلى هذا المسلك، يعني أنه وكلما أقصى البعض أفكاراً سنراها تعود خلسةً تحت الأرض، وبإدمان هذا المنهج يُصبح من العسير أن تتغير تلك الأساليب السرية إلى أخرى علنية.
اتجه الإسماعيليون بعد ذلك إلى العمل السري كما سلف، وطبيعة هذا العمل قائمة على المظلومية بالأساس، فلو لم يشعر الأتباع بالظُلم والحَنَق ما كان لهم أن يحشدوا الجماهير، فمن وِجهة نظرهم أن أتباع موسى الكاظم قد اغتصبوا منهم الإمامة، وأن الدين يفرض عليهم عودة الإمام الشرعي لسيادة الحق والفضيلة، ذلك أن الإمام لدى الشيعة بالعموم هو بالنص، وجميعهم اتفقوا أن هذا الإمام الشرعي هو من نسل سيدنا عليّ ابن أبي طالب، ولكنهم اختلفوا بعد وفاة الإمام السادس جعفر الصادق...ومما صاحب ثورة الإسماعيلية هو لجوئهم إلى العقل والعاطفة معاً.. في إشارة إلى أن الثوريون قديماً وحديثاً كانوا يُلهبون حماس الجماهير بالعواطف ،ومع ذلك ترى أغلبهم فقراء معرفياً ولديهم أفكار ساذجة وسطحية عن شكل الدولة وإدارتها، ربما كان لتميز الإسماعيلية في العلوم العقلية هو السبب في نجاحهم في المغرب العربي وتكوين أكبر وأشهر دولة إسماعيلية في التاريخ وهي الدولة الفاطمية.
لم تكن الدولة الفاطمية مجرد دولة ذات حدود سياسية وسلطة تبسط نفوذها داخل تلك الحدود، بل كانت مشروعاً دينياً وسياسياً ممتزجاً تدعمه أكبر خلفية معرفية في تلك الحقبة، فقد كان أشهر فلاسفة المسلمين ينتسبون إلى الإسماعيلية، وربما أدخلوا رؤيتهم للإمام في صُلب تنظيرهم لعقائدهم، فقد كانوا يرون الإمام هو الناطق باسم الله أو بتعبير آخر هو نبي مرسل يُرسله الله في كل حقبة زمنية، أي أن الإسماعيليين يعتقدون أن الإمامة لم تنقطع من نسل إسماعيل ابن جعفر الصادق، بل هي باقية معهم إلى اليوم، وذلك على خلاف الإمامية التي ترى أن الإمامة قد انقطعت باختفاء الإمام الثاني عشر .
أشير إلى أن الخلاف الذي دبّ بين الشيعة وأنتج تفرقهم لأكثر من فرقة هو الذي حدث مع جماعة الإخوان وأنتج تفرقهم إلى قطبيين وبناويين وتكفير وهجرة وجماعة إسلامية وسائر تلك الجماعات، وهي التي تفرعت بعد ذلك إلى عشرات الاتجاهات، فإذا حدث هذا الافتراق فلابد له من مصدر يجتمع عليه الكافة، فالشيعة ورغم تفرقهم إلا أنهم يجتمعون في الولاية للإمام علي ونسله، وكذلك تحقير الصحابة الذين نافسوا الإمام علىّ على السلطة، والإخوان كذلك ..فرغم تفرقهم إلا أنهم يجتمعون في الدعوة للخلافة الإسلامية ولتطبيق الشريعة وإلى سيادة مذهب السنة والجماعة على سائر المذاهب...فالخيط الذي يجمع الشيعة والإخوان هو الاعتقاد بنجاة الذات وعذاب الآخر،فكل فرقة وجماعة ترى في نفسها أنها الفرقة الناجية، وأنها التي تستحق الجنة على ما سواها، فالتراث السني لا يختلف عن الشيعي في ذلك، وكلاهما-أي الشيعة والإخوان-بالعموم هي فِرق وجماعات تراثية تؤمن بالرواية وتضعها حاكمة على آيات القرآن، وكم من المصلحين والتنويريون الذين أسهموا في علاج تلك الآفة ولكن بدت جهودهم كسراب في ظل مطامع السياسة، فجهود ألف عالِم قد تضيع تحت أقدام متعصبٍ واحد.
يرى برنارد لويس أن أئمة الإسماعيلية بعد وفاة إسماعيل بن جعفر الصادق ظلوا مختفين عن الأعين لمدة قرن ونصف، والسبب- كما بدا لي- هو قوة الدولة العباسية في القرن الثامن الميلادي- وهو زمن وفاة إسماعيل- ولكن ما إن بدأ الضعف يدب في أوصال العباسيين حتى بدأ أئمة الإسماعيلية في الظهور، وتلك هي المداولة التي كشفت بعد ذلك عن ظهور الجماعات الدينية في الشرق الأوسط ظهوراً بعد الضعف الواضح التي مرت به دولة العلويين في القاهرة...فنهاية الملكية العلوية وآخر ملوكها "الملك فاروق" في مصر سمحت بظهور أفكار تدعو للعودة إلى جادة الصواب ولعودة الثقة من جديد، ولكن اختلف الحال هذه المرة ..فتلك الأفكار كانت على خلفية دينية متعصبة للمذهب السني، وجميعها كانت سبباً في إرساء خطاباً دعوياً جديداً يُعلي من شأن الصحابة ويُصرّ على فضائلهم وفي نفس الوقت يتغافلون عن آل البيت ودورهم في نُصرة الدين، بل أجزم بأنه -وبفضل تلك الجماعات- جَهَلَت مُعظم شعوب المنطقة أسماء آل البيت، فإذا ذُكِرَ موسى الكاظم أو جعفر الصادق في مكان إلا وذُكِرَ الشيعة.
رغم أن الإمامين معدودين ضمن أئمة السنة في التراث، ولكن التعصب المذهبي حال دون معرفة الأتباع قيمة ومنازل الآخرين، نفس الحال كان يحدث مع الإسماعيلية ومع ثوراتهم المتعددة- ولا أعفي الشيعة بالعموم من هذا المسلك-كانوا يُعلون من شأن آل البيت ويُصرّون على فضائلهم في صورة عكسية لسلوك تلك الجماعات التي أرست خطاباً مذهبياً شبيه بخطاب الشيعة المذهبي...وطبيعة تلك الدعوات المذهبية لا تظهر سوى في المجتمعات المُفككة، فهي الوحيدة القادرة على احتضان تلك الأفكار، والأسباب متعددة لكن الأصل السياسي واحد، فلو لم تكن المجتمعات العربية مفككة في النصف الثاني من القرن العشرين ما كان لها أن تؤوي الإخوان والجماعات، حتى الانتفاضات المجتمعية القومية التي أعقبت سلطة العلويين في القاهرة لم تسهم إلا في حالة إفاقة جزئية لوعي العرب والمسلمين، ثم عادت الشعوب بعد ذلك إلى ما يُشبه رفع الضوء الأخضر لاستقبال أي أفكار عنصرية أو مذهبية بظنها الملجأ الوحيد إلى الله بعد تعدد الأزمات.
بقي العلم بأن الإسماعيلية لم تشتهر فقط بهذا الاسم كمذهب ديني، بل صنفها البعض كحركة سياسية أنتجت لنا ألواناً شتى من السياسية تجمع ما بين الإيمان والإلحاد ما بين العُنف والسلام، وقد كانت فرقتي القرامطة والحشاشين هما أشهر فرق الإسماعيلية عُنفاً وضراوة، وربما كسر عُنف القرامطة حاجز الدين، فيروي المؤرخون أحداثاُ عنهم لا يُبالون فيها بالأديان، ولكن هذا كله في حال التمكين، فمجرد أن تنداح لهم السلطة إلا ويقعوا في الناس بكافة صنوف المحرمات، سواء من القذف واللعن مروراً بالعدوان حتى القتل والتحريق...وسلوكهم في ذلك يُشبه سلوك الجماعات الدينية المعاصرة، فتجاربهم في السلطة أثبتت أنه وبمجرد التمكين تأتي مرحلة الانتقام من كل إنسان، فيشرعون في توظيف الكل لمصالحهم وإلا فالطرد والقتل، كل ذلك كان يحدث حسب ما يطرحونه تصوراً عن الدين، يختلفون عن القرامطة في أن القتل لديهم يكون بالتأويل.. بينما القرامطة كانوا يقتلون بالسياسة، حتى في هذه فالانتقام لديهم سياسة والسبب أنهم ينتقمون ممن يقفون ضد مشروعهم الديني المقدس.
أما قبل ذلك فيشرعون في تحصيل مطالبهم بالحِيَل والخِداع، فيقول الباحث الهولندي" دي خويه" أن القرامطة كانوا يعتمدون على مواطن ضعف الإنسان فيُظهرون التقوى والورع للصالحين، ويرفعون شعارات الحرية للمتحررين ويُظهِرون الاستهتار لغير المُبالين، ويتكلمون في الفلسفة لأصحاب العقول، وفي الآمال والرغبات للمتصوفة ويحكون العجائب للعامة، فيكسبون بهذا السلوك شرائح المجتمع الفكرية حتى يُصدقونهم ويسمعون كلام القادة، ليس هذا فحسب ففي تقديري أن الحشاشين كانوا يتميزون بهذا السلوك أيضاً حتى قال عنهم برنارد لويس أنهم أصحاب أٌقوى تنظيم شيعي عرفه المسلمون.
بمقاربة بدهية نرى أن ما اتصف به القرامطة والحشاشون -من غُلاة الإسماعيلية -يتطابق بشكلٍ كبير مع أحوال جماعة الإخوان، فهم يمتهنون الخُلق والتلوّن مع العامة، ويتكيفون بشكلٍ عجيب مع أي بيئة، ويرفعون الشعارات ويُلهبون حماس الجماهير بالعواطف، حتى تجاربهم في السلطة تحكي عن تشابه عجيب في أنماط المعاملة مع الآخر، فلا يألون بالاً لنفسٍ تُحرق وهم على استعداد لقتل أنفسهم للدفاع عن مشروعهم بأي ثمن، وإذا تحدثنا معهم عن ضرورة مراجعة هذا المشروع كي لا تتحمل أخطائهم وِزر الدماء التي سالت ..يردون بأنهم يستعدون لتقديم المزيد...تفسيري الوحيد لذلك هو أن التضحية من أجل الفكرة تتطلب اليقين التام الذي لا تشوبه شائبة، والعمل الثوري بالعموم هو عمل يقيني لا لبس فيه، فإذا اجتمعت الفكرة مع الثورة في حضور اليقين نشبت الصراعات وسالت الدماء حتى لا تبقى حُرمة لنفس، وأعتقد أن جماعة الإخوان لو كانت تعيش في زمان القرامطة والحشاشين ما كان لأحد أن يستطيع التفرقة بينهم للتشابه الكبير، أما اليوم ونَظَراَ للتقدم العلمي وسيادة عصر الصورة وسرعة الاتصالات وتعدد مصادر المعلومات وسهولة الحصول عليها أصبح بالإمكان أن يصنع خصوم الإخوان يقيناً آخر يُجابهون به سطوتهم على الجماهير.
بل وبقوة الفكرة الأخرى في دول الغرب الرائدة عَجَز الإخوان عن تقديم البديل، فأصبحوا يُصارعون مجتمعاتهم الفقيرة والأمية بدلاً من أن يُصارعوا أمريكا والغرب، وفي المقابل أعتقد أنه لو كان للقرامطة وجود في هذا الزمان لتبدل سلوكهم وتطور بشكلٍ كبير، والسبب هو أن اتجاههم العقلي والفلسفي الذي اشتهر به دعاة الإسماعيلية كان سيُجبرهم على إعادة النظر في معارفهم وسلوكياتهم، فلو عجز شباب الإخوان عن تقديم مراجعة أنفسهم أو تقديم البديل الصالح والقوي فلن يعجز شباب القرامطة في ذلك، ولو لم يغفر المجتمع للإخوان أخطائهم وجرائمهم سيغفر للقرامطة جرائمهم بمجرد وقوف شبابهم على الحياد في أوقات الأزمات.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



avatar
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام


الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 13437
نقاط : 25010
السٌّمعَة : 23
العمر : 37
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى