شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

صفحة 1 من اصل 3 1, 2, 3  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف ahmed alhaj في الجمعة أبريل 01, 2011 3:14 am

اركان الدولة و صفاتها و وظائفها محددة في القرآن الكريم وتحديدا في آية الامراء اذ يقول الله تعالى " ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها ، واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ان الله نعما يعظكم به ان الله كان سميعاً بصيرا)
( ، واطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم ، فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير واحسن تاويلا.)


ففي ههذه الايات الكريمات ثلاثة اوامر الهية. الامر الاول للحاكم والامر الثاني للمحكوم اما الامر الثالث فهو لكليهما وهو متصل بالنزاع بين الحاكم والمحكوم والجهه التي يتم الاحتكام لها (الحكم) .

الآية الاولى تقول "( ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل) " فهذه الآية فيها امر الهي موجه الى الحاكم . و هذه الآية تقررللحاكم ان موقعه ومركزه وامارته وسلطته ما هي الا امانات في عنقه ، وان اصحاب هذه الامانات انما هم الناس الذين بايعوه و فوضوه الحكم . فوظيفة الحاكم ليست ملكا يتصرف به كما يشاء، يورثه لمن شاء بعده ، وانما هي امانة ترد الى اهلها ، هي امانة ترد الى الناس بان يحكم بينهم بالعدل.

اما الاية الثانية فهي موجهه الى الطرف الثاني في المعادلة وهو جمهور المؤمنين الذين فوضوا الحاكم امرهم . وفي هذه الآية امر الهي بطاعة ولي الامر في طاعة الله ورسوله. و هي طاعة ضرورية لاقامة أي دولة قوية و هي طاعة ضرورية لفرض النظام العادل الآمن على الناس جميعا دون استثناء. ومن المعلوم ان طاعة الناس لامرائهم والتزامهم لقوانين دولتهم اما ان تكون طاعة دافعها الاول هو الخوف من العقوبة القانونية دون احترام للقانون واما ان تكون طاعة دافعها الاول الاحترام والقبول والرضا بالقانون. فاما الطاعة الاولى فهي طاعة منقوصة لا تؤسس مجتمعا قويا ولا تؤدي الى الانسجام المطلوب بين الحكومة وشعبها اما الطاعة الثانية فهي التي ارادها الله في مجتمع المسلمين وفي دولتهم .. طاعة تقوم على الاحترام .. طاعة معززة بامر من الله سبحانه وتعالى فمن يقوم بها يقوم بها راغبا وراضيا وصولا الى مجتمع متكافل ومتآلف ووصولا الى دولة محترمة وقوية.

لذلك اراد الله تعالى من المؤمنين ان يطيعوا ولي امرهم ولكن هذه الطاعة ليست طاعة مطلقة بل هي طاعة مشروطة بطاعة الله وطاعة الرسول ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فاذا انحرف الحاكم عن طريق العدل المستقيم وانزلق الى منحدرات الظلم والجور وجب على الناس معارضته بوضوح وهذه المعارضة تصبح مفروضة على كل مسلم قادر على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر . وهذه المعارضة تصبح بابا من ابواب الجهاد حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، فاذا جاهر الناس او الفئة المظلومة منهم في قول الحق واذا لم يمتثل الحاكم للاصغاء لهم ورفع الظلم عنهم اصبحت هذه المعارضة نزاعا بين بين الحاكم والمحكون .. نزاعا بين السلطان وشعبه .

هذا النزاع لا بد ان يحصل بين الحاكم والمحكوم في اي دولة من الدول ، سواءا كانت الدولة دكتاتورية او ديموقراطية أو علمانية او دينية وحالة النزاع هذه ليست بعيدة عن الدولة الاسلامية المنشودة بل هي جزء لا يجزأ من من حياة المجتمع الاسلامي وجزء لا يتجزا من حيوية الدولة الاسلامية المنشودة يقول الله تعالى " ولولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض"

فالتنازع بين الحاكم والمحكوم ليس محرما في الدولة الاسلامية ولا يتعارض مع عقد الطاعة من المؤمنين لولي امرهم بل هوضابط لامانة ولي الامر في حكمه وطاعة المؤمنين له في طاعة الله ورسوله

لذلك يقول تعالى استكمالا لآية الطاعة " فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول"

وهذه الاية الكريمة تقر بوجود التنازع بين الحاكم والمحكوم وتقرر ركنا ثالثا من اركان الدولة الاسلامية وهو الحكم الذي الذي يرد اليه التنازع ليحكم بحكم الله وحكم الرسول.

ان اكثر ما يميز الدولة الاسلامية المنشودة هو هذا الطرف الثالث المخول بفض التنازع والمفوض بفرض الحكم على الطرفين، حكم الله ورسوله على الامير والمامور وعلى الحاكم والمحكوم فوجود هذا الطرف الثالث يؤمن الاستقرار في نظام الدولة الاسلامية ، ويضمن الاتزان الذي يجعل طاعة الامير في طاعة الله . ويوجد الحيوية اللازمة لاستمرار الدولة .

فمن هو هذا الطرف الثالث ؟

هذا الطرف الثالث لا بد ان يكون علمه وحكمه مبنيا على كتاب الله وسنة نبيه او مستمدا منهما من خلال الاجماع او الاجتهاد والقياس. واولى الناس في معرفه هذه العلوم هم علماء الدين الاسلامي . وعلماء الدين الاسلامي في الدولة الاسلامية المنشودة كثيرون ولا بد ان يكون لهم من يمثلهم . وهنا نسأل السؤال الكبير هل تقوم الحكمومة بتعيين علماء الدين ؟ هل يصلح عالم السلطان لهذه المهمة الجليلة؟

لقد اجتهد كل سلطان ان يعتمد عالما او اكثر من علماء الدين الاسلامي ، فيتخذهم وزراء في حكومته ا و مقربين له في بطانته الخاصة ا واسهما في كنانته ، يرمي بهم كل من عارضه او نزع يدا من طاعة.

فهل يصلح شيوخ السلطان لهذه المهمة ، هل يصلح مفتي الدولة الذي يعينه السلطان لمهمة الحكم بينه وبين منازعيه، وهل يصلح وزير السلطان ليكون الطرف الثالث المحكم في معادلة الحاكم والمحكوم .

ان المنطق البسيط القائم على الفطرة السليمة والقائم على الاستنتاج البديهي يقول لنا لا... لا يصلح وزير السلطان ولا يصلح شيخ السلطان ولا يصلح عالم السلطان ان يكون حكما في اي تنازع بينه وبين الشعب . فمن عينه السلطان لا يحكم الا لمصلحة السلطان .

هذا الاستنتاج مبني على العقل والمنطق ، وهو ايضا مبني على اقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى ان هو وحي يوحى"

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "« من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد أحد من السلطان قرباً، إلا ازداد من الله بعداً ». حديث صحيح

و عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن أناسا من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤون القرآن، ويقولون نأتي الأمراء، فنصيب من دنياهم، ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك كما لا يجتني من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا ».

و عن أنس بن مالك، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان فإذا خالطوا السلطان، فقد خانوا الرسل فاحذروهم، واعتزلوهم ».

و عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن في جهنم وادياً تستعيذ منه كل يوم سبعين مرة، أعده الله للقراء المرائين في أعمالهم وإن أبغض الخلق إلى الله عالم السلطان ».

اذا فان ابغض الخلق الى الله عالم السلطان لماذا ؟ لان ا السلطان لا يختار الا من تقرب اليه من العلماء ولا يختار الا من ضمن طاعته وعدم معارضته ، ولا يختار الا من مدحه واعرض عن ذمه اذا اخطأ ، وهذه الصفات لا تكون الا في العلماء المرائين والانتهازيين والوصوليين ، العلماء الذين باعوا انفسهم في سبيل الدنيا و اشتروا بكلمات الله ثمنا قليلا فهم ابغض الخلق الى الله.

وحتى لو فرضنا ان عالما جليلا لم يتقرب الى السلطان وانما وافق بحسن نية على ان يكون في بطانة السلطان وخاصته ، ووافق على الوظيفة التي عينه بها السلطان بقصد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر و بقصد النصح والارشاد كما يدعي كل علماء السلطان ، فان هذا العالم لا يستطيع ان يكون حكما نزيها في اي نزاع يكون الحاكم طرفا فيه . لماذا لان السلطان الذي قربه قادر على ابعاده ولان السلطان الذي عينه قادرا على عزله واستبداله ، فكيف لهذا العالم ان يكون حكما نزيها وكبف له ان يحكم بحكم الله ورسوله .........يتبع (طريقة انتخاب هيئة العلماء بدون دوائر انتخابية)


عدل سابقا من قبل مسلم المصري في الثلاثاء أبريل 19, 2011 1:06 am عدل 1 مرات (السبب : تصحيح اية)
avatar
ahmed alhaj
كـاتــــب
كـاتــــب

شكر وتقدير من الاداره
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 88
نقاط : 2921
السٌّمعَة : 6
عادي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف ahmed alhaj في الجمعة أبريل 01, 2011 3:24 am

قبل الاستمرار في الموضوع اتمنى مشاهدة آراء وتعقيبات ونصائح الاخوة المتصفحين
avatar
ahmed alhaj
كـاتــــب
كـاتــــب

شكر وتقدير من الاداره
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 88
نقاط : 2921
السٌّمعَة : 6
عادي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف كاره اليهود في الجمعة أبريل 01, 2011 2:30 pm

بارك الله فيكم اخى الحبيب

مقال طيب يحمل رؤية مستنيرة وفهم صحيح لشمول الاسلام

لازلت بانتظار باقى ابداك فمنك نتعلم ونستفيد

بارك الله فيكم

أخوكم


<br>
avatar
كاره اليهود
عضو مشارك
عضو مشارك

وسام الكاتب النشيط
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 98
نقاط : 3016
السٌّمعَة : 0
رايق

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف ahmed alhaj في السبت أبريل 02, 2011 10:02 pm

أشكرك أخي كاره اليهود ، ولا شك انك كاره لليهود أصحاب العقلية العنصرية الفاسدة لاغلبهم .. الذين يرون في انفسهم ما لا يرونه في غيرهم (بقولهم انهم شعب الله المختار)، ويستحلون على غيرهم ما يحرمونه على انفسهم (بقولهم ليس علينا في الاميين من سبيل). فلا شك ان افعالهم وظلمهم للعباد هي التي تستجلب لهم الكره والعداء

اشكرك على تعقيبك .... ونعود الى موضوعنا:

ان الآية الكريمة من سورة النساء التي اشتملت على الامر الالهي للمؤمنين بطاعة ولي الامر قد اقترنت بامر الهي اخر موجها الى المؤمنين وولي امرهم بان يردوا اختلافاتهم ونزاعاتهم الى الله ورسوله . وحتى لا يشتبه الامر على المسلمين فقد اراد الله ان يكون كلا الامرين الالهيين في نفس الاية فلا يقرأ الشطر الاول بمعزل عن الشطر الثاني ولا يقرأ الشطر الثاني بمعزل عن الشطر الاول ، ولا يكون تاويل الامر الالهي الاول منفصلا عن تاويل الامر الاهي الثاني من نفس الاية

يقول الله تعالى" واطيعوا الله ورسوله واولي الامر منكم ، فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله ورسوله ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير واحسن تأويلا"

لا بد لمن يحكم بحكم الله ورسوله ان يكون عالما بكتاب الله ورسوله . ولا بد لمن يراد له ان يحكم بحكم الله ورسوله ان يكون قادرا على اصدار حكمه حتى لو تعارض هذا الحكم مع مصلحة الامير وحتى لو تعارض هذا الحكم مع مصلحة اصحاب الشأن والنفوذ والوجاهه في الدولة . ان من يراد له ان يحكم بحكم الله ورسوله لا بد له ان يكون حكما مستقلا بارادته عن الحاكم فلا تقيده الوظيفة ولا يقيده كتاب التعيين .

ان من يراد له ان يحكم بحكم الله ورسوله لا بد له ان يكون قويا لا بشخصه فقط وانما بموقعه وتفويضه

من يحكم بحكم الله ورسوله لا بد ان يكون تفويضه بامر من الله يجتمع عليه عباد الله في بيت الله.

ان عملية التفويض لمن يحكم بحكم الله لا بد ان تكون من جماعة المسلمين من خلال عمل جماعي منظم نابع من احكام الله ورسوله. واكثر عمل جماعي مستمر يقوم به المسلمون امتثالا وطاعة لله ورسوله هو صلاة الجماعة

وا كثر صلاة جماعة واجبة ومستمرة يقوم بها المسلمون امتثالا لامر الله هي صلاة الجمعة. ان حكمة الله البالغة ارادت ان تكون هذه العبادة فرض على كل مسلم فاجتماع المسلمين في يوم الجمعة في بيت الله فرض، واختيار امام وخطيب للصلاة فرض والاستماع الى الخطيب فرض كل ذلك يتم في جو رباني بعيد عن اللهو والتجارة .

ان اكثر حالات الانضباط الاجتماعي التي يمارسها المسلم هي صلاة الجمعة فيسعى الى المسجد لا لمنفعة دنيوية وانما لذكر الله وطاعة لله

ويحسن الاستماع الى الخطيب لا اجلالا للخطيب وانما طاعة لله

ويستقيم في صف الصلاة لا حبا في النظام ولكن طاعة لله.

هذه الطاعات هي التي تعلم المسلم احترام المواعيد والوقت المعلوم ، وهي التي تعلم مجتمع المسلمين مهما صغر عددهم ان ان يتفقوا على واحد منهم ليعلمهم ويعظهم ويذكرهم . و هي التي تعلم المسلمين حسن الاستماع فتجعلهم ممن يستمعون القول فيتبعون احسنه . .

وطاعة الله هذه هي التي تعلم المسلمين ان يستمعوا الى خطيب واحد ، و ان ياتموا خلف امام واحد ، و ان ينتظموا في صفوف مستقيمة لا مفاضلة فيها لاحد على احد ، الا بمقدار العمل والسعي. .فمن سعى الى بيت الله اولا تبوأ الصف الاول ، ومن جاء متاخرا تبوأ الصف الاخر .

اما الخطيب فان كان واحدا منهم فهو ليس امهرهم في التجارة وليس اكثرهم جمعا للمال و ليس اشدهم قوة ونفوذا وتسلطا في المجتمع انما يكون الخطيب من اقرأ الحاضرين لكتاب الله واعلمهم بسنة نبيه وافصحهم لغة وبيانا فمخاطبة المصلين لا يقوم بها الا من توافرت له هذه الصفات فكل خطأ محسوب عليه وكل هفوة يؤاخذ عليها. فمجتمع المصلين يشتمل على كل فئات المجتمع ففيهم المدرس وفيهم المهندس فيهم الطبيب وفيهم المحامي وقد يكون فيهم من هو اعلم من الخطيب ولكنه ليس له ملكة الخطابة .

وخطيب الجمعة (المنشود) هو احرص الناس على ان يوافق عمله قوله ، فلا يستطيع ان يدعو الناس الى الصدق الا اذا كان صادقا ، ولا يستطيع ان يدعو الناس الى مكارم الاخلاق الا اذا كانت اخلاقه حميدة ، ولا يستطيع ان يدعو الناس الى الابتعاد عن الربا او غير ذلك من الاعمال الاسلامية الا اذا كان عمله يصدق قوله . فهو ليس كاي واحد من االمصلين في هذا الشان فكل المصلين عيونهم عليه يراقبونه ويلاحظون حركاته وسكناته ليس في المسجد فقط وانما في السوق وفي الشارع ... في تعامله مع اهله وجيرانه مع خصومه واصحابه .

ان الخطيب على منبر الجمعة مفوض الهي ، فلا تكتمل صلاة الجمعة التي فرضها الله بدونه ، والتفويض الالهي لهذا الخطيب لا يرتبط باصله او نسبه وانما يرتبط بقوله وفعله وكفائته وعمله،

والخطيب الذي يتبوأ هذا المكان الجليل على منبر الجمعة لا يكون مفوضا الهيا الا اذا كان قوله قول الله ورسوله ، وفعله ما توافق مع قوله

لا يكون مفوضا الهيا الا اذا امتلك الكفائة والموهبة اللازمة لهذا العمل ثم سخر هذه الكفائة والموهبة في طاعة الله ورسوله.



والشاهد على ذلك بعد الله هم المصلون الذين يحضرون خطبته و يستمعون قوله ويرون عمله. فالتفويض الالهي بعد انقطاع الوحي لا يكون الا من خلال عباد الله.


فالله سبحانه وتعالى يقيم الوزن بالقسط فلا تختل لديه الموازين فكما اعطى الله للخطيب هذه المكانة الجليلة امام المصلين وفرض عليهم احترامه والاصغاء له فهو سبحانه وتعالى الذي اعطى للمصلين الحق في اخيار خطيبهم وامامهم . بل ان الله سبحانه وتعالى قد جعل حب الناس واختيارهم لامامهم شرطا لقبول صلاة الامام . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا و ذكر منهم " رجل أم قوما وهم له كارهون"

وقد روي عن طلحة بن عبيد الله أنه صلى بقوم فلما انصرف قال : نسيت أن أستأمركم قبل أن أتقدمكم أفرضيتم بصلاتي ؟ قالوا : نعم ، ومن يكره ذلك يا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أيما رجل أم قوما وهم له كارهون لم تُجز صلاته أُذنه

يتبع . .......يتبع (طريقة انتخاب هيئة العلماء بدون دوائر انتخابية)
avatar
ahmed alhaj
كـاتــــب
كـاتــــب

شكر وتقدير من الاداره
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 88
نقاط : 2921
السٌّمعَة : 6
عادي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف كاره اليهود في الأحد أبريل 03, 2011 2:20 pm

روعة اخى كلمات بيطسة وفهم عميق تابع أكرمك الله تابع
تتابعت عليك الرحمات وعلى آل بيتك البركات

أخوكم


<br>
avatar
كاره اليهود
عضو مشارك
عضو مشارك

وسام الكاتب النشيط
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 98
نقاط : 3016
السٌّمعَة : 0
رايق

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف كاره اليهود في الإثنين أبريل 04, 2011 8:58 am

اكمل اخى الحبيب ولا تطل الغياب فموضوعك هذا هام جدا
وجاء فى وقته اسأل الله ان يبارك علمك وعملك

أخوكم


<br>
avatar
كاره اليهود
عضو مشارك
عضو مشارك

وسام الكاتب النشيط
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 98
نقاط : 3016
السٌّمعَة : 0
رايق

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف ahmed alhaj في الثلاثاء أبريل 05, 2011 1:10 am

شكرا اخي على تفاعلك وتأخري هو بسبب طبيعة عملي

وأكمل من حيث انتهيت :

فاذا كان هذا الحديث النبوي الشريف (المذكور في المساهمة السابقة) يصح على من يتقدم المصلين لامامتهم في الصلاة ، فهو يصح على من يتقدم المصلين لاعتلاء منبر الجمعة وذلك بالقياس ومن باب اولى .

فامام الصلاة لا يقرأ إلا بالقراءة المعلومة ولا يؤدي الصلاة الا بالطريقة المعلومة لكل مصلي . اما الخطيب فعليه ان يختار الخطبة وان يجتهد في موعظته بما ينفع المصلين في دنياهم وآخرتهم . فلا تقبل خطبته عند الله ولا تؤدي هذه الخطبة ما قصد ت اليه من دعوة الى الله اذا كان الناس كارهين له.

وحيث انه لا يجوز لخطيب الجمعة ان يصلي في الناس وهم له كارهون . فلا بد للخطيب ان يكون مقبولا من المصلين ولا يتم ذلك الا اذا شارك المصلون بتفويضه او اختياره

واذا قال قائل ان اهواء الناس لا تقودهم الى الاختيار السليم . نقول له ان من يسعى الى صلاة الجمعة فانه يسعى طاعة لله فيكون حبه بالله وكرهه بالله وخياره بما يرضي الله.

واذا كان من الحضور الى صلاة الجمعة من يحضر رياءا او نفاقا اوخوفا فهو الذي يتبع هواه . هذا وامثاله هم القلة القليلة ولا يؤثر رايهم على راي اغلب المصلين الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر ولا يخشون الا الله. يقول الله تعالى" انما يعمر مساحد الله من آمن بالله واليوم الآخر ولم يخش الا الله" صدق الله العظيم.

اذا فان اختيار الخطيب لا يكون منسجما مع تعاليم الله ورسوله الا اذا شارك به المصلون الذين يحضرون خطبة الجمعة وأغلبهم من الحي الذي يوجد به المسجد ولا بد لهذا الانتخاب ان يتجدد كل سنة في وقت يكون الناس فيه اقرب ما يكونون الى الله ورسوله ، وقد جعل الله لنا شهر رمضان ، شهر المراجعة وشهر التوبة، شهر انشغال النفس في ذكر الله وانشغال الجسد في طاعة الله . وقد جعل الله لنا قيام صلاة الفجر في المسجد حيث يتم الانتخاب الطبيعي لمن هم اقرب إلى طاعة الله .... أما طريقة اختيار وانتخاب الخطيب من قبل المصلين فهذا أمر تنظيمي ممكن سيتم مناقشته في مقال ومقام آخر ان شاء الله.

(ملاحظة: نحن نتحدث عن عملية بناء نظام غير مسبوق يرفع من شأن خطيب الجمعة ويعزز استقلاليته عن أجهزة الدولة .. ولكنه يبقى منضبط ضمن نظام داخلي لمؤسسة دينية محترمة مثل مؤسسة الازهر الشريف)

يتبع ان شاء الله .....
avatar
ahmed alhaj
كـاتــــب
كـاتــــب

شكر وتقدير من الاداره
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 88
نقاط : 2921
السٌّمعَة : 6
عادي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف ahmed alhaj في الثلاثاء أبريل 05, 2011 12:03 pm

قبل الاستمرار في تحليل الموضوع وصولا الى النتيجة العملية ، والاقتراحات التي تتعلق بشئون الدولة مثل: قانون الأزهر ، الدستور الجديد ، تكوين المجلس الدستوري ، كيفية التعامل مع الاقلية الدينية (المسيحيين) .. الخ

لا بد من مناقشة الفكرة الأساسية

أتمنى من أعضاء المنتدى المحترمين ، التكرم بتزويدي بآرائهم (الشخصية) من الناحية الشرعية

هل انتخاب أو تفويض خطيب الجمعة من طرف المصلين (ضمن نظام متفق عليه على مستوى الدولة) يتعارض مع أي من الاجتهادات الفقهية لدى أي من المدارس الاسلامية المهمة
avatar
ahmed alhaj
كـاتــــب
كـاتــــب

شكر وتقدير من الاداره
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 88
نقاط : 2921
السٌّمعَة : 6
عادي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف كاره اليهود في الثلاثاء أبريل 05, 2011 2:01 pm

لنا عودة ان شاء الله للتعليق المفصل على كل نقاط المقال

أخوكم


<br>
avatar
كاره اليهود
عضو مشارك
عضو مشارك

وسام الكاتب النشيط
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 98
نقاط : 3016
السٌّمعَة : 0
رايق

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الثلاثاء أبريل 05, 2011 7:36 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
ان شئتم فلنقل الدولة في الإسلام في عقدها الإجتماعي قائم على مبدأ الشورى و تداول الشورى و آداب الشورى و خلقها و هي قبل ان تكون ميزة تشاورية و تبادل للآراء فهي مقام نفسي و سلوك جماعي و مسيرة جماعية.
يمون فيها الحاكم منتخب و تكون الرعية أو جماعة المؤمنين المحيطة به تطيعه وفق شروط هذه الشروط نسميها بلغة العصر الدستور.
و قبل ذاك و ذاك يجب ان نفرق ما بين الديموقراطية و ما بين الشورى ، ومن الخطأ أن نشبه الخلق الإسلامي وبالفكر الديموقراطي فبينهما فرق جوهري.
1.للشورى سياق
للديمقراطية مساق، وبيئة، وفلسفة حياة، وثمرة حياة، وغباء حياة.
وللشورى سياقُها وبيئتها، ومعنى حياة أهلها، وثمرة حياة أهلها، وموت أهلها. لا يَكنْ حديثنا وحوارنا حوار صُم. فإن المحاور من الفضلاء الديمقراطيين ينغمر في الثقافة العامة والخطاب العام، فإذا كل شيء عنده دنيا بلا آخرة، رأس بلا قلب، مَعاش بلا مَعاد. لاييكية هي الثقافة العامة والخطاب الديمقراطي.
اقرأ أخي الفاضل الديمقراطي ابتداء من الآية 36 من سورة الشورى في مصحفك.
اقرأ لترى من أي وهدة تاريخية، ووصمة عار على الجبين، وانحطاط خلقي، وتشرذم في الأقطار، ونكارةٍ في الدنيا وحقارة، يجب أن نستيقظ ونتطهر ونرتفع ونجتمع وننجمع ونتعزز لكي نسمو إلى مستوى السياق الحياتي والنظام الحياتي والقانون الخلقي والإيمان بالله واليوم الآخر الذي تنادينا إليه آيات سورة الشورى، ينادينا إليه القرآن، يدعونا إليه داعي الله.
ما سواءٌ مساق الديمقراطية وسياق الشورى.
2.ديمقراطية مُلصقة
إننا لا نستطيع التخلص بديمقراطية مُلْصقَةٍ من عقابيل الماضي، ولا الحياد عن تهديدات الثورة التكنولوجية الإعلامية المعلوماتية الساحبةِ الإنسانَ في مسار دوابي، المغرقة الإنسان في طوفان الثقافة الأمريكية التي ضج منها أبناء العم الفرنسيون عندما طالبوا باستثناء ثقافي.
لا نستطيع ذلك ثورة آنيّة ورفضا ومسحا كما تمسح السبورة. الواقع المعاكس لطموحاتنا متجذر في العالم، متسرب في النفوس والعقول متحكم فيها. وما كانت الطفَرات والانتفاضات ذات مغزىً مستمر في التاريخ. من حاولوا اغتصاب التاريخ وطيّ المراحل بعنف آلُوا إلى ما نشاهد من دَكِّ صروح ظن الناس زمنا أنها خالدة.
اقرأ في مصحفك أخي سياق الشورى لترى المسافة الفاصلة بين ما يصْبو إليه المومنون من صلاح للحكم وبين الحال. اقرأ وتَبَصّر وتعقّل لتقيس المدى السحيق بين المساق الديمقراطي والسياق الشوري. لِنَقُلْ : بين المناخ النفسي الفكري الخلقي الاجتماعي للنظامين. فإنك إن لم تقِس ولم تتبصر وتتعقل توشك أن تُلْصِق على حال شعب نظاما إن كان مألوفا مفهوما -ولو نظريا- لدى النخبة من "الأعلين" فهو طارئ غريب على شعب أمي كذبوا عليه زمنا وساقوه إلى صناديق الاقتراع الديمقراطي ليمارس طقوسا شكلية اكتشف من صراخ المعارضة ومن ملاحظة النتائج أنها لعبة زور ومطية بهتان وسلم يتسلق عليه السياسيون المحترفون.
ذلك حال الديمقراطية المُلصقة، وتنافر مناخ الشعب معها، وملَلُه من ألاعيبها.
يقول القائل : يتغير الأمر لو كان المشرفون على تطبيق الديمقراطية مخلصين لا يزوِّرون. ونجيب ببداهة متعجبة : متى كان نظام الحكم ممنوحا يُشرف عليه مشرفون هم بمعزل عن القاعدة "السفلى" تفكيرا وشعورا ونمطَ عيش ؟ فالمَدخلُ زور من أساسه، والصفقة غبن. ونجيب بأن الأمر يختلف حقا متى تطابق طموح الشعب مع نظام الحكم، ونبع النظام من بين أصابع الشعب، وتوَلّى النظامَ وهيأ مُناخه وسياقه خَدَمةٌ لقضية كبرى يقدسها الشعب. وليس إلا الإسلام كُلَّه، الإسلام وحده.
فنقرأ معاً آيات سورة الشورى لنقيس المسافة الواسعة التي تفصل بين حال نرثها غدا بعد الطوفان وبين المطلوب مِن نوعية أخلاق، وسلوك، وإيمان، وصدق، وجد في العمل، وعلم بالعمل، ووفاء بالعهود، واحترام للحق، وولاء مخلص لله ورسوله، وولاية بين المومنين، وارتفاع عن سفاسف الدنيا وبَهْرَجها ليكون طلب ما عند الله وطلب وجه الله هما الباعث والغاية.
مسافة تقطع، وهمم ترتفع، ومناخ يتغير، بتربية تتقمصها روح المسجد، لينتقل المسلمون والمسلمات من الأعرابية التي لما يدخل الإيمان في قلوبها إلى إيمان يكتمل.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الثلاثاء أبريل 05, 2011 7:40 pm

3.سياق الشورى
السياق الذي يندرج فيه حكم الشورى، كما بسطه الله عز وجل لنا في سورة الشورى، يسير على منهاجه مومنون ومومنات :
1- أيقنوا بعد أن دخل الإيمان في قلوبهم، واستَقر وتوطّن، أنّ ما يُوتاهُ الإنسان في الحياة الدنيا إنْ هو إلا متاعٌ، رحلةٌ موقوتة، بعدها موت، وبعد الموت حياة.
2- أيقنوا أن ما عند الله في الدار الآخرة خير وأبقى. واليقين لا يتولد من التعقّل الاستدلالي الذي يهدي من وفقه الله إلى اعتقاد أنه لا بد للصَّنعة من صانع، وأن وجود الخالق واجب حتم. يرفض هذا العقل المستدل الموفق أن يتصور أنَّ الإحكام المذهل في نظام الكون ما هو إلا نتيجة صدفة أو سلسلة صدفات تتابعت على مدى بضعة ملايير من السنين.
الاعتقاد الاستدلالي خطوة نحو الإيمان. ما هو الإيمان حتى يخضع العقل المستدل لما جاء به الوحي. ومعنى الإسلام الخضوع والاستسلام. فإن خضع للوحي لا يُعرف خُضوعه إلا بالامتثال لما فرض الله على عباده المومنين. وبذلك ينخرط المسلم العاقل المستدل في أمة المومنين الذين يَعنيهم حكم الشورى، ويناط بهم حكم الشورى ويتكون من ولائهم لله ورسوله ووَلايتهم فيما بينهم سياق الشورى.
3- أيقنوا، وآمن معهم الوافد العاقل المستدل بعد أن ربط الرأس بالقلب والاستدلال العقلي بالضرورة الفطرية، أن ما عند الله من خير في الدار الآخرة يناله المتوكلون على الله. وهم العاملون المجاهدون بترتيب الأسباب التي وضعها الله في الكون، وبإعداد الأسباب، وبالإقدام على المهامّ الفردية والجماعية بثقة في نصر الله، تتجاوز نتائج جهودهم نطاق الأسباب.
4- كفُّوا عن الآثام والموبقات والفواحش. فهم متطهرون، إن ارتكبوا صغيرة من الذنوب استغفروا، فكان استغفارهم رجوعا إلى الله ودليلا على الثقة في رحمة الله. لكنهم يتحاشون كبائر الإثم، ويتعاونون على حصار الآثمين، يتآمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر. وذلك مُناخ أخلاقي تتعبأ فيه قوى كل المومنين والمومنات ليشاركوا في الحياة العامة، ويعتبرون قضايا الحكم من قضايا الدين، والمشاركة المخلصة في إقامة حكم شوريّ نظيف قُرْبَة وعبادة.
5- مَلَكوا زمام أنفسهم. فلا يَستفزهم الغضب الفردي على تصرف ظالم. ولا يستفزهم الهِياجُ السياسي على إيقاد الفتن العنيفة على المسلمين. ما بين العنف الغاضب الهدام والقوة المطمئنة البانية المتّئدة هو ما بين الثورة الرافضة الكاسرة والاقتراح المعبِّئ للجهود، المتسلل إلى القلوب حتى يستَأْلِفَها، وإلى العقول حتى يقنعها، وإلى القوة المتناثرة حتى يصنع منها آلة بناء وسفينة نجاة.
6- استجابوا لربهم استجابة كاملة متوكلة. فهم يعبدونه في الصلاة والزكاة فرضا، وفي فعل المعروف والأمر به واجتناب المنكر والنهي عنه ومنعه شرطا، وفي التطوُّع الإحساني وبذل الخير فضيلة ونفْلا.
ما هم بالقاعدين المُخَلّفين السلبيين المتفرجين على ما يجري في الحي والمدينة والقطر والعالم. لهم قضية مع الله، لهم حاجة إلى الله، فهم يرعون قضيتهم الأخروية بالجهاد الدائم، والاستجابة الكلية، والسعي الدائب لتكون كلمة الله هي العليا.
إن كان المناضل المتحزب والمثقف الملتزم ينبعثان بحمية وطنية ومروءة وغيرة إنسانية، فباعث العاملين في السياق الشوري ينبثق عن نوع آخر من العلاقات.
المناضل الحزبي والمثقف الملتزم يحاوران "الآخر" السياسي و"الآخر" الإديولوجي في قضايا يجد كل منهما فيها الفرصة لإثبات ذاته، وإفحام خصمه، وبيان فضيلته الانفتاحية، لأنه حاور ولم ينغلق ولم يجحد حق "آخره" الحميم في الوجود والتعبير.
بينما المستجيب لله يجد معناه ومغناه ومجال إثبات قيمته في علاقته بربه. عبد سمع النداء فاستجاب، تُليت عليه آيات الله فسمع، بيَّن له النبيء الرسول كيف يعبد ربه فاتبع.
لبّى المناضل داعي شهامتة ومروءته واقتناعه، أو داعي مصلحته وباعث رغبته في التميز وإثبات الذات تُجاه الآخر، أو مع الآخر، أو معارضة للآخر. فحسابه دنيا، وعمله دنيا، وجزاؤه المرجو دنيا.
ولبّى المستجيب لله نداء فطرته، أيقظتها صحبة مربية، وتوجيه الدين، ومناخ وسط اجتماعي، وتأثير بيئة. نداء الفطرة أيقظه الدين المبعوث به الرسل عليهم السلام، وسدد خطوات المستجيب الوحي. ربما كان العقل المتفكر في آيات الله بشير يقظة وتباشير فجر. ولا اكتمال لإيمان الاستدلال العقلي إلا باستنارته بنور الوحي. فلئن دل العقل المتفكر على وجود خالق صانعِ صَنْعَةٍ فمن أين له، لولا الوحي والنبوءة والرسالة، يصدق ويتبع، العلم بالمصير بعد الموت. ومن أين له العلم بالآخرة، ومن أين له العلم بما ينجي من عذاب الله، وما يحصل ثواب الله، وما يقرب إلى الله زلفى في دار النعيم ومقعد الصدق ؟
أكثرُ ما يستجيب المسلمون خوفا وطمعا. خوفا من عذاب الله كما وصف القرآن العزيز أسباب الشقاء الأبدي، وفصَّل ألْوان العذاب والعقاب، ودَركات العذاب والعقاب، وزبانية العذاب والعقاب، وخلود الأشقياء الجاحدين الكافرين في دار العذاب والعقاب.
خوفا يستجيب أكثر المسلمين وطمعا في نيل رضى الله، والخلود في جنة أُعِدّت للمتقين، وصف القرآن الكريم رياض نعيمها، وجنات جزائها، وحبورَ ساكنيها.
أما المومنون المحسنون فيعبدون الله تعالى خوف عقاب الله وطمعا في رضى الله، وتسمو بهم الهمة لطلب القرب من الله، والنظر إلى الرب الكريم يوم تكسو الوجوهَ السعيدة نضرة، ويغشاها نور، وتحييها الملائكة، وتنصب لها المنابر في حظيرة يُسقَون فيها كأسا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا.
تسمو بالمومنين والمومنات همم عالية إلى طلب وجه الله، وإرادة وجه الله، والعمل الصالح المقرب إلى الله. فاستجابتهم سيْر على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. وحسن أولئك رفيقا.
فعمل المستجيب بناء لآخرته، وقيمته عند نفسه مقامه الأخروي عند الله، وجزاؤه المرجوّ ما عند الله، وذخيرته التعويل على فضل الله توكلا على الله وثقة بالله وجهادا في سبيل الله.
4.إقامة الصلاة من إقامة الشورى
- لا يمكن أن نتحدث عن الديمقراطية والشورى، وهل هذه عين تلك أو عديلتها أو نظيرتها، دون أن نتحدث عن الإنسان الفاعل لتلك وهذه، وعن بواعثه، وخوفه، ورجائه، ومطمحه، وأخلاقه، وضوابط حركته في الدنيا.
فالديمقراطية والشورى وكل عمل مشترك ونظام حكم إنما هي ما يعمله الناس، وما يفكره الناس، وما يتاح للناس أن يعملوا ويختاروا وينجزوا في حدود ظروفهم، في حدود الذهنية السائدة بينهم قبل كل شيء. وما فصلنا روافد ذهنية المناضل ومصادرها ومواردها إلا لنؤكد على الخلاف الجوهري بين الفاعل والفاعل، بين الديمقراطي اللاييكي لزوما ونشأة وعادة ونمط تفكير (في انتظار من يقنعنا بخطئنا) وبين المستجيب لربه الذي لا ينبغي له ولا ينبت في أرضه إلا شورى في سياقها، وبشروطها وبنودها وخصال فاعلها.
الخصلة السابعة في السياق إقامة الصلاة. الصلاة عماد الدين. الصلاة صلة العبد بربه، الموقوتة خمس مرات في اليوم والليلة.إقامتها إقامة لفسطاط الدين، وطرحُها واطِّراحها هدم للدين.
لئن كانت الشروط الستة السابقة من سياق الشورى أكثرها مما تخفيه الصدور من عدم الاغترار بالدنيا، وطلب ما عند الله في دار البقاء، والإيمان، والتوكل، فإن الصلاة عمل ذو أركان ظاهرة تؤدى المفروضة منها على ملإٍ من الناس في المسجد.
يمكن للمنافق في الشورى، المُدَلِّس في سياقها، أن يغشى مساجد الله ويركع مع الراكعين فيما يُبدى للناس. ويمكن للديمقراطي المنافق في الديمقراطية أن يحافظ على بعض شكليات الديمقراطية ليختان فيما تقتضيه الديمقراطية من نزاهة، ومشاركة واعية، وأمانة، ووفاء بالوعود.
نفاق بنفاق. ويفتضح المنافق في الصلاة برداءة أخلاقه وخيانة أمانته، كما ينفضح منافق الديمقراطية بتزويره وخيانة أمانته، ورداءة أدائه. فإن "تخليق" الديمقراطية مطلب مُكمّل، ليس شرطا أساسيا كما هي الأخلاق الإيمانية في سياق الشورى.
أقص عليك، أخي الفاضل الديمقراطي، قصة واقعية تثبت إلى أي حد تنفر الديمقراطية من كل دين لا يلزم ما حُدّ له. أرادني بعض الفضلاء أن لا أعتبر اللاييكية عدوة للدين، بيْنما هي مجانبة للدين ورفع للدين إلى مكان الشرف بعيدا عن المهاترات السياسية.
المعتبر عند العقلاء النتائج العملية لا الأسماء والتعريفات النظرية. والقصة التي أسوقها إليك تفصح عن النفور في نفوس الديمقراطيين من إدخال الدين في السياسة وتلويثه بها.
زرْنا في بعض ليالي رمضان منذ ست عشرة سنة فاضلا مناضلا بارزا في السياسة المغربية. لا أظنه إلا مصليا مومنا. فلما تحاورنا معه مَلِيّا واحتدم النقاش سألته فجأة. هل تصلي ؟ فجفل الرجل من سؤال لم يتوقعه، ولا يُتوقع مثله في حوار سياسي.
وردّ الردّ اللاييكي الجاهز : وما دخل الصلاة في حوار سياسي ! الصلاة شأن خاص. وزرنا الرجل الليلة التالية فوجدناه قد بدل لهجة الخطاب. لعله لفضله وذكائه وحنكته، ولصدقه فيما أحسِبُ، قَدَّر الموقف قدره، وأعطى للعقلية المخالِفَة التي كان يحاورها حقّها أن تُخاطب بلغة هي الجامع بين المغاربة. ألا وهي لغة الدين. وما عاد ذكر الصلاة ومن يصلي ومن لا يصلي كلمة دخيلة في جلستنا تلك.
أهم شأن في الحياة اليومية للمومن الصلاة. عالَمه الباطني، وفكرته، ومخاطبته لنفسه، وتقليبه لخفايا ضميره، يسيطر عليها ذكر الله، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ليناجي الله، ويستغفر الله، ويسبح الله، ويطلب إلى الله الطلب الدائم المتكرر. اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
ما هو أهم شأن في الحياة اليومية للديمقراطي ؟ ماذا يسيطر على عالمه الباطني، وفكرته، وضميره ؟
تختلف الذهنية والنفسية ودرجة الإيمان فتختلف الاهتمامات، والأولويات، والنظرة إلى النفس، والعالم، والناس، والموت، والحياة.
قد يكون الديمقراطي مسلما مصليا، بل مومنا يعمل الصالحات ويرجو رحمة ربه. لكن صلاته "دين" لا علاقة له عند نفسه بنضاله السياسي. قرون مضت منذ نُقضت عُرا الإسلام فأصبحت الشؤون الخاصة كالصلاة معزولة عن الشؤون العامة ورأسها الحكم.
لا تدخل الصلاة الفرْدية "المُؤَلْيَكَةُ" بفعل نقض العرا المزمن أو بالذهاب في المساق الديقراطي، في حساب تقييم الناس ومعادلة أهليتهم السياسية. الناس مواطنون، والمواطنة مساكنة في بقعة أرضية، ومشاركة في تاريخ وتراث وثقافة. والدين شأن خاص. تنمحي شيئا فشيئا نظرة التقدير التي كانت تحيط بالمتدينين. تنمحي، بل يستهان بها، ليعَوّضَ التدين والصلاة قيم أخرى.
التحرر من النظرة الدونِ التي يلقيها المغربون على رواد المسجد هو تحرر من مخلَّفات الإعجاب بالرجل العصري الفرنسي الإسباني الذي سكن الوطن زمانا، فلما انْسحب جسما بقيت روحه وعقليته ساكنين فينا، في بعضنا، المنساق لا يزال، المنهزم نفسا، المقلِّد لغالبِ أمسِ الاستعمار وحاضر القوة والثروة والعلوم والمخترعات. منهزم مقلد بحكم قانون تقليد المغلوب للغالب.
التحرر من نظرة الدون للمصلين بداية رفض المساق الذي حُشِرْنا فيها والتطلع إلى سياق إيماني خلقي الصلاة معلمة عظمى من معالمه، هو سياق الشورى وحكم الشورى.
4.مأخذنا الجوهري على الديمقراطية
لا نستطيع طي المسافات، ولا مقاومة الضغط السيطري للقيم الحضارية الغربية العاوية الهاوية، إلا بتربية إيمانية تستهدف أجيالا راجعة إلى فطرتها. تربية تخلصنا من عقدة الدونية أمام العقل المعاشي المخترع الذي يزعم بمنطق "علمي" أن الإنسان استثناء في هذا الكون. إن كان كل ما في الكون له معنى ومنفعة فالإنسان وحدهُ على رأس الخليقة آلة للذة ومُرَكب للمتعة، لا معنى له ولا منفعة وراء ذلك.
كما لا يمكن أن نتحدث عن الديمقراطية دون أن نتتبع منابتها ومعاقلها ومعاقدها بالعقل والعقلنة، فالديمقراطية عقلنة للحكم، كذلك لا يمكن أن نتحدث عن الشورى دون النظر في منابتها ومعاقلها ومعاقدها بالإيمان والصلاة، إذ الشورى حكم يقيمه المومنون المصلون كما يقيم الديمقراطية عقلاء مواطنون صالحون.
الديمقراطية عقلنة للحكم، وحكمة إنسانية، وزبدةُ تجربة، وما شئت من فضائل حقيقية أو وهمية. كنا نبحث، ونحن في الحوار والمطارحة النظرية، عن عيوب الديمقراطية (وإن لها لعيوبا وعاهات) لولا أن مأخذنا عليها الجوهري ليس من كونها عقلنة للحكم في حاجة لاستكمال، وحكمة إنسانية تشينها الأخطاء اللازمة لكل اجتهاد بشري، وزبدة تجربة جرت وقائعها في مناخ اجتماعي تاريخي غير مجتمعنا وتاريخنا، فهي لذلك نبتة غريبة أنّى لها أن تستنبت في أرض غير أرضها.
مأخذنا الجوهري على الديمقراطية ليس من قبيل الكيف لكن من قبيل المعنى. الديمقراطية -لمن لم يتخذها وصفة جاهزة تستنسخ- هي خير ما وصل إليه الغرب لكيلا يتظالم الناس، ولكيلا تهضم حقوق الناس. نغض الطرف هنا عن فعل الديمقراطية الغربية بحقوق الإنسان في العالم. فذكر ذلك مما يُدمي القلوب. أكتب هذا وبالأمس ارتكب الصرب مجازر جديدة في سِرِنبرنتسا ومدينة جيفا محاصرة، يقنبلها النصارى الصرب الغربيون "الإنسان" ويُبِيدُونَ المسلمين البوشناق، لا تسكب الديمقراطية الغربية إلا دموع التماسيح، راضية في الصميم عن بطش من ينوب عنها في إبادة نبتة وَقِحة تعلن أنها مسلمة في قلب مهد الحضارة والديموقراطية : أوربا.
مأخذنا الجوهري على الديمقراطية أنها فكرة وحكمة وعقلنة هدفها أن يعيش الإنسان -بعض بني الإنسان- حياة ذكية رَخيّة. مأخذنا عليها أنها لا تقترح على الإنسان مخرجا من الكفر، وهو الظلم الأكبر، فتُبيح ديانتها أن يموت الإنسان غبيا لا يعرف ما ينتظره بعد الموت. تبيح ديانتها ذلك وتسكت عنه لأنها عقلنة رأسٍ مدبِّرٍ لشؤون الدنيا تدبيرَ المستكبرين في الأرض، مدبِرٍ معرضٍ عن الله، جاهلٍ جاحدٍ.
لولا الله والدار الآخرة ومستلزمات السياق الشوري الذي سردنا منه سبعة بنود، لكانت الديمقراطية التي تنظم للمحظوظين اقتصادا لبراليا يتيح الرخاء والترف والمتعة واللذة والصحة والسكن ورغد العيش هي مفتاح جنة الأرض. لا حرجَ -والتقدير غَبِيٌّ يقول : لا إله ولا آخرة- أن تكون الأرض جحيما على ثمانين في المائة من بني الإنسان، محرومين بؤساء، عزاؤهم وسَلوتُهم أن هنالك مطمعا يوما ما في اللحاق بالركب الحضاري، وإقامة ديمقراطية هي كلمة الإنسان للإنسان، ومفتاح النعيم.
لا يخطر ببال المحروم البائس الجائع الجاهل أن يتفرغَ لحظة، وزمنه مرهون بالكدح في أوحالِ التخلف، ليبحث عن خلاصٍ من الموتة الغبية، موتة من خرج من الدنيا ولم يعرف ما ينتظره، ولم يعرف من خلقه، ولم يعرف ما يُسعده عند الله.
كاد الفقر أن يكون كفرا. كلمة مأثورة، بل حديث نبوي، يشير إلى مكمن الإغْرَاء الذي يقع فيه المتطلعون إلى تنمية ورخاء، وإلى ديمقراطية لبرالية معابدها السوق والبُرصة والبنك، وصلاتها الاستثمار والاستعمال الأليق للتكنولوجية الأليق. وهي وحدها، لا غيرها منذ سقوط الاشتراكية، الدواء للمريض بأمراض التخلف، يحمِلُها ويلخصها مرض غياب الديمراطية.
تُخْرِجُ البائس المحروم الجائع الجاهل، وتخرِجُ معه المناضل الفاضل الديمقراطي -ولو كان مصليا تلك الصلاة- من نسق إلى نسق، من جو إلى جو، من ذهنية إلى ذهنية. ما ذكر الصلاة ونحن بصدد الحوار في نظام حكم ؟
أوحوْا إلينا منذ طلائع الاستعمار الاستحمار فتلقيْنا، وعلمونا فتعلمنا، ثم استأنسنا، وتبنينا، وتعصبنا لآراء معلمينا. ويُعْلموننا بطوفان معلوماتي رقمي مُنْصَبٍّ من السماء بميازيب المقعرات عِلْمَ ما يجري في العالم، وما يخُبّ فيه، وما يزحف. يُعْلمنا كلُّ ذلك بانتهاء عصور الصلاة والإيمان، وحضور قوة شاهَدْنا بَرْقَ صواعقها على العراق، وبَأس المدللين من صربها على سِرِبْرِنِتْسَا، وعربدة وكلائها اليهود على العرب الفلسطينيين.
المصلون ضُعف وهزيمة، والديمقراطية قوة وبأس وعزة وكرامة.
الصلاة لا تضمن الخبز اليومي والعمل والكرامة وشرط كل ذلك وهو التنمية. فما الحديث عن الصلاة في الحوار الديمقراطي المنْصَبِّ اهتمامه على تدبير شؤون الحياة إلا هُراء في منطق المتدينين بدين الديمقراطية/اللاييكية.
التنمية مطلب حيوي والعَوَز عقبة. الرخاء الاقتصادي هدف والديمقراطية وحليفتها اللبرالية الاقتصادية وسيلة ضرورية. ففيم الهروب إلى الغيبيات ؟
إن لدى الفضلاء الديمقراطيين رواسب وطنية، قومية، إديولوجية، وخليطا ثقافيا تتغالب فيه الأصالة والمعاصرة نزَعاتٍ وطموحات وتقليدات وتأثّرات بالأحداث الفاجعة. لدى بعض الناس انفصام في الشخصية وتقابُل لا يخلص إلى جهة ولا يلتزم بمنهجية. لذلك يرى بعض الناس أن لا علاقة ممكنةً بين الصلاة واختيار نظام الحكم.
انفصام وتقابل ورواسب. فنحن عرب، بربر، ترك، أكراد، مواطنون، وطنيون. مسلمون، قوميون، اشتراكيون، ديمقراطيون ما يجمع كل هذا، وما يوحده في الوعي، ويؤصله في السلوك ؟
تجمع في السياق الإسلامي –ونظامه الشوري- الصلاة. الصلاة أداء لمراسيم العبودية لله الواحد الأحد.
وفي الديمقراطية وتعددها وذكائها وانفتاحها إلخ جامع آخر ومؤصل آخر، نرجع إليه بعد حين إن شاء الله في تفصيلنا للمساق الإنساني وأحسن صور نظامه الديمقراطية.
يعترض الفاضل الديمقراطي محتجا بما يفعله المصلون في أفغانستان وغير أفغانستان، وفي تاريخ المسلمين الذي سفكت فيه دماء المسلمين بسيوف المسلمين أكثر مما سفكت بأسلحة غيرهم.
نزلنا إذاً من المِثال القرآني والهدي النبوي إلى حقائق الأرض لنجد أن المسلمين المصلين درجات، وأن من المسلمين من لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، وأن الصلاة الفردية "المُؤليكة" المفصولة عن الأمر العام بموجب نقض عرا الإسلام، إن كانت تشبه شكلا الصلاة الكاملة الرافعة من مكانها الوسَطِيِّ ومكانتها الرفيعة فُسْطاط الدين، فهي لا تحيى بحياة الخشوع والخضوع والطاعة لله ورسوله وأولي الأمر منا.
وأضع سطرا تنبيهيا تمييزيا على كلمة منا : منا.
انقض الساطون على الحكم من بني أمية فأطاعوا العصبية القبلية، ومشوا في ركب حب الدنيا، والغفلة عن الآخرة، وضحالة الإيمان، والاتكال على العنف والقوة والحيلة والكذب بدل التوكل على الله.
لم يجتنبوا كبائر الإثم والفواحش بل ارتكبوها جهارا ومحادَّة واستفزازا وتحديا لمشاعر المسلمين. ولم يُحركهم في مجازرهم وفتكهم بالحسين بن علي رضي الله عنهما إلا الغضب المنتقم الفظيع. لم يستجيبوا لله ربهم بل استجابوا للنعرة الجاهلية.
لا جرم تكون صلاة من صلى منهم نسخة مزيفة من الصلاة المطلوبة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزَّيْفُ لا يكون عماداً لفسطاط دين الآحاد ودين الجماعة، ولا يكون بحق أحد بنود سياق الشورى.
لم تكن محطات السياق الشوري، الذي نحن بصدد ترتيبه، التزامات صادقة. فتقلصت الصلاة من معناها القرآني، وتزحلقت من سلك المنظومة الشورية، وكان الحكم عضا لا شورى، وامتسخت الشورى وشوشة ووسوسة تحت ظل السيف الذي أعلن أنصار الأموية منذ ميلادها قانونه الرهيب : من قال برأسه هكذا قلنا له بسيفنا هكذا.
5.أعمال ومشاركة في البناء
ونصل إلى البند الثامن في السياق الشوري بعد أن فهمنا البنود السبعة السابقة على أنها اختيار حياتي والتزام بين ذمم مسؤولة في موقف أخروي تومن به، بل توقن، وتتهيأ، ويعمل المومن والمومنة في أداءِِ واجباته فردا وواجباته العامة استعدادا ليوم لا ريب فيه. ذلك اليوم وموقفي فيه أمام الخالق الدّيان سبحانه هو أمر حياتي. أي أهم شأن من شؤونها. الأمر في العربية هو الشأن المُهم.
هذا الأمر، والمراقبة الحذرة لكيلا أزيغ عنه، يقتضي مني أعمالا واعتقادا ومشاركة. هذا الأمر عندما يؤذن المؤذن للصلاة هو أن أخِفَّ إلى المسجد لألبِّي داعي الله. هذا الأمر يُذكرني بالله وبالآخرة الباقية وما عند الله فيها. يضع شؤون الحياة الدنيا في موضع نِسبيٍ كما يوضع المتاع الذي يتخذ وسيلة لهدف أسمى. يقوي ثقتي بالله فأتوكل على الله عملا دائبا صالحا بمعيار الإيمان والتقوى. يخوفني عقاب ربي فأجتنب كبائر الإثم والفواحش، وأستغفر الله وأكفر عن ذنبي في الفلتات. يعطيني من الطمأنينة والصبر ما أزم به غضبيّتي إن ثارت، فأغفر وأصفح وأكون رحمة للناس لا نقمة عليهم.
هذا الأمر العظيم، مصيري إلى الله ومقامي عند الله يهيمن على سلوكي فلا أتحرك إلا استجابة لربي، وبنيّة صالحة مخلصة، وباستقامة على ما أمر الله ونهي. بنيات صالحات لا بأمنيات طامحات.
هذا الأمر في شؤون الحكم يسمى شورى.
بُني نظام الحكم الإسلامي القرآني على مقدمات سبع، تكون الشورى قبة البناء. فإذا بنيت بناء ما وسميته إسلاما وهو شكل فارغ، ومسرح ونفاق، ثم وضعت على قمته قبة سميتها شورى، فأنت في مسرح ونفاق أساسا ونهاية. قاعدة وقمة.
إن رجلا حلب الدهر أشطُرَه مثلَك أخي المناضل الديمقراطي المثقف يدرك بتجربته وبحوثه العلمية أن التغيير، الذي تستهلك الأحزاب السياسية قاموسه، إن هو إلا سباحة لفظية في فضاء رحب يتنفس السياسيون هواءه.
إن تكلمت عن البناء الإسلامي، وعن سياق الشورى، فلكي أنظر إلى مستقبل ضرورته إعادة تربية أنفسنا، وإعادة تربية أجيال.
استعملت عبارة ملطخة بفظائع "إعادة التربية" في جولاج ستالين وحقول ماو.
الإسلام بشرى للإنسان، واختيار لا إكراه فيه، ورفق وحنان على الإنسان ورحمة. وكل هذا يطلب تأنيا وطول نفس ومثابرة.
6.لا ينظر المنغمسون إلى ما بعد غد !
لا يحسِبْ الفضلاء الديمقراطيون الأذكياء أننا من الغباء بحيث نعُد التّصديَ للحكم في الظروف الحالية للأمة نزهة مُريحة أو غنْماً يتسابق إليه الإسلاميون السُّذج. الأحوال كارثية بشهادة من نصبوا للكوارث الأثافي وأوقدوا النار وطبخوا العلقم.
فلا مناص للمخلصين من أبناء الأمة وبناتها أن يصيروا إلى تفاهم لمعالجة ما يرثه الأبناء والبنات بعد الطوفان من حطام كارثي.
دعونا في كتاب "حوار مع الفضلاء الديمقراطيين" إلى ميثاق إسلامي يدخل فيه الصادقون اقتناعا لأن الإسلام هو الجامع لا الوهم التاريخي المبثوث الذي يحاول الحكام أن يجعلوا منه المقدّس الأعظم.
ما فهمني كثيرون يعيشون الفترة الراهنة منغمسين في الهموم السياسية للساعة، من قبيل التداول على السلطة، وتقوية معارضة برلمانية، والتنديد بالتزييف الانتخابي، والمطالبة بمراجعة الدستور.
لا ينظر المنغمسون إلى ما بعد غد، ولا يتوقعون. لذلك تفوتهم فرصة بناء جسور مع المستقبل. أستغفر الله، بل يفوتهم اتخاذ عهد مع الله. لذلك يأنفون وتأخذهم الحمية أنْ ذَكَرْتُ توبة تجمعنا وإياهم على كلمة سواء. بل رفض بعض كتبتهم رفضا واضحا اللقاء مع أيّ كان على أرضية إسلامية. نلتقي إذاً على ماذا ؟ ويجمعنا ماذا ؟
بعضهم لا يحب ولا يقدر أن ينفصل على مألوف تفكيره الركيك. ونحن عاجزون عن اصطناع خطاب ينحط بالكلمة العربية القرآنية المبينة رأفةً بمن لا يعرفون حقيقة العربية ومجازها، وبلاغتها وبيانها، وأساليب الخطاب العربي الإسلامي.
فاعجَبْ لأبناء أمة واحدة، وقطر واحد، يحتاجون لتراجمة يُفهمون بعضهم ما يقول بعض !
يجمعنا ماذا بعد تبخّر الأوهام التاريخية إن لم يجمعنا الإسلام ؟ على أية أرضية نلتقي إن لم نلتق على أرضية الإسلام ؟ إنها "القدّيسة لاييكية" التي علّمت أن السياسة أمن عام وتدبير معاش وصيغة للتساكن الحضاري والتداول على السلطة. ولا مدخل للدين في كل هذا. فرغ من تصفية أوهام الدين المفكرون فلاسفة الأنوار، وفرغ من تصفية الكهنوت الديني ثوار فرنسا منذ قرنين، الذين طبقوا أفكار فلاسفة الأنوار، وطردوا القساوسة.
المثقفون المبدعون المتحضرون سرعان ما ينقلون حكما تاريخيا نَقْلَ التلاميذ الأذكياء المرضيّين، فيسحبون كلمة "دين" على كل مؤسسة كنَسية، ويتمثلون في الدين -والدين عند الله الإسلام- الصورة التاريخية التي آلتْ إليها النصرانية الكاثوليكية التي نقضها فكرا وفلسفة أمثال روسو وفلتر ومنتسكيو، ونقضها بناءً ودعامة للحكم الثوار الفرنسيون منذ قرنين.
تلامذة الغرب الأذكياء جدا يقاتلون في معركة منقولة مسحوبة ثورة التّأليك ليفكوا رقاب الناس من ربقة التآمر "العلماني" الملكي الحاضر الشبيه المماثل للتآمر الكنسي الملكي على عهد لويس السادس عشر.
يُقاتلون في معركة التحرير التأليكية بنفس الاقتناع أن كل دين خرافة، وكنيسة تتجر في الأوهام، وتبيع صكوك الغفران، وتكذب على الناس.
لئن كان وضع التآمر المزمن بين علماء القصور وحكام القصور في زمننا شبيها ومثيلا من حيثُ التواطؤ بين الواعظ الرسمي والحاكم المطلق في فرنسا القرن الثاني عشر، فإن المثلية الكئيبة المتخلفة التابعة العاجزة فِكرا، واعتبارا بالتاريخ، وتمييزا بين مجتمع ومجتمع، ودين و"دين"، وعصر وعصر، لهي أشد اعتقالا وارتهانا لحاضرنا ومستقبلنا.
تقترح "القديسة لاييكية" المعصومة المترجمة حرفيا إقصاء الإسلام من ساحة الحكم كما أقصيت الكثلكة بفعل ثورة أمنا فرنسا.
لو كان لمثقفينا اللاييكين، المقتنعين بها المناضلين بالظفر والناب من أجل نصرها مُسْكة من تمييز، وبقية من صراحة مع الذات، وقدرة على مواجهة الذات، لأدركوا أن الفرنجة والفرنسة والإدمان على عصير فكري واحد يتجرعه دِهاقا المتفرنجون عقلا ولسانا، ويمتصه من أنابيب الترجمة المعرّبون، هو ما وضع على عيني الفكر غمّاضتين تمنعان من التمييز ومن الصراحة، وتَفُتّان في عَضُد العقل كلما صحا صحوة، فيمنعه الخوف من خرق الإجماع، وتمنعه هيبة فلسفة الأنوار، وهَدّة الثورة الفرنسية في التاريخ أن ينبس ببنْتِ شفة.
لو كان مثقفونا يرطنون بلغة غير الفرنسية، ويقرأون لكتاب غير فلاسفة فرنسا ومفكري فرنسا وروائيي فرنسا ومثقفي فرنسا الملتزمين، لعلموا أن معركة "التأليك" لا تُضرمها اليوم إلا الأم فرنسا الابنة البِكر للكنيسة قرونا، الثائرة على أمها منذ قرنين.
في أنجلترا دخلت الكنيسة تحت جناح الدولة منذ قرون. في ألمانيا لا يزال الألمانيون يؤدون ضرائب خاصة تمول الكنيسة. هناك لا توجد معركة تأليك ولن توجد. المثقفون المسلمون المشبعون بلغة غير اللغة الفرنسية لا تتأجج في صدورهم حُمَيّا الغضب على الدين، ولا حَمِيّة حرب إقصاء الدين.
استراح الناس خارج نطاق التأثير الثقافي الفرنسي وأراحوا. فيفهم الناس الديمقراطية فهما لا يحمل كل هذا العداء للدين. وتغلب عندنا الفرنجة، لذلك نتوجس خيفة من تَدليس المتَّجرين في الأوهام من الطبقة السياسية، ويتامى الإديولوجية الماركسية من المثقفين المتحولين على استحياء إلى دين الديمقراطية الجميلة الذكية المنفتحة إلخ طبْعا، اللاييكية شرطا ووُجوبا وبديهة.
7."الأمر"
﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ جملة قرآنية تتوِّجُ في السياق الشوري سلوك المومنين الديني الذي يُرتِّب حياتهم في الدنيا والآخرة بنظام حكم هو من صميم الدين.
الأمر لغة، كما قلنا، الشأن المهم. الأمر مضاف إلى ضمير "هم". فمن هم هؤلاء الذين تستحق مشاوراتهم المنظمة أن يكون لها اعتبار الشأن المهم، بل الأهم ؟ أهم كل جماعة من العقلاء تواضعوا على شكل معين ونظام معين لتسيير شؤونهم ؟ أم يسقط الاعتبار في حساب الإسلام بسقوط الشروط في نفس المشاركين : مومنون هم ؟ مستجيبون هم لربهم ؟ مصلون هم ؟ إلى آخر مفردات السياق. أم هم مجرد عقلاء تواضعوا على نظام زمني لصوْن مصالح وإشاعة الأمن العام في المجتمع، وإيجاد الفرص للعيش الآمن الكريم ؟
الاختلاف بين شورى على قواعد القرآن وديمقراطية على قواعد عقد اجتماعي اختلاف جوهري.
ما الشأن المهم الأهم في نفوس فاعلي الشورى وفاعلي الديمقراطية ؟
"أمر" المومن القاعدي فوزه في الدار الآخرة، ومشاركته الفاعلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر –أي في سياسة جماعة المسلمين- واجب يُلعن تاركه، ويقرب الوفاء به إلى الله زلفى.
"أمر" الديمقراطي القاعدي مواطنة يعتز بها، وحقوق مدنية، وحرية يضمنها القانون، وفرصة للعيش الكريم.
ماذا بين "أمر" هذا وهذا من توافق وتناقض ؟
التوافق في حاجة كل منهما إلى كرامة هي الشغل والعيش الكريم. التوافق في التوق إلى الحرية وضمانة السلطان.
ويستقر التناقض في المطلب الجوهري، وبالتالي في المرجعية التشريعية والأهداف العليا.
توافق فيما يفتقر إليه البشر في حياتهم هذه وفيما يدبره العقل المعاشي.
وتناقض وتدابُر فيما وراء ذلك بين قلوب مومنة بالقرآن وأخرى زمنيّة التنظيم دهرية العقيدة، أو على الغالب ضبابية الولاء فاقدة الهوية.
ما هو "أمرهم" جماعة في هذا الفريق وذاك ؟ ما هو الشأن الأهم ؟ ضمير "هم" في جماعة المسلمين يشمَل الداخلين في الوَلاية العامة بين المومنين كما فصلها القرآن، وكما نقرأها في سياق سورة الشورى.
ضمير "هم" الديمقراطي يشير إلى مجتمع مدني، كائن بالفعل قائم، أو هو مطلب نضالي وأنشودة جميلة.
الرابطة إيمانية هنا، مدنية مواطنية هناك.
﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ تشير إلى تراضٍ عام بين مومنين، وإلى اندماج عاطفي قلبي إيماني. ثم إلى أمور وشؤون تابعة للغاية الأخروية يتشاور فيها، ويتراضى على الرأي الأسَدِّ.
أمرهم الديمقراطي يشير إلى اندماج سياسي، وإلى تراض يضمن الأمن والتعايش التعددي. ويتيح أيضا للأعْلَيْن في "المجتمع المدني" فرص التحرك الاجتماعي، وإثبات الذات، وتسلق السلم السلطوي. نضالاً أو تصالحاً. ومن شرط هذا الاندماج والتعايش التعددي وما معه من حُمولة سياسية أن يُترك الدين في بُرجه العاجي مبجّلا محترما، لا نلوث الدين بالسياسة.
أخي الفاضل الديمقراطي ! لعل المُنْعرجات غير الأكاديمية في كتابتي يعيَى بها الحليم من العقلاء. ولعل تكريري لأوجه الكلام وتقليبَه تُمل المنطِق المألوف. لكن ما حيلتي إن كان بعضهم يقرأ بعض ما أكتب فيقول : إني عدو الديمقراطية ساخر بالديمقراطيين. ما حيلتي إلا أن أكرر وأقلب أوجه الكلام عل الناس يفهمون أن عدائي للكفر لا للديمقراطية، للخيانة العظمى التي يرتكبها تجار الأوهام السياسية من المثقفين حين يسكتون عن اللازمة الزمنية اللاييكية للنظام الديمقراطي ؟
أخي الفاضل الديمقراطي ! ماذا أنت قائل غدا وما أنا قائل والوَلاية بين المومنين مزقتها الأحداث التاريخية، وأوهنها الجهل بالإسلام، وحرفها المتاجرون في الإسلام ؟
ما العمل لتحقيق الانسجام المدني والاندماج السياسي اللذَيْنِ لا تكتمل ديمقراطية إلا بهما كما لا تكتمل شورى إلا في سياقها ؟ ما العمل والناس في بلادنا في حيرة وانقسام منذ اليوم، وهم غدا أشد حيرة عندما تخر الأصنام والأوهام الجامعة إلى الأذقان ؟
لا عمل أرجى إلا إخراج الناس من الغموض الفكري، بل التعتيم المبَرْمج، ومن الخوفين. خوف عواقب الكلمة المسؤولة، وخوفٍ آخَرَ هو أخزى وأضل سبيلا. خوف المثقف من خرق إجماع المندمجين المحترمين في الثقافة العالمية التي تقول بلسان واحد. لا دين إلا حقوق الإنسان، ولا خلاص إلا بالديمقراطية.
هل الديمقراطية كفر في حد ذاتها ؟
هل الشورى مجرد انتخاب وبرلمان، بقطع النظر عن المتعاقدين القاعديين ؟
أمُرُّ سريعا لأنْهي بنود السياق، أو قل شروط العقد والعهد بين الله تعالى والمومنين. ثم أرجع إلى الديمقراطية لأستعرض معك بنودها وشروطها. فلعلَّ تتضحُ معالمُ الصورتين، وأصول العقدين.
8.الزكاة والإنفاق مما رزقنا الله
الشرط التاسع في سياق الشورى هو الإنفاق مما رزقنا الله. هو الزكاة أساسا يكملها الإحسان إلى الناس وتكملها الصدقة. هو العدل في قسمة الأرزاق. هو التكافل الاجتماعي. ونرجع إلى الموضوع إن شاء الله.
9.الانتصار على البغي
الشرط العاشر في سياق الشورى يجمعنا مباشرة مع كل الأحرار الصادقين الفضلاء. وهو مقاومة البغي والظلم والتحكم في مصائرنا دون رضانا. هذه الخصلة الشريفة تجمعنا مع الفضلاء الديمقراطيين، وتصلحُ رباطا وثيقا، ومقدمة لاندماج المختلف، وانسجامه، وتعاونه.
خصلة شريفة واحدة مغروسة في نفوس كل الأحرار، من بين عشر خصال هي خصال السياق الشوري. فمهما كانت مرتبة الإباء وكراهية الظلم والظالمين ومقاومة البغي والباغين، فهي لا تعدو أن تكون في الحساب العددي جزءا من عشرة أجزاء. وهي بالحساب السياسي والمواقف النضالية مؤهل رئيسي لو كنا مجرد ديمقراطيين وطنيين مناضلين.
لكننا مسلمون، ما منّا مَن يتنازل سياسيا عن إسلاميته، وإن كان الكثيرون من الطبقة السياسية لا يرون أي تناقض بين تركك الصلاة وبين ادعائك الإسلام، ولا يرون حرجا في ارتكابك كبائر الإثم والفواحش باسم حرية لا ينكرها إسلامهم، ولا يعتبرون العمل على فكر مادي لاييكي منكرا من القول وزوراً وإن كان بعضهم يلبي نداء المؤذن للصلاة فينقرُها نقرا.
تزخر صفوف الفضلاء الديمقراطيين بأصناف الناس، جمعتهم عند منشَإ حزبهم وطنية وغيرة، كانت مسلمة وطنية، ثم أصبحت وطنية مسلمة، ثم تحولت وطنية ديمقراطية. تغير الناس، وفِكْرُ الناس، وولاء الناس، ومصالح الناس، حتى امْتَحَت الفواصل بين الوطنية والإسلام والديمقراطية. فالناس خليط، والأفكار خليط. وتزخر الأحزاب الوطنية بمومنين مصلين خاشعين يعملون في نيتهم لصلاح آخرتهم، لا يخامرهم شك في سداد اختيارهم.
إليك أخي المومن المصلي الغريب في دنيا السياسة أكتب. ما أظنك إلا حريصا مثلي ومثلَ كل المومنين على أن يصلي فلان ويتوب فلان. اربَأْ بنفسك أن تكتهل وتموتَ في الطيش والطيران مع الفَراش السياسي


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الثلاثاء أبريل 05, 2011 7:40 pm

هذا الشكل، فما المـضمون ؟
الشكل حكمة تمنع التظالم وتعطي الحقوق وتنفي الغموض والخوف من المجهول. الشكل حكمة عملية وضمانة.
لكن ما مضمون القانونية الديمقراطية ؟ وما حدود المصالح التي تضمنها القانونية الديمقراطية ويضمنها توازن السلط ؟
مصدر القانونية الديمقراطية بشري. البشر العقلاء يُنظمون حياتهم الأرضية تنظيما مريحا، بلغوا في ذلك شأْواً نغبطهم عليه نحن الجاثمُ على صدورنا بكلكله كابوس الظلم والنزوة والزبونية والرشوة والسخرية من القانون ومن حقوق الناس.
ويستخفنا الإعجاب بهذا التنظيم، ونعايش بما يصلنا من أخبار حياة الناس الديمقراطيين السعداء بديمقراطيتهم فنتوق إلى الممنوع الممتنع، فإذا بالديمقراطية -وهي في بلادها مَكْسَبٌ عادي- نتصورها الجنة على وجه الأرض. وإذا بنا نثور ويهيج غضبنا إن سمعنا أو قرأنا مَن يقدح في مضمون الديمقراطية ولا يمدح، وكأنه لا يعرف أن الحضارة الغربية -والديمقراطية نظامها- تُوخذ بخيرها وشرها، بحلوها ومُرها، كما كان يقول رائد التغريب طه حسين.
المحروم من الحرية يرى الحرية في حد ذاتها المطلَب الذي ليس وراءه مطلب. البائس الفقير يرى الرخاء نعمة ما بعدها نعمة. الخائف والجاهل يريان الأمن والعلم أسمى ما يتمناه الناس.
والديمقراطية، المتجملة بامتناعها وفقدنا فضائلها، هي كل ذلك : حرية، ورخاء، وأمن، وعلم، وقوة. إلى سائر ما عند الغرب الديمقراطي مما نعاني من فقده.
لو كان الإنسان ترابا يعود إلى التراب وقد انتهت الجولة. لو كانت الحياة الدنيا هي المبدأ والمعاد. لو كانت الديمقراطية سِلعة تستورد. لو صحّت "المُسلّمة الدوابية" التي تصنف الإنسان في أرقى سلّم الخليقة بوصفه الحيوان الأرقى تطورا. لو كان ذلك كذلك فغبيٌّ من يبغي بالديمقراطية الرخاء، بالديمقراطية الحرية، بالدّيمقراطية القوة والعلم والنَّعمة بديلا.
أمّا وبعد الحياة الدنيا الموت، وبعد الموت بعث ونشور وحسـاب وثواب وعقـاب، وجنة ونار، فالديمقراطية -مضمون الديمقراطية- لا يجيب عن أسئلتي أنا الإنسان، ولا يستجيب لمطالبي الأخروية أنا المومن بالله وباليوم الآخر.
تنظم القانونية الديمقراطية حياة عقلاء كانت لهم بالتاريخ الحافل بالحروب والكوارث عبرة، ففضلوا العيش في أمن وسلام على العيش في حرب وأهوال. لا شأن للديمقراطية بالمطْلق، ومصير الإنسان بعد الموت.
الديمقراطية نفعية محضة، أرضية محضة، لاييكية اختيارا واضطرارا.
في أي ميدان تباري الشورى الإسلامية المطلوبة نظيرتها الديمقراطية البشرية المتحققة فعلا، الناعِمِ بها أهلها، المتفَيّئي ظلالَها أهلها ؟
بما نحن بشر تجمعنا البشرية ويجمعنا العقل المعاشي فالحكمة الشكلية مِلْك للبشر. والمومنون ضالّتُهم الحكمةُ، أنى وجدوها فهم أحق بها.
يحكُم العقل المعاشي شؤون المعاش بحذْقٍ في بلاد الديمقراطية. وتسير التكنولوجيا المتطورة السريعة التطور بوسائل حياة الناس، ومطامحهم، إلى غير وِجهة. فالديمقراطية اللبرالية الحريةُ الرخاءُ الأمنُ قفص بلا طائر في نظر المومن، لأنّها تدور حول فَلَك هبائيٍّ، لأنها لا تعرف للإنسان معنى غير أنه دابة راقية في سُلّم التطور.
فمهما كان الشكل الديمقراطي ذكيا فالمضمون الكفريُّ اللاييكي هو عينُ الغباء.
عاش غبيّاً في ظل الرخاء الديمقراطي والأمن والعلم والقوة، لأنه سيموت غبيا، ويُحشر مع الأغبياء.
ويصيب الانبهار بعض من يكتبون عن الإسلام، أو يمَسُّهم من الغموض والخوف طيفٌ من الشبح المُحَلق في الأجواء، فإذا بهم يجادلون في الإسلام ونظامه خصوم الإسلام ونظامه من مواقعَ يحسب القارئ والسامع أن الإسلام نظام دنيوي متفوق متقدم على غيره بأربعة عشر قرنا. لا غير.
ما الإسلام نمط للحياة الدنيا. وما الشورى نظام للحياة الدنيا. الإسلام دعوة إلى مأْدُبة الآخرة، إلى حُبور القرب من الله بعد الموت، والشورى نظامُ حياة هنا، مُرادَةٍ لحياة هناك. تصلُح الحياة هنا على ما فرض الله فتصلُح بصلاحها الحياة هناك.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف هانى الإخوانى في الثلاثاء أبريل 05, 2011 9:31 pm

أستاذنا الفاضل أحمد الحاج
حياكم الله
طرح طيب وتسلسل منطقى فجزاكم الله خيرا
هل لهذا البحث من مراجع أم أنه صيد الخاطر ووحى القلم ؟
أتساءل أستاذى الفاضل هل ما ذكرتموه بشأن علماء السلطان يشمل كل عالم على مر العصور كان السلطان سببا فى تعيينه ؟ أو كان العالم مقربا إليه؟
هل يفيد طرحكم عدم شرعية ولاية هؤلاء العلماء من جهة وعدم اعتبار أقوالهم وآرائهم سواء أكانت مرتبطة بالحكم والسياسة أو حتى غير المرتبطة بأمور الحاكم؟
ــ أعلم أن حضرتك لم تصرح بهذا وأسأل فقط للاستيضاح ـ
هل طرح كهذا يجعلنا نعيد النظر فى أقوال الأئمة الأعلام ـ كابن يوسف وابن دقيق العيد وغيرهما مما لا حصر له ـ فى شأن الحكم ؟

لم أقف فى كلام العلماء على شروط الخطيب ما يجعل اختيار العامة له شرطا , وأظن هذا مبالغة فى الاختيار قد تنفع إلى مدى بعيد , لكنها حتما سيترتب عليها أخطاء , والطرح والآلية التى طرحتموها رغم أنها مقبولة جدا إلا أنها عسيرة صعبة التنفيذ بصورة تضمن الاختيار السليم الخالى من الأهواء.

على كل طرحكم متميز ننتظر المزيد لعل الصورة تتضح أكثر
ونسأل الله لك السداد والتوفيق


من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت
avatar
هانى الإخوانى
المراقب العام
المراقب العام

وسام التميز 2
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 1177
نقاط : 4535
السٌّمعَة : 17
العمر : 35
متسامح
العمل/الترفيه :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف ahmed alhaj في الأربعاء أبريل 06, 2011 1:21 am

أخي هاني الاخوان

أشكرك على تعقيبك ، وقد تطرقت فيه الى أمرين هامين.

علما أن هذا البحث ليس له مراجع الا ما يرد فيه

أما الامر الاول"
هل يفيد طرحكم عدم شرعية ولاية هؤلاء العلماء من جهة وعدم اعتبار أقوالهم وآرائهم سواء أكانت مرتبطة بالحكم والسياسة أو حتى غير المرتبطة بأمور الحاكم؟
ــ أعلم أن حضرتك لم تصرح بهذا وأسأل فقط للاستيضاح ـ


فقد نبهتني اخي الكريم ان المعنى "الشديد" الذي ورد على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاحاديث النبوية الشريفة المذكورة في البحث يمس جمهورا كبيرا من العلماء الاعلام الذين اشتهروا بقربهم من الحاكم او تبوؤوا الوظائف العليا في الدولة ( لا أقصد فترة معينة وإنما عبر التاريخ) .

ومع ذلك فاني اعتقد جازما أن ذلك لا ينسحب تجريحا على ما ورثناه منهم من علم وفقه واجتهاد. فكل رأي من آراء العلماء الأجلاء كان معززا بمنطقه وسنده ، وقد علمنا الله سبحانه وتعالى كيف نتعلم حين قال " وبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه "

إلا أن هذه الأحاديث النبوية الشريفة تنبهنا إلى أمر هام ، وهو أن نبذل مزيدا من الحذر والانتباه في رأي عالم السلطان ، أو العالم القريب من السلطان ، إذا كان هذا الرأي يتعلق بالسلطان نفسه.

كما أن هذه الأحاديث الشريفة تعلمنا أن لا نعزل رأي عالم الدين عن موقعه ومركزه الرسمي.

وهذا امر طبيعي ، لا يتعلق بصفة العالم وحسن نيته وانما يتعلق بتأثير المحيط والبيئة " وما ازداد أحد من السلطان قرباً، إلا ازداد من الله بعداً"

لذلك نرى ان علماء الدين التابعون للحاكم ، جاهزون دوما لتقديم شروحاتهم و الاطناب والاستفاضة في كل صغيرة وكبيرة ، ينهلون من معين لا ينضب من الأحكام والتشريعات والأوامر والنواهي من كتاب الله وسنة رسوله.

و نجدهم أيضا يتجرءون على انتقاد أي تشريع او قانون وضعي يتعارض مع أحكام الشريعة حتى لو كان هذا القانون أو التشريع من ضمن القوانين المعمول بها رسميا في الدولة.

إلا أننا نلاحظ أن هؤلاء العلماء لا ينحون هذا المنحى إذا كان الأمر يتعلق بأهلية الحاكم ومشروعية الحكم. خاصة اذا كان الحكم بيد "أسرة حاكمة" او كان الحكم بيد حاكم طالت ولايته فأنبتت جذورا "لأسرة حاكمة"

هذا فيما يتعلق بعالم السلطان.

أما عالم الدين المعارض ، فانا أدعي أن لديه أيضا مشاكل مهمة إذا تعلق الأمر بأهلية الحاكم ، فعالم الدين المعارض يتجرأ على انتقاد صفات الحاكم وأعماله وأعوانه ، ولكنه لا يتجرأ على الطعن بأهلية الحاكم القانونية و الدستورية ، فهو بحاجة إلى سند فقهي واضح ومتبلور و مدعوم من احد أئمة المذاهب الفقهية التي استقر عليها التشريع الإسلامي ، فلا يجد.

السبب بسيط " ولا يعني عدم وجود سند فقهي اسلامي" وسيتم اثبات ذلك في مساهمة لاحقة ان شاء الله.



أما ألأمر الثاني
لم أقف فى كلام العلماء على شروط الخطيب ما يجعل اختيار العامة له شرطا , وأظن هذا مبالغة فى الاختيار قد تنفع إلى مدى بعيد , لكنها حتما سيترتب عليها أخطاء , والطرح والآلية التى طرحتموها رغم أنها مقبولة جدا إلا أنها عسيرة صعبة التنفيذ بصورة تضمن الاختيار السليم الخالى من الأهواء.


أنا أعتقد أن الفكرة الجيدة التي لا تصلح للتنفيذ فهي فكرة غير جيدة ، وأن الرأي الصائب الذي لا يعطي نتيجة ايجابية فهو رأي غير صائب .... وأما في السياسة والحكم ، فان القانون الجيد الذي لا يضمن ولا يتضمن آلية نفاذه و تفعيله و تطبيقه فهو قانون غير جيد.

أعي ذلك .. ولذلك فان الحكم على فكرة انتخاب الخطيب لا يتم الا بعد تداول الرأي في طريقة الانتخاب . وسأناقش ذلك في مساهمة لاحقة ان شاء ألله


avatar
ahmed alhaj
كـاتــــب
كـاتــــب

شكر وتقدير من الاداره
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 88
نقاط : 2921
السٌّمعَة : 6
عادي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأربعاء أبريل 06, 2011 2:43 am

افترق القرآن والسلطان
كما أمسكت أيدي الصحابة المباركين زمام الأمر في الخلافة الأولى، وحافظوا على البناء بعدما أقاموه مع النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك تمسك إن شاء الله أيدي "إخوانه" صلى الله عليه وسلم المباركين زمام الأمر في الخلافة الثانية بعد أن يعيدوا رصَّ البناء من انتقاض.
فما هو هذا الأمر؟ أهو دولة من بين الدول، ترعى مصالح المسلمين، وترفع من شأنهم بين الأمم، قوية عزيزة، لها حضارة شامخة، وجانب مرهوب، وسطوة محترمة. أم هي دعوة ودولة، دولة تخدم الدعوة، وتسير في موكبها، وتأتمر بأمرها؟
نبغ بين المسلمين منذ نحو سبعين سنة رجل ادعى أن الإسلام دعوة لا شأن لها بالدولة، فوجب الإلحاح على البديهيات. إنه الشيخ علي عبد الرزاق، من علماء الأزهر وقضاة مصر، أثار بكتابه "الإسلام وأصول الحكم" ضجـة ما تزال أصداؤها تتردد في أوساط الكتـاب والمفكرين، الإسلاميين منهم والأكاديميين.
أما الإسلاميون، وهم الشاعرون بضغطة الاستعمار أكثر من غيرهم، فقد ردّوا بأن الإسلام دعوة ودولة، وأطنبوا في إبراز جانب الحكم في الإسلام، واختزلوا الألوهية في صفة من صفاتها، جلت وتعالت، هي صفة "الحاكمية". وإنما أتى تضخيم جانب الدولة في خطاب الإسلاميين المنافحين عن الدين مُغالَبةً للتيار المعادي. فكانت النتيجة أن غُيِّب أساس الدين، وهو الدعوة إلى الله تعالى،وأشاد الناس بالقوة الحامية والدِّرْع الواقية والهيكل الخارجي: الدولة.
كان علي عبد الرزاق من حزب "الوفد"، وكان حزب "الوفد" يُماري في نزعة الملك فؤاد أن ينتحل لقب "الخلافة" وينتصب على أريكتها في مصر بعد سقوطها في تركيا. فكتب الشيخ كتابه لينقُض الفكرة بنفي أي أصل للحكم يستند إلى الدين.فهي لاييكية أخرى قالت كلمة باطلٍ أريدَ بها هدف سياسيُّ. أراد "الوفد" وشيخه أن يقاتل ملكا فعدا على الدين.
وبقي في جو الدعوة هذا التضخيم الجدَليُّ لجانب الحكم في الإسلام،وكأنَّ الله عز وجل ما بعث رسله عليهم السلام إلا لبناء دولة تحكم بالشرع، وتقيم العدل. ولا شأن لأحد في هذا بمخلوقية العبد، وتكليفه، وندائه إلى اقتحام العقبة للقاء ربه، وبعثه بعد الموت، وجزائه، وسعادته الأبدية وشقائه.
إنه سكوت في الخطاب الإسلامي مُريب. إنه جريان مع تيار التغفيل عن الله عز وجل. إنه نوع من اللاييكية الضمنية، وفصل لمعاني الإسلام، وهي أولا وآخرا خضوع العبد لربه عز وجل، عن السياق الحركي الحُكْمي. فيا إخواني، يأيها الإسلاميون المقبلون على الحكم، ماذا تريدون؟ أتريدون دولة باسم الإسلام ينتهي عمَلُكم الدعَوِيُّ عند إقامتها، فتذوب الدعوة في الدولة، أم تريدونها خلافة على منهاج النبوة؟ وإذن فلا بد أن نتكلم في البديهيات لنصحح المسار ولنؤسِّسَ خطابنا وهو مرآة لما تُكنه النوايا على تقوى من الله.
إن الله عز وجل أمر المومنين أوامر وكلفهم تكليفا. من التكاليف ما هو منوط بذمة الفرد كالصلاة والصيام، ومنها ما لا يمكن القيام به إلا بتعاون جماعة المومنين، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. وإن الله عز وجل شفَع أمره للجماعة بالعمل الصالح الجماعيِّ المؤَذِّنةِ به "يأيها الذين آمنوا" افعلوا أو لا تفعلوا بأمره الحُكْمي السياسي الدَّولي الصادِعِ به قولُه عز وجل: "يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".[1]
لا يصلح الناس فَوضَى، ولا يستقيم أمر المسلمين بلا نظام حكم. ولا يخدم أهداف الإسلام الجماعية والفرديةَ نظامٌ لا يخضع للإسلام ولا تكون طاعتُه من طاعة الله ورسوله. فالإسلام دولة ونظام حكم، لا يُضارّ في ذلك مجادل.
لكن الله عز وجل إنما يبعث رسله عليهم السلام لشأن عظيم، لشأن أخرويٍّ أبديٍّ. بعثهم لهداية الخلق إلى طريق مستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. وهو صراط السعادة الأبدية. "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"[2] آية نفي وإثبات تؤكد الجانب الدعويَّ. آية "يأيها النبيء إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه"[3] تبين أن النبوءةَ الرحمةَ دعوة مبشرة بحقائق الآخرة منذرة منها قبل كل اعتبار، قبل كل نظام.
آية "إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتومنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا"[4] دليل على أن الرسالة النبوية رسالة إيمان بالله تعالى، رسالة انحياش إليه عز وجل، رسالةُ تسبيح لجلاله، رسالة عبودية للخالق الرزاق المحيي المميت الباعث الديان رب الجنة والنار. له الأسماء الحسنى، وله الحاكمية والطاعة.
في عهد النبوة كانت الدعوة والدولة قضية واحدة، فكان من مقتضيات نشر الدعوة أن ينتظم المسلمون في أمور عباداتهم ومعاملاتهم ومعاشهم وجهادهم حول مُطاع واحد. في شخصه الكريم تجتمع معاني الرحمة المهداة، وبيده الكريمة مقاليد الأمر والنهي، أمرٍ ونهيٍ جميعٍ غيرِ شتيت، الكل دينٌ، لا فصلَ في فقه الصحابة رضي الله عنهم بين الدنيوي والديني. هم كانوا عبادَ الرحمان، في كل حركاتهم وسكناتهم يذكرون الله عز وجل ويسبحونه، حاضرين قلبا وقالبا مع البِشارة والنذارة. كل أعمالِهم قُرَبٌ إلى الله عز وجل، ترفعُها النية مهما كانت صغيرة.
في عصرنا، معاشرَ الدعاة، وجدنا الدعوة منزويَة، بل مَزوِيّة، بعيدا عن الدولة، مغايرة لها، مضغوطة مِن قِبَلها، مُحارَبَة مضطهدة، أو مُرَوّضة مُدَجنة مُؤَنّسة.
ومَنَّ الله عز وجل علينا بأن بعث فينا غَيرة على دينه، وَكراهية لطغيان الحكم العاض المنحرف عن طاعة الله ورسوله. فنحن نريد أن نحكم بما أنزل الله لكيلا تبقى الأمة وعلى عنقها تهديد "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"،[5] "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"،[6] "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون".[7]
والذي وجدناه أمامنا، في كل قطر من أقطار التجزئة الشنيعة دولةٌ بلا دين، دولة تستخف بالدين، دولة تنكر الدين. فقمنا نصبُ كل جهودنا على تفنيد أصول اللاييكية، ونصرُخ أن الإسلام دعوة ودولة، حتى بُحَّتْ أصوات الغيرة منا، فيخيل للسامع والقارئ أن مقالتنا تتلخص في أن الإسلام دولة، دولة، دولة.
ألا وإن الله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم،وإن سكوت الإسلاميين، سكوت كثير منهم، عن الذي جاءت من أجله الرسل وهو دعوة العباد إلى ربهم وتذكيرهم بالمصير الأخرويِّ، أدَّى إلى ضُمور الحِسِّ الدعويِّ، فإذا بالإسلام المنطوق به المُعلنِ المكتوبِ مذهبٌ في الحكم، رائع متفوق. وهم عن الآخرة هم غافلون.
بأنفسنا صدْع خفي، بعضه مِنْ بِلَى الإيمان، وبعضه من "منطق الساحة" الذي يجرفنا فلا نشعر إلا ونحن نتحدث حديثا هو بحديث اللاييكيين أشبـه لولا كلمات تَحنُّ حنينَ الثكلى إلى وليدها. ينعكس في خطابنا الافتراق بين السلطان والقرآن، نقضٌ مرَدُّه إلى ما في النفوس. وكلُّ إناء بالذي فيه يرشح.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا العطاءَ ما دام عطاء، فإذا صار رَشوة عن الدين فلا تأخذوه. ولستم تاركيه، يمنعكم من ذلك الفقْرُ والحاجة. ألا إن رَحا الإسلام دائرةٌ فدوروا مع الكتاب حيثُ دار. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم". رواه أبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.
في هذا الفصل من الكتاب، نعُدُّه من أهمها، نريد إن شاء الله أن نتمعن في الفُرقة بين السلطان والقرآن، بين الدعوة والدولة، ليكون وعيُنا بأسباب الفرقة والخصام أدعَى أن نجمَع، أستغفر الله العظيم، أدعى أن يجمع الله تعالى بنا ما افترق.
في الهدي النبوي، وبالوحي نستضيء نوّر الله قلوبنا بنوره، إشارة إلى مآل الحكم في يد حكام ظَلَمَة دارت بهم رحا القَدر، فانتزعوا الدولة من يد الدعوة، وتحكموا في المال والقوة حتى لم يبق لأهل القرآن من خيار إلا أن يطيعوهم فيضلوا أو يعصوهم فيُقتَلوا.




[1] سورة النساء، الآية 58.
[2] سورة الأنبياء، الآية 106.
[3] سورة الأحزاب، الآيتان 45-46.
[4] سورة الفتح، الآيتان 8-9.
[5] سورة المائدة، الآية 46.
[6] سورة المائدة، الآية 47.
[7] سورة المائدة، الآية 49.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأربعاء أبريل 06, 2011 2:43 am

دورة الرَّحا
نستفيد من التلمذة المستبصرة لتلميح الوحي المعبِّر عن توقيع القدَر، الملمِّح لمواقعه، أن رحا الإسلام تدور بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهور الفُرقة والخصام بين السلطان والقرآن. ومع التلميح الأمرُ الصارم أن ندورَ مع القرآن حيث دار لا مع السلطان الجائر الذي لا يترك لنا إلا المجال الضيق بين القتل والضلال.
ونستفيد من تصريح الوحي الواعد بالخلافة الثانية أنها دورة نبُوَّة -خلافة على منهاج النبوة-حكم عاض-حكم جبري-خلافة ثانية على منهاج النبوة.
ويفسر الوحيُ الوحيَ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ. فطوبَى للغرباء". رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الشيخ محمد عبده رحمه الله: يعود غريبا كما بدأ لينتشر وينتصر ثانيَ مرة كما انتشر وانتصر أولَ مرة. ونعم القولة هذه. يؤيد صحتها الحديث المنهاجي، ثم ما نشاهده رَأْيَ العين في الصحوة المباركة.
وليْسَ لِمن يرشحهم القدَرُ من غُرباء الإسلام الموعودين بالغد المُكلِّفِ المشَرِّفِ مِثلُ تتبُّعِ الرحا في دورتها ليرقبوا كيف دارت دورةَ النزولِ ليعكسوا في صعدتِهم خِصالَ الخلافة تخلقا وإيمانا.
عندما بايع الصحابة رضوان الله عليهم سيدنا أبا بكر الصديق بعدَ عهدهم بالنبوة ومكانتها الشامخة تضاءل رجل الإسلام العظيم عند نفسه تعظيما لمقام النبوة والرسالة فلَم يرق المنبر النبويَّ إلا درجة تحت مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخطب فكان مما قال: "يأيها الناس، ولودِدْتُ أنّ هذا كفانِيهِ غيري. ولئِن أخذتُموني بسُنَّة نبيكم صلى الله عليه وسلم ما أُطيقُها: إنْ كانَ لَمعصوماً من الشيطان، وإن كان لَينزل عليه الوحيُ من السماء". رواه الإمام أحمد عن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه.
إشعار للناس بأن مقام النبوة والعصمة والوحي انتهى،وأنه ما بقي إلا التعاملُ مع بشر يجتهد في الاقتداء على سمع المسلمين وبصرهم، وعلى شرط "إن أصبت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني".وهو شرط سمعه الناس من أبي بكر ومن عمر. رضي الله عن أبي بكر وعن عمر، وعن عثمان وعن علي، وعن سائر الصحب الخيرين، وعن آل البيت الطيبين الطاهرين.
كان التواصي بالحق، وقول الحق، والوقوف في وجه الباطل،الحابِسَ للرحا أن تدورَ سافلةً إلى دركات السلطان المفارق للقرآن. وكان الشأنُ الأولُ للخليفة الدعوةَ وتعليم الناس دينَهم. قال أمير المومنين عمر في إحدى خطبه: "ألا وإني واللهِ ما أرسِل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم. ولكن أرسلتهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم". ويوصي العمال فيقول: "ألا لاَ تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمِّرُوهم (لا تطيلوا مدة خروجهم للجهاد) فتفتنوهم. ولا تمنعوهم حقوقَهم فتُكفِّروهم". الحديث رواه الإمام أحمد عن أبي فراس.
خلافة تريد إعزاز المسلمين لا إذلالهم، وتعتبر أن حرمان الناس من حقوقهم يدفع إلى الكفر.خلافة تُنيط بالعمال، وهم أساسا ممثلو سلطة الدولة، مهمة الدعوة، مهمة تعليم الناس دينهم. فهم خدَمة للقرآن ينبغي أن يُنبَّهوا بقوة لذلك كيلا يُطغِيَهم السلطان.
ويربي الخليفة الراشد الناس على قول الحق ومقاومة الباطـل، ويدربهم على ذلك تدريبا كيلا تزيغ به نفسُه أو يَخْنَسَ بهم الخوفُ من السلطان عن الشهادة بالقسط. أخرج ابن عساكر وأبو ذر الهرويُّ عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في مجلس وحوله المهاجرون والأنصار: "أرأيتم لو ترخَّصتُ في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟" فسكتوا. فقال ذلك مرتين أو ثلاثا.فقال بشير بن سعد: لو فعلت ذلك قوّمناك تقويم القِدْح (وهو عود السهم)! فقال عمر: أنتم إذاً! أنتم إذاً!".
أنتمُ إذاً الرجالُ المومنونَ إذ تقوِّمون ما اعوج.من يستطيع أن يشجع مقالةً تُهدد السلطان إن زاغ إلا خليفةٌ يلتمس من يعينه على دينه، هو يحكم نفسَه وهواه ويرقُب آخِرَتَه ومولاه!
ودارت الرحا سافلة من الخلافة الراشدة الداعية الخائفة من ربها، الحاكمة نزواتِها بقوم من المسلمين لَحِقوا بالإسلام آخِرَ العهد، لم يتربّوْا التربية التي ترفعهم من أعرابية المسلم الناطق بالشهادتين والنفسُ منطوية على عِلاتها الجاهلية.
لا نريد الخوض في أعراض الصحابة كما يفعل بعضُهم، لكن الإشارةَ إلى مواطن الفسادِ في نفوسِ من نزلت بهم رحا الإسلام ضرورية ليعرف الغرباء الصاعدون العِلة المتربصة في الطريق فيُطببوها في خاصة أنفسهم ويحترسوا منها احتراسهم من العدو الأنكى والأشد.
أخرج عبد الرزاق عن ابن أبْجَرَ قال: لما بويع لأبي بكر الصديق جاء أبو سفيانَ إلى علي فقال: "أغَلَبَكُمْ على هذا الأمر أقلُّ بيتٍ في قريش؟! أما والله لأملأنها خيلا ورجالا. فقال علي: ما زلتَ عدوّاً للإسلام وأهله، فما ضرَّ ذلك الإسلامَ وأهلَه شيئا. إنا رأينا أبا بكر لها أهلا".
هنا يتعارض منطق المسلم حديث العهد بالإسلام مع منطق المومن الذي أسس الإسلام بجنب النبوة. منطق القوة والعنف والعصبيةِ القبلية التي لا ترضى أن يسودَ "أقل بيت في قريش" يعارض منطق الأهلية الذي يزن الأمور بمعيار "إن أكرَمكم عند الله أتقاكم".
حارب أبو سفيان الإسلام زُهاءَ عشرين سنة، ثم كان من مُسلِمةِ الفتح هو وابنُه معاوية. طُلَقاءُ العفو النبوي بقيت فيهم جاهلية راسبة. ما كمُّها وكيفُها؟ الله أعْلَمُ.
وليس في عَزْوِ الترسبات الجاهلية لصحابي ما ينقُضُ دينَ أحَدٍ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبي ذر: "إنك امرُؤ فيك جاهلية!" لمجرد أنه قال لرجل: يا ابن السوداء. وما أعظم الفرق بين من نطق بكلمة غضب وبين من هدد أن يملأها خيلا ورجالا لنصر الحمية القبلية!
ثم ما أرَقَّ حاشية الجاهلية التي شجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحبه أبي ذر بالجاهلية الشنعاء التي استفحلت في بني أمية فقتلت حسينا رضي الله عنه، ودمرت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورمت الكعبة بالمنجنيق!
عصبية جاهلية استفاقت في بني أمية بعد فترة حضانة وتربص حتى انقضت على السلطان، فكانت الفارقة بين عهدين، عهدٍ كريمٍ تُرَشِّحُ فيه الأمة خيارها لخدمة القرآن، وعهدٍ مفتون الأهليَّةُ فيه بالنسب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هلاك أمتي على يد غِلمة من قُريش". قال الراوي: فقمتُ أخرج مع أبي وجدي إلى مروان بعدما ملكوا، فإذا هم يبايعون الصبيان، ومنهم من يُبايَعُ له وهو في خِرقة!" رواه الإمام أحمد.
كان معاوية بن أبي سفيان أولُ ملوك بني أمية رجلا ذا مروءة، من مروءته الحنكة السياسية والحِلم. دخل عليه أبو مسلم الخولاني التابعي الجليل فقال: السلام عليك أيها الأجير! فثار عليه الأعوان وقالوا: قل: أيها الأمير! فقال: السلام عليك أيها الأجير! فثاروا عليه مرة ومرة.فقال معاوية: دعوا أبا مسلم، فإنه أعلم بما يقول! فقال: إنما أنت أجير، استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها. فإن أنت هَنَأْتَ جَرْباها وداويت مرضاها وحبستَ أولاها على أخراها وفّاك سيدُها أجرك. وإن أنت لم تَهْنَأْ جرباها ولم تداو مرضاها ولم تحبِسْ أولاها على أخراها عاقبك سيدها.
كان الملك الأمويُّ الأول يسمعُ بعض ما يُقَّوِمُ بعضَ العوج، سياسة منه ومروءة. ثم ولِيَ بعده ابنه يزيدُ فملك قُرابة ثلاثِ سنوات قام فيها بأعمال ثلاثة خالدة في سجل البغي الملكي العاض. في السنة الأولى قتل حسينا رضي الله عنه، وفي كربلاء طعنوا الجسد الشريف بالرماح، وضربوه بالسيوف، ورفسوا جثمان الشهيد تحت أرجل الخيل، وقتلوا نيفا وسبعين رجلا من آل البيت وشيعتهم، وساقوا نسوة آل البيت وبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا إلى البلاط اليزيدي.
هذا موقف يجسد قتال الدولة الغاصبة للدعوة القائمة المقاومة. يجسد سَطْوَ السلطان على القرآن وتسلط الباطل على الحق.
في السنة الثانية من ملك يزيد الماجن العربيد السفيه قام علماء المدينة وقُراؤها على حكم البغي. فدهمتهم جنود البغي. قتلوا سبعة آلاف من أشراف المسلمين، واستباحوا المدينة ثلاثة أيام حتى حبَلَت ألف امرأة من فعل جيش يزيد. في السنة الثالثة من ملك يزيد هجم جيش يزيد على القائم بمكة عبد الله بن الزبير فضربوا الكعبة بالمنجنيق وأسالوا الدم الحرام في البيت الحرام.
كلمة قالها عبد الملك بن مروان "بطل الأمويين" تلخص أصول البغي الملكي العاض وحجته في صيغة تناسب التطور من عصبية أبي سفيان القبلية الساذجة الذي أراد أن يملأهاخيلا ورجالا إلى عصبية أمسكت سيف الدولة بيدها. خطب عبد الملك بالمدينة سنة 75 على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إني لن أُداوِيَ أمراض هذه الأمة بغير السيف والله لا يأمرني أحد بعدَ مَقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه!"[1]
من أولئك الذين يطلبون المعونة على الاستقامة وتقويم الاعوجاج، إلى مَلِكٍ حليم لا يستفزه "السلام عليك أيها الأجير"، إلى ما تسمَع! ولا حول ولا قوة إلا بالله.




[1] ابن الأثير ج4 ص41-


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأربعاء أبريل 06, 2011 2:44 am

العلماء والقائمون
في السنة الثامنة من الهجرة فتح الله تعالى لرسوله وللمومنين مكة ثم الطائفَ، فبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم بسطة واسعة من عطائه وعفوه. فكان نصيبُ بني أمية من ذلك كبيرا. أسلم أبو سفيان قائد حرب قريش فنادى منادي الرسول أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. وأسلم ابنه معاوية فقربه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء في بعض الروايات أنه استكتبَه.
وفي خلافة أبي بكر بعث خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدَ بن أبي سفيان قائدا لفتح الشام وألحق به معاوية. وما لبِث معاوية لكفاءته وحزمه وفصاحته ودهائه وسياسته أن أصبح في عهد الفاروق أميرا على الشـام، تمكن في الشام مدة عشرين عاما حتى صفت له الرئاسة والتف حوله الناس واعصوصبوا له. لا سيما وهو قد استظهر بنسبه القريب من ذي النورين عثمان رضي الله عنه، واستظهر بالعُصْبة من بني أمية. فثار وثاروا بعد فتنة الأخلاط الذين قتلوا الإمام الشهيد الخليفة الثالث يطالبون بدمه.
ليس بقوة السلاح استولى معاوية بن أبي سفيان على الحكم، بل بالدهاء. هزيمته في حرب صفين أمام الإمام الشرعي أمير المومنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهَه أحالها إلى انتصار بحيلة رفع المصاحف وطلب التحكيم.
ومن التحكيم وما تلاه خرج الخوارج، وبدأ انتقاض عُروَةِ الحكم في الإسلام. وما لبث الخوارجُ أن قتلوا الإمام عليا عليه السلام. وما لبث الإمام الحسن بن علي أن تنازل عن قيادة جيش المسلمين ليصفُو الجو لعصبية بني أمية.
ومن دهاء معاوية بن أبي سفيان أنه استعمل ثلاثة من دهاة العرب في توطيد حكمه: عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن سُمَيّة الذي لا يُعرفُ أبوه فاستلحقه بنسبه، فصار يُعرَف زورا بزياد بن أبي سفيان.
زياد، قبل الحجاج، كان مثالا للطاغية الفتاك. خطب على المنبر فحصبَه الناس، فأغلق المسجد وقطع أيدي المصلين. خرج الأمر من عند معاوية بسَبِّ علي عليه السلام، فكان المسلمون وآل البيت يسمعون سبَّ أطْهَرِ الناس من على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان زياد من الذين يكثرون السب. فيقوم أحد خيار الصحابة حُجْرٌ بنُ عَدِيٍّ فيَرُدُّ عليه. بعث زياد بحُجر وباثني عشر من أصحابه إلى معاوية، فقتل معاوية حجرا وسبعة من أصحابه شر قتلة، أما الثامن فرده إلى زياد فدفنه حيا.
لا تكاد تُحصي جرائم بني أمية،لكن قيام الخَيِّر حُجر رضي الله عنه حدَث مُهم فتح في تاريخ المسلمين سجلا طويلا من مقاومة العلماء لسلاطين الجور.
ولوقاحة سب الإمام علي على المنابر مدة ستين سنة قبل أن يُبْطِلَ هذه البدعة الشنيعة الرجلُ الصالح عمر بنُ عبد العزيز الأثرُ البالِغُ الدائم المتردِّدُ صداهُ في ضمير أجيال المسلمين، خاصة منهم الشيعة. ومن ذا الذي لا يقوم مع حجر وأصحابه ضد البغي السافر؟
ثم كانت قومة الإمام الحسين عليه السلام،وانتفاضة القراء العلماء بالمدينة، وثورة عبد الله بن الزبير بمكة، وفتك يزيد الفاجر بالمسلمين.
بعد بني أمية توالت مِحنةُ آل البيت من العلويين.فقام الإمام زيدٌ بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين رضي الله عنهم ضد هشام بن عبد الملك الأموي، وتضامن معه الإمام أبو حنيفة الذي كان يقول كلمة الحق وينتقد الحكم.
وخرج أبو حنيفة مع قائم آخرَ من آل البيت، من ذرية الإمام الحسن عليه السلام، هو محمد بن عبد الله "النفس الزكية"، وآزره بالمال في حربه للمنصور العباسي. وكان أبو حنيفة يرى أن الثورة على ملوك العض من أمويين وعباسيين أمرٌ جائزٌ شرعا، بل مشروع واجب.
قال أبو حنيفة عن قومة الإمام زيد: "ضاهى خروجُه خروجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ بدرٍ". في آخر المطاف عَرَضَ المنصور على أبي حنيفة القضاء فأبى إباءً شديدا لكيلا يعمَلَ للظَّلَمَةِ عملا. "فلما أبى دسوا عليه السم فقتلوه".[1]
ويروى أن الإمام مالكاً أفتى بجواز الخروج مع محمد "النفس الزكية"،فقيل له: إنَّ في أعناقنا بيعة للمنصور. فقال: إنما كنتم مُكرهين، وليس لمكره بيعة".
وقد سُئل مالك عن الخارجين على الحكام: أيجوز قتالهم؟ قال: نَعَمْ إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز. قالوا: فإن لم يكونوا مثله؟ قال: دعهم ينتقم الله لظالم من ظالم، ثم ينتقم من كليهما.
وكان مالك رحمه الله يكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على مستكرَه طلاق". فكان بنو العباس يكرهون ذلك ويرونه تلويحا يُبطل بيعتهم، لأنهم كانوا يُحَلِّفون الناس بطلاق أزواجهم إن هم لم يفوا بالبيعة الإكراهية. ونهَوْا الإمام مالكاً عن التلويح وعن رواية ما يكرهون فامتنع. فآل الأمر إلى ضربه حتى انخلعت كتفاه. رحمه الله.
وكانَ حبُّ آل البيت والوَلاءُ لمحمد النفس الزكية ولإبراهيم ويحيى القائمين بعدَه دخيلةَ مالك. وكان الشافعي رضي الله عنه علوِيّاً في صميمه، يُكنُّ الوَلاءَ للقائمين ضد تسلط بني العباس.
وهو القائلُ لَمَّا أكثَر الناسُ عليه واتهموه بأنه شيعي:
إن كان رفضا حبُّ آل محمد فليشهد الثقلان أنيَ شيعي
ذهب الشافعي إلى اليمن فاستوطنه زمانا.فكان لسانَ الحق لا يسكت عن باطل يراه من أفعال والي هرون الرشيد. فكتب الوالي إلى "الخليفة العباسي" يقول: "إن تسعةً من العلويين تحركوا. وإني أخاف أن يخرجوا. وإنّ ها هنا رجلا من ولَدِ شافع (يعني الإمام الشافعي رحمه الله) المطلبي، لا أمرَ لِي معه ولا نهي. يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه القاتل بسيفه".
وسيق الإمام مع التسعة الأشراف إلى البلاط في بغداد. فقُتل التسعة، ونجا الإمام بحسن بيانه، ثم بتدخل قاضي القضاة محمد بن الحسن الذي كان يعرف جلالة قدر الإمام وسعَة علمه وفضله.
هذه نبدة سريعة خاطفة عن انقلاب الدولة والسلطان على أهل القرآن. كان في علماء المسلمين، وفي آل البيت بالذات، إباية على الظلم عبرت عن نفسها بالخروج المسلح وبالفتوى الفقهية. فكان القمع الوحشي هو الجواب المُكرر الذي ردع في علماء المسلمين كلمةَ الحق لقرون. والناس تبعٌ لعلمائهم. وطال عهد القمع المستمر حتى أصبح ما كان مُنكرا بيِّنا مكروها مرفوضا أمرا واقعا ثقيلا موطد الأركان. أصبح النّزْو على السلطان واغتصابه واستعباد الدعوة ورجالِها أصلا مُقررا.
وتجد كتبا ألِّفت تستصوب ما فعله الداهية،الصحابي المحترم لحرمة الصحبة لا غيرَ، الباغي المعتدي بعدُ. تستصوب توليته لابنه يزيد وتوريثَه إياه "الخلافة" وكأن الأمة بضاعة يرثها الخلَف عن السلَف!
كانت بيعة يزيد النموذجَ الأولَ لتحريف نظام الحكم في الإسلام وتحويله إلى كسروية. وقد تريث معاوية واستشار دهاته ودبر أمره بإحكام. وأخذ البيعة لابنه يزيد في العراق والشام وأطراف البلاد،حتى لم يبق له إلا كُبراء مكة والمدينة، وفيهما كان بقية الصحابة وأبناء المهاجرين والأنصار.
فتوجه بنفسه إلى الحجاز، واستدعى إليه الأربعةَ المحترمين من علماء الأمة المسموعي الكلمة: الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمان بن أبي بكر.لقيهم خارج المدينة وأغلظ لهم القول.وتلك أساليب يحسنها الملوك الغاصبون لتخويف ذوي الرأي وإرهابهم.
ثم استدعاهم خارج مكة وألان لهم القول وأحسن معاملتهم. ثم خاطبهم فُرادى ولاطفهم ليبايعوا يزيدا. قال له عبد الله بن الزبير: "نخيرك بين ثلاث خصال: تصنع ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يستخلف أحدا، فارتضى الناس أبا بكر.أو تصنع كما صنع أبو بكر، فإنه عهِد إلى رجل من قاصية قريش، ليس من بني أبيه، فاستخلفه. أو تصنع كما صنع عمر، جعل الأمر شورى في ستة نفر، ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه". ثم سأل الآخرين فقالوا: قولنا قول عبد الله.
عندئذ نطق الملك نطقه الكسروي فقال مهددا مُزبدا مُرعداً: "فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم: إنه قد أعذر من أنذر! إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح. وإني قائم بمقالة: فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه! فلا يُبْقِيَنَّ رجل إلا على نفسه!"
ثم نادى رئيسَ حرسه فقال له: "أقِم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، ومع كل واحد منهما سيف. فإن ذهب رجل منهم يرد عليَّ كلمةً بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما".
ثم دخل المسجد وأدخل الأربعة الكُبراء أمام الناس، وصعِد المنبر فقال: "إن هؤلاء الرهْطَ سادةُ المسلمين وخيارُهم، لا يُبتَر أمر دونهم، ولا يُقضى إلا عن مشورتهم. وإنهم قد رَضُوا وبايعوا ليزيد. فبايِعوا على اسم الله".[2]
فلما رأى الناس سادة المسلمين سكوتا قاموا فبايعوا. لم يعلم المسلمون أن أولي الرأي والحرمة فيهم قد تعاورَهم الترهيب والترغيب، ورُصِد السيفُ على رؤوسهم.
هكذا تمت أول بيعة نقلت الحكم من الخلافة إلى الملك، ومن الشورى والاختيار إلى القسر والإرغام، ومن تعامل الصادقين بصدقهم إلى تحايل الدهاة وتحاملهم.دارت رحا الإسلام دورتها ليختفي أهل العلم والتقوى لأزمنة طويلة لا تزال ممتدة تحت ستار التقية عند الشيعة وتحت الاستنكار المكبوت عند سواد الأمة وجمهورها من أهل السنة والجماعة. والله غالب على أمره.




[1] أنقل عن كتاب "أبو حنيفة" لأبي زهرة رحمه الله ص37 وما بعدها.
[2] الكامل لابن الأثير كما نقله المودودي رحمه الله من كتابه المذكور ص97.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأربعاء أبريل 06, 2011 2:44 am

فتوى الاستيلاء و"عجز الطالب"
استنكار مكبوت للحكم المتسلط؟ أم رضوخ للأمر الواقع لما عجز الطالبون عن زحزحة الملكية العاضة عن مواقعها؟ بل آل الأمر إلى إضفاء المشروعية على ما كان ولا يزال في ميزان الحق باطلا!
سطت السيوف الأموية تسعين عاما حتى أزاحتها عن سد الحكم السيوف الخراسانية التي مكنت لدولة بني العباس. ثم تلا الجيوشَ العربيةَ الفارسيةَ التي خدمت "الخلفاء" العباسيين مدى قرن من الزمان جيوشُ الترك ثم أصناف الأقوام من ديلم وسلاجقة كان "الخليفة معهم مجرّدَ رمز لا أمر له ولا نهي".
وهكذا حكم "الأمراء المستولون" من بني بويه وبني سلجوق،ومن شاهات وأتابكة، إلى أن هجم التتار وخربوا بغداد. ثم حكم المسلمين أصنـاف من المتغلبين الوراثيين من سلاطين وملوك عرب ومماليك عجم، إلى أن ظهر بنو عثمان الأتراك، إلى أن صدم الاستعمارُ الأمة لتدور بها رحا الإسلام في جولة الحكم الجبري الذي نعيشه.
كل ذلك والعلماء الدعاة استكانوا طوعا وكرها إلى تساكن مع الحكم العاض والجبري. انفتحت للدعاة العلماء واجهةٌ لمقـاومة عدو متسلل إلى العقول والعقيدة فتفرغوا لجمع الحديث وتفريع الفقه وتأصيله، وانبرَوْا لتعليم الأمة ودفع التيارات الفلسفية الإلحادية المنحرفة تاركين لِحمَلَةِ السيف مهمة قتال العدو الخارجي، ومهمة إطفاء نار الفتن التي ما فتئ يؤججها في أنحاء المملكة المسلمة المتواسعة طوائف البغاة وأهلُ الأهواء من خوارج وزط وزنج ومزدكية زنادقة وخُرّمية وغير ذلك.
منذ رفع الخوارج بعد معركة صفين شعارَ "لا حكم إلا لله" أخذ المسلمون الطارئون على الأمة من الشعوب العجمية يطرحون أسئلة يمليها ما يحملونه من رواسب الفلسفة والديانة والثقافة التي نشأوا عليها قبل إسلامهم. وتفاعل العامل السياسي مع العامل الفكري العقَدي فنشأت مذاهب شتى هي صدْعٌ في معنى الإسلام وفهمه كما كان الصدع في الحكم وفرقة السلطان عن القرآن تشتيتا لجسم الإسلام.
وكان لا بد لعلماء المسلمين من الذب عن حوزة الدين بالحجة والبرهان تاركين للحكام شؤون السيف والسنان.
من موقف أئمة الفقه الذين قرأنا في الفقرة الأخيرة كيف كانوا متحفزين لإصلاح الحكم تطور الأمر إلى موقفٍ لأتباع مذاهبهم بَنى على قاعدة الأمر الواقع، معترفين بما هو قائم، شاعرين بحدود قدراتهم.
وما انتهى القرن الرابع حتى كانت قضية الاعتراف بحكم السيف الغالب مسألة فقهية مفروغا منها، وضرورة لا محيدَ عنها، يُعَرفها الماورديُّ الفقيه الشافعي فيقول: "وأما إمارة الاستيلاء التي تُعقد عن اضطرار، فهي أن يستولي الأمير بالقوة على بلاد يقلده الخليفة إمارتها (...) لوقوع الفرق بين المُكنةِ والعجز".[1]
يعني هذا أن الأمير المستولي بالقوة (والمستولي المستبد على "الخليفة" في زمان الماوردي هم بنو بويه) ليس في إمكان السلطان "الشرعي" أن ينحيه عن مواقعه، فلا مناصَ من إعطائه "تقليدا" بمقتضاه تُحفظ لمنصب الإمامة حرمته، ويتم "ظهور الطاعة الدينية التي يزول معها حكم العناد فيه، وينتفي بها إثم المباينة له". قال: "لوقوع الفرق بين المُكنة والعجز".
بعد الماوردي رحمه الله بثلاثة قرون نجدُ تحت كلمة "العجز" عندما يكتبها علماؤنا نفس الحسرة المكبوتة ونفس الرضوخ "لوقوع الفرق بين الممكن والواجب". يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء. وهم الذين إذا صلُحوا صلح الناس. فعلى كل منهما أن يتحرى ما يقوله ويفعله طاعة لله ورسوله واتباع كتاب الله. ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب. وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب (...) فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه (...). وكذلك ما يشرك في القضاة والولاة من الشروط يجب فعله بحسب الإمكان".[2]
مُكنة انعدمت، وطالب عجز، وتاريخ السيف "لوقوع الفرق بين المكنة والعجز".
قال رحمه الله: "ومن كان عاجزا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد ففعل ما يقدر عليه من النصيحة بقلبه والدعاء للأمة ومحبة الخير وفعل ما يقدر عليه من الخير لم يُكلف ما يعجز عنه".[3]
من يقرأ ما بين السطور يدركْ تحت كلمات "المكنة" و"العجز" و"القدرة" و"حسب الإمكان" طلباً دائما للحق لم يستقِلْ علماؤُنا عنه، لكنْ أوقفهم عنه واقع حكم عاض له عصبية بها يقوى وليس مع العلماء قوة منظمة.
ونجد التفرغَ الكامِلَ لواجهة حماية العقيدة والدفاع عنها عند أتباع الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. وما ابن تيمية إلا النموذج الكامل للحنبلي المشتبك مع البِدع والأهواء بلا هوادة. تخَلى ظاهرا عن مخاصمة السلطان ليتأتى له تحت ظل شوكة حامية الجهادُ لحماية العقيدة.
لم يصطفَّ الإمام أحمد رحمه الله مع القائمين على السلطان كما فعل أبو حنيفة ومالك والشافعي. لكنه تصدى وحده لبدعة جارفة قاتلة واجه فيها السلطانَ وكابد وعانى الأذى. وسُجن في الظلام وعليه أربع قيود، وجلَده المعتصم العباسي، وطرحه على ظهره ورفسوه، وعلقوه على خشبتين حتى تخلعت يده. رحمه الله ورضي عنه.
من فرق أهل الأهواء الذين ظهروا بعد الخوارج المُرجئة المتربصون الذين لَم يصوِّبوا رأي الشيعة ولا رأي الخوارج، ومنهم الجهمية والمجسمة، ومنهم الزنادقة. وتصدى المعتزلة لمحاجة هذه الطوائف جميعا بكفاءة وحسن نية. لكن المعتزلة ما لبثوا أن انزلقوا مع التيار الخِصامي، فرجع عليهم السلاح العقلاني الذي استعملوه، وتكلموا في العقائد كلاما ما عرفه السلف الصالح ولا ارتضاه أهل الحديث من معاصريهم. واحتدم صراع شديد بين المعتزلة والفقهاء والمحدثين، خاصة في قضيتي رؤية الله تعالى في الآخرة ينفونها مخالَفَةً للنص الصريح، والقرآنُ يقولون بمخلوقيته بدعةً ابتدعوها.
كان الإمام أحمد رضي الله عنه بالمرصاد، رد عليهم رَدّاً قويا، فاستظهروا عليه بالمأمون العباسي وكان من "أصحابهم"، فآذى الإمام وأوصى ولي عهده المعتصم به فآذاه من بعده، وأوصى المعتصم الواثق. واستمرت الإذايـة على الإمام الصامد رحمه الله ثمانية وعشرين شهرا.
كتب المأمون إلى عامله على بغداد إسحاق بن إبراهيم آمرا: "فإن أمير المومنين يرى أن تستتيب من قال بمقالته (مقالة الإمام أحمد أن القرآن كلام الله غير مخلوق). إذ كانت تلك المقالةُ الكفرَ الصُّراحَ والشركَ المحضَ عند أمير المومنين. فإن تاب منها فأَشْهِرْ أمرَه وأمسك عنه. وإن أصرَّ على شركه ودفَع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه بالسيف وابعث إلى أمير المومنين برأسه".[4]
وكذلك فعل العامل، فامتحن كبار علماء المسلمين.ومـات في قبضتـه محمد بن نوح، وتفلت آخرون بكلمات تأويل، وحصل الأذى الشديد لابن حنبل رحمه الله ورضي عنه. خاصة على يد المعتصم الذي كان يأمر الجلادين بالضرب قائلا: "شُدَّ قطع الله يدك!"
نتأمل ملامحَ ملك طاغية في شخص المعتصم. قال عنه ابن السبكي رحمه الله: "قال المؤرخون: ومع كونه كان لا يدري شيئا من العلم حمل الناس على القول بخلق القرآن.(...) ولولا اجتماع فقهاء السوء على المعتصم لنجاه الله مما فرَطَ منه. ولو أن الذين عنده من الفقهاء على الحق لأروْه الحق أبْلَجَ واضحا، ولا يُغْروه على ضرب مثل الإمام أحمد. ولكن ما الحيلة والزمان بُنيَ على هذا. وبهذا تظهر حكمة الله في خلقه".[5]
عند فقيهنا العلامة ابن السبكي في القرن الثامن نجد المساندة التامة للحاكم لأن "الزمان بُني على هذا". إنه الواقِع الذي يلتمس الفقيه الجهبَذُ له تفسيرا بوجود "فقهاء السوء" حول البلاط. ذلك لتبقى صفحة الحاكم المسلم ناصعة، ولتسْلَمَ سُمعَةُ من سماه المسلمون "أمير المومنين" يرونه حصنَهم المكين.
وجها لوجه ملكٌ "لا يدري شيئا من العلم" وإمامٌ فحل، جبل السنة شيخ المحدثين. أيُّ تعارُض أبلغُ من هذا بين دولة سلطوية ودعوة قرآنية سنية! أين تلك الوحدة التي تشخصت في النبوة والخلافة الراشدة حيث كان الداعي القرآني هو الآمر الناهي الممسك بالسلطان خدمة للقرآن؟
لكنه المعتصم الذي تستغيث به امرأةٌ مسلمة "وا معتصماه!" كما تقول القصة، فيلبي النداء، ويزحف على الروم، ويحقق انتصار عمورية الذي خلد الشاعر ذكره.
وحفاظا على السيف المُصْلَتِ، سيف السلطان المستولي، يستكين العلماء الدعاة لجريان القدَر، ويراوحون الخُطى بين "المُكنة" و"عجز الطالب".
وحفاظا على وحدة الأمة بين الاضطرابات الداخلية والتهديد الخارجي يُصدر الإمام أحمد فتواه بلزوم الجماعة إذ يقول: "من غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمِّيَ أمير المومنين، فلا يحِل لأحد يومن بالله واليوم الآخر أن يَبيت ولا يراه إماما، بَرّاً كان أو فاجرا".[6]
أكان علماؤنا جميعا من "فقهاء السوء" علماء القصور إذ يُفتون بصحة إمامة المستولي ويحثون على الطاعة للغالب بالسيف بَرا كان أو فاجرا؟ حاشا وكلا! ولكنهم عاشوا أزمنة لَم يكن الخيار فيها بين حكم فاضل وآخر مفضول "لعجز الطالب"، لكنّ الخيارَ كان بين استقرار نسبيٍّ وسط الزعازع وبين فوضى يُفلت فيها الحبل وينتقض ما بقي محفوظا من أمر المسلمين.




[1] "الأحكام السلطانية" ص35.
[2] السياسة الشرعية ص159.
[3] نفس المصدر ص167.
[4] تاريخ الطبري ج2 ص1125.
[5] طبقات الشافعية ج1 ص219.
[6] نقل عنه ذلك الفقيه القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتاب "الأحكام السلطا


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأربعاء أبريل 06, 2011 2:44 am

أهل العلم بين التقليد والتلبيس
يُشَكِّل أهل العلم الفقهاء في بلاد الإسلام ذُخرا للمستقبل، نأمل أن يُمِدّوا الحركة الإسلامية الناشئة بالأطر اللازمة، وأن ينعتقوا من أسباب العجز التي تعوقهم اليوم كما عوّقت أجيالا منهم منذ اختصم السلطان والقرآن. لاَ شأنَ يُرجى لفقهاء السوء القِلَّةِ، فهم ثَفَل لا يخلو منهم جيل. لكن الجحفَلَ من حاملي الشهادات المنضَوِين تحت لواء التقليد لفتوى صدرت منذ قرون، أو المشتغلين بمَعاش اليوم الموظفين في المؤسسة الدينية الرسمية منعتهم الحاجة عن الاستقلال في الفكر والحركة- ينبغي أن يكونوا هدفا لرجال الدعوة العاملين ليستجلبُوهُم عند الفرصة إلى الصف.
لاَ نَنْتَظرْ من الناس أن يكونوا سعيد بن جُبير الذي واجه الحجاج بكلمة الحق فقتله، ولا أحمد بن حنبل الذي قاوَم وحده تيارا يقوده "الخليفـة"، ولا عِز الدين بن عبد السلام ذا المواقف الخالدة في قمع غرور المماليـك. فتلك مثالية لا ينبغي أن تراوِدَنا. وأولئك رحمهم الله أفذاذ يجود الله عز وجل بأمثالهم متى شاء.
إنما الذي فيه مطمع هو أن نساعد أهلَ العِلم والدين من رجال الإسلام على الخروج مِن رِبقة التقليد الفكري لفتوى قرون خلت حتى تتغير لديهم النظرة الثبوتية التي تتصور التاريخ امتدادا بلا نهاية للظلم الوراثيِّ. وأن نساعدهم على تخطي اجتهاد زيد وعمرو ممن سبقونا بإيمان ليقلدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا أنها ستكون بعده الخلافة ثلاثين سنة ثم تكون ملكا عاضا. وأخبرنا في الحديث المنهاجي الذي جعلناه دليلا لنا وأوردنا نصه في فاتحة هذا الكتاب أن بعد الملك العاض ملكاً جبرياً تتلوه خلافة على منهاج النبوة.
كان الصحابة أمثالُ الإمام حسين رضي الله عنهم أعلَم العلماء لم يقلدوا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا على الظالمين. وكان الأئمة العظام أمثال زيد بن علي وأبي حنيفة ومالك والشافعي يرون الخروج على الظلمة واجبا. فباقتدائنا بعدَ طولِ لُبْثٍ في أحضان الفتاوي الطارئة، وفي أفقنا وعدُ الخلافة الثانية، بالسنة العملية للأئمة العظام نكون تلامذة مباشرين للأمر النبويِّ. وبذلك نكف عن الدوَران مع الأحداث دوران البلداء لنتعرض لموعود الله ورسوله الذي لا يُشرِّفُ إلا من قامَ وسط الفتنة الخاملة من بين الرقود.
طالما انتظر العلماء المقلدون للفتاوي، المتحرقون كمدا على ما يرون من منكر، رجلا مثلَ عمر بن عبد العزيز أو صلاح الدين أو ابن تاشفين. ملوك عباقرة أصلح الله عز وجل بهم حال الأمة حينا، ثم رجع المُلك إلى نصابه ودَيْدنه من العض والظلم. وكم من مَلِك خلا في تاريخ المسلمين هو أقرب إلى الخير والنجدة والمروءة. لكن النظامَ الذي أفرزهم وسجنهم في منطقه نظام فاسد.
كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول في عهد معاوية: اللهم إني أعوذ بك من الستين ومن حكم الصبيان! كان معه عِلْمٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أفشاه. ففي سنة ستين مات معاوية رحمه الله ودخل الحلَبَة يزيد الغلام، من الغِلمة الصبية الذين هلاك الأمة على يدهم. وأعاذ الله أبا هريرة فمـات قبل ذلك.
طالما كتب فقهاء المسلمين أدبيات في "تدبير الملك" يُسدون النصح للملوك تَسَلُّلا وملاطفة،مستدلين بسياسة أرسطو و بقصص ابن المقفع وآداب كسرى أنوشروان. ومن الفلاسفة من كتب وصفا للمدينة الفاضلة كالفارابي، حُلما أفلاطونيا فيه النقد للأمر الواقع من وراء ألف حجاب.
إن أموال النفط تُغدَقُ في عصرنا لتمشية إسلام أمريكي لا يألو جهدا في عقد المؤتمرات وتدبيج المقالات في المجلات الملونة الصقيلة. وفي هذا يجد أهل العلم من كل اتجاه مُتنَفَّسا لما يكابدون من آلام، ويجد سلاطين العرب وسيلة لتأنيس كل "طلب" وتعجيزه. وهاتِ ما عندك من نَقد غامض عام للمنكر ما دمت لا تسمي أهلَ المنكر وسدنته وبؤرته: الحكام العاضين الجبريين!
قرأنا في الفقرة السابقة كيف التمس ابن السبكي رحمه الله العذر للمعتصم في التفاف فقهاء السوء حوله. وكذلك يفعل كثير من أهل العلم، إما حكمة وارتجاءً لموعظة واصِلَةٍ، وإما عاميَّةً وتبلدا. يُحَمِّلون "الحاشية الفاسدة" أوزارا ليس يحملها إلا النظام الفاسدُ الذي جرَّحه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت عليه قرون من البغي.
تقدم الشيخ الفقيه الحنبلي المحدث الورع الواعظ العلامة عبد الرحمان بن الجوزي رحمه الله بنقد لتلبيس إبليس على الولاة والسلاطين لم يتعرض فيه لأصل البلاء. وإنما حام حول الأفعال والعقائد والنتائج. لم يذكر مثلا ما كان ويكون في قصور السلاطين من ترف مخز، ومن مجالس للشراب، ومن تحكم الجواري في تصريف الدولة، ومن مؤامرات بلاطية.
وحصر رحمه الله "تلبيسات إبليس" في سبعة مآخذَ عدها "أمهات". ولم يكن في الحقيقة ولا يكون من أم لويلات المسلمين إلا أم واحدة: هي فتنة كل حكم لا يكون شورى بين المسلمين. ونقد الحكم المتسلط من أساسه هو النقد لا غير، ورجْمُه بجريرته هو الكلام لا اللف والدوران.
ذكر ابن الجوزي رحمه الله من "أمهات" الفساد اغترار السلاطين وظنهم أن الله تعالى أحبهم لما ولاهم الملك.وذكر تكبرهم عن مجالسة العلماء وترفعهم عن طلب العلم. وهذه مصارحة فريدة من عالم واعظ كان له مجلس أسبوعي داخل القصر يحضره أهل القصر. وهي نفثة رجل حُر لفقوا عليه وقد تجاوز الثمانين تهمة فحبسوه في بيت خمس سنوات يخدم نفسه بنفسه، ويمتاح ماء وضوئه من البئر بيده. ذلك بعد عمْر حافل بالتأليف والوعظ.
وذكر رحمه الله تشديدهم الحجاب عن الناس وتوانيَهم في سماع المتظلمين وإنصافِهم. وذكر استعمالهم لأمراءَ ليس لهم علم ولا تقوى. وذكر نبذهم لتعليم الشرع وعملهم برأيهم فيقتلون من لا يحل قتله. وذكر انبساطهم في أموال المسلمين. وختم بتعاطيهم للمعاصي والموبقات. رحمه الله وغفر لنا وله.
إن إحسان الظن بالحكام المتسلطين أو اتهامَهم بما هم له أهل لا يغير من الواقع شيئا. وإن إسداءَ النصح لمن بايعوه أو بايعوا جده وهو في الخِرَق صَبي لَكَالنَّسْمة البَليلَةِ تهب على الجبل الصلد تحسب أنها مُنْبِتةٌ فيه جنات من نخيل وأعناب.
وإن كان من الملوكِ صالحون، وقد كانوا، فإن في الصفة والموصوف تناقضا لا تغسله الانتقادات ولا الوصايا ولا أدبيات "تدبير الملك". الحكام الوِراثيون أبناءُ الدنيا، لهم منها الجاه والمال والزينة والمتاع. وقد يشُذُّ الواحد منهم فينجيه الله العزيز الوهاب من قبضتها. لكن العَقِبَ منه قد لا يرثُ من الصلاح إلا كما يرث الفقير من المعدم.
هذه وصية للملك الصالح محمد الفاتح العثماني، فاتح القسطنطينية، لابنه ووارثه أورخان. فهل تجاوزت الوصية المليئة بحسن النية مرتبة الأماني، أم هَلْ أوصى الملك المائت ابنه بغير ما كان أصْلَ البلاء كله: أن يكون السلطان حفيظا على القرآن وأهل القرآن، وصيا عليهم لا العكس؟
قال رحمه الله: "ها أنذا أموت، ولكني غيرُ آسف لأني تارك خلَفاً مثلك. كن عادلا صالحا رحيما بالناس جميعا. وابسُط على الرعية حمايتك بدون تمييز. واعمل على نشر الدين الإسلامي فإن هذه هي واجبات الملوك على الأرض. قدم الاهتمام بأمر الدين على كل شيء،ولا تفتُر في المواظبة عليه.ولا تستخدم الأشخاص الذين لا يهتمون بأمر الدين. (...)
قال: وبما أن العلماء هم بمثابة القوة المبثوثة في جسم الدولة، فاعطـف عليهم وشجعهم. حذارِ! حذارِ! لا يغرنك المال والجند. ولا تُبعِدْ أهلَ الشريعة عن بابك. ولا تمِلْ إلى عمل يخالف أحكام الشريعة".
مهانة "لا تُبعد أهل الشريعة عن بابك!" حجة دامغة على ما يَجيش بين نفوس الملوك وألسنتهم في حق أهل العلم. مبجلون، لكن في الباب، خدَم مع الخدم!
ومات الفاتح رحمه الله، فوثب الابن الأكبر بايزيد على الوصي، ودامت الحرب بين المتقاتلين على العرش سبع سنوات. وانتصر بايزيد وأوصى بالملك من بعده لابنه الأكبر أحمد. لكن الابن الأصغر سليم ثار في وجه أبيه وأخيه. وكان صراع مرير. يُقال إن سليما دس السم لأبيه ليُنهي المأساة.
وكان قتل الأبناء والإخوة والآباء أهونَ ما يكون في سرايا الملوك. ومن قرأ تاريخ العباسيين والعثمانيين والمماليك وكل السلالات المالكة أدرك معنى العض في التعبير النبوي حين يستقرِئ تهارُشَ الأمراء على الملك، وسفكهم لدماء بعضهم، وتآمرهم لذلك مع النساء والخدم والعسكر. ولا غالب إلا الله.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأربعاء أبريل 06, 2011 2:45 am

"دين الانقياد"
العبارة لابن خلدون مؤرخِنا الحكيم رحمه الله. يستعملها لوصف خضوع المحكومين تحت سلطان العصبية. ونفتتح بها هذا الفصل الذي نعمق فيه نظرتنا إلى الداء الدفين في النفوس، داء الأمم ومادية مرض الغثائية.
إن طاعة الحاكم والاستجابة لأمره والتعاوُن معه هي العلاقات الضرورية في المجتمع المنظم، تكون طاعةُ المحكوم للحاكم بقهر السلطـان، أو باحترام القانون، وهذا شأن المجتمعات البشرية المنظمة.وتكتسب الطاعة الصبغةَ الدينيَّةَ في بعض المجتمعات وفاء لعَقْدٍ معقود أو لسُلالَةٍ تزعم أنها تحكم بالحق الإلهي. وهذا ما يُسَمَّى في تاريخ النصارى بالثيوقراطية.
ميزة الحكم الإسلامي الشرعي أن الطاعة واجبة لأولي الأمر منا بناء على بيعة تُلزِم الحاكم والمحكوم بأمر الله ورسوله، شرْطاها الشورى في الاختيار والحكم بما أنزل الله.
لإخوتنا الشيعة رأيُهم، بل عقيدتُهم،في أن الإمامة منصوص عليها في النبي للوصي، ومن وصي لوصي. فالطاعة للإمام عندهم طاعةٌ كُلِّيَّة، لاَ شورى تُلزمه، إذ هو عندهم معصوم. ولا اجتهاد مع اجتهادِه.
تلك الميزَةُ في الحكم الإسلامي الشرعي، أعني ميزة الشورى والبيعة والطاعة الواجبة لأولي الأمر، هي التي انفتقت ففسد الحكم منذ الانقضاض الأموي. وغاب عن أفق المسلمين مدى أربعةَ عشر قرنا من الطاعةِ القهريَّةِ الشرطان الواجبان في العقد السياسي حتى أصبحت الطاعة إلزاما قهريا محضا، عوامل القهر فيه القوة العُنْفيَّةُ التي يتدرع بها في كل زمان ومكان الملوك العاضون والجبريون، ثم العادة القرونية التي ألِف بمقتضاها الناس الخضوع للحاكم أبا عن جد، ثم الوهْمُ أن في طاعة المسلمين للحاكم المتسلط وفاء لبيعة هي في ميزان الشرع تزوير محض.
الحالة التي يواجهها الإسلاميون في زحفهم إلى الحكـم، بل في زحف الحكم إليهم، هي الركود العام، والرقود العميق، لدى القواعد الشعبية التي تدين بدين الانقياد. ومعرفة الإسلاميين بأسباب هذا الركود ومنشإه وتطوره تقرِّبُ الصاحين الطالبين للحق مسافة ما بين استسلام الجماهير لحاكم جديد وبين المشاركة الجماهيرية في قومة تنفض غبار القرون، وتشارك كما يشارك الأحياء، وتدعَمُ الحق وتبنيه بعد تقويض أساس الباطل.
كنا في المعارضة زمانا، وفي السرية والهامشية، وإنه لَمتَّكأٌ مُريحٌ، مهما كان الاضطهاد، أن تصرخ في وجه الباطل أو تسبه في ظهره. خروجنا الوشيك إن شاء الله من المعارضة إلى الحكم يدق ساعة الحقيقة، ويبرزنا إلى حومة فيها المعارضة الديموقراطية. من هذه الأحزاب التي شاركتنا أمسِ في المعارضة ما هو لاييكيٌّ وربما مُعادٍ للدين. فهل هذه المعارضةُ التي ستكون خصمنا أو عدوَّنا رجْس من عمل الشيطان، أم هي حليف لنا ضد "دين الانقياد"؟ هل الديموقراطية التي تنفي كما ننفي أن يكون للحاكم حق الطاعة بدون عقد يلزم الطرفين خطوة إيجابية نحو أهدافنا، أم هي باطل نحاربُه كما نحارب الظلم الموروث؟ هذه أسئلة جوهرية للسائرين في طريق الحكم الإسلاميين، نجيب عنها تِباعاً بحول الله في متن الكتاب. نحتفظ هنا بهذه الحقيقة: وهي أن الوعي الديموقراطيَّ وقاعدته "حقوق الإنسان" كفر "بدين الانقياد"، ودين الانقياد هو داؤنا العميق.
إننا بحول الله مُقْدِمون على الدخول في سياق التحول من الحكم الاستبدادي إلى الحكم الشوري. وإن إحكامَ الخطى في مراحل التحول مقدمةٌ صحِّيَّةٌ للثبات على منهاج إعادة البناء. بحاجة لإعادة البناءِ نظامُنا السياسيُّ الموبوء الموروث، بحاجة إليها اقتصادُنا المخرُوب ومجتمعنا المنهوك. بحاجة إليها على الأخص النفسية الخانعة المنقادة، نفسية الجماهير السَّلْسَةِ القياد، العالَةِ على أبَوِيَّةٍ سلطوية، التي قد تنتفض في "مظاهرات الجوع" لكنها قلما تنكر المنكر الجاثم على الصدور، منكر الحكم الفاسِدِ.
أيْن ذهبت القوة الإرادية الاقتحامية التي حملت جيلَ الصحابة رضي الله عنهم محامِلَ الجد والرجولةِ فخرقوا جدارَ العصبية القبلية وجدار العادات وجدار كل موروث مُثَبِّطٍ؟
إن تلك القوة الاقتحامية لَقَّحَهُمْ بها الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له. والإيمان يتجدد بشروطه. وأمامنا هذا الإرث الثقيل بثِقْلِ القرون وثقل الواقع الغالب وتثاقل النفوس: ألا وهو دين الانقياد.
يتناول حكيمنا ابن خلدون رحمه الله الحديث عن دين الانقياد ونشوئه في بداية النظام الحاكم، ثم في مراحل ضَعفه، ثم في مرحلة مزاحمة الدولة المستَجَدّة للنظام الهَرِم الذي تلاشت عصبيته وقوته العسكرية حتى لم تبق له دعامة تمسكه إلا الوهم القائم في نفوس المحكومين وهو "دين الانقياد".
ما أدق وأعمق ما يقول مفكرنا الكبير! إذ يصف انتقال هيبة الدولة من أسباب الخوف والرهبة إلى أسباب العادة المغروزة والوهم النفسي. قال رحمه الله: "إن الدول العامة في أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلَب للغَرابة،وإن الناس لم يألفوا ملكها ولا اعتادوه.فإذا استقرت الرياسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة وتوارثوه واحدا بعد آخَر في أعقابٍ كثيرين ودُول متعاقبةٍ نسيت النفوس شأن الأوّليّة، واستحكمت لأهل ذلك النصاب صبغةُ الرياسة، ورسخ في العقائد دين الانقياد لهم والتسليم، وقاتل الناس معهم قتالهم على العقائد الإيمانية، فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبير عصابة".
قال رحمه الله: "بل كأن طاعتَها كتابُ الله لا يُبدّل ولا يُعلم خلافُه".
ويقول رحمه الله عن الدولة في شيخوختها بعد أن تبددت قوة عصبيتها فلم يبق لها من سند إلا الطاعة العمياء: "وربما طال أمَدُها بعد ذلك فتستغني عن العصبية بماحصل لها من الصبغة في نُفوس أهل إيالَتِها، وهي صبغةُ الانقياد والتسليم منذ السنين الطويلة التي لا يعقِل أحد من الأجيال مبدأها ولا أوّليتها. فلا يعقِلون إلا التسليم لصاحب الدولة".
بماذا ندخل على الساحة من جديد إن تركنا "الصبغة" الانقيادية المرضية ولم نعالجها بالتصحيح الشرعي؟ إن المسلمين اعتادوا الطاعة للحاكم، وقيلَ لهم كما قيل لآبائهم وأجدادهم منذ قرون: إن طاعة أولي الأمر من طاعة الله ورسوله. وانطبعت في نفوس الأجيال خُطَبُ الجمعة التي ترفع "أمير المومنين" و"ظل الله في الأرض" إلى مراقي العصمة، ورسخت في أذهانهم ومخيلاتهم تهاويل الحفلات "الدينية" المصنوعة لتزيين صورة الحاكم وتقديسه.
لن نكون إلا معارضةً من المعارضات تنتقد الحكم وتطعن في كفاءته إن لم نتعرض لأصول الحكم الجائر باعتباره خرقا في الدين وانتحالا تزويريا لقداسة الدين قبل كل شيء. ويأتي اعتراضنا على الظلم جزءا من معارضتنا الكلية.
أهم العوائق في كسب المعركة ضد الأنظمة القائمة المستقرة العائق النفسي المتمثل في الوَلاء الراسخ تعطيه الجماهير لنظام مألوف تفضله على حَدَثٍ مُسْتَجَدٍّ، أو الوَلاء المتذبذب الشاك المتحول بسرعة مع رياح الدعاية الرسمية.
قال عالمنا ابن خلدون رحمه الله: "والدولة المستقرة قد صيرت العوائدُ المألوفةُ طاعتَها ضروريّةً واجبة (...)، فتكثر بذلك العوائق لصاحب الدولة المستجَدّة. وتُكَسِّرُ من همم أتباعه وأهلِ شوكته. وإن كان الأقربون من بطانته على بصيرة في طاعته ومؤازرته إلا أن الآخرين أكثر.وقد داخلهم الفشل بتلك العقائد في التسليم للدولة المستقرة.
قال: "فيحصل بعض الفتور منهم. ولا يكاد صاحب الدولة المستجَدة يقاوم صاحب الدولة المستقرة".
قلت: لا يكاد يقاومه مُناجَزَةً عاجلة لأن إزالة العائق النفسي من ساحة المعركة تطلب وقتا طويلا.ولا يستطيع الحق الناهض،أو القوة السياسية الجديدة في تحليل ابن خلدون، أن يستأصل القديم المألوف إلا بمعالجة طويلة.
قال: "فيرجع (صاحب الدولة المستجَدة) إلى الصبر والمطاولة حتى يتضِحَ هرمُ الدولة المستقرة، فتضمحل عقائدُ التسليم لها من قومه،وتنبعث منهم الهِمم لصدق المطالبة معه، فيقع الظفَر والاستيلاء".
قلت: إن الجماهير المسلمة، كغيرها من الجماهير، تثور في نفسها النقمة على الظلم، لكن الظلم إذا تقنع بالدين وتسربل بسرباله قد يُقنع الناس لآجال وأجيال أن الحاكم أبٌ حنون واجب الطاعة وأن الحاشية وحدها هي أم الخطايا المسؤولة.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأربعاء أبريل 06, 2011 2:45 am

البيعة وطاعة أولي الأمر
تُقْتَضَى الطاعةُ للدولة المستبدة بالقسر، وفي سلك القهر والإكراه والقمع ينتظم أمرُها. وفي دولة القانون الديموقراطية يكون للقانون سلطان يفرضه، وقضاء ينطق به، وحُرمة في النفوس يتكِئ عليها، ومصالح يرعاها كل واحد متدرعا بالقانون، وشعور بالانتماء يُقَوِّي باعِثَ الاعتزاز بالدولة وقانونها. وبوجود الطاعة للقانون أو الخضوع الاضطراري له يستقيم حال المجتمع وتستقر الدولة وتحفظ الحقوق.
في دولة القانون الديمقراطية يَحْتَرِمُ الحاكم والمحكوم، طوْعا بباعث الوطنية والمدنية أو إلزاما بقوة القانون، "عقدا اجتماعيا" كما يقول روسو الفرنسي. وهو عقد وهمي ضِمني.
وفي دولة الإسلام الشرعية تَكون الطاعة التزاما من جانب المحكوم في مقابل التزام الحاكم باتباع الشرع بموجب عقد حقيقي صريح يتم الاتفاق عليه في بيعة لها قواعدها الشرعية وموجباتها ومُبْطلاتُها.
يعرف العلامة ابن خلدون البيعة الشرعية فيقول: "اعلم أن البَيعة هي العهدُ على الطاعة،كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يُسَلِّم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به على الأمر في المَنْشَط وَالمَكْرَه. وكانوا إذا بايعوا الأميرَ وعقدوا عهده جعلوا أيديَهم في يده تأكيدا للعهد. فأشبه ذلك فِعلَ البائع والمشتري".
والبَيعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت بيعتين: بيعة إسلام وبيعة جهاد. فأما بيعة الإسلام فيدخل بها المرء والمرأة في دين الله، ويكون النكوص عن شرط التوحيد رِدّةً، كما يكون الإخلال بشرط من شروطها الأُخرى معصية. وأما بيعة الجهاد فهي أخص،وهي عهد يعطيه الرجال المومنون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجروا إليه، وأن يجاهدوا معه، وأن ينصروه.
تلك بيعة تخرج الرجل والمرأة من الكفر إلى الإسلام، وهذه تميز المومنين المستجيبين لدعوة الله ورسوله الجهادية عن بقية المسلمين.
وتُسَمَّى بيعة الإسلام بيعة النساء لقول الله عز وجل: "يأيها النبيء إذا جاءك المومنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولايزنين ولا يقتُلن أولادهن ولا ياتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفِر لهن الله. إن الله غفور رحيم".[1]
تُسَمَّى بيعةَ النساء حتى لو تعهد بها الرجال. قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: "باب بيعة النساء"، وذكر فيه حديث عُبادةَ بنِ الصامِت رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -ونحن في مجلس-: "تُبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف. فمن وَفّى منكم فأجرُه على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له. ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله. إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه". فبايعناه على ذلك.
هذه البيعةُ خاصة بزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبيعة الجهاد والطاعة التي يتعاطاها الحاكم والمحكوم في الحكم الإسلامي ليست مجرَّدَ عقد سياسي مدني، بل هي عهد بين ذممٍ مومنة تندرج فيها شروط بيعة النساء باعتبارها الشروط الأساسية، وتضاف إليها الشروط التنظيمية الأخرى، من ضمنها قول الحق في كل الظروف، أي معارضة المنكر. ففي مقابل واجب الطاعة الذي تحمَّله المبايِع واجب آخر يوازنه هو واجب قول الحق.
روى الشيخان وغيرهما عن عُبادةَ رضي الله عنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العُسر واليُسر، والمنشَطِ والمَكْرَه، وعلى أثَرَة علينا، وعلى ألاّ ننازع الأمرَ أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا، لا نخاف في الله لَوْمَةَ لائم".
هذا الصحابي الأنصاري رضي الله عنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، مرة بيعة النساء، ومرة بيعة الطاعة والجهاد. وذلك أن الأنصار من الخزرج وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم في العقَبَةِ الأولى فبايعوه على الإسلام،ثم جاءوه في العام القابل،فتعاهد معهم على أن يهاجر إليهم فينصروه، وكانت بيعة العقبة الثانية بيعة جهاد.نقف عندها لنعلَم أن البيعة ليست شكلية من الشكليات، وإنما هي أمر يُبرَم في غاية الجدية والصرامة.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ رسالة ربه عز وجل وهو بمكة تحوطه عناية الله المتمثلة في حماية عمومته من قريش. لما جاءه الخزرج والأوس إلى العقبة صحبه عمه العباس، وكان يومئذ لا يزال على دين قومه لما يسلم. وأراد العباس أن يتوَثق لابن أخيه، فقال للوافدين: "إن محمدا مِنَّا حيث قد علمتم. وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه. فهو في عز من قومه، ومَنَعَةٍ في بلده. وإنه قد أبى إلا الانحيازَ إليكم، واللحوقَ بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مُسْلِموهُ وخاذِلوه بعد الخروج به إليكم فمِن الآنَ فدعوه!"
قال ابن إسحاق رحمه الله: فتكلم رسول الله صلى لله عليه وسلم فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام. ثم قال: " أبايِعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم". وقال أبو الهيثم بنُ التَّيهان: يا رسولَ الله! إن بيننا وبين الرجال يعني يهود يثرب حبالا وإنَّا قاطعوها. فهل عسيتَ إن نحنُ فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجِع إلى قومك وتدَعَنا؟
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "بل الدَّمَ الدَّمَ! والهدمَ الهَدْمَ! أنا منكم وأنتم مني: أحارب من حاربتم، وأسالمُ من سالمتم".
وقال العباس بنُ عبادة بنِ نضلة وهو من الأنصار: هل تدرون عَلامَ تبايِعون هذا الرجل؟قالوا: نعم! قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترَون أنكم إذا نُهِكتْ أموالُكم مُصيبَةً، وأشرافُكم قتلاً أسلمتموه فمن الآن! فهو والله إن فعلتم خِزيُ الدنيا والآخرة! وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه. فهو والله خير الدنيا والآخرة!
قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفَّينا؟ قال: الجنة. قالوا: ابسُط يدك! فبسط يده فبايعوه.
إنها إذاً صفقة يتعهد بمقتضاها المجاهد أن يبذُل مالَه ودمَه في سبيل الله تعرضا لرضى الله، واستجلابا لخير الدنيا والآخرة. خير الدنيا والآخرة. ليس شيء من قضايا المومنين حركةً سياسية دنيوية مقطوعة عن الحياة الحقيقية في الدار الآخرة،ولاَ شيء من سعي المومنين المجاهدين يُلفت المومنين المجاهدين عن مطمح سعادة الأبد إلى زينة الدنيا وتنافساتها.
البيعة الشرعية قُربة عالية بين أطرافٍ طُمُوحُ كل منهم متعلق بالله وباليوم الآخر. فلما استولى أبناء الدنيا، ملوك العض، على الحكم أصبحت البيعة مصادرة قسرية لذمة المسلمين، يُكْرَهون عليها إكراها، ويقيّدون إليها بقيود باطلةٍ شرعا، لكنها قيود لها فاعلية عملية لأن المقيَّد لا يفقه في دينه، أوْ لأن اجتهادَ الفقيه، وله اعتباراته، ساقه إلى "دين الانقياد".
بدأ معاوية بن أبي سفيان بالإكراه على بيعة ابنه يزيد، فكان السيف المُصلَت هو ضامِنَ الوفاء. في عهد العباسيين التمس الحاكمون ضامنا آخر، فاستحلفوا الناس على الوَفاء لبيعة الصبيان في الخِرق، واستوعبوا الأيمان كلها فيما سمَّوْه "أيمانَ البيعة"، يحلف الرجل بالطلاق والعِتق وما إلى ذلك.
قال ابن خلدون رحمه الله: "لما أفتى مالك رضي الله عنه بسقوط يمين الإكراه أنكرها الوُلاَة عليه ورأوها قادحة في أيمان البيعة، ووقع ما وقع من مِحنة الإمام رضي الله عنه".
ثم تدهور الحكم على رقاب المسلمين، واستحكم السيف متمكنا بقوته وبفتوى شرعية الاستيلاء ووجوب طاعة "من غلب عليهم بالسيف"، فاستحالت البيعة إلى نوع من الحفلات التهريجية يُقدم فيها القربان الرمزي للحاكم الذي أصبح يستعبد الناس لشخصه من دون الله.
يقول مؤرخنا رحمه الله: "وأما البيعة المشهورة لهذا العهد فهي تحية الملوك الكِسروية من تقبيل الأرض أو اليد أو الرجل أو الذيل (...). واستُغْنِيَ بها عن مصافحة أيدي الناس (...) لما في المصافحة لكل أحد من التنزّل والابتذال المنافِيَيْن للرياسة وصون المنصب الملكي".
قال رحمه الله مخاطبا من يقرأ ما بين السطور ومن يقاسم لوعة علمائنا على ضياع حقائق الدين: "فافهم معنى البيعة في العُرف (يعني بيعة تقبيل الأرض أمام الأكاسرة المستكبرين)، فإنه أكيد على الإنسان معرفتُه، لما يلزمه من حق سلطانه وإمامه. ولا تكون أفعالُه عبثا مَجّاناً".
قال: "واعتبر ذلك من أفعالك مع الملوك. والله القوي العزيز".
قلت: الله القوي العزيز، به سبحانه الاستعانة على اقتحام العقبة من وهدة الإكراه والتزوير إلى بيعة الخلافة الثانية. لا إله إلا هو.




<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأربعاء أبريل 06, 2011 2:46 am

من هم أولو الأمر الواجبة طاعتهم؟
لن يكون سيرنا المستقبلي سليما إن لم نتعلم من دروس ماضينا. لا، ولن نكون إلا خابطين في ظلماء أحداث تتقاذفنا أوجُهاً إن لم نستهد بالإخبار النبوي الغيبي الذي بشر بالخلافة الثانية بعد مراحل العض والجبر.
ولكي تكون خلافة على منهاج النبوة علينا نحن أن نتبين في كتاب الله وحديث رسوله من هم أولو الأمر الذين إن أعطيناهم صفقة يدنا وثمرة قلبنا لن يستحيلوا جبارين عاضين. علينا أن نأطرُهم على الحق أطرا بعد اختبارهم وأن نحملهم على شرط "إن استقمت فأعينوني وإن أسأت فقوموني".وعلينا قبل الاختيار أن نتوخى من هم من أهل الأمانة والقوة والدين بحيثُ لا نُضطر يوما إلى نقض ما أبرمناه بالأمس. ففي النقض المتكرر مس بالهدف الإسلامي في الاستقرار، كما أن طلب الاستقرار بأي ثمن كان الذريعة التي منها دخل "دين الانقياد" على الأمة.
من شباب الصحوة الإسلامية من نفضوا يدهم نفضا نهائيا من الولاء للحكام المتأمرين على المسلمين. وهذه إيجابية كبيرة، فهم نقضوا الباطل من أساسه. لكنهم كثيرا ما يبنون على غير أساس حين يؤمرون على مجموعة محلية أو قطرية أميرا يعطونه البيعة والطاعة، ويعدون مجموعتهم جماعة المسلمين من فارقها مات ميتة جاهلية، ويكفرون المجتمع كله أو جله، وينغلقون في حرفية النصوص، وفي دوائر تنظيمية لا تلبث أن تعشش فيها أنواع الهوام السلوكية مثل العنف المبدئي والإعجاب بالرأي والرؤية من زاوية متشائمة للعالم والمستقبل.
في أفق الخلافة الثانية الموعودة ينبغي أن يكون بناؤنا في امتداد النبوة والخلافة الأولى لا في خط الملك العاض الذي نسميه "خلافة" أموية وعباسية وعثمانية افتياتا على رسول الله صلى الله علي وسلم الذي سماها غير ذلك. نبني إن شاء الله في أفق وحدة الأمة على البيعة والطاعة لأولي الأمر منا، لا في حدود التجزئة التي فرضها علينا تاريخ الفتنة والانحطاط والاستعمار فزدناها نحن فداحة وتشتتا بالتقوقع في بيعات الحي والقرية والمدينة والقطر،لا نرى من ورائها من ميدان.
إن كل تعاهد بين المومنين على نصر دين الله ما دون البيعة الخلافية إنما يُلْبَسُ ثوبي زور إن أطلقنا عليه اسم "بيعة". ولا بد من تعاهد وتوثقٍ مجزَّءٍ في مراحل البناء. فلا نُغْمِضْ على أنفسنا بالتسميات تطلق على غير مدلولها الشرعي. لأننا بذلك نحبس أنفسنا ومستقبلنا في يد أشخاص لم نوَلِّهِم إلا أمْرَنا نحن المنغلقين في خصوصياتنا، ونتوهم أنهم هم أولو الأمر، قد برئت ذمتُنا، وقامت في وهمنا الضعيف المشتت قائمة الإسلام.
في قول الله عز وجل: "يأيها الذين آمنوا أطيعو الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"[1] مشروعية أولي الأمر، والصفات اللازمة فيهم، والمرجعية المصدرية لأعمـالهم. فلا بد أن يكونوا "منا" وإلينا لا فَوْقَنَا وعلينا. ولا بد أن يكونوا من أولي "الأمر" كما يفسر القرآن الكريم "الأمر": "وأمرهم شورى بينهم"،[2] "وشاورهم في الأمر".[3] ولا بد أن يكون ما يطلبون فيه طاعتنا طاعة لله ورسوله إذ لا طاعة لمخلوق أبدا في معصية الخالق.
القرآن الكريم يشرح بعضه بعضا، فيحصُر "الأمر" فيمن اكتمل فيه أهلية العلم بما يأمر الله ورسوله، وأهلية الانبثاق عن الاختيار والشورى بين المومنين. ومع ذلك نشأ خلاف واسع في معرفة من هم "أولو الأمر". طائفة من العلماء منهم أبو هريرة رضي الله عنه قالوا: هم الأمراء. وطائفة إمامهم جابر بن عبد الله رضي الله عنه قالوا: هم العلماء. انشطار يعكس انفصال السلطان عن القرآن. الوضع الصحيح هو قول عكرمة: المقصود هم أبو بكر وعمر. نفهمه على أنه تمثيل لا تخصيص. فمن جمع العلم والحيازة لرضى المومنين وشوراهم كما جمعهما الشيخان كان هو ولي الأمر الواجب الطاعة.
ورجح الإمام الشافعي رضي الله عنه القول بأن أولي الأمر هم الأمراء، واحتج لقوله بأن قريشا كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون لأمير، فأُمروا أمرا مؤكدا بطاعة الأمير، إخراجا لهم عن أنانيتهم الجاهلية.
في نص القرآن الكريم أن الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإمارة هو أن يتلُوَ على الجاهليين الجاهلين آيات الله، وأن يزكيَهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. فتلك جاهلية سِمَتُها الجهل والأنانية دخل عليها الإسلام ليعلمها فتخرج من الضلال إلى الهدى، وليأمُرَها فتنتظم على الهُدَى لا تبقى فوضى.
ولمستقبل الخلافة الثانية مجتمعات فتنوية العلمُ فيها شتات والطاعة الرسوبية الانقيادية فيها داء مُزمن. يتجدد الإيمان فيها لتتعلم علما جامعا، ولتسمع كلام الله وسنة رسوله فلا تطيع إلا "أولي الأمر" الذين تتوفر فيهم المواصفات القرآنية.
وأولو الأمر الناهضون ببناء الخلافة الثانية لا بد أن يقوموا إليها كما قام إلى الأولى أمثال أبي بكر وعمر، وأن يكونوا من أبناء الآخرة كما كانوا لا من أبناء الدنيا. لا بد أن يكونوا من معرفة العالم وما جد فيه،ومن معرفة الأهداف الإسلامية وكيف تحقق في هذا الزمان والمكان بالمكانة العالية. شرط إماري لازم.وشرط آكَدُ هو أن تكون دنيا من يتصدى للحكم منتظمة انتظاما إيمانيا، وإلا فكيف يُنظم أمْرَ الناس مَنْ أموره هو فُرُطٌ!
وقد وصَفَ سلفنا الصالح هذا "الانتظام الإيماني" في مثل قول معاذ بن جبل رضي الله عنه: "يا ابن آدم! أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا فانتظمها انتظاما.وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة وأنت من الدنيا على خطر".
أبناء الدنيا لا يصلحون لنظم أمر المسلمين في غد الخلافة الثانية وإلا لكانت ملكا وعضا. تحت الملك العاض والجبري انزوى من سماهم الإمام الغزالي رحمه الله "علماء الآخرة" من زهاد وعباد وصوفية. وتركوا الساحة لفقهاء الفتوى يعانون الأمرّين. ولغد الخلافة الثانية نحتاج لعباد الله الخاشعين لله الأمناء على دين الله الأقوياء على البناء. نحتاج لمن يسعى ليُبقيَ على آخرته لا لمن يكدح ليبْقَى في السلطة. نحتاج لمن يأخذ من الدنيا بلاغا لآخرته، قد خرق طموحه الدنيا وزينتها فهو مع قوله تعالى: "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علـوا في الأرض ولا فسادا".[4]
"الأمر" في الإسلام غدا لا يُعطى للحريص على الرئاسة، ولا يُسمح لصاحب الأمر أن يتفلت من مسؤولية الدنيا، تمنعه من التفلُّت المراقبة العامة التي تعين من استقام وتقوم من أساء. وما يضمن ذلك إلا اختيار الربانيين العلماء الخبراء الجامعين لصفتي القوة والأمانة، خوفهم من الله عز وجل ومن مسؤولية يوم الحساب يمنَعهم من الزيغ حيث لا تراقبهم عين الحسيب المقوم بالمعارضة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وليس لذلك إلا من تشبه بأبي بكر الذي قال له الصحابة: نفرض لك بُرْدين إن أخلقتهما وضعتهما وأخذت مثلهما. وظهرك (أي دابتك) إذا سافرت، ونفقتك على أهلك كما كنت تنفق قبل أن تُستخلَف. فقال: رضيت.
ليس لذلك إلا من تشبه بعمر بن الخطاب الذي رأى أهل العراق يرققون الطعام فقال: لو شئتُ أن يُدَهْمَقَ (يُلَيَّن ويُجوَّد) لي كما يُدهمق لكم! ولكنا نستبقي من دنيانا ما نجده في آخرتنا. أما سمعتم الله عز وجل قال لقوم: "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا"؟[5]
ليس لذلك إلا من تشبه بعثمان بن عفان الذي يبيت لربه ساجدا قائما، وبعلي الإمام الذي كان يتململ في محرابه ويمسك لحيته ويخاطب الفانية قائلا: يا دنيا غُرّي غيري!
"علماء الآخرة" الفارون بدينهم من الدنيا لا يصلحون للأمر، كما لا يصلُح إلا للإمارة الفرعية الخبيرُ المستورُ الذي لا تُعرف له تقوى. الجَلَدُ والتقوى، الخبرَة العملية والتطلع الإيماني الإحساني. ذلك جمع تعوَّذ الفاروق عمر من تفرقه إذ قال: "أعوذ بالله من جلَد الفاجر وعجز التقي".
العالم العامل. ومن العلماء من تضعُف به قدراتُه العملية، أو ضيق طبعه، أو قُصور أفقه، أو عجزه عن التعامل المثمر مع الناس.
وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وصية لنا إذ قال للصحابي الفاضل أبي ذر عندما طلب إليه إمارة: "يا أبا ذر! إنها أمانة! وإنها يوم القيامة خزي وندامة! إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها". رواه مسلم وأبو داود عن أبي ذر رضي الله عنه. وقال له: يا أبا ذر! إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي. لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين! ولا تَوَلَّيَنَّ مال يتيم".
ذلك أدنى أن لا نُحَابِيَ في الحق، وأن نختار من أهل السابقة في الجهاد وأهل الحظ من الله أقدرَهم على تحمل المسؤولية. ذلك معنى "إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها". والله ولي المومنين، لا حول ولا قوة إلا به العليم الحكيم.




[1] سورة النساء، الآية 58.
[2] سورة الشورى، الآية 35.
[3] سورة آل عمران، الآية 159.
[4] سورة القصص، الآية 83.
[5] سورة الأحقاف، الآية 19.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأربعاء أبريل 06, 2011 2:46 am

واجب المعارضة
لا يحق في دولة القرآن للقاعد المرتاح في اللامسؤولية أن يحاسب أولي الأمر المحمَّلين بالأثقال. شرط "إن استقمت فأعينوني وإن أسأت فقوموني" يلزم الطرفين،لا يلزم طرفا واحدا بينما يجلس الطرف الآخر لإحصاء الأنفاس. من لا يعين أولي الأمر على الاستقامة ليس له ولا عليه أن يُقَوِّمُ. وكيف يقوم غيره من هو على عِوَج؟
إنما تصبح المعارضة واجبا في جو من المسؤولية العامة الشاملة، جو التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر.
وهي معارضة لا تَحُطُّ رحالَها في البسيط السياسي المنفعيِّ الدنيوي الذي يأخذ الحاكم بمعايير الجدوَى وتحقيق المصلحة لا تتجاوز ذلك. هذه المعارضة والمحاسبة على الجدوَى والإنجاز وجه واحد من وجهي المعارضة. وهي واجبة في شروط المسـؤولية العامة الشاملة وفي جو التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر. لكن أخذ الكافة للكافة، ومحاسبة الحاكم والمحكوم بالمعيار الأخلاقي الإيماني الشرعي هو المطلوب.
أخذ ومحاسبة يَنْظمان "نصيب الدنيا" بمنظور "نصيب الآخرة". ولا سبيل إلى ذلك ما لم يكن الآخذ والمأخوذ من المومنين بالله واليوم الآخر، بينهم عهد الله، وذمة الله، وشرع الله، والبيعة والوفاء، والطاعة في المعروف، والإعانة على الحق. ليسَ مجرد"عقد اجتماعي" مدني سياسي.
المسؤولية العامة الشاملة لكل مرافق الحياة، الملزمة للمسلم والمسلمة كلٍّ في ميدانه، يُفصلها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته. فالإمام راع ومسؤول عن رعيته. والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته. والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها. والخادم في بيت سيده راع وهو مسؤول عن رعيته". قال الراوي: فسمع هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم، وأحسب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والرجل في مال أبيه راع وهو مسؤول عن رعيته. فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". أخرجه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
هنالك الذهنية الرّعوية الغثائية الموروثة، ذهنية القطيع الذي ينتظر ببلادة وكسل ما يُفعَلُ به.وهنالك المعارضة السياسية اللامسؤولة التي تستبيح لنفسها تزوير الحقائق وتضخيم الأخطاء دون أن تتحمل هي من الأعباء نصيبا، ودون أن تنصف أو تخاف الله.
طرفان ذميمان ووجهان مشوَّهان. وسيلقى الإسلاميون في طريقهم إلى الحكم ثم بعد استيلائهم عليه تحالفا بين الوجهين الذميمين. ففي مراحل تنظيم الحركة الإسلامية وزحفها يلتقي قمع الحكام الظلمة بسكون الجماهير المنقادة، بل بإنكارها لأهل الحق وإذعانها للدعاية المقاتلة "للمتشددين". وبعد استيلاء الإسلاميين على الحكم لن يَعْدَموا من الغوغائيين الديماغوجيين، من الطبقة المسيسة المحترفة،مَنْ يناصبهم العِداء وينصب الأفخاخ ويُحمِّلُ الحكم الإسلاميّ الناشئ تبعات ما اقترفته أيدي الظالمين من قبل.
وقد استعملت كلمة "الديماغوجيين" قصدا لأسمي داء عصريا باسم عصري لا يناسبه غيره.
إن المدافعين الثوريين عن حقوق الشعب إنما يريدون من الشعب "انقيادا" آخر يصفق لهم ويرفع شعاراتهم ليستغلوا "المخزون النفسي" الديني لدى الجماهير الإسلامية كما تُسْتَغَلُّ الدفائن النفيسة. ونحن نريد من هذه الجماهير أن تستيقظ لما يطلب إليها دين "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" لتتحمل مسؤوليتها فاعلة غير مفعولة،مراقبة كلاًّ في ميدان مسؤوليته، معارضة منتقدة.
من خصائص "المخزون" المدفون أن يحَوِّل معنى الواجبات الدينية الأكيدة تحويلا نحو السهولة والاستقالة. فترْكُ ما لا يعني يُؤوله إسلام الانقياد إلى التخلي عن السياسة. و"كلكم مسؤول عن رعيته" يفهمه أولا على أن الناس مثلُ السوائم يرعاهم الحكم، ويفهمه ثانيا على أنَّ من أساء إلى رعيته فلا مسؤولية عليه إلا بين يدي الله تعالى يوم القيامة. وهو في الدنيا حر لا رقيب عليه.
هذا الفهم العامي الركودي الاستقالي المائت من أسباب غثائيتنا، وما كرر لنا المعلم المعصوم الناطق عن الوحي صلى الله عليه وسلم كلمة "مسـؤول" في الحديث تسع مرات إلا ليَرْسَخَ عندنا المعنى العميق الساري في كل مناحي الحياة في الدنيا والآخرة للمسؤوليـة. فالإثم القلبي مقترنا بالذنب والجريمة والتفريط في الواجب يسأل عنه العباد يوم القيامة وأمرهم إلى الله. لكـن المنكَر المعلَنَ والسيئة الجهرية يجب أن يُسأل عنها مقترفها أيا كان على كل المستويات، وأن يُعارَض وينتقد.
فيما بيننا وبين المعارضات الحزبية السياسية المناوئة للحركة الإسلامية التعارض جلِيٌّ، ويوَدُّ المتقربون للإسلام "المخزوني" والمتربصون والمنافقون لو يظفَرون بمعارضة من جانبهم غير مسؤولة، يدفعوننا نحن للمسؤولية لِرَأْبِ ما صدعوه وليتفرجوا على فشلنا بعد أن ينصبوا لنا الأشراك. يجب أن نحصُرَهم لتكون معارضتُهم لنا في الوضوح والمسؤولية وبمعيار الإسلام الذي لا يعارض السياسة الفاسدة في التسيير السياسي فقط، لكن يعارض الفساد الأخلاقي والانحراف العقدي والتسيب السلوكي والتغرب الفكري.
وفيما بين الفصائل الإسلامية، والتعدد في الاتجاهات والاجتهادات أمر واقع، قد يَستصعِب البعض أن يكون اختلاف وتعارض. ويسود لدى الإسلاميين في الجملة التصور الإجماعي التواق إلى وحدة لاَ يُسمَعُ فيها همسٌ مخالِف. وهو تصوُّرٌ تخلفي مما تركته قرون السكوت تحت طائلة السيف من بصمات في نفوسنا. فتحت السيف لا يكون إلا إجماع الموافقة إمّا "لعجز الطالب" كما يعبر ابن تيمية رحمه الله وإمّا لحفظ وحدة وهمية، وتحت الرماد الجمر المتقد.
ينبغي أن نقبل الواقع الطبيعيَّ بصدر رحب، واقعِ وجود الخلاف عند الإسلاميين،وأن نعالجه المعالجة البناءة،وأن نَفْسَح المجال للرأي والرأي المخالف. ويتوقف نجاحنا في الدعوة والدولة على قدرتنا وحكمتنا في تصريف الخلاف من خلال قنوات معارضة صادقة غير منافقة، صادعة بما عندها لا منطوية على الكمد.
وما هذه الخلافات بين الصحابة رضي الله عنهم التي أدت إلى المقاتلة بالسيف إلا صنعٌ من صنع الله تعالى لنعتبر ونتعلم أن الموافقة الصامتة لا تكون إلا بين الأموات أو المقهورين المسلوبين صوت الحرية.
في ظل دولة القرآن ينبغي أن ترتفع هامات الصدق وقول كلمة الحق لكل من أخلّ بمسؤوليته من راع في إمارته، وراعية في بيتها،وخادم ومخدوم، ومدبِّر عام، وعامل خاص. في عموم وجوب قول الحق ومعارضة الباطل نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم! فقد تُوُدِّعَ منها". رواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.
لم يكن الصحابة على عهد النبوة والخلافة الأولى إمعاتٍ، بل كانوا يستنشقون رَوْحَ المسؤولية، ويتقدمون بالمبادرة الإيجابية. أحياءً غيرَ أموات.
تَرَبَّى على المعارضة وسماع النقد وطلب النصيحة عمر وأمثال عمر. لذلك قدَّم شرط "إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني". ولذلك كان يقول: "رحم الله امرأ أهدى إليَّ عيوبي".
لمّا نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بَدْراً في مواجهة قريش ووقف جيش الإسلام أهمَّ وقفة وأبلغها أثرا في تاريخه، والنبي صلى الله عليه وسلم قائد، والخطر مُحْدقٌ، والتجربة جديدة، لم يكن الصحابة رضي الله عنهم كَمّاً صامتا وعَدداً حسابيا. إنما كانوا رجالا لهم رأيهم واجتهادهم وشخصيتهم، ولولا ذلك لما كانوا هم هم، ولما كانت بدر هي بدر. قام الحُبابُ بن المنذر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! أرأيْتَ هذا المنزلَ؟ أمنزلٌ أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه. أم هو الرأي والحرب والمَكيدة؟
قال ابن إسحاق: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل هو الرأي والحرب والمَكيدة!"
قال الحُبابُ: يا رسول الله! فإن هذا ليس بمنزل! فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزِلَه، ثم نُغوِّر ما وراءه من القُلُبِ، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أشرت بالرأي!" وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يقبل الصواب، ويستمع إلى الرأي المخالف، ويصبِـر لجفاء الأعرابي ولمعارضات عمرَ بن الخطاب (وكم كانت له من معارضات)، ويشجع المبادرات البناءة، ويحمل المسؤوليات للأمير والمأمور، والرجل والمرأة. "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
صلى الله وسلم وبارك على أبي القاسم معلم الخير. وعلى آله وصحبه، وإخوانه وحزبه، ممن لا تلين قناتهم في المُلمّات، ولا يتخاذلون في المهمات.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأربعاء أبريل 06, 2011 2:47 am

"القطب الأعظم في الدين"
هذا تعبير الإمام الغزالي رحمه الله، يقصد بالقطب الأعظم الركن الركين من الإيمان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغيير المنكر إلى معروف بقوة اليد واللسان، ولا أقل من إضمار السخط على المنكر بالقلب.القطب هو قلب الرحا الذي حوله تدور، فشبه واجب القيام ضد المنكر ومعارضته ومحاربته بقلب الدين الذي يختل توازن الدين باختلاله.
قال رحمه الله: "فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيئين أجمعين. ولو طُوِيَ بساطُه وأُهْمِل علمُه وعمَلُه لتعطلت النبوة،واضمحلت الديانة،وعمّت الفَترةُ، وفشَت الضلالة، وعمت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخَرق، وخَرِبت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعُروا بالهلاك إلا يومَ التّنادِ".[1]
وذكر رحمه الله من شروط إقامة هذا الركن الأساسي من الدين: التكليف والإيمان، والعدالة، والإذنَ من الإمام، والقدرة على النهوض به.
فالتكليف مفهوم إسلامي إيماني يعبر عن روابط العبودية لله عز وجل وعن روابط العباد المكلفين فيما بينهم، يتساءلون عن حق التكليف ويتحاسبون ويقيمون حدود الله على من أخل بالتكليف الشرعي.والإيمان والعدالة شرطان في المكلف بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن المسلم لا كلفة عليه إلا بأركان الإسلام الخمسة، وناقص العدالة لا يؤتمَن على فريضة عامة يدور على سلامة تنفيذها صلاح الأمة. وإذن الإمام والقدرة شرطان تنفيذيان، لأنه إن تصدى كل مكلف عدل لتغيير المنكر مستقلا باجتهاده ومبادرته يوشك أن تعُم الفوضى، لا سيما في عصورنا التي عم فيها الجهلُ بالدين، وعمَّتْ البدَع والمناكرُ، فإن لم تُنَطْ مُهِمةُ تغيير المنكر بجهة عالِمة حكيمة تُعَرِّف المعروف والمنكر فهي الفوضى. وهي استعمالُ كلِّ مَنْ حمَت في صدره غَيرة عن حـق أو جهل أو تعصب قدرتَه في الانتقام، وإذاً يكون ما أفسدَ بغيرته العمياء أكثر مما أصلح.
كان الإمام الغزالي رحمه الله، في إبان مقاومته لفِتَنِ الفلسفة والعقائد الباطنية متوجها للمهمة التقليدية التي تفرغ إليها علماؤنا منذ افترق السلطان والقرآن. وهي مُهمة مقارعة أهل الأهواء والمذاهب الضالة.فكانت هذه حدودَ تكليفه وقدرته على تغيير المنكر والأمر بالمعروف.يدافع عن "الخليفة" المستظهر العباسي،يرى في وجوده الرمزي سدا منيعا ضد المنكر الأكبر المتمثل في العقائد الكفرية.
فلما كان في أواخر عمره، في مرحلة تأليفِ "الإحياء" وما بعدها، توسّع تصوُّره للمنكر والمعروف، ورأى في حكم الظَّلَمَةِ المنكرَ العظيمَ الذي تجب معارضته ومقاطعته. وهكذا يظهر لنا الوجهُ الخفيُّ لِما عاناه علماؤنا طيلة قرون الحكم العاض والجبري من غُصَص وما تأسفوا عليه من فوات القدرة والفرص. وفي آخر حياته رحمه الله، اعتزل الغزالي الدنيا وأهلَها فرارا بدينه، وأملا في أن يُربي أجيالا تحتفظ بعدَه بجذوة الإيمان متقدة.
قال رحمه الله: "الدخول عليهم (على الحكام الظلمة) فهو مذموم في الشرع. وفيه تغليظات وتشديدات (...). الداخل على السلطان متعرض لأن يعصِيَ الله تعالى إما بفعله أو بسكوته، وإما بقوله، وإما باعتقاده. (...). إن سجد أو ركع أو مَثُلَ قائما في سلامه وخدمته كان مكرما للظالم".[2]
ويفصل الإمام رحمه الله برنامج مقاطعة الظلمة، فلا يجوز قبول هداياهم، ولا غَشَيانُ أسواقهم، ولا التعامل مع قضاتهم وعمالهم، ولا استعمال ما بنوه من قناطر ورباطات ومساجد وسقايات.
ويقصد الإمام بالظلمة المستولين على الحكم بالسيف، وكانوا في زمنه السلاطينَ السلاجقة. كان لهم السلطان الحقيقي، ولم يكن "للخليفة" العباسي إلا الخطبة والبيعة الشكلية. وقد كتب سنجر السلطان السلجوقي إلى الإمام يطلب إليه أن يدرس في مدارس نيسابور وطـوس فامتنع وكتب إليه: "إن كل من ينطق بكلمة حق في هذه الأيام تعاديه حتى الأبواب والجُدران. وأنا سلمت الدنيا لأهلها. (...). والمقصود أن يُوَضَّحَ الحالُ، وأن تُعفوني من التدريس في نيسابور وطوس حتى أعودَ إلى زاويتي الآمنة، فإن الأيام لا تتحمل كلامي".[3]
ومن زاويته رحمه الله كتب إلى فخر الملك وزير سنجر يقول: "اعلم أن هذه المدينة أشرفت على الخراب والقحط. (...). فأغث! فأغث رعيتك! لا، بل أغث نفسك، وارحم هرَمك، ولا تضيع رعيتك (...). وإلا فأقم المصيبة والمآتم. (...). فعلاج هذه المصيبة ماءُ العين لا ماءُ العنب!".
موقف الغزالي رحمه وتطوره مِن مقارعة البدع والضلالات في حيز سمح به السلطان نفسه نموذج لفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود إمكانيات ذلك الزمان. ولا يمكن في غد الإسلام والخلافة الثانية أن نفهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حيزهما الضيق الذي تقلص إليه عمل من سبقونا بإيمان رحمهم الله، حاصرهم السلطان فتخصصوا في ملاحقة البِدع والضلالات (وهي مهمتهم على كل حال وواجبُهم) وتركوا السلطان الجائر يرتع في الدين.
بعدَ أن نعتبر بالغزالي وتطور موقفه، نرجع إلى النبْع النبوي لنستقي.
يقول الحبيب المصطفى المعلم صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". الحديث رواه مسلم وأصحاب السنن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وروى الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده، لتأمُرُنَّ بالمعروف، ولَتنهَوُنّ عن المنكر، أو ليوشِكَنّ الله أن يبعث عليكم عقابا منه. ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".
الأمرُ العليُّ جاء بتغبير المنكر، لابمجرد النهي اللفظي عنه. والوعيد الشديد لمن لم يفعل ذلك يُؤْذن بعقاب من الله عز وجل، حتى إنه سبحانه، وهو الرؤوف بعباده الرحيم، لا يستجيب دعاء من لا يفعل ما أُمِرَ.
وجاء وعيد أشد في قوله تعالى: "لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم. ذلك بما عصَوْا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهَوْن عن منكر فعلوه. لبيس ما كانوا يفعلون".[4] قال رسول لله صلى الله عليه وسلم يفسر لنا كيف اعتدى بنو إسرائيل بتركهم التناهي عن المنكر: "إن أولَ ما دخل النقض على بني إسرائيل أنه كان الرجلُ يلقَى الرجلَ، فيقول له: يا هذا! اتق الله فيما تصنع! فإنه لا يحل لك! ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيلَه وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض". الحديث رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.وقال فيه الحبيب المعلم صلى الله عليه وسلم: "كلا واللهّ لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهَوُن عن المنكر، ولتأخذُنَّ على يَد الظالم، ولتأطُرنه على الحق أطرا". وهو حديث صحيح.
حديث يرسم لنا خطوط مقاطعة أهل الباطل فُرادى، ومقاطعتهم بالإضراب العام حين يكونون قوة حاكمة غاشمة ونكون نحنُ قوة معارضة منظمة فقيهة في دينها الذي يهدد باللعنة من رضي بالمنكر وأهله وآكلهم وشاربهم وقاعدهم.
ويرحم الله الغزالي، فقد فصل ما يجب على المومنين من مقـاطعة الظلمة، فكان ذلك الفقه الذي بقي دفينا في الكتب زفرة حرَّى في زمانها، زفرة من عالم مجاهد آل به تطاوُل أهل الباطل واستعلاؤهم في الأرض إلى الانزواء مع "علماء الآخرة".
ولغد الخلافة الثانية لا بد أن تكون قوة التغيير فقيهة في دينها، عارفة بـ"القطب الأعظم" فيه. لكن لا يكفي العلم بما هو المعروف والمنكر وتعليم ذلك للناس حتى يتوقوا إلى المعروف ويكرهوا المنكر. لا يكفي أن نكون قوة سياسية يلتف حولها الشعب، ويصوت لها، ويرفعها لسدة الحكم. بل لا بد أن نحصِّل على قدرة التنفيذ، وأن نبنِيَها حتى نكون قوة إرادية تغير بالفعل، وتفعل بوازعي القرآن والسلطان.
وإنه لقتالٌ شديد بين الحق والباطل، لا يحيى الحق إلا بإماتة الباطل، أو على الأقل حصرِه في نَفَقِ الصَّغَارِ. وعلى المرتبة الإيمانية الإحسانية الأخلاقية لجند الله، وعلى نموذجية سلوكهم وتفانيهم في نصرة دين الله، يتوقف نجاح الخطة. فإنه لا يُقيم دينَ الله في الأرض إلا مومنون جسمهم وجهدهم هنا وطموح روحهم في الآخرة.
قال الله تعالى يسرُد لنا صفات الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر: "إن اللهَ اشترى من المومنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. يقاتلـون في سبيل الله فيَقْتُلون ويُقْتَلون. وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن. ومن أوفى بعهده من الله؟ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به. وذلك هو الفوز العظيم. التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله. وبشر المومنين".[5]
لا غنى للإسلاميين عن قوة الرفض والمعارضة قبل الوصول إلى الحكم وبعده لدحض الباطل ومقاطعة أهله ودك أصوله. ثم لا يتأتى أيُّ تغيير وبناء وإحقاق للحق إلا إذا كان جند الله مؤهلين التأهيل الإيماني العلمي التنظيمي العملي التنفيذي الذي تندمج فيه الخصال الروحية الأخلاقية بالقدرات العقلية التدبيرية، وتوجهها. وبشر المومنين. والله ذو الفضل العظيم.




[1] الإحياء ج2 ص269.
[2] الإحياء ج2 ص125 وما بعدها.
[3] فضائل الأنام ص42.
[4] سورة المائدة، الآيتان 80-81.
[5] سورة التوبة، الآيتان 112-113.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الدستور واركان الدولة في القرآن الكريم

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأربعاء أبريل 06, 2011 2:49 am

المعارضة والتعددية
كان المنافقون في المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقُوا الذين آمنوا قالوا: آمنا.وإذا لقوا اليهود حلفوا لهم أنهم معهم. فأنزل لله تعالى فيهم قوله من سورة المجادلة: "ألم تر إلى الذين تولّوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم"[1] إلى قوله عز وجل: "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله. أولئك حزب الشيطان. ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون".[2] فجعل سبحانه السمة البارزة لحزب الشيطان توليهم للكافرين واستحواذ الشيطان عليهم حتى أنساهم ذكر الله.
ووصف سبحانه في نفس السياق حزب الله بأنهم قوم لا يُوادُّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.
فيكون الوَلاءُ للكافرين والتحيز إليهم الصفةَ الواحدة الكافية لتعريف حزب الشيطان، والولاءُ للمومنين والتحيز إليهم صفةَ حزب الله.ألا إن حزب الله هم المفلحون.
ويُذكر الأحزاب، بالجمع، في القرآن الكريم، يُقصَد بهم جمع الكفار أعداءِ الأنبياء عليهم السلام. فمن تكرارِ "حزب الله"، "حزب الشيطان"، "الأحزاب" على مسامع المسلم تتخلّق عنده مشاعر النفور من الأحزاب، بالجمع، ومشاعر الوحدة "لحزب الله" مقابل حزب الشيطان.
ويقرأ المسلم، أو يسمع من الواعظ والفقيه، حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة فيرسُبُ في ذهنه كراهية التعدد، والضيق بالخلاف، فلا يكون عنده مُتسع لقَبول الرأي المخالف. من ها هنا تتميز في وعيه وزعمه "الفرقة الناجية"، وما عداها ففي النار. ولا أظن أن الفكر المسلمَ، والفكرَ الإسلامي بالذات، بحاجة إلى تصحيح المفاهيم العملية السياسية كما هو بحاجة إليه فيما يخص الخلاف ومعالجته بالمرونة والرفق الضرورين للتعايش مع طوائف الناس ومع الفصائل الإسلامية المخالفة في الرأي والمذهب والموقف السياسي.
لفقه حديث الفرق الثلاث والسبعين يُراجَعُ الكتاب النفيس "الاعتصام" للإمام الشاطبي رحمه الله. ففيه كلام رفيق معتدل وعلم غزير.
ولتوسيع دائرة فهمنا وتليين المتخشِّبِ من عقولنا نُسائِل السيرة النبوية لنعرف هل كان حزب الله النموذجي الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشاد بفضله القرآن الكريم وجعله لنا أُسوة ومستندا كتلةً واحدة مُصمتة، وهل كان الرأي واحدا.
لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعترض عِيرَ قريش استشار المسلمين. فقام أبو بكر ثم عمر ثم المِقداد فقالوا قولا حسنا عبروا به عن رأي المهاجرين. كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أشيروا علي أيها الناس! حتى قام إليه سعد بن معاذ سيد الأوس فقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله! قال: أجل! فقال سعد رضي الله عنه كلمته الرائعة التي ختمها قائلا: "فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك".
نُمسك نحنُ أن الأنصارَ كانوا كتلة إلى جانب المهاجرين، وكان لهم رأي، وكانت لهم كلمة وموقف، يُعبِّرُ عنهم الناطق باسمهم كما يعبر الناطق بلسان المهاجرين عن رأي المهاجرين. والقرآن الكريم يذكر بالاسم السابقين الأولين من "المهاجرين" و"الأنصار". أمة واحدة متكونة من فئتين متآلفتين مستقلتين. وخارج المدينة قبائل موالية من أعراب المسلمين، لكل منها قيادتها ورأيها. وكلها من حزب الله منذ أعطت ولاءها لأهل الإيمان وقاطعت الكفار.
في غزوة الأحزاب كانت أحزاب الكفر _حزب الشيطان_ تتكون من اليهود وقريش وغَطَفان وبني أسد ومن تبعهم. فلما أرهقوا المسلمين فاوض رسول الله صلى الله عليه وسلم غطفان على أن يُعطيهم ثلث ثمار المدينة ويرجعوا عنه. وكتبوا بذلك كتاباً حتى لم يبق إلا الإشهاد.فجاء سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رئيسا قبيلتي الأنصار، الأوس والخزرج، فتكلما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعارضا رأيه في الصلح. فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معه "أحزاب" كما كان ضده "أحزاب"؟ بالمعنى المذموم للكلمة.
بعد بدر شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في مصير الأسرى، فكان رأيُ أبي بكر موافقا لرأي النبي صلى الله عليه وسلم في مُفاداتهم. ففاداهم. وخالف عمر بن الخطاب ونزل الوحي بموافقة رأيه في قوله تعالى: "ما كان لنبيء أن يكون له أسْرَى حتى يثخن في الأرض. تريدون عرَضَ الدنيا. والله يريد الآخرة. والله عزيز حكيم".[3]
مواقف صاغها قَدَر العزيز الحكيم سبحانه لتكون لنا دروسا نموذجية حتى لا تجرنا الحرفية والجهل بالنفوس البشرية وبالدين إلى تخشب سلوكي نعجز معه عن الحركة في العالم وعن التعامل السليم بين المسلمين.
إننا لا بد أن يُعارضنا المعارضون من "حزب الشيطان" ومن "حزب الله" المسلمين البريئين من الوَلاء الكفري. وسواء وصلنا إلى الحكـم عن طريق ثورة كثورة إيران أو عن طريق انقلاب أو عن طريق انتخاب فلا محيـد لنا عن التعامل مع الأحزاب، بالمعنى العصري للكلمة. وليس القمعُ حلاًّ لخلافنا مع المخالف، ولا زعمُ وحدة الكتلة المُصمتة المتَّفقة فيما بيننا أمراً ممكنا بالطبع أو الشرع.
مما أثْبَتَ في أذهان الإسلاميين تصورَ الوحدة المُصمتة لدى حزب الله ما خلّفه الأستاذ العبقري حسن البنا رحمه الله من فكر أبرزته مواقفه السياسية.
فقد دفَع بحركة الإخوان المسلمين في خضم الصراع السياسي في مصر الغلَيان، في مصر حزب الوفد، في مصر المؤامرات ضد القصر ومع القصـر، في مصر الزعامات والتنافسات على المناصب. فكَرِهَ رحمه الله جو السياسة التعددية، وكره نوع الديموقراطية المتخلفة التي عايشها. وقبِلَ وجوهاً من الديموقراطية.
يقول رحمه الله في رسالته إلى المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين: "إن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الشوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة وعلى مسؤولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال وبيان حدود كل سلطة من السلطات -هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق على تعاليم الإسلام ونُظمه وقواعده في الحكم".
لكنه يحكم حكما يائسا على الحزبية وتعدد الأحزاب ويتوق إلى حزب وحيد بارِئٍ من علل الحزبية التعددية. فيقول في "مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي": "لقد انعقد الإجماع على أن الأحزاب المصرية هي سيئة هذا الوطن الكبرى.وهي أساس الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن (...). فهي ليست أكثر من انشقاقات أحدثتها خلافات شخصية (...) لا برامج لها ولا مناهج. (...) وإذا كان الأمر كذلك فلا ندري ما الذي يفرض على هذا الشعب الطيب المجاهد المناضل الكريم هذه الشِّيَع والطوائف من الناس التي تسمي نفسها الأحزاب السياسية. (...)
قال رحمه الله: "ولا مناص بعد الآن من أن تُحل هذه الأحزاب جميعا وتُجمعَ قوى الأمة في حزب واحد يعمل لاستكمال استقلالها وحريتها".
قلت: إن عمل هذا الرجل العظيم وفكره الرائد تركا أثرا ساريا في أفهام هذه الأجيال المباركة في الحركة الإسلامية. وكل عمل رائد وفكر وطيد إما أن يكونا مفتاحا لمزيد من التقدم في الفهم والممارسة ، وإما أن يكونا "سلفا" إليه يَنتهي إدراك العقول المقلدة وفيه تنغلق.
وما من إمام من أئمتنا الصالحين إلا ويقول لسان حاله ومقاله: افعلوا كما فعلت، واجتهدوا لزمانكم كما اجتهدت، وارجعوا إلى مُنبَثَق العلم ومُنطلَق الوحي كما رجعت.
ومسألة الحزب الوحيد التي دعا إليها شهيدنا البنا رحمه الله كانت الحل الوحيد الذي تراآى له لفساد الطبقة السياسية في زمانه. كان صراع الإخوان المسلمين مع القصر،ومع الوفد،ومع الاحتلال الإنجليزي قتالَ الطهارة للعفونة، وحزب الفتوة المتوثبة لليأس الهرم، ومناهضة الحق للباطل. شاخ حزب الوفد في غرور زعامته الوطنية المعارضة للقصر الفاسد وللاحتلال الأجنبي. وشاخت فيه أوبئة الاستبداد الزعامي.فكان الأستاذ المجدد رحمه الله يروم صَهْر الأحزاب المتنازعة على الزعامة والمنصب والمال في وحدة يكون الإخوان المسلمون فيها هم الروحَ والجَسدَ.
وليست الهيئة السياسية الوحيدة المستبدة بالحكم إلا وجها آخر للاستبداد، ومطية لا تختلف عن الحكم الفردي للظلم. وسواء كان الحـزب الوحيـد منبعثا عن ثورة هدمت القديم، أو برز من معارك التحريـر الوطني مكللا بمجد الأبطال، فهو من يومه قوةٌ مستبدة لأنه لا معارِض أمامها ولا رأي مع رأيها.
وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خشِيَ علينا أن تُبسط علينا "الدنيا" فنتنافَسَ عليها فتُهلكَنا ينطق على أهل الدعوة بالحق أنهم معرَّضون لداء الأمم كغيرهم من أهل الدولة والسياسة. وأي بسط للدنيا مثلُ احتكار السلطان؟
ثم أهي استفادة من التعددية الديموقراطية تُعرَضُ هنا على أهل الإسلام؟
إننا نكون أشد بلادة من ابن آدمَ القاتل السفاك إن لم نستفد من صواب أنفسنا وخطإها، ومن تجربة غيرنا ونتائجها. بعث الله لابن آدم القاتل غرابا، حيوانا أعجم، يبحث في الأرض ليُريَه كيف يواري سوأة أخيه. فاستوعب الدرس وتعلم من أقلَّ منه، وأحسنَ منه لأنه لم يقتل أخاه.
يُخشَى على الدعوة المرشحة على لسان كل ناطق وصامت للحكم أن تذوب في تيار السياسة. وأشد ما يكون الذوبان أن تخطئ الدعوة فتحتكر السلطان وتقمع كل معارضة وتسلك سبيل الحزب الوحيد الذي يشاهد العالم فضيحته في روسيا.
وما ربك بظلام للعبيد.




[1] سورة المجادلة، الآية 14.
[2] سورة المجادلة، الآية 19.
[3] سورة الأنفال، الآية 68.
جميع ما في هذه الردود مقتبسة من كتابي الشورى و الديموقراطية و كتاب العدل للشيخ عبد السلام ياسين. مقتبسة بتصرف.
وهي تقترب من تصوري أكثر من تصور آخر و هي قابلة للرد و النقاش.
والسلام


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4320
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 3 1, 2, 3  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى