شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

الدكتوررجب أبومليح يكتب حول الشورى فى الاسلام( قراءة علمية قيمة ) ...!!

اذهب الى الأسفل

الدكتوررجب أبومليح يكتب حول الشورى فى الاسلام( قراءة علمية قيمة ) ...!! Empty الدكتوررجب أبومليح يكتب حول الشورى فى الاسلام( قراءة علمية قيمة ) ...!!

مُساهمة من طرف كاره اليهود في الثلاثاء مارس 01, 2011 5:20 pm

بقلم: د. رجب أبو مليح*

قضية الشورى من الموضوعات الحية ذات المكانة العالية، والمنزلة الرفيعة في الفكر الإنساني عامة، والفكر الإسلامي خاصة، ولا سيما في زماننا هذا الذي شهد ضروبًا من الاستبداد الفكري، والعنت السياسي، والظلم الاجتماعي.



وهي ضرورة حياتية لا غنى للحياة الإنسانية الكريمة عنها وبدونها تصبح حياة الإنسان الذي كرمه الله عز وجل يوم أن خلقه وسواه، ونفخ فيه من روحه، وأرسل إليه رسله، وأنزل عليه الكتب، ووهبه السمع والبصر والفؤاد وجعله مكلفًا مسئولاً، تصبح حياة هذا الإنسان المكرم وقد سُلبَ حقه، وانتهكت حرمته، ولُويت يده إلى حياة العجماوات أقرب، وبها أشبه، ومن حياة الإنسان أبعد.



ولقد زاد هذه الأهمية استنارًا وألَقًا أن نص عليها القرآن الكريم نصًّا مباشرًا محكمًا؛ ومارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ممارسة عملية، فلم تعد نظرية تحكى بل صارت واقعًا يعاش، وحركةً تمارس، وعملاً يكتسب. لقد أعطاها الإسلام بعدها الإيماني العميق وعطرها الروحي الفواح، وشذاها الديني العبق، فما عادت كلمة تقال في الهواء، ولا هتافًا تمتلئ به الحناجر ولا لافتة باهتة تعلق ليس لها في الواقع من حياة ولا حقيقة ولا رصيد.



لقد أصبحت صبغة الله التي تنصبغ بها الحياة الإنسانية في كل ناحية من نواحيها وفي كل شِعْب من شعابها.. ينصبغ بها الفرد كما تنصبغ بها الجماعة، وينصبغ بها المجتمع كما تنصبغ بها الدولة.



لقد أصبحت سمة من السمات المعلومة وصفة من الصفات المعروفة، ولازمة من لوازم الحياة، ما عادت منحة يتفضل بها الحاكم فإن شاء أعطى وإن شاء منع، بل ما عادت من مطالب السياسة وحدها بل هي من مطالب الدين والعقيدة، والفكر والنظر والأسرة والمجتمع، والمال والاقتصاد.. إنها هناك في البيت بين المرء وزوجه في حالة الوفاق والشقاق، وفي الأمور كبيرها وصغيرها، وجليلها ودقيقها. في الرضاع والفطام، في التسريح والإمساك، وعلى كل حال، إنها هناك في المؤسسات التربوية بين الأساتذة والطلاب فلا تسلط من بشر على بشر، لا تسلط للزوج على زوجه، ولا الأب على ولده ولا الأستاذ على تلميذه، ولا لراعٍ على رعيته. فالمجتمع المسلم أفراده وفصائله وهيئاته ومؤسساته مجتمع رباني تراعى فيه الحقوق، وتحفظ فيه الذمم، ويُوفى فيه بالعهود. مجتمع الأحرار الذين يدينون فيه بالعبودية لرب واحد لا ند له، ويوصي بعضهم بعضًا: إن الله قد جعلك عبدًا لواحد فاحذر أن تكون عبدًا لكثير.



أ- الشورى لغة واصطلاحًا:

شاوره في الأمر مشاورة، وشوارًا طلب رأيه، وفي التنزيل العزيز ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، والشورى: التشاور، وفي التنزيل العزيز ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 38)، والأمر الذي يتشاور فيه (والشورة) المخبر والمنظر وهذا مما يخطئ فيه بعض المعاصرين فما نحن بصدده شورى بألف مقصورة وتلك بتاء مربوطة، والمستشار: العليم الذي يؤخذ رأيه في أمر هام علمي أو فني أو سياسي أو قضائي أو نحوه. والمشورة: ما نصح به من رأي وغيره، يقال: شار عرضه؛ ليبدي ما فيه من محاسن، ويقال شار الدابة أجراها عند البيع ليظهر قوتها، وفي حديث طلحة رضي الله عنه كان يشور نفسه أمام الرسول صلى الله عليه وسلم: أي يسعى ويخف ليظهر قوته (1).



أما في الاصطلاح فهناك جملة تعريفات تجدها مبثوثة هنا وهناك عند من اهتموا بهذه القضية وقد تطول تلك التعريفات وقد تقصر وقد تتوسط، لكنها جميعًا تدور حول أن (الشورى الإيمانية هي التعاون في تبادل الرأي ومداولته، وفي أمر من أمور المؤمنين أفرادًا وجماعةً وأمةً على قواعد تحدد الحق أو ما هو أقرب إليه؛ طاعة لله وعبادة، وبذلك تصبح الشورى نظامًا متكاملاً، ونهجًا متناسقًا يرتبط بمنهج الله ارتباطًا متينًا ليكون جزءًا منه لا ينفصل...الخ) (2).



أو (الشورى هي المفاوضة في الكلام ليظهر الحق، وهي استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض) (3). والشورى بذلك (هي المادة الفعالة في التفكير الإسلامي بصدد مسألة إدارة الدولة وهي تشمل كل صغيرة وكبيرة من دقائق حياتنا السياسية وكل أمر من أمور ذات الطابع العام وهي جزء لا يتجزأ من أسلوب الحكم) (4).



ومهما يكن من شيء فالشورى سمة من سمات المجتمع المسلم، وهي صفة من صفاته اللازمة وهي مبدأ من المبادئ الإسلامية العامة التي ينبغي أن ينصبغ بها المسلمون أفرادًا وجماعات، ومؤسسات واجتماعات ودولاً امتثالاً لأمر الله عز وجل. قال ابن جزي: في كتابه التسهيل ج1/122 عند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، من سورة آل عمران: (المشاورة مأمور بها شرعًا).



ب- الشورى في القرآن الكريم:

جاء ذكر الشورى باسمها ومشتقاتها في ثلاث سور ثنتان منها من السبع الطوال وهما البقرة وآل عمران وأما السورة الثالثة فمن المثاني من (آل حم) وهي سورة الشورى ومعلوم أنها نزلت في مكة.



أما الآيات من السور الثلاثة فهي قوله تعالى: 1- ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)﴾ (البقرة).



2- ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾ (آل عمران).



3- ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)﴾ (الشورى).



الآية الأولى تتحدث عن أمر أسري بين رجل وزوجه في أمر يتعلق بالرضاع والفصال، وهو من الأمور الأسرية التي ينص عليها القرآن الكريم لئلا يضيع الولد في الخلاف الناشب بين الرجل وزوجه ولتحفظ الحقوق تحت قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" وانظر كيف أن الشورى تدخل لتنظيم حياة المجتمع في كل شعبة من شعبه.



والآية الثانية من سورة آل عمران نزلت بعد هزيمة مؤقتة في أحد التي نزل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رأيه ورأي بعض من أصحابه لما رأى رغبة الأكثر في الخروج لملاقاة العدو خارج المدينة. وكان المتوقع أن يلام أولئك على إلحاحهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن تنقص قيمة الشورى التي كانت نتيجتها غير موفقة إذ أدت إلى الهزيمة فلربما قيل لو أنهم لم يخرجوا لكانوا إلى النصر أقرب ولكن لم يحدث شيء من ذلك قط فجاءت الآيات تحض على الشورى وتؤكد وجوبها (5)، وتدعو إلى الاستمساك بها وإشاعتها في الناس، وهذا مما يدل على تعظيم شأن الشورى وأنه واجب مفعول ممتثل.



والآية الثالثة جاءت في إطار صفة المؤمنين الذين يستجيبون لربهم، ويجتنبون كبائر الإثم والفواحش وينتصرون إذا أصابهم البغي إلى غير ذلك من الصفات الروائع. وانظر كيف أن الله عز وجل فرق بين الأمر بإقامة الصلاة وبين الإنفاق لإقحامه لتلك الصفة المتلألئة صفة الشورى تنويهًا بها ورفعًا للوائها وإظهارًا لفضلها، فالمجتمع الذي يستبد بعضه ببعض ويتخذ بعضه بعضًا أربابًا من دون الله وينقسم فيه الناس إلى سيد يأمر وينهى وعبد يسمع ويطيع هكذا بلا أخذ ورد ولا نقد واعتراض مهما سيم من خطة خسف مجتمع لا يستحق أن ينتسب إلى المجتمع الإسلامي الكريم مجتمع الربانية الذي يكرم فيه الإنسان ولا يهان.



ولا يحسب أحد أن أمر الشورى مقصور على الآيات الكريمات السالفات إنها تتغلغل بروحها وريحانها في ثنايا الكتاب الكريم وتضاعيفه.



ج- الشورى في الحديث الشريف:

سنة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم هي الترجمة العملية لما في القرآن من قواعد وأسس وأفكار ومضامين ومثل وأخلاق. كيف وكان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه وحكى القرطبي في صدر سورة المؤمنون عن السيدة عائشة أنها تلت الآيات العشر منها وقالت: هذه أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يك شيئًا عجيبًا أن تنال الشورى حظها من الرسول الكريم قولاً وفعلاً ونظرًا وممارسةً، وكان كما روى عنه صاحبه أبو هريرة رضي الله عنه أكثر الناس مشورةً لأصحابه. كان يوقرهم ويسمع لهم ويصدقهم.



لقد ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على الشورى- كما سنرى- وكان معهم في أفراحهم واتراحهم وحربهم وسلمهم لا يتخذ من دونهم وليجة، وليس بينهم وبينه أبواب ولا حجاب. وهذه هي الصفة التي أراد أصحابه أن يورثوها في الحكام. وفي رواية الترمذي عن أبي مريم الأزدي أنه دخل على معاوية فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ولاه الله عز وجل شيئًا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره".

الشورى في إطارها التاريخي



أ- الشورى في العصر النبوي:

سبق أن ذكرنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو النموذج العملي في تطبيق مبدأ الشورى ومثاله وأكثر ما يتجلى تطبيق مبدأ الشورى وممارسته في السير والمغازي والحروب والمعارك إلا أن هذا لا يعني أنها ما كان يعمل بها إلا هناك. وذلك أن الشورى منهاج حياة، وشرعة دين، ونظام حكم، وصبغة أمة وحسبك أنه صلى الله عليه وسلم كان يستشير حتى فيما يحسبه الناس اليوم من الشئون الخاصة. فقد رمى المنافقون أم المؤمنين عائشة بما برأها الله منه فهي الحصان الرزان، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد (6).



ولعل أبرز الأمثلة على تلك الممارسة الشورية الراشدة ما حدث يوم بدر وأحد والأحزاب والحديبية. أما في بدر فقد استشار قبل بدايتها جموع المهاجرين والأنصار قائلاً: "أشيروا عليّ أيها الناس". فوجدهم على قلب رجل واحد إيمانًا وتسليمًا، ونصرًا ومؤازرةً، ووفاءً وولاءً وعزيمةً ومضاءً ولم تكن مشاورته لفريق دون فريق. وفيها استجابة لرأي الحباب بن المنذر في هدم القُلُب(7) والإبقاء على قليب منه يستقون. واستشار أصحابه وقد انجلت المعركة ماذا يفعلون بالأسرى فمنهم من أشار بالقتل (، ومنهم من استشار بأخذ الفدية (9) ومنهم من أشار بجمع حطب جزل (10) وإشعال الوادي عليهم نارًا، وهكذا ألقت الشورى بظلالها الممدودة بدءًا وختمًا.



وفي أحد استجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للجمع الغفير من أصحابه ومنهم عمه حمزة سيد الشهداء ومعظمهم من الشباب الذين فاتهم شرف بدر، أخذ برأيهم وترك رأيه ورأي جماعة من أصحابه بالرغم من رؤيا الدرع الحصينة والبقر المذبوح والسيف المثلوم (11).



خرج وكان الأصوب البقاء ولكنه تقرير المبادئ وإثبات القيم وتركيز المعاني وقد أسفرت الشورى عن قيمتها العالية في تأكيد الله لها في سورة آل عمران عقب الهزيمة.



ويوم الأحزاب يستجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأي صاحبه سلمان بحفر الخندق ولم يكن تدبيرًا عربيًّا معهودًا وفيها يشاور الأنصار على أن يدفعوا للعدو شيئًا من الثمار حتى ينصرفوا عنهم فيقولوا ليس لهم عندنا إلا السيف فيقول أنتم وذلك وأعرض عما كان قد شرع فيه من محاولات المساومة على الانصراف.



أما في الحديبية فقد يبدو للناظر المستعجل أنه خالف رأي جمهور الصحابة، ولكنه على التحقيق وحي خارج عن مجال الشورى... ما خلأت القصواء (12) وما هو لها بخلق إني عبد الله ورسوله ولن يضيعني ربي... هلك المسلمون وأمرتهم فلم يمتثلوا. وهنا تظهر حكمة زوجه أم سلمة: احلق وانحر ثم انظر كيف يكون، فإذا بهم يتواثبون لنحر هديهم تواثبًا. إنه الرأي وما هو بوقف على الرجال دون النساء، وقد يوجد في الشباب كما يوجد في الشيوخ.



ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حريص على تربية الإنسان على استخراج الرأي واستنباطه بوسائله المعروفة من اجتهاد في الشورى في مواضع الاجتهاد فإذا كان النص فالاجتهاد في فهم مدلولاته ومعانيه ومقاصده.



وهكذا أبرز الرسول صلى الله عليه وسلم الشورى في أبهى صورة وأبهج منظر وأبرز عنوان فأصبحت كأنها العلم المنصوب، واللواء المرفوع في حياة المسلمين الفكرية والسياسية وفيما سواهما.



ب- الشورى في عصر الصحابة:

التحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى ولم يعين من يخلفه. وهذا في حد ذاته يدل على أن الأصل في الحكم التشاور والتداول والاختيار لا التعيين والنص المباشر. اجتمع في سقيفة بني ساعدة جمهور من الأنصار ولحق بهم ثلاثة من المهاجرين. وكانت المحاورة الحرة المفتوحة فيمن يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لا تخلو من شدة وحدة أحيانًا. طرحت الآراء في حرية وجرأة وشجاعة. الأمر لنا نحن الأنصار (13)... هذا الأمر لا يصلح إلا في هذا الحي من قريش (14). منا أمير ومنكم أمير (15).. نحن (المهاجرون) الأمراء وأنتم الأنصار الوزراء لا نفتات عليكم... ابسط يدك أبايعك، هكذا قال عمر بعد أن قال أبو بكر رضيت لكم أحد هذين الرجلين يعني عمر وأبا عبيدة... لا تنازعوا هذا الأمر أهله (16)... وهكذا يمضي التداول الفسيح حتى يُبايع لأبي بكر. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل عد ذلك ضرب من ضروب الترشيح حتى تمت البيعة العامة في المسجد فتولى أبو بكر الخلافة فسار بها على نهج الشورى.



كان عزمه على إنفاد بعث أسامة بن زيد رغم معارضة بعضهم لأنها إتمام لما بدأه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عزمه على قتال المرتدين لما في ترك الزكاة من نقص في الدين ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (التوبة: من الآية 11).



وكان جمع (17) القرآن باقتراح من عمر ومناقشة أدت إلى اقتناع فإنفاذ.



واسترد أرضًا كان قد أقطعها للأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن بعد أن تبين أن هذا مما لا يستبد به دون ذوي الرأي من المسلمين، وهكذا مضت خلافته الراشدة راقية مشهودة... ولم تتم خلافة راشدة واحدة إلا ببيعة عامة محضورة.



استخلف أبو بكر عمر والاستخلاف إن هو إلا ترشيح ليس له من أثر قانوني دستوري إلا بالرضى الذي تعبر عنه البيعة العامة من قبل المسلمين. ولا يشترط في البيعة أن تكون إجماعًا، فتخلف بعضهم كما روي في بيعة أبي بكر.



ومن أبرز الأمثلة التي وقع فيها خلاف في الرأي كبير أرض السواد بالعراق إذ ذهب جماعة من بينهم عبد الرحمن بن عوف وبلال بن رباح أنها فيء ينبغي ألا يحبس عن المقاتلين؛ وكان من رأي عمر وهو ينتظر إلى مستقبل الأجيال القادمة نظرة عبقرية نافذة- ألا تقسم بل تترك مالاً عامًّا مشتركًا بين السابقين واللاحقين ولكنه لم يستبد بهذا الرأي لأن الاستبداد ليس من طبيعة الإسلام ولا المسلمين بل ظل يشاور ويأخذ ويعطي ويناقش ويجادل حتى شرح الله الصدور وهداهم إلى رشدهم ووجدوا ضالتهم المنشودة في آيات سورة الحشر سورة بني النضير التي ذكرت فيمن يليهم الفيء الله ورسوله وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ثم ذكرت المهاجرين والأنصار ثم ذكرت ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11)﴾ (الحشر).



وضرب عمر رضي الله عنه مثلاً رائعًا في التواضع لله، والوقوف عند كتابه وسنة رسوله وتوطئة الكنف لخلقه وسماع النصيحة غير مستنكف ولا مستكبر

"الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم اعوجاج عمر بحد سيفه".

"لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها".

"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا".



إلى غيرها من الكلمات النواضر التي أقبلت إلينا تشق القرون شقًا والتي لا تخرج إلا من قلب حي قد غمرته معاني الإسلام الخالدة، وقيمه الثابتة من حرية وشورى وعدل ومساواة ورحمة ومواساة إلى غير ذلك مما جاء به نبي الرحمة المهداة والنعمة المسداة.



ثم جاء الخليقة الراشد ذو النورين الذي قتلته أوباش من الناس وقام المهاجرون والأنصار للنصر والمؤازرة فأبى أن تقع نقطة دم واحدة بسببه وآثر أن يقدم نفسه شهيدًا. وفي سنيه الست الأولى كانت فتوحات اختلط فيها أهل الشام بأهل العراق، واختلفوا في القراءة وزعم كل أن قراءته خير من قراءة صاحبه فأقبل حذيفة بن اليمان فزعًا وقال أدرك الأمة قبل أن تختلف في الكتاب (18)... وجمع عثمان ذوي الرأي وأهل الحل والعقد وكان الأمر شورى أفضى إلى أن يكتب القرآن على الحرف القرشي، وأن تعدم سائر الأحرف الستة. ولما لام بعض ذوي العقول القاصرة عثمان رضي الله عنه على تلك الخطوة الذكية الزاكية وليدة الشورى المباركة قال علي كرم الله وجهه: (لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا فو الله ما فعل الذي فعل في المصحف إلا عن ملأ منا معشر أصحاب محمد ولو كنت مكانه لفعلت في المصحف ما فعل).



وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك يردون كل بادرة من بوادر الاستبداد بالرأي قالوا قال عثمان رضي الله عنه: لأفعلن هذا الأمر وإن رغمت أنوف. فقال بعض الحاضرين (أشهد الله أن أنفي أول راغم) (19). إنه مجتمع السادة الأحرار لا العبيد الأرقاء.



أما أبو الحسن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقد جاءت خلافته عن بيعة كما كانت خلافة سابقيه رضوان الله تعالى عليهم وإن اختلف أسلوب التولية من إمام إلى إمام وإنما المقصد أن الخلافة لا تبرم إلا بعقد التراضي بين الراعي والرعية. قالوا أراد بعضهم أن يبايعوا سرًّا... أفرادًا... وفي الشارع والطرقات فأبى إلا بيعة جامعة في المسجد ولله درك أبا الحسن. لقد جاء في وقت شدة وبلاء، وتنازع واختلاف وقد سفك الرعاء دم الخليفة عثمان.



لقد سار سيدنا علي في المسلمين الصالحين ورفع للشورى منارًا. وانظر كيف عامل مخالفيه بل مقاتليه الذين حملوا السلاح وشقوا عليه عصا الطاعة... ما قاتلهم حتى قاتلوه، وما شهر عليهم سلاحًا حتى شهروه هم في وجوه المسلمين الآمنين من أمثال خبيب بن عدي، أراد أن يفتح معهم باب حوار فبعث إليهم بابن عمه عبد الله بن عباس فبهرهم بالحجج.

الشورى معلمة أم ملزمة؟



الشورى كما حاولنا أن نبين في تلك الصفحات السالفات أمر لازم، وضرورة حتم وصفة من صفات المجتمع المسلم لا تنفك عنه ولا تبارحه. فإذا طرح أمر للشورى وأخذ الرأي واتخاذ القرار وتداول فيه الناس وقلبوه ظهرًا لبطن وقتلوه بحثًا؛ وهدي فيه أهل الشورى كلهم أو جلهم إلى رشدهم ورفعوا ما توصلوا إليه إلى الخليفة أو الحاكم أو الإمام أو المسئول أو الراعي أو الأمير أو رئيس الجمهورية أيًّا كانت هذه صفته أو اسمه فهل له أن يخرج على ما أجمعوا عليه أو كادوا أم أنَّه يلتزم به متوكلاً على الله؟



إن في القول بأنها معلمة لا ملزمة إفراغ للشورى من محتواها وتحويلها إلى أمر عبثي لا طائل تحته ولا غاية ترجى من ورائها. ولا يجوز أن تصل الشورى التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، وأنفذها الرسول الكريم واقعًا وقام بها أصحابه من بعده واجبًا وقال فيها ابن عطية الأندلسي الأصولي المفسر (والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب هذا ما لا خلاف فيه) (القرطبي (أحكام القرآن- 4/249)، لا يجوز أن تصل الشورى- وهذا شأنها- إلى ذلك الدرك السحيق، والمستوى الشائه الذي يجعل منها ألعوبة في يد الحاكم يستشير ولا يلتزم ويستنصح ولا يتقيد... يجمع أولي الألباب وأهل الذكر وأهل التجربة وأصحاب الحكمة ثم يضرب بقولهم عرض الحائط غير ملتفت لرأي لبيب ناصح، بل لا مناص من القول بوجوب الالتزام بها.



إن المقصود من الشورى إنضاج الرأي على نار هادئة فيها المداولة الحرة والصدر الفسيح والالتزام الصارم بما تفضي إليه من نتائج. والقول بأنها معلمة غير ملزمة يفسد أمرها ويخرب ديارها فإذا هي بلاقع وما عرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يشاور ويعصي ذوي شوراه، بل عرف عنه أنه كان يتنازل عن رأيه لرأي الآخرين كما حدث في حادثة تهديم القلب وردمها وكما حدث في الخروج عن المدينة يوم أحد، وكما قال لصاحبيه أبي بكر وعمر: "لو اجتمعتما ما خالفتكما". وهذا بالطبع في مجال الشورى لا في مجال الوحي الذي لا شورى فيه فلا يحتج علينا بما حدث يوم الحديبية. ثم إذا سلمنا أنها معلمة للرسول الكريم الذي يتصل بالوحي ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (الكهف: من الآية 110)، فما بال قوم آخرين يختارهم الناس في ترشيح مفتوح وبيعة حرة وانتخاب مختار ثم لا يجدون منهم إلا تألهًا منكرًا واستبدادًا مقننًا يشاور ويعصي ويلتمس الرأي من أهل الرأي ثم يفعل ما بدا له غير مكترث بإجماع ولا أكثرية بزعم أن الشورى معلمة لا ملزمة.



إن هذا الرأي الذي يقول بإعلامية الشورى لا بإلزاميتها قول مرجوح يفتح باب شر مستطير يمهد للاستبداد ويعطيه صفة الشرعية ويجعل من الشورى قيمة عقيمة لا ثمرة لها ولا ولد ولو لم يكن إلا من باب سد الذرائع لكان جديرًا أن نكبر عليه أربعًا وأن نمسح أيدينا منصرفين.

الشورى وفقه الاختصاص



إن الشورى أهلها من ذوي الحكمة والحنكة والتجربة والخبرة والعلم والمعرفة فما كل من ولدته أنثى بصالح للشورى، إن لكل فن أهله ولكل علم رجاله ولكل مجال خبراءه، علماء الكيمياء والفيزياء والنبات وما يسمى بالعلوم الكونية لا يصلحون للشورى في مجال المال والاقتصاد، علماء الشريعة المتخصصون في الكتاب والسنة والفقه بشقيه أصوله وفروعه ليسوا بأهل إفتاء في المجالات العسكرية من كر وفر وتكتيك ومناورة ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: من الآية 122)، فالإسلام يحترم التخصص وعصرنا هذا عصر التخصص ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ (التوبة: من الآية 122)، فللقلم مكانه وللسيف مقامه وللسان وعاؤه والحاكم الناجح هو الذي يعرف أقدار الناس وقدراتهم وملكاتهم ويضع كل فرد في الموضع الذي يناسبه. وإذا التمس رأيًّا أو مشورة فإنما يلتمسها من بابها وهذا بعض ما يشير إليه القول الحكيم ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: من الآية 43).

--------

هوامش:

1- إخراج إبراهيم مصطفى واحمد حسن الزيات وحامد عبد القادر ومحمد علي النجار (مجمع اللغة العربية بالقاهرة 1960م).

2- عدنان علي رضا النحوي/ ملامح الشورى في الدعوة الإسلامية/ 25 بتصرف وهو تعريف طويل كما ترى أعرضنا عن بعضه.

3- نحو شورى فاعلة- الكويت- وزارة الأوقاف- الندوة الثانية/ الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده/ 1993م.

4- محمد أسد/ منهاج الإسلام في الحكم/ 88- 89 بيروت ونقله إلى العربية منصور محمد ماضي.

5- القصة أشهر من أن يشار إليها وأشارت إليها كتب السير والمغازي وكتب الحديث وكتب السيرة كابن هشام وكتب التفسير كالقرطبي في سورة النور.

6- القُلُب ج مفردة قليب وهو البئر أو البركة.

7- عمر بن الخطاب.

8- أبو بكر الصديق.

9- عبد الله بن رواحة.

10- أول رسول الله صلى الله عليه وسلم الدرع الحصينة بالمدينة والبقر المذبح بقتل جماعة من أصحابه والسيف المثلوم رجل من ذوي قرباه فكان حمزة.

11- القصواء ناقته صلى الله عليه وسلم وخلأت كحرنت وزنًا ومعنى.

12- كان هذا رأي سعد بن عبادة الخزرجي وجماعة.

13- قالها أبو بكر الصديق.

14- قالها الحباب بن المنذر.

15- قالها أبو النعمان بن بشير الأنصاري.

16- قصة جمع القرآن مذكورة في الصحيحين والسنن.

17- قصة جمع القرآن في عهد عثمان مذكورة في البخاري وغيره.

18- قالوا قائل تلك الكلمة أبو اليقظان سيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنه.

19- القرطبي أحكام القرآن 4/249.

------------------

* دكتوراه في الشريعة الإسلامية وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


<br>
كاره اليهود
كاره اليهود
عضو مشارك
عضو مشارك

وسام الكاتب النشيط
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 98
نقاط : 3454
السٌّمعَة : 0
رايق

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الدكتوررجب أبومليح يكتب حول الشورى فى الاسلام( قراءة علمية قيمة ) ...!! Empty رد: الدكتوررجب أبومليح يكتب حول الشورى فى الاسلام( قراءة علمية قيمة ) ...!!

مُساهمة من طرف سامح عسكر في السبت يوليو 16, 2011 1:28 pm

بارك الله فيكم أخي كاره اليهود




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

الدكتوررجب أبومليح يكتب حول الشورى فى الاسلام( قراءة علمية قيمة ) ...!! Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى