شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

نظرات في فكر الوحدة الإسلامية للإمام جمال الدين الأفغاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

نظرات في فكر الوحدة الإسلامية للإمام جمال الدين الأفغاني

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أبريل 15, 2011 12:11 pm


من مقالاته في مجلة العروة الوثقى بعنوان: الوحدة الإسلامية


بسم الله الرحمن الرحيم

الوحدة الإسلامية

"وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم"


أظلت ولاية الإسلام ما بين نقطة الغرب الأقصى إلى تونازني على حدود الصين
في عرض ما بين فازان من جهة الشمال وبين سرنديب تحت خط الاستواء. أقطار
متصلة، وديار متجاورة، يسكنها المسلمون، وكان لهم فيها السلطان الذي لا
يغالب. أخذ بصولجان الملك منهم ملوك عظام، فأداروا بشوكتهم كرة الأرض إلا
قليلاً. ما كان يهزم لهم جيش، ولا يعكس لهم علم، ولا يرد قول على قائلهم.
قلاعهم وصياصيهم متلاقية، ومنابتهم و مغارسهم في سهوبهم "أراضيهم السهلة
الواسعة" وأخيافهم "الأراضي المنحدرة على الجبل" رابية مزدهية بأنواع
النبات، حالية بأصناف الأشجار، صنع أيدي المسلمين، ومدنهم كانت آهلة مؤسسة
على أمن قواعد العمران تباهي مدن العالم بصنائع سكانها وبدائعهم، وتفاخرها
بشموس الفضل، وبدور العلم، ونجوم الهداية، من رجال لهم المكان الأعلى في
العلوم والآداب.


كان في نقطة الشرق من حكمائهم ابن سينا والفارسي والرازي ومن يشاكلهم، وفي
الغرب ابن باجة وابن رشد وابن الطفيل ومماثلوم، وما بين ذلك أمصار تتزاحم
فيها أقدام العلماء في الحكمة و الطب والهيئة والهندسة و سائر العلوم
العقلية، هذا فضلا عن العلوم الشرعية التي كانت عامة في جميع طبقات الملة.
كان خليفتهم العباسي ينطق بالكلمة فيخضع لها لغفور الصين (لغفور : لقب ملوك
الصين) وترتعد منها فرائص أعظم الملوك في أوروبا. ومن ملوكه في قرونهم
المتوسطة مثل محمود الغزنوي و ملكشاه السلجوقي، و صلاح الدين الأيوبي، وكان
منهم في المشرق مثل تيمور الكركان، وفي الغرب السلطان محمد الفاتح،
والسلطان سليم والسلطان سليمان العثماني، أولئك رجال قضوا ولم يطو الزمان
ذكرهم و لم يمح أثرهم.


كانت لأساطيل المسلمين سلطة لا تباري في البحر الأبيض والأحمر والمحيط
الهندي ولها الكلمة العليا في تلك البحار إلى زمان غير بعيد، كان مخالفوهم
يدينون لملكوت فضلهم كما يذلون لسلطان عليهم. و المسلمون اليوم هم يملأون
تلك الأقطار التي ورثوها عن آبائهم و دينهم لا ينقص عن أربعمائة مليون،
وأفرادهم في كل قطر بما اشربت قلوبهم عن عقائد دينهم أشجع و أسرع إقدامًا
على الموت ممن يجاورهم، و هم بذلك أشد الناس ازدراء بالحياة الدنيا و أقلهم
مبالاة بزخرفها البطل، جاءهم القرآن بمحكم آياته يطالب الناظرين بالبرهان
على عقائدهم، ويعيب الأخذ بالظنون والتمسك بالأوهام، ويدعو إلى الفضائل
وعقائل الصفات، فأودع في أفكارهم جراثيم الحق وبذر في نفوسهم بذر الفضل،
فهم بأصول دينية أنور عقلا وأنبه ذهنا وأشد استعدادًا لنيل الكمالات
الإنسانية، وأقرب إلى الاستقامة في الأخلاق، وربما يرون لأنفسهم من
الاختصاص بالشرف، وما وعدوا به على لسان كتابهم الصادق من إظهار شأنهم على
شؤون العالم أجمع ولو كره المبطلون، لا يرغبون بسلطة لغيرهم عليهم، ولا
يحوم بفكر واحد منهم أن يخضع لذي سطوة من سواهم، وإن بلغت من الشدة أو
اللين ما بلغت. لما بينهم من الإخاء المؤزر بمناطق العقائد، يحسب كل واحد
منهم أن سقوط طائفة من بني ملته تحت سلطة الأجانب سقوط لنفسه. ذلك إحساس
يشعر به وجدانه ولا يجد عنه مسليا، وبما ساخ (غاص، ورسب) في نفوسهم من جذور
المعارف التي أرشدهم إليها دينهم، ونالوا منه النصيب الأعلى في عنفوان
دولتهم، يعدون أنفسهم أولى الناس بالعلم وأجدرهم بالفضل.


ذلك شأنهم الأول وهذا وصفهم الآن، ولكنهم مع هذا كله وقفوا في سيرهم بل
تأخروا عن غيرهم في المعارف والصنائع عبد أن كانوا فيها أساتذة العالم،
وأخذت ممالكهم تنقص أطرافها و تتمزق حواشيها مع أن دينهم يرسم عليهم أن لا
يدينوا لسلطة من يخالفهم بل الركن الأعظم لدينهم طرح ولاية الأجنبي عنهم
وكشفها عن ديارهم بل منازعة كل ذي شوكة في شوكته. هل نسوا وعد الله لهم بأن
يرثوا الأرض وهم العباد الصالحون ؟ هل غفلوا عن تكفل الله لهم بإظهار
شأنهم على سائر الشؤون ولو كره المجرمون ؟ هل سهوا عن أن اله اشترى منهم
لإعادة كلمته أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة؟ لا. لا. إن العقائد
الإسلامية مالكة لقلوب المسلمين حاكمة في إرادتهم وسواء في العقائد الدينية
والفضائل الشرعية عامتهم وخاصتهم.


نعم يوجد للتقصير في إنماء العلوم، وللضعف في القوة أسباب أعظمها تخالف
طلاب الملك فيهم، لأنا بينا أن لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم، فتعدد
الملكة عليهم كتعدد الرؤساء في قبيلة واحدة، والسلاطين في جنس واحد، مع
تباين الأغراض وتعارض الغايات، فشغلوا أفكار الكافة بمظاهرة كل خصمن خصمه،
وألهوا العامة بتهيئة وسائل المغالبة و قهر بعضهم لبعض، فأدت هذه المغالبات
وهي أشبه شيء بالمنازعات الداخلية في الذهول عما نالوا من العلوم
والصنائع، فضلا عن التقصير في طلب ما لم ينالوا منها، والأعسار دون الترقي
في عواليها، ونشأ من هذا ما تراه من الفاقة والاحتياج وعقبه الضعف في القوة
و الخلل في النظام، و جلب تنازع الأمراء على المسلمين تفرق الكلمة وانشقاق
العصا، فلهوا بأنفسهم عن تعرض الأجانب العدوان عليهم.


هذا كان من أمراء المسلمين مع ما فيه من الضرر الفادح عندما كانوا منفردين
في ميادين الوغى، لا يجاريهم فيها سواهم من الملل ولكن ضرب لفساد في نفوس
أولئك الأمراء بمرور الزمان، وتمكن من طباعهم حرص وطمع باطل فانقلبوا مع
الهوى، وضلت عنهم غايات المجد المؤثل، وقنعوا بألقاب الإمارة وأسماء
السلطنة وما يتبع هذه الأسماء من مظاهر الفخفخة وأطوار النفخة ونعومة العيش
مدة م الزمان، واختاروا موالاة الأجنبي عنهم المخالف لهم في الدين والجنس،
ولجأوا للإستنصار به وطلب المعونة منه على أبناء ملتهم استبقاء لهذا الشبح
البالي والنعيم الزائل.


هذا الذي أباد مسلمي الأندلس، وهدم أركان السلطنة التيمورية في الهند وفي
أطلالها وعلى رسومها شيد الانجليز ملكهم بتلك الديار. هكذا تلاعبت أهواء
السفهاء بالممالك الإسلامية، ودهورتها أمانيهم الكاذبة في مهاوي الضعف
والوهن، قبح ما صنعوا وبئس ما كانوا يعملون، أولئك اللاهون بلذاتهم،
العاكفون على شهواتهم، هم الذين بددوا شمل الملة، وأضاعوا شأنها، وأوقفوا
سير العلوم فيها، وأوجبوا الفترة في الأعمال النافعة، من صناعة وتجارة
وزراعة بما غلوا من أيدي بنيها.


ألا قاتل الله الحرص على الدنيا والتهالك على الخسائس، ما أشد ضررهما وما
أسوأ أثرهما، نبذوا كلام الله خلف ظهورهم وجحدوا فرضًا من أعظم فروضه،
فاختلفوا والعدو على أبوابهم. وكان من الواجب عليهم أن يتحدوا في الكلمة
الجامعة، حتى يدفعوا غارة الأباعد عنهم، ثم لهم أن يعودوا لشؤونهم. ماذا
أفادتهم المغالاة في الطمع والمنافسة في السفاسف ؟ أفادتهم حسرة دائمة في
الحياة، و شقاء أبديا بعد الممات، وسوء ذكر لا تمحوه الأيام.


أما وعزة الحق و سر العدل، لو ترك المسلمون وأنفسهم بما هم عليه من العقائد
من رعاية العلماء العاملين منهم، لتعارفت أرواحهم وائتلفت آحادهم، ولكن وا
أسفا تخللهم أولئك المفسدون الذين يرون كل السعادة في لقب أمير أو ملك ولو
على قربة لا أمر فيها ولا نهي. هؤلاء الذين حولوا أوجه المسلمين عما ولاهم
الله وخرجوا على ملوكهم وخلفائهم، حتى تناكرت الوجوه وتباينت الرغائب.


الاتفاق والتضافر على تعزيز الولاية الإسلامية، من أشد أركان الديانة
المحمدية، والاعتقاد به من أوليات العقائد عند المسلمين، لا يحتاجون فيه
إلى أستاذ يعلم، ولا كتاب يثبت، ولا رسائل تنشر. إن رعاة المسلمين فضلاً
عمن علاهم تتصاعد زفراتهم، وتفيض أعينهم من الدمع حزنًا وبكاء على ما أصاب
ملتهم من تفرق الآراء، وتضارب الأهواء، ولولا وجود الغواة من الأمراء، ذوي
المطامع في السلطة بينهم، لاجتمع شرقيهم بغربيهم، وشماليهم بجنوبيهم، ولبى
جميعهم نداء واحدا. إن المسلمين لا يحتاجون في صيانة حقوقهم، إلا إلى تنبه
أفكارهم لمعرفة ما به يكون الدفاع واتفاق آرائهم على القيام به عند لزومه
وارتباط قلوبهم الناشئ عن إحساس بما يطرأ على الملة من الأخطار.


ألم تر أمة الروس هل تجد فيها ما يزيد على هذه الأصول الثلاثة، هي أمة
متأخرة في الفنون والصنائع عن سائر أمم أوربا وليس في ممالكها ينابيع
للثروة، ولئن كانت فليس هناك ما يستفيضها من الأعمال الصناعية، فهي مصابة
بالحاجة والأعواز، غير أن تنبه أفكار آحادها لما به يكون الدفاع عن أمتهم
واتفاقهم في النهوض به وارتباط قلوبهم صير لها دولة تميد لسطوتها رواسي
أوربا. لم يكن لروسية مصانع لمعظم الآلات الحربية، ولكن يمنعها ذلك عن
اقتنائها، ولم يرتق فيها الفن العسكري إلى حد ما عليه جيرانها، إلا أن هذا
لم يقعدها عن جلب ضباط من الأمم الأخرى لتعليم عساكرها، حتى صار لجيشها
صولة تخيف، وحملة تخشاها دول أوربا.فما الذي أقعدنا عن مشاكلة غيرنا، فيما
هو أيسر الأشياء علينا، ونحن أشد الناس ميلا إليه : من رعاية شرف الملة و
التألم بما يحط منه والتعاون على صون الوحدة الجامعة لنا عن كل ما يثلمها.
ما ردّ الأفكار عن الحركة، وما أقعد الهمم عن النهوض، إلا أولئك المترفون،
يحرصون على طيب في المطعم، ولين في المضجع، وتطاول في البنيان، وتفاخر
بالخدم والخول ولا يراعون في حرصهم ما بعد يومهم، و يحافظون على لقب موضوع
ورسم متبوع، يفنعون منه بالاحتفال لهم في المواسم والأعياد وهز الرؤوس وثني
الأعطاف، تعظيمًا وتبجيلاً، ثم تذييل الأوراق الرسمية بأسماء ليس لها
مسميات. هؤلاء الساقطون يرضون لتخيل هذه المواثل (جمع ماثل من الرسوم : ما
ذهب أثره) بكل دنيئة، هؤلاء مقبلون من تصرف أعدائهم في بيوتهم مالا يقبله
واحد من آحاد الناس دون موته، أولئك صاروا في أعناق المسلمين سلاسل
وأغلالاً، يحبسون هذه الأسوة عن فريستها بل يجعلونها طعمة للثعالب، لا حول
ولا قوة إلا بالله.


أيا بقية الرجال، ويا خلف الأبطال، و يا نسل الأقيال، هل ولى بكم الزمان،
هل مضى وقت التدارك، هل آن أوان اليأس، لا، لا، معاذ الله أن ينقطع أمل
الزمان منكم، إن من أدرنه إلى يشاور دولاً إسلامية متصلة الأراضي، متحدة
العقيدة يجمعهم القرآن، لا ينقص عددهم عن خمسين مليونًا، وهم ممتازون لين
أجيال الاس بالشجاعة والبسالة، أليس لهم أن يتفقوا على الذب والأقدام كما
اتفق عليه سائر الأمم، ولو اتفقوا فليس ذلك ببدع منهم، فالاتفاق من أصول
دينهم، هل أصاب الخدر مشاعرهم فلا يحسون بحاجات بعضهم البعض، أليس لكل واحد
أن ينظر إلى أخيه بما حكم الله في قوله (إنما المؤمنون اخوة) فيقيمون
بالوحدة سدًا يحول عنهم هذه السيول المتدفقة عليهم من جميع الجوانب.


لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصًا واحدًا، فإن هذا
ربما كان عسيرًا، و لكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهة وحدتهم
الدين، وكل ذي ملك على ملكه يسى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع فإن حياته
بحياته و بقاءه ببقائه، إلا أن هذا بعد كونه أسباسًا لدينهم تقضي به
الضرورة، و تحكم به الحاجة في هذه الأوقات.


هذا آن الاتفاق، هذا آن الاتفاق ألا إن الزمان يواسيكم بالفرص وهي لكم
غنائم فلا تفرطوا، إن البكاء لا يحي الميت، إن الأسف لا يرد الفائت، إن
الحزن لا يدفع المصيبة، إن العمل مفتاح النجاح، إن الصدق والإخلاص سلم
الفلاح، إن الوجل يقرب الآجل، إن اليأس وضعف الهمة من أسباب الحتف (وقل
اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب
والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) ألا لا تكونوا ممن كره الله انبعاثهم
فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، احذروا أن تقعوا تحت قول الله : (رضوا بأن
يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون) إن القرآن حي لا
يموت، ومن أصاابه نصيب من حمده فهو محمود، ومن أصيب بسهم من مقته فهو
ممقوت، كتاب الله لا ينسخ فارجعوا إليه، وحكموه في أحوالكم وطباعكم (وما
الله بغافل عما تعملون).


ولعل أمراء المسلمين قد وعظوا بسوء مغبة أعمال السالفين وهموا بملاقاة
أمرهم، قبل أن يقضى عليهم، بما رزئ به المفرطون من قبلهم، ورجاؤنا أن أول
صيحة تبعث إلى الوحدة وتوقظ من الرقدة، تصدر عن أعلاهم مرتبة، وأقواهم
شوكة، ولا نرتاب في أن العلماء العاملين ستكون لهم اليد الطولى في هذا
العمل الشريف، و الله يهدي من يشاء ولله الأمر من قبل ومن بعد.

المصدر: من مقالات مجلة العروة الوثقى لجمال الدين الأفغاني





صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



avatar
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام


الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 13409
نقاط : 24907
السٌّمعَة : 23
العمر : 37
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الوحدة والسيادة والوفاق والغلب

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أبريل 15, 2011 12:14 pm


من مقالاته في مجلة العروة الوثقى : الوحدة والسيادة والوفاق والغلب


الوحدة والسيادة والوفاق والغلب
"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"

أمران خطيران تحمل عليهما الضرورة تارة، ويهدي إليهما الدين تارة أخرى،
وقد تفيدهما التربية وممارسة الآداب، وكل منهما يطلب الآخر و يستصحبه بل
يستلزمه، وبهما نمو الأمم وعظمها ورفعتها واعتلاؤها، وهما الميل إلى وحدة
تجتمع، والكلف بسيادة لا توضع. وإلا أراد الله بشعب أن يوجد و يلقي بوانيه
(يثبت ويقيم) إلى اجل مسمى أودع في ضئاضئه (أصوله)هذين الوصفين الجليلين،
فأنشأه خلقًا سويًا، ثم استبقى له حياته بقدر ما مكن فيه من الصفتين إلى
منتهى أجله.

كل أمة لا تمد ساعدها لمغالبة سواها لتنال منها
بالغلب ما تنمو به بنيتها، ويشتد به بناؤها، فلا بد يوما أن تقضم وتهضم و
تضمحل ويمحى أثرها من بسيط الأرض. إن التغلب في الأمم كالتغذي في الحياة
الشخصية، فإذا أهمل البدن من الغذاء وقفت حركة النمو، ثم ارتدت إلى الذبول
والنحول، ثم أفضت إلى الموت والهلاك، وليس من الممكن لأمة أن تحفظ قوامها؛
وتصول على من يليها لتختزل منه ما يكون مادة لنمائها، إلا أن تكون متفقة في
تحصيل ما تحاج إليها هيئتها. إذا أحسست من أمة ميلاً إلى الوحدة فبشرها
بما اعد الله لها في مكنون غيبه من السيادة العليا و السلطة على متفرقة
الأمم. إذا تصفحنا تاريخ كل جنس واستقرينا أحوال الشعوب في وجودها وفناها،
وجدنا سنة الله في الجمعيات البشرية، حظها من الوجود على مقدار حظها من
الوحدة، ومبلغها من العظمة على حسب تطاولها في الغلب، وما انحرف شأن قوم
وما هبطوا عن مكانتهم، إلا عند لهوهم بما في أيديهم، وقناعتهم بما تسنى
لهم، ووقوفهم على أبواب ديارهم، ينظرون طارقهم بالسوء، وما أهلك الله
قبيلاً إلا بعدما رزئوا بالافتراق، و ابتلوا بالشقاق، فأورثهم ذلاً طويلا
وعذابا وبيلا، ثم فناء سرمديًا.

الوفاق تواصل وتقارب يحدثه إحساس
كل فرد من أفراد الأمة بمنافعها ومضارها، وشعور جميع الآحاد في جميع
الطبقات بما تكسبه مجد وسلطان، فيلذ لهم كما يلذ أشهى مرغوب لديهم، و بما
تفقده من ذلك، فيألمون له كما يألمون لأعظم رزء يصابون به، وهذا الإحساس هو
ما يبعث كل واحد على الفكر في أحوال أمته، فيجعل جزءًا من زمنه للبحث فيما
يرجع إليها بالشرف و السؤدد، ما يدفع عنها طوارق الشر و الغيلة، ولا يكون
همه بالفكر في هذا أقل من همه بالنظر في أحواله الخاصة ثم لا يكون نظرًا
عقيمًا حائزًا بين جدران المخيلة، دائرًا على أطراف الألسنة، بل يكون
اتبصارًا تتبعه عزيمة يصدر عنها عمل يثابر على استكماله بما يمكن من السعة،
وما تحتمله القدرة على نحو ما يكون في استحصال مواد المعيشة بلا فرق، بل
تحتمله القدرة على نحو ما يكون في استحصال مواد المعيشة بلا فرق، بل تجد
الأنفس أن شأن الأمة في المكان الأول من النظر، والدرجة الأولى من
الاعتبار، والشؤون الخاصة في المنزلة الثانية منهما. ولا تقف فيما تجد عند
جلب المصالح ودرء المفاسد لأوقاتها الحاضرة، بل يأخذ العقلاء منها سبلاً من
التفكير، و يخترطون سيوفًا من الهمة، ليصيبوا من سعيهم شوارد من القوة، و
نواد من المكنة، ويستخرجوا دفائن من الثروة ويجمعوا ذلك للأمة، لصيانة
حياتها إلى حد العمر اللائق بها، كما يسعى الحازم جهده لتوفير ما يلزم
لمعيشته، وما يطمئن به قلبه في دفع حاجته مدة العمر الغالب، بل يزيد عليه
ما فيه الكفاية لأبنائه من بعده. وإن الدور الأول من أعمار الأمم لا ينقص
عن خمسة قرون ثن تتلوه سائر الأدوار وأولها أقصرها وهو سن الطفولية، و بدء
الكمال فيما يليه، فما أرفع همم العقلاء في الأمم المستبصرة.

إذا
بلغ الإحساس من مشاعر أفراد الأمة إلى الحد الذي بيناه، رأيت في الدهماء
منهم والخاصة هممًا تعلو، وشيمًا تسمو، وإقدامًا يقود، وعزمًا يسوق، كل
يطلب السيادة و الغلب، فتتلاقى هممهم، و تتلاحق عزائمهم في سبيل الطلب
فيندفعون للتغلب على الذين يلونهم، كما تندفع اليول على الوهاد، ولا تقف
حركتهم دون الغاية مما نهضوا إليه، و يكون نزوهم على الأمم بعد الغلب الأول
تدفقًا من الطبع لا يحتاج إلى فكر وروية إلا في إعداد وسائل الفوز والظفر.


هذان الأمران الوفاق والغلب عمادان قويان وركنان شديدان من أركان
الديانة الإسلامية، وفرضان محتومان على من يستمسك بها، ومن خالف أمر الله
فيما فرض منهما عوقب من مقته بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، جاء في
قول صاحب الشرع "إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه معضًا" و إن المؤمن
ينزل من المؤمن منزلة أحد أعضائه إذا مس أحدها ألم تأثر له الآخر، وجاء في
نهيه "لا تقاطعوا ولا تدابوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا" وأنذر
ما شذ عن الجماعة بالخسران والهلكة وضرب له مثل الشاة القاصية تكون فريسة
للذئاب.

هذا كله بعدما أمر الله عباده بالاعتصام بحبله، ونهاهم عن
التفرق والتغابن، و امتن عليهم بنعمة الأخوة بعد أن كانوا أعداء ونطق
الكتاب الإلهي (إنما المؤمنون اخوة) و طلب من المخاطبين بآياته أن يبادروا
بإصلاح ذات البين عند التخالف، ثم شدد على وجوب الإصلاح و أدى إلى مقاتلة
الباغي، فقال : "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت
إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله" وإنما أمر
الله الدخول فيما اتفق عليه المؤمنون وتوحيد الكلمة الجامعة "ولا تكونوا
كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات" وتوعد الكتاب الأقدس كل
من انحرف عن سبيل المؤمنين بالعقاب الأليم فحكم بأن من يتبع غير سبيل
المؤمنين يوله الله ما تولى، و يصله جهنم وساءت مصيرا، وفي أمره الصريح
إيجاب التعاون على البر و التقوى، ولا بر أحق بالتعاون عليه من تعزيز كلمة
الحق وإعلاء منار الأمة. وأخير الصادق صلى الله عليه وسلم أن (يد الله مع
الجماعة) وكفى بالقدرة الإلهية عونًا إذا صح الاجتماع و صدقت الألفة، وقد
بلغت مكانة الاتفاق في الشريعة الإسلامية أسمى درجة في الرعاية الدينية،
حتى جعل إجماع الأمة واتفاقها على أمر من الأمور كاشفًا عن حكم الله وما في
علمه وأوجب الشرع الأخذ به على عموم المسلمين، وعد جحوده مروقًا من الدين،
وانسلاخًا عن الإيمان، ومن عناية الشارع بأمر الاتفاق قوله صلى الله عليه
وسلم "لو جعيت إلى حلف الفضول لفعلت" (حلف الفضول ما كان من هاشم و زهرة
وتيم حيث وفدوا على عبد الله بن جدعان و تحالفوا على أن يدفعوا الظلم
ويأخذوا الحق من الظالم، وسمي حلف الفضول لأنهم تحالفوا على أن لا يدعوا
عند أحد فضلاً يزيد عن حقه ويكون نواله بالظلم إلا أخذوه منه وردوه
لمستحقه) فهو من حلف الجاهلية، وقد صرح الشارع بقبوله لو دعي إليه، هذا
إجمال الأدلة على وجوب الاتفاق وحظر المنابذة والمغابنة بين المسلمين، بل
وبينهم وبين غيرهم ممن رضي بذمتهم وقبل جوارهم بالمعروف في شرعهم فإن سبيل
المؤمنين ولا يضيق عنه.

وأما السعي لإعداد كلمة الحق وبسطة الملك
وعموم السيادة فلا تجد آية من آيات القرآن الشريف إلا وهي داعية إليه،
جاهزة بمطالبة المسلمين بالجد فيه، حاظرة عليهم أن يتوانوا في أداء المفروض
منه، ومن الأوامر الشرعية أن لا يدع المسلمون تنمية ملتهم حتى لا يكون
فتنة ويكون الدين كله لله، وفي السنة المحمدية والسيرة النبوية، مما يضافر
آيات القرآن ما جمعه العلماء في مجلدات يطول عدها، هذا حكم ديننا لا يرتاب
فيه أحد من المؤمنين به والمستمسكين بعروته.

هل يمكن لنا ونحن على
ما نرى من الاختلاف والركون على الضيم أن ندعي القيام بفروض ديننا. كيف
ومعظم الأحكام الدينية موقوف إجراؤه على قوة الولاية الشرعية، فإن لم يكن
الوفاق والميل إلى الغلب فرضين لذاتهما أفلا يكونان مما لا يتم الواجب إلا
به ؟ فكيف وهما ركنان قامت عليهما لشريعة كما قدمنا، هل لنا عذر نقيمه عند
الله يوم العرض والحساب يوم لا ينفع خلة ولا شفاعة بعد هدم الركنين، وأيسر
شيء علينا إقامتهما و عديدنا خمسمائة مليون أو يزيد، هل يتيسر لنا إذا
خلونا بأنفسنا وجادلتنا ضمائرنا أن نقنعها و نرضيها بما نحن عليه الآن ؟

كل هذه الرزايا التي حطت بأقطارنا، ووضعت من أقدارنا، ما كان قاذفنا
ببلائها، ورامينا بسهامها، إلا افتراقنا و تدابرنا والتقاطع الذي نهانا
الله ونبيه عنه، لو أدينا حقوقًا تطالبنا بها تلك الكلمة التي تهل بها
ألسنتنا، و تطمئن قلوبنا بذكرها، وهي كلمة الله العليل، هل كان يمكن
للأغراب أن يمزقوا ممالكنا كل ممزق ؟ وهل كان يلمع سيف العدوان في وجوهنا ؟
وهل كنا نشيم نيران الأعداء إلا وأقدامنا في صياصيهم، وأيدينا على
نواصيهم. إن لأبناء الملة الإسلامية يقينا بما جاء به شرعهم، لكن أليس على
صاحب اليقين بدين أن يقوم بما فرض الله عليه في ذلك الدين ؟ (أحسب الناس أن
يتركوا أن يقولوا آمنا وهو لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم وليعلمن
الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) ولا ريبة في أن المؤمن يسره أن يعلمه
الله صادقا لا كاذبا، وأي صدق تظهره الفتنة و يمتاز به الصادق من الكاذب
إلا الصدق في العمل، هل يود المسلم لو يعمر ألف سنة في الذل والهوان وهو
يعلم أن الازدراء بالحياة هو دليل الإيمان، أنرضى ونحن المؤمنون وقد كانت
لنا الكلمة العليا أن تضرب علينا الذلة و المسكنة، وأن يستبد في ديارنا
وأموالنا من لا يذهب مدهبنا، ولا يرد مشربنا، و لا يحترم شريعتنا، ولا يرقب
فينا إلاًّ ولا ذمة، بل أكبر همة أن يسوق علينا جيوش الفناء حتى يخلي منا
أوطاننا، و يستخلف فيها بعدنا أبناء جلدته، والجالية من أمته ؟


لا. لا. إن المخلصين في إيمانهم الواثقين بوعد الله في نصر من ينصر الله
الثابت في قوله : (إن ينصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) لا يتخلفون عن بذل
أموالهم وبيع أرواحهم، و الحق داع و الله حاكم و الضرورة قاضية فأين المفر
؟ المبصر بنور الله يعلم انه لا سبيل لنصر الله وتعزيز دينه إلا بالوفاء و
تعاون المخلصين من المؤمنين. هل يسوغ لنا أن نرى أعلامنا منكسة، وأملاكنا
ممزقة، و القرعة تضرب بين الغرباء على ما بقي في أيدينا ثم لا نبدي حركة،
ولا نجتمع على كلمة، وندعي مع هذا أننا مؤمنون بالله وبما جاء به محمد ؟
واخجلتاه لو خطر هذا ببالنا ولا أظنه يخطر ببال مسلم يجري على لسانه شاهد
الإسلام.

إن الميل للوحدة و التطلع للسيادة وصدق الرغبة ف يحفظ
حوزة الإسلام كل هذه صفات كامنة في نفوس المسلمين قاطبة ولكن دهاهم بعض ما
أشرنا إليه في أعداد ماضية فألهاهم عما يوحي به الدين في قلوبهم وأذهلهم
أزمانًا عن سماع صوت الحق يناديهم من بين جوانحهم، فسهوا وما غووا، وزلوا
وما ضلوا، ولكنهم دهشوا وتاهوا، فمثلهم مثل جواب المجاهيل من الأرض في
الليالي المظلمة، كل يطلب عونًا وهو معه ولكن لا يهتدي إليه وأرى أن
العلماء العاملين لو وجهوا فكرتهم لإيصال أصوات بعض المسلمين إلى مسامع
بعض، لأمكنهم أن يجمعوا بين أهوائهم في أقرب وقت وليس بعسير عليهم ذلك
بعدما اختص الله من بقاع الأرض بيته الحرام بالاحترام وفرض على كل مسلم أن
يحجه ما استطاع، وفي تلك البقعة يحشر الله من جميع رجال المسلمين وعشائرهم
وأجناسهم فما هي إلا كلمة تقال بيهم من ذي مكانة في نفوسهم تهتز لها أرجاء
الأرض، و تضطرب لها سواكن القلوب. هذا ما أعدتهم له العقائد الدينية فإن
أضفت إليه ما أذاب قلوبهم من تعديات الأجانب عليهم، وما ضاقت به صدورهم من
غارات الغزباء على بلادهم، حتى بلغت أرواحهم التراقي، ذهبت إلى أن
الاستعداد بلغ من نفوس المسلمين حدًا يوشك أن يكون فعلاً، وهو مما يؤيد
الساعين في هذا المقصد، ويهيئ لهم فوزا ونجاحا بعون الله الذي ما خاب
قاصده، وهو ربي إليه أدعو وإليه أنيب.

المصدر: من مقالات مجلة العروة الوثقى لجمال الدين الأفغاني




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



avatar
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام


الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 13409
نقاط : 24907
السٌّمعَة : 23
العمر : 37
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نظرات في فكر الوحدة الإسلامية للإمام جمال الدين الأفغاني

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الإثنين أغسطس 22, 2011 10:01 pm

انحطاط المسلمين وسكونهم وسبب ذلك/ جمال الدين الأفغاني

واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا

إن للمسلمين شدة في دينهم وقوة في إيمانهم وثباتاً على يقينهم يباهون بها من عداهم من الملل. وإن في عقيدتهم أوثق الأسباب لارتباط بعضهم ببعض. ومما رسخ في نفوسهم أن في الإيمان بالله وما جاء به نبيهم صلى الله عليه وسلم كفالة السعادة الدارين ومن حرم الإيمان فقد حرم السعادتين، ويشفقون على أحدهم أن يمرق من دينه أشد مما يشفقون عليه من الموت والفناء. وهذه الحالة كما هي في علمائهم متمكنة في عامتهم. حتى لو سمع أي شخص منهم في أي قطر ومن أي بقعة من بقاع الأرض عالماً كان أو جاهلاً أن واحداً ممن وسم بسمة الإسلام في أي قطر ومن أي جنس صبا عن دينه رأيت يصل إليه هذا الخبر في تحرق وتأسف يلهج بالحوقلة والاسترجاع. ويعد النازلة من أعظم المصائب على من نزلت به، بل على جميع من يشاركه في دينه. ولو ذكرت مثل هذه الحادثة في التاريخ وقرأها قارؤهم بعد مائتين من ا لسنين لا يتمالك قلبه من الاضطراب ودمه من الغليان. ويستنفر الغضب ويدفع لحكاية ما رآه كأنه يتحدث عن غريب أو يحكي عن عجيب.

المسلمون بحكم شريعتهم ونصوصها الصريحة مطالبون عند الله بالمحافظة على ما يدخل في ولايتهم من البلدان. وكلهم مأمور بذلك لا فرق بين قريبهم وبعيدهم ولا بين المتحدين في الجنس ولا المختلفين فيه، وهو فرض عين على كل واحد منهم إن لم يقو قوم بالحماية عن حوزتهم كان على الجميع الآثام، ومن فروضهم في سبيل الحماية وحفظ الولاية، بذل الأموال والأرواح وارتكاب كل صعب، واقتحام كل خطب، ولا يباح لهم المسالمة مع من يغالبهم في أي حال من الأحوال حتى ينالوا الولاية خاصة لهم من دون غيرهم، وبالغت الشريعة في طلب السيادة منهم على من يخالفهم إلى حد ولو عجز المسلم عن التملص من سلطة غيره، لوجبت عليه الهجرة من دار حربه. وهذه قواعد مثبتة في الشريعة الإسلامية يعرفهاýأهل الحق، ولا يغير منها تأويلات أهل الأهواء، وأعوان الشهوات في كل زمان.

المسلمون بحيث كل واحد منهم بهاتف يهتف من بين جنبيه يذكره بما تطالبه به الشريعة، وما يفرض عليه الإيمان، وهو هاتف الحق الذي بقي له من الهامات دينه، ومع كل هذا نرى أهل هذا الدين في هذه الأيام بعضهم في غفلة عما سلم بالبعض الآخر، ويألمون لما يألم له بعضهم فأل (بلوجستان) كانوا يرون حركات الإنجليز في (أفغانستان) على مواقع أنظارهم، ولا بجيش لهم جأش ولم تكن لهم نعرة على إخوانهم، والأفغانيون كانوا يشهدون تدخل الإنجليز في بلاد فارس ولا يضجروا ولا يتململون، وأن جنود الإنجليز تضر في الأراضي المصرية ذهاباً وإياباً وتقتل وتفتك، ولا ترى نجدة في نفوس إخوانهم المشرفين على مجاري دمائهم، بل السامعين لخريرها من حلاقيمهم، الذين احمرت أحداقهم من مشاهدها بين أيديهم وتحت أرجلهم وعن شمائلهم.

تمسك المسلمين بتلك العقائد وإحساسهم بداعية الحق في نفوسهم مع هذه الحالة التي هم عليها مما يقضي بالعجب ويدعو إلى الحيرة، ويسبق إلى بيان السبب فخذ مجملاً منه: إن الأفكار العقلية والعقائد الدينية وسائر المعلومات والمدركات والوجدانيات النفسية وإن كانت هي الباعثة على الأعمال وعن حكمها تصدر بتقدير العزيز العليم، لكن الأعمال تثبتها وتقويها وتطبعها في الأنفس عليها حتى يصير ما يعبر عنه بالملكة والخلق، وتترتب عليه الآثار التي تلائمها.

نعم إن الإنسان إنسان بفكره وعقائده إلا ما ينعكس إلى مرايا عقله من مشاهد نظره ومدركات حواسه يؤثر فيه أشد التأثير، فكل شهود يحدث فكر اً‏و كل فكر يكون له أثر في داعية، وعن كل داعية ينشأ عمل، ثم ي عود من العمل إلى ا لفكر، ولا ينقطع الفعل والانفعال بين الأعمال والأفكار، مادامت الأرواح في الأجساد، وكل قبيل هو للآخر عماد.

إن للأخوة وسائر نسب القرابة صورة عند العقل ولا أثر لها في الإعتصاب والالتحام لولا ما تبعث عليه الضرورات، وتلجئ إليه الحاجات، عن تعاون الأنسباء والعصبة على نيل المنافع، وتضافرهم على دفع المضار، وبعد مرور الأيام على المضافرة والمناصرة تأخذ النسبة من القلب مأخذاً يصرفه في آثارها بقية الأجل ويكون انبساط النفس لعون القريب، وغضاضة القلب لما يصيبه من ضيم أو نكبة جارياً مجرى الوجدانيات الطبيعية كالإحساس بالجوع والعطش والري والشبع، بل اشتبه أمره على بعض ا لناظرين فغده طبيعياً. فلو أهملت صلة النسب بعد ثبوتها والعلم بها، ولم تدع ضرورات الحياة في وقت من الأوقات إلى ما يمكّن تلك الصلة ويؤكدها، أوجد صاحب النسب من يظاهره في غير نسبه أو ألجأته ضرورة ýإلى ذلك ذهب أثر تلك الرابطة النسبية، ولم يبق منها إلا صورة في العقل تجري مجرى المحفوظات من الروايات والمنقولات. وعلى مثال ما ذكرنا في رابطة النسب وهي أقوى رابطة بين البشر يكون ا لأمر في سائر الاعتقادات التي لها أثر في الاجتماع الإنساني من حيث ارتباطه بعضه ببعض. إذ لم يصحب العقد الفكري ملجئ الضرورة أو قوة الداعية إلى عمل تنطبع عليه الجارحة وتمرّن عليه ويعود أثر تكريره على الفكر حتى يكون هيئة للروح وشكلاً من أشكالها، فلن يكون منشأ آثاره، وإنما يعد في الصور العلمية له رسم يلوح في الذاكرة عند الالتفات إليه كما قدمنا.

بعد تدبر هذه الأصول البينة والنظر فيها بعين الحكمة يظهر لك السبب في سكون المسلمين إلى ما هم فيه مع شدتهم في دينهم، والعلّة في تباطئهم عن نصرة إخوانهم، وهم أثبت الناس في عقائدهم، فإنه لم يبق من جامعة بين المسلمين في الأغلب إلا العقيدة الدينية مجرّدة عما يتبعها من الأعمال، وانقطع التعارف بينهم وهجر بعضهم بعضاً هجرا‏ غير جميل: فالعلماء وهم القائمون على حفظ العقائد وهداية الناس إليها لا تواصل بينهم ولا تراسل فالعالم التركي في غيبة عن حال العالم الحجازي فضلاً عمّن يبعد عنهم، والعالم الهندي في غفلة عن شؤون العالم الأفغاني وهكذا، بل العلماء من أهل قطر واحد لا ارتباط بينهم، ولا صلة تجمعهم إلا أن يكون بين أفراد العامة لدواع خاصة من صداقة أو قرابة بين أحدهم وآخر، أما في هيئتهم الكلية فلا وحدة لهم، بل لا أنساب بينهم، وكل ينظر إلى نفسه ولا يتجاوزها كأن كون برأسه.

كما كانت هذه الجفوة وذاك الهجران بين العلماء، كانت كذلك بين الملوك والسلاطين من المسلمين.أليس بعجيب أن لا تكون سفارة للعثمانيين في مراكش ولا لمراكش عند العثمانيين؟ أليس بغريب أن لا تكون للدولة العثمانية صلات صحيحة مع الأفغانيين وغيرهم من طوائف المسلمين في المشرق؟

هذا التدابر والتقاطع وإرسال الحبال على الغوارب عمّ المسلمين حتى صحّ أن يقال لا علاقة بين قوم منهم وقوم، ولا بلد بلد إلا طفيف من الإحساس بأن بعض الشعوب على دينهم ويعتقدون مثل اعتقادهم، وربما يتعرفون من مواقع أقطارهم بالصدفة إذا التقى بعضهم ببعض في موسم الحجيج العام، وهذا النوع من الإحساس هو الداعي إلى الأسف وانقباض الصدر إذا شعر مسلم بضياع حق مسلم على يد أجنبي عن ملته، لكنه لضعف ملته لا يبعث على النهوض لمعاضدته.

كانت الملة كجسم عظيم قوي البنية صحيح المزاج، فنزل به من العوارض ما أضعف الالتئام بين أجزائه، فتداعت للتناثر والانحلال، وكاد كل جزء يكون على حدة وتضمحل هيئة الجسم.

بدأ هذا الانحلال والضعف في روابط الملة الإسلامية عند انفصال الرتبة العلمية عن رتبة الخلافة وقتما قنع الخلفاء العباسيون باسم الخلافة دون أن يحوزوا شرف العلم والتفقه في الدين والاجتهاد في أصوله وفروعه كما كان الراشدون رضي الله عنهم. كثرت بذلك المذاهب وتشعب الخلاف من بداية القرن الثالث من الهجرة إلى حد لم يسبق له مثيل في دين من الأديان، ثم انثملت وحدة الخفة فانقسمت إلى أقسام: خلافة عباسية في بغداد، وفاطمية في مصر والمغرب، وأموية في أطراف الأندلس، تفرقت بهذا كلمة الأمة انشقت عصاها وانحطت رتبة الخلاف إلى وظيفة الملك، فسقطت هيبتها من ا لنفوس، وخرج طلاّب الملك والسلطان يدأبون إليه من وسائل القوة والشوكة ولا يرعون جانب الخلافة.

وزاد الاختلاف شدة وتقطعت الوشائج بينهم بظهور جنكيز خان وأولاده تيمورلنك وأحفاده وإيقاعهم بالمسلمين قتلاً وإذلالاً حتى أذهلوهم عن أنفسهم فتفرّق الشمل بالكلية وانفصلت عرى الالتئام بين الملوك والعلماء جميعاً، وانفرد كل بشأنه وانصرف إلى ما يليه، فتبدد الجمع إلى آحاد، وافترق الناس فرقا ًكل فرقة تتبع داعياً إما إلى ملك أو مذهب، فضعفت آثار العقائد التي كانت تدعو إلى الوحدة، وتبعث على اشتباك الوشيجة، وصار ما في العقول منها صوراً ذهنية تحويها مخازن الخيال، وتلحظها الذاكرة عند عرض ما في خزائن النفس من المعلومات، ولم يبق آثارها إلا أسف حسرة ويأخذان بالقلوب عندما تنزل المصائب ببعض المسلمين، بعد أن ينفذ القضاء ويبلغ الخبر إلى المسامع على طول الزمان، وما هو إلا نوع من الحزن الفائت، كما يكون على الأموات من الأقارب لا يدعو إلى حركة لتدرك النازلة، ولا دفع الغائلة.

وكان من الواجب على العلماء قياماً بحق الوراثة التي شرفوا بها على لسان الشارع أن ينهضوا لإحياء الرابطة الدينية ويتداركوا الاختلاف الذي وقع في الملك بتمكين الاتفاق الذي يدعو إليه الدين، ويجعلوا معاقد هذا الاتفاق في مساجدهم ومدارسهم حتى يكون كل مسجد وكل مدرسة مهبطاً لروح حياة لوحدة ويصير كل واحد منهم كحلقة في سلسلة واحدة إذا اهتز أحد أطرافها اضطرب لهزته الطرف الآخر، ويرتبط العلماء والأئمة والوعاظ في جميع أنحاء الأرض بعضهم ببعض ويجعلون لهم مراكز في أقطار مختلفة يرجعون إليها في شؤون وحدتهم ويأخذون بأيدي العامة إلى حيث يرشدهم التنزيل وصحيح الأثر. ويجمعوا أطراف الوشائج إلى مقعد واحد يكون مركزه في الأقطار المقدسة وأشرفها معهد بيت الله الحرام، حتى يتمكنوا بذلك من شد أزر الدين وحفظه من قوارع العدوان والقيام بحاجات الأمة إذا عرض حادث الخلل وتطرق الأجانب للتداخل فيها بما يحط من شأنها ويكون كذلك أدعى لنشر العلوم وتنوير الأفهام وصيانة الدين من البدع، فإن إحكام الربط إنما يكون بتعيين الدرجات العلمية وتحديد الوظائف، فلو أبدع مبدع أمكن بالتواصل بين الطبقات تدارك بدعته ومحوها قبل فشوّها بين العامة، وليس بخاف على المستبصرين ما يتبع هذا من قوة الأمة وعلو كلمتها واقتدارها على دفع ما يغشاها من الزلازل.

إلا أنا نأسف غاية الأسف إذ لم تتوجه خواطر العلماء والعقلاء من المسلمين إلى هذه الوسيلة وهي أقرب الوسائل وإن التفت إليها في هذه الأيام طائفة من أرباب الغيرة، ورجاؤنا من ملوك المسلمين وعلمائهم من أهل الحمية والحق أن يؤيدوا هذه الفئة ولا يتوانوا فيما يوحد جمعهم ويجمع شتيتهم، فقد دارستهم التجارب ببيان لا مزيد عليه، وما هو بالعسير عليهم أن يبثوا الدعاة إلى من يبعد عنهم، ويصافحوا بالأكف من هو على مقربة منهم، ويتعرفوا أحوال بعضهم فيما يعود دينهم وملتهم بفائدة، أو ما يخشى أن يسمها بضرر، ويكونون بهذا العمل الجليل قد أدوا فريضة وطلبوا سعادة، والرمق باق والآمال مقبلة، وإلى الله يكون المصير. (*) من المقالات التي نشرتها مجلة العروة الوثقى التي أصدرها السيد جمال الدين الأفغاني في باريس 3 مارس 1884م/ 5 جمادى الأولى 1311هـ، وكان لها صدى واسعاً في أرجاء العالم الإسلامي آنذاك.

المصدر: مجلة العروة الوثقى




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



avatar
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام


الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 13409
نقاط : 24907
السٌّمعَة : 23
العمر : 37
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى