شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

مواعظ ابن الجوزى فى مساجد بغداد

اذهب الى الأسفل

مواعظ ابن الجوزى فى مساجد بغداد Empty مواعظ ابن الجوزى فى مساجد بغداد

مُساهمة من طرف هانى الإخوانى في الثلاثاء يونيو 07, 2011 8:50 pm

يقول ابن جبير فى رحلته :


ثم شاهدنا صبيحة يوم السبت بعده مجلس الشيخ الفقيه، الإمام الأوحد، جمال الدين أبي الفضائل بن علي الجوزي، بازاء داره على الشط بالجانب الشرقي وفي آخره على اتصال من قصور الخليفة وبمقربة من باب البصلية آخر أبواب الجانب الشرقي، وهو يجلس به كل يوم سبت،
فشاهدنا مجلس رجل ليس من عمرو ولازيد، وفي جوف الفرا كل الصيد، آية الزمان، وقرة عين الإيمان، رئيس الحنبلية، والمخصوص في العلوم بالرتب العلية، إمام الجماعة، وفارس حلبة هذه الصناعة، والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة ومالك أزمة الكلام في النظم والنثر، والغائص في بحر فكره على نفائس الدار، فاما نظمه فرضي الطباع، مهياري الانطباع، وأما نثره فيصدع بسحر البيان، ويعطل المثل بقس وسحبان.

ومن أبهر آياته، وأكبر معجزاته، أنه يصعد المنبر ويبتدئ القراء بالقرآن، وعددهم نيف على العشرين قارئاً، فينتزع الاثنان منهم أو الثلاثة آية من القراءة يتلونها على نسق بتطريب وتشويق، فاذا فرغوا تلت طائفة أخرى على عددهم آية ثانية، ولا يزالون يتناوبون آيات من سور مختلفات أن يتكاملوا قراءة، وقد أتو بآيات مشتبهات، لايكاد المتقد الخاطر يحصلها عدداً، أو يسميها نسقاً. فإذا فرغوا أخذ هذا الإمام الغريب الشأن في ايراد خطبته، عجلاً مبتدراً، وأفرغ في أصداف الأسماع من ألفاظه درراً، وانتظم أوائل الآيات المقروءات في أثناء خطبته فقراً، وأتى بها على نسق القراءة لها، لامقدماًولا مؤخراً. ثم أكمل الخطبة على قافية آخر آية منها. فلو أن أبدع من في مجلسه تكلف تسمية ماقرأ القراء آية آية على الترتيب لعجز عن ذلك، فكيف ينتظمها مرتجلاً، ويورد الخطبة الغراء بها عجلاً! أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون، وان هذا لهو الفضل المبين فحدث ولا حرج عن البحر، وهيهات ليس الخبر عنه كالخبر! ثم إنه أتى بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ وآيات بينات من الذكر، طارت لها القلوب اشتياقاً، وذابت بها الأنفس احتراقاً، أن علا الضجيج، وتردد بشهقائه النشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح، كل يلقي ناصيته بيده فيجزها، ويمسح على رأسه داعياً له، ومنهم من يغشى عليه فيرفع في الأذرع اليه، فشاهدنا هولأ يملأ النفوس انابة وندامة، ويذكرها هول يوم القيامة، فلو لم تركب ثبج البحر، وتعتسف مغازات القفر الا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل، لكانت الصفقة الرابحة والوجهة المفلحة الناحجة، والحمد لله على أن من بلقاء من تشهد الجمادات بفضله، ويضيق الوجود عن مثله.

وفي أثناء مجلسه ذلك يبتدرون المسائل، وتطير اليه الرقاع، فيجاوب أسرع من طرفة عين. وربما كان أكثر مجلسه الرائق من نتائج تلك المسائل، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، لا اله سواه.


ثم شاهدنا مجلساً ثانياً له، بكرة يوم الخميس الحادي عشر لصفر، بباب بدر في ساحة قصور الخليفة، ومناظره مشرفة عليه. وهذا الموضع المذكور هو من حرم الخليفة، رخص بالوصول اليه والتكلم فيه ليسمعه من تلك المناظر الخليفة ووالدته ومن حضر من الحرم. ويفتح الباب للعامة فيدخلون ذلك الموضع، وقد بسط بالحصر.وجلوسه بهذا الموضع كل يوم خميس. فبكرنا لمشاهدته بهذا المجلس المذكور، وقعدنا أن وصل هذا الحبر المتكلم، فصعد المنبر، وأرخى طيلسانه عن رأسه توااضعاً لحرمة المكان، وقد تسطر القراء أمامه على كراسي موضوعة، فابتدروا القراءة على الترتيب، وشوقوا ما شاءوا، وأطربوا ما أرادوا. وبدرت العيون بارسال الدموع. فلما فرغوا من القراءة، وقد احصينا لهم تسع آيات من سور مختلفات، صدع بخطبته الزهراء الغراء، وأتى بأوائل الآيات في أثنائها منتظمات، ومشى الخطبة على فقرة آخر آية منها في الترتيب أن أكملها، وكانت الآية الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً إن الله لذو فضل على الناس فتمادى على هذا السين وحسن أي تحسين، فكان يومه في ذلك أعجب من أمسه، ثم أخذ في الثناء على الخليفة والدعاء له ولوالدته، وكنى عنها بالستر الأشرف، والجناب الأرأف. ثم سلك سبيله في الوعظ، كل ذلك بديهة لاروية؛ ويصل كلامه في ذلك بالآيات المقروءات على النسق مرة أخرى. فأرسلت وابلها العيون، وابدت النفوس سر شوقها المكنون وتطارح الناس عليه بذنوبهم معترفين، وبالتوبة معلنين، وطاشت الألباب والعقول، وكثر الوله والذهول، وصارت النفوس لاتملك تحصيلاً، ولا تميز معقولاً، ولاتجد للصبر سبيلاً.

ثم في أثناء مجلسه ينشد بأشعار من النسيب مبرحة التشويق، بديعة الترقيق، تشعل القلوب وجداً، ويعود موضعها النسيبي زهداً. وكان آخر ما أنشده من ذلك، وقد أخذ المجلس مأخذه من الاحترام، وأصابت المقاتل سهام ذلك الكلام:

أين فؤادي أذابه الوجـد ،،، وأين قلبي فما صحا بعد

ياسعد زدني بذكـرهـم ،،، بالله قل لي فديت ياسعد

ولم يزل يرددها والانفعال قد أثر فيهن والمدامع تكاد تمنع خروج الكلام من فيه، أن خاف الإفحام، فابتدر القيام، ونزل عن المنبر دهشاً عجلاًن وقد أطار القلوب وجلا، وترك الناس على أحر من الجمر، يشيعونه بالمدامع الحمر.

فمن معلن بالانتحاب، ومن متعفر في التراب. فياله من مشهد ماأهول مرآه، وما أسعد من رآه! نفعنا الله ببركته، وجعلنا ممن فاز به بنصيب من رحمته، بمنه وفضله.

وفي أول مجلسه أنشد قصيداً نير القبس، عراقي النفس، في الخليفةن أو له:

في شغلٍ من الغرامِ شاغـل ،،، من هاجه البرق بسفح عاقل

يقول فيه عند ذكر الخليفة:

ياكلمات الله كوني عوذة ،،، من العيون للإمام الكامل

ففرغ من انشاده وقد هز المجلس طرباً، ثم أخذ في شأنه وتمادى في ايراد سحر بيانه، وما كنا نحسب أن متكلماً في الدنيا يعطي من ملكة النفوس والتلاعب بها ما أعطي هذا الرجل، فسبحان من يخص بالكمال من يشاء من عباده لا اله غيره.


من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت
هانى الإخوانى
هانى الإخوانى
المراقب العام
المراقب العام

وسام التميز 2
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 1177
نقاط : 4973
السٌّمعَة : 17
العمر : 36
متسامح
العمل/الترفيه :

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى