شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

في فقه التغيير المنهاجي بقلم: الأستاذ أحمد الفراك

اذهب الى الأسفل

في فقه التغيير المنهاجي بقلم: الأستاذ أحمد الفراك Empty في فقه التغيير المنهاجي بقلم: الأستاذ أحمد الفراك

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأربعاء يوليو 20, 2011 5:22 pm

في فقه التغيير المنهاجي
بقلم: الأستاذ أحمد الفراك
تقديم:

إن لم يكن التغيير تقنية جاهزة سريعة تلغي واقعا متحققا وتقيم واقعا جاهزا في أذهان الناس وقلوبهم بشكل آلي وعنيف، وإنما كان إنجازات عملية قابلة للقياس تتعرض لقدر الله في تغيير ما بالناس بالتي هي أحسن. فلا يزال بعضهم يطرح الأسئلة التالية:
هل التغيير ثورة عنيفة عمياء تسفك الدماء؟ أم الإسلام انزواء ودروشة وقعود عن واجب التدافع والبناء؟ هل التمكين انتظار الكسالى البطالين أن تتنزل عليهم من السماء العلوم والتقانة والوفرة والرخاء والكرامة؟ أو هو التحاق بالآخرين وانهزام وتبرير وانبطاح؟ هل مطلب التغيير تهور وفوضى ومغامرة؟ أو أن تدين المتدينين يقتضي الجبن والسكوت والمداهنة؟ هل القومة مجرد فعل نخبوي على رأس الملايين المنغمسين في شغلة المعاش وسعادة الطاعم الكاسي؟ أو هي واقعية سياسية متآلفة مع المنكر متعايشة معه؟
جوابا عن هذه الأسئلة نسوق هذه المحددات الأربع التي نراها كافية لتوضيح أسلوب التغيير الإسلامي وفق المنهاج النبوي.
1. الرفق:

الرفق خُلق من أخلاق الأنبياء عليهم السلام وخُلق من اهتدى بهديهم من المحسنين والمومنين إلى يوم الدين. قال الله تعالى:﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [1]، و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وماخلا من شيء إلا شانه" [2]، الرفق زين يُزين كل عمل صالح بل لا يكون العمل صالحا إلا بالرفق، والعنف شين ويشين كل عمل، ولو كان طاعة من الطاعات، الرفق محبوب يحبه الله تعالى، والعنف مكروه يكرهه الله تعالى في كل شيء، ولا نكون في المستوى إلا يوم ننبذ العنف والسرية ونجرم العنف المسلط علينا، في كل مرحلة من مراحل الدعوة، وأثناء بناء الدولة. الرفق صبر ومصابرة ورحمة وحِلم، لكنه صمود واقتحام قاصد في مواطن الجهاد، كل أنواع الجهاد. أما العنف الأعمى فلا يغير إلا المظاهر والهياكل. ولا يصلح، ولا يفلح.
2. القوة:

قال الله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ [3]، الإعداد لا يغفل عن معالجة المسألة المادية الاقتصادية التنموية في الأساس، "رباط الخيل" ما به تكون الأمة قوية غنية منيعة، وإلا لا كرامة لها بين الأمم وهي مستضعفة تابعة قابعة. التغيير مجهود جماعي يتطلب توحيد جهود الصادقين، ورص صفهم لجهاد دائم ومتواصل، يبدأ من مقاطعة الظالمين وفضح خططهم في استعباد المسلمين ومواجهة باطلهم، وإعداد الرجال والنساء تربية وتنظيما وتكوينا وتخطيطا وزحفا وبناء، إذ "لا مكان للكسالى وعشاق الجاه والسلطان بين يدي جند الله الأمناء الأقوياء الذين لا ﴿ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [4]، الواعون بمسؤولياتهم المخلصون في تنفيذها. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:"للقوة أرشدكم لا للفسولة، والقوة هي غشيان المعركة بالوعي التام لشروطها وتبعاتها" [5]. هي معركة تتطلب وعيا وقوة ورشدا.
3. التدرج:

التغيير "مهمة أجيال"، وليست قفزا على المراحل أو حرقا لها وإنما هي تدرج منهاجي يعطي لكل مرحلة حقها من الإتقان، والتدرج سُنة مطردة في شريعة الله عز وجل، وهو مرونة حكيمة في الحق دون الوقوع في الباطل. فقد ذُمت الخمر مرتين في القرآن الكريم ولم تُحرم إلا في الثالثة. وإن حمل الناس على الحق قسرا، أو حملوه دفعة واحدة تركوه دفعة واحدة، ولكانت فتنة. وما أفسدته القرون في تاريخنا لا تصلحه اللحظات.
طريق القومة على الظلم شاق لكنه واضح، غايتها عظيمة لكنها واجبة، يتحمل فيها كل جيل مسؤولياته بتتابع وتكامل ويقين، وإن يتول جيل يأتي الله بجيلٍ غيره ثم لا يكون مثله. قال الهه تعالى: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [6]ونسأل الله أن يستعملنا لا أن يستبدلنا.
سنة الله ماضية إلى يوم القيامة، لا تحابي أحدا، والقومة لا تأتي بالتمني والتفرج، وإنما بمجاراة الأسباب وإنجاز المهمات التاريخية، وهي كالجبال، إنها قدر فعلا، لكن قدر الله لا يتنزل على الكسالى والقاعدين. "سنة الله لا يستطيع قراءتها إلا قوم يتفكرون...أما الذين...لا يتصل القرآن والواقع في أذهانهم بأية صلة فهم لا يعقلون" [7]. إما لا يعقلون فينكرون ويستكبرون ويسخرون (بفتح الياء وضمها)، فيروجون أن القومة شبيهة بالانقلاب الدموي الذي يأتي على الأخضر واليابس، فيغير كل شيء بالعنف وينتقم ويستبد كما فعلت ثورة ستالين المجنون لما أبادت ستين مليونا من بني آدم! لإقامة أكبر ديكتاتورية في العالم آنذاك أو كما فعل عبد الناصر (العبد الخاسر) لما أعدم العلماء -رحم الله سيد قطب- وخان الأمانة، وسماه الغافلون بطلا.
ومن قومات تونس ومصر وغيرها نستوعب الدروس.
وإما لا يعقلون فيحلُمون بصباح وردي باكر لا يوجد إلا في رؤوسهم، يأتي فجأة لتحل فيه كل المشاكل بضربة لازب: يوظف العاطلون و يعالج المرضى وتستقيم الإدارة ويتحرر التعليم وتُسَرح المساجد ويستقل القضاء وتستوطن التكنولوجيا وتنتهي الأمية و... لأول وهلة يقع فيها التغيير. وكأن القومة رُقية سحرية تنقلنا من أرض الماضي القاحلة إلى أرض نقية خصبة في بضع دقائق. بل لا نعتبر "الحل الإسلامي دورة كف تأتي من سماء العجائب بالنعيم تدره على الخلق، بالرخاء والأخوة والكفاية والقوة بلا تعب" [8]، ولا يصح أن نخاطب الأمة خطابا "خبزيا" مُغريا سرعان ما ينكشف كذبه، لما يهرول "الخبزانيون" بوجوه بلقاء إلى الاشتغال في السمسرة لإطالة عُمر الفساد، فيشبعون الجياع بالشعارات، ويُعلمون الأميين التسول.
نخاطب الناس بالواجب، ونتقاسم معهم التضحيات والآلام قبل الآمال، نصْدُقهم ولا نكذب عليهم. نجوع ليشبع الشعب ولا نشبع ليجوع الشعب، ولا نُزَيف الحقائق على الناس ولا نُمنِّيهم بالغرور، و"لا ننطلق من نظرة مثالية تبتسم ببلاهة" [9]، سرعان ما ينكشف ضعفها لما تصطدم بصخور واقع عنيد متداخلة قضاياه ومعقدة مشاكله ومركبة أزماته. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: "من يريد أن يغير العالَم في لحظة... فإنما هو حالم أو مجنون" [10].
القومة نهوض وتشمير يعطي للأسباب حقها، ولا يتعلق إلا برب الأسباب لاستمداد النصر والتمكين .
4. العضل الشعبي:

ليست القومة فعلا نخبويا انتهازيا، وليست لغوا سياسيا فوقيا، وإنما هي عمل جماعي بنائي جامع متغلغل في الشعب، من الأمة وإلى الأمة، وبرضا الأمة، حتى وإن كانت الخطوة الأولى من عمل جماعة محدودة أومن عمل رجل أيده الله بالإرادة الجهادية، فإن باقي مراحل القومة تتطلب من طليعة الأمة القيادية المجندة الواعية أن تحرص على سريان روح المقاومة في الأمة، لإشراكها في كافة الخطوات، وتوجيهها وجهة الحق لا وجهة الحماس والانتقام. أو قل على جند الله أن يؤلفوا حولهم طاقات الأمة على اختلاف مستوياتهم وقابلياتهم، -كل من جهته واستطاعته – ويعبئوها تعبئة شاملة لتغيير المنكر بالمعروف، وهي مستوعبة تكليفها الشرعي بوضوح ومسؤولية وإتقان، درءا لخطر الغثائية التكاثرية التي لا تنتج إلا الوَهْن . وها هي صحوة الشباب اليوم توقن بأن ليل الظالمين إلى زوال وأن صبحا جديدا للأمة بدأ في البزوغ.
فمثلما تتطلب القومة إعدادا جامعا، له أسباب مادية محسوسة وأسباب غيبية محجوبة، فإنها تتطلب تحزبا لله في شكل رابطة تجمع بين الصادقين العاملين برُشد، وتتطلب جماعة منظمة تربى رجالها على الولاء لله ولرسوله وللمومنين، مهمتهم "تحريك القلوب لتخفق بإيمان جديد، وإقناع العقول، وإشراك الإرادات في جهاد لَمِّ الشعب وتوحيد الكيان" [11].
ودون هذا العمل المقدس يحرص الظالمون على إبعاد الناس عن الدعاة والمربين حتى لا تزلزل الأرض من تحت أرجلهم يوما من الأيام، ويحاربون العلماء العاملين الذين يعترضون على سياساتهم الفاسدة، ف " أخوفُ ما يخاف حُكام الجور أن تلتف الأمة حول رجال القومة والإصلاح". وليخافوا...
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه. والحمد لله رب العالمين.
تاريخ النشر : 31 مارس 2011
[1] سورة آل عمران، الآية: 159
[2] رواه الشيخان رضي الله عنهما
[3] سورة الأنفال، الآية 60
[4] سورة المجادلة، الآية: 22
[5] "رسالة إلى الطالب والطالبة"، عبد السلام ياسين، ص 54
[6] سورة محمد، الآية:38
[7] "سنة الله" عبد السلام ياسين، ص،84
[8] "العدل، الإسلاميون والحكم"، عبد السلام ياسين، ص 431
[9] "رجال القومة والإصلاح"، عبد السلام ياسين، ص45
[10] "سنة الله"، عبد السلام ياسين، ص21.
[11] "الإسلام والحداثة"، عبد السلام ياسين، ص 316


<br>
عمرالحسني
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4758
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى