شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

الديمقراطية و الحكم (المبحث الثاني)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الديمقراطية و الحكم (المبحث الثاني)

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 11:05 am

المبحث الثاني: المعارضة والتداول السلمي للسلطة



مخطط البحث
أولاً - المعارضة:
آ- المعارضة في اللغة.
ب- المعارضة في المصطلح.
ثانياً - المعارضة ضد نظام جاهلي
ثالثاً - المعارضة في العهد النبوي:
آ- في غزوة أحد.
ب- في صلح الحديبية.
رابعاً - المعارضة في العهد الراشدي:
آ- سقيفة بني ساعدة.
ب- قتال مانعي الزكاة وإنفاذ جيش أسامة.
جـ- أبو ذر الغفاري في عهد عثمان.
د- تقسيم الأراضي المفتوحة في عهد عمر.
هـ- الثوار في عهد عثمان.
و- في عهد علي رضي الله عنه.
خامساً - الأساس الفكري للمعارضة:
الآية الكريمة: ولتكن منكم أمة
آ- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ب- إسقاط النظام بالحجة لا بالقوة.
سادساً - متى تستعمل القوة في إزالة السلطة؟
آ- عند الأمر بالمعصية.
ب- في الكفر البواح.
جـ – عزل بالسلم لا بالقوة.
سابعاً - التداول السلمي للسلطة:
آ - التوقيت للحاكم.
ب - المعارضة وتعدد الأحزاب.
جـ- الشورى والتعددية السياسية.
د - الأحزاب الكتابية في ظل الدولة الإسلامية.
ثامناً - التداول السلمي للسلطة في ظل دولة عصرية
تاسعاً - قوى المجتمع المدني ومؤسساته ودورها في المعارضة
عاشراً- استعراض بعض التجارب الإسلامية السياسية المعاصرة
***********************************************************************************
أولاً - المعارضة:
- مقدمة:
العاملون للإسلام في دول العالم الإسلامي اليوم هم معارضة... لماذا؟
لأن الإسلام مقصي عن الحكم في هذه الدول، والعاملون للإسلام يطرحون المشروع الإسلامي بديلاً عن كل المشاريع المعاصرة، ولا يمكنون أبداً من الوصول إلى السلطة سيان كان الحكم ديمقراطياً – في ظاهره – أو استبدادياً، ولا يمكن للمسلم أن يقبل المشروع الآخر، ومن أجل هذا لا خيار له أن يكون في صف المعارضة.
أ‌- المعارضة لغة واصطلاحاً:
1ً- في اللغة: جاء في لسان العرب.
.. وعارض الشيء بالشيء معارضة: قابله، وعارضت كتابي بكتابه، أي قابلته، وفلان يعارضني: أي يباريني، وفي الحديث أن جبريل عليه السلام كان يعارض القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضه العام مرتين، قال ابن الأثير: أي كان يدارسه جميع ما نزل من القرآن من المعارضة: أي المقابلة.. وعارضته في السير: أي سرت حياله وحاذيته، ويُقال عارض فلان فلاناً: إذا أخذ في طريق، وأخذ في طريق آخر فالتقيا، وعارضته يمثل ما صنع: أي أتيت إليه بمثل ما أتى، وفعلت مثل ما فعل) ([38]).
وفي المعجم المحيط:
عارضه: جانبه، وعدل عنه وسار حياله، والكتاب: قابله وفلاناً بمثل صنيعه: أتي إليه بمثل ما أتى، ومنه المعارضة: كأن عَرض عله كعرض فِعله) ([39]).
وفي المعجم الوسيط:
اعترض الشيء: صار عارضاً كما تكون الخشية في النهر أو الطريق، ويُقال: اعترض دونه: حال. واعترض له: منعه. واعترض عليه: أنكر قوله وفعله.. تعارضا: عارض أحدهما الآخر.
... والتعرض في القضاء: فعل مادي يُقصد منه منازعة الحائز في حيازته، والمعارضة في القضاء: طريقة الطعن في الحكم الغيابي) ([40]).
(ومن استعراض مادة عرض في المعاجم اللغوية قديمها.. نرى أن كلمة المعارضة لها معانٍ متعددة أهمها:
1-المقابلة: ومنه معارضة الكتاب بالكتاب أي مقابلته.
2-المنع وكل مانع من تحقيق الغرض فهو عارض.
3-المخالفة في الطريق: بمعنى أن يسلك شخص طريقاً غير الذي سلكه الآخر.
4-مجانبة الآخرين والعدول عنهم.
5-مناقضة الآخرين في كلامهم مقابلتهم.
6-المباراة والمنافسة...
وليس هناك فرق جوهري بين كل هذه الاستعمالات، فهي كلها تلتقي عند جوهر واحد، هو المواجهة والمخالفة والمنع والتحدي) ([41]).
2َ- في المصطلح:
1- في المعنى السياسي العام، تعني الرأي أو الصوت الآخر.
2- في الواقع السياسي الحاضر، تعني: ذلك الشكل من أشكال النظم السياسية حيث تنقسم الحياة السياسية بين طرفين، أحدهما يكون في السلطة ويُطلق عليه (الحكومة) والثاني: يكون خارج السلطة ويُطلق عليه (المعارضة)، حينئذ تكون دلالة اللفظ تتجه إلى ذلك التكوين الواقع خارج السلطة أياً كان شكله.. قد يكون حزباً، أو جماعة، أو حركة، فكل هذه التكوينات تتجه إليها دلالة (المعارضة) لتعبر عن القوى غير المساندة للحكومة والتي تقف منها موقف الرفض أو الضد، وما زالت المعارضة مصطلحاً يُستعمل في القانون الدستوري وفي علم السياسة ويُقصد به الأحزاب والجماعات السياسية التي تناضل للاستيلاء على الحكم) ([42]).
ففي المعنى السياسي العام تعني: الرأي أو الصوت الآخر.
وهذا ما ينطبق على المعارضة في العهد النبوي والعهد الراشدي فحق الرأي الآخر قائم بالمعارضة، لكنه لا يعني النضال ضد العام لإلغائه والحلول محله، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فهو بعيد عن التنظيم مرتبط بالحوادث المتجددة، وهدفه الوصول إلى الأصلح أو الوصول إلى الصواب.

ثانياً – المعارضة ضد نظامٍ جاهلي:
الإسلام في رحلته الطويلة منذ خمسة عشر قرناً من الزمان يكاد يكون أكثر أيامه معارضة } وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله { بالرغم من أنه حكم في الأرض ودانت له الجبابرة أكثر من ألف عام، غير أن العلماء والعاملين المخلصين، كانوا ينشدون الصورة المثلى دائماً في الحكم، ويدعون الحكام إلى سلوكها، ويستجيب الحكام حيناً، ويتبرمون حيناً آخر، ويؤذون الدعاة أحياناً أخرى، ويصل بهم الأمر أحياناً أن يكون الأذى مبرحاً حتى الموت.
ولنعد إلى المعارضة في العهد الأول، يوم أن كانت الدولة جاهلية، ونراها أجلى ما يكون من خلال الحوار الطويل الذي وقع بين قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونعرف من هذا الحوار كيف تكون المعارضة والدولة الحاكمة غير مسلمة ونعتبرها نبراساً للحركة الإسلامية اليوم وهي تخوض معركة تحكيم شريعة الله في الأرض.
وهذه هي الأفكار الرئيسية في الحوار:
( قالوا له: يا محمد، إنا بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله لا نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآلهة، وعبت الدين، وشتمت الآباء، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي من أمر قبيح غلا قد جئته فيما بيننا وبينك...).
فالمعارضة الإسلامية هنا ذات برنامج واضح محدد، أدركته قريش، وأدركت خطورته على نظامها، وهي تدعو إلى تغيير جذري في البنية السياسية والفكرية في المجتمع، فقد فرقت هذه الدعوة المجتمع في مكة، وزلزلت أركان النظام الحاكم من خلال الطرح الفكري الذي أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المجتمع، وها هو النظام الحاكم يعرض حلولاً من أهمها التداول السلمي للسلطة لكن دون البرنامج المطروح من الحزب الإسلامي، (.. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً من الجن قد غلب عليك، فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب إليك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك) ([43]).
في عالم المعارضة السياسية، لا تحلم أية معارضة بعرض مغرٍ أكبر من هذا العرض، أن يكون الحكم بيدها، وتعلن الدولة استسلامها لها برضا وطواعية وذلك حين تكون غير ذات مشروع تتقدم به للإصلاح ثم كان العرض مغرياً أكثر من ذلك في أن تكون السلطة دائمة باسم القانون: (وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا).
وهي فرصة سانحة لا تتكرر دائماً، أن يستلم الإسلاميون زمام السلطة بشرط أن يتخلوا عن مشروعهم الإصلاحي أو الانقلابي.
ولكن سيد ولد آدم، ومعلم البشرية علم الأمة من بعده أن ليس الهدف هم الحكم أو السلطة للسلطة، إنما الهدف هو تطبيق شريعة الله تعالى في الأرض.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني رسولاً إليكم، وأنزل عليَّ كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردون علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم)).
فهو يريد الإسلام قبل السلطة والحكم، وإلا فالمعارضة قائمة.
وقد بذلوا كل ما يملكون من طاقة ليثنوه عن رأيه، فما كان لهم ذلك، وأعلنوا أن القوة هي السبيل الوحيد لإنهاء المعارضة الإسلامية.
(... وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك حتى نهلك أو تهلكنا) ([44]).
وحيث لم تتهيأ أكثرية تؤيد الإسلام وتتبناه، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقيم دولة الإسلام في المدينة التي آمن أكثريتها الساحقة بالإسلام وأمله تنفيذ المشروع الإسلامي من خلال هذه السلطة.

ثالثاً- المعارضة في العهد النبوي:
لن نقف عند الاستشارات الفردية، والتي يطلب فيها الرأي، لكن نتحدث عن الرأي المنبعث صراحة عكس الرأي البشري النبوي.
آ- في غزوة أحد:
قال ابن إسحاق:
فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا عليها قاتلناهم فيها.. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج، فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره ممن فاته يوم بدر:
يا رسول الله أخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا.. فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان من بين أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته... وندم الناس فقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك، فلما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله استكرهناك ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته حتى يقاتل).
فنحن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستجيب للرأي المعارض لأنه يمثل الأكثرية مع كراهته ذلك، وإن كان المسلمون قد شعروا أنه ليس لهم ذلك لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاهم هذا الحق، وسمح بمعارضة رأيه دون أن يمس ذلك في دين أحد منهم، واستجاب لهذا الرأي الآخر.
أما الذين مثلوا معارضة منظمة من المنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي، فقد تجاوزوا المعارضة وإبداء الرأي الذي مثلَّه زعيمهم عبد الله بن أبي بقوله:
يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج منها، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحارة من فوقهم.
لكن هذه المعارضة شكلت عصياناً عسكرياً في قلب المعركة، وحاولت أن تتصل بالعدو للاستسلام بعد المعركة، فهي معارضة خائنة.
أما الصورة الأولى فتمثلت كما قال ابن إسحاق:
حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انخزل عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم ما أدري علام نقتل أنفسنا أيها الناس فارجعوا، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب)([45]).
وأما الصورة الثانية، فهي ما قاله المنافقون عند المحنة:
ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي ليأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، يا قوم إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى قومكم) ([46]) (وفي رواية: فارجعوا إلى دينكم الأول) ([47]).
ب‌- في صلح الحديبية:
فقد كان هناك رأي عام غير راضٍ ببعض بنود هذا الصلح، واعتبروه تساهلاً مع العدو، وقد أعلن هذا الرأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
( ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله، ألست برسول الله؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين؟، قال: بلى، قال: فعلام نعط الدنية في ديننا؟. قال: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني) ([48]).
وكان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ينفذ وحياً له من الله عز وجل، ولن يخالف أمر الله ولم يعرض القضية على المسلمين لاستشارتهم.
لقد تم التعبير صراحة عن الرأي الآخر، لكن لم تبرز مخالفة واحدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن طاعة الله ورسوله واجبة على المسلم حين لا يكون الأمر مطروحاً للشورى والمناقشة.
وكان أشد الناس قناعة بالرأي الآخر وهو مر رضي الله عنه يشهد على وثيقة الصلح..
( فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب، أشهد على الصلح رجالاً من المسلمين، ورجالاً من المشركين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب و.. علي بن أبي طالب وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة)
لقد نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأي المعارضة التي مثلت أكثرية الشباب، حين لم يكن هناك وحي من الله عز و=جل، ولم ينزل على رأيهم في الحديبية، حين كان ينفذ وحي لله عز وجل) ([49]).
( فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، فاشتد ذلك عليه، فدخل على أم سلمة، فقال: هلك المسلمون، أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا (( وفي رواية: ألا ترين إلى الناس آمرهم بالأمر فلا يفعلونه، وهم يسمعون كلامي وينظرون وجهي)) فقالت: يا رسول الله لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح، ورجوعهم بغير فتح يا نبي الله، اخرج ولا تكلم أحداً حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك... واضطبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه فأخذ الحربة ويمم هديه، فأهوى بالحربة إلى البدن رافعاً صوته: بسم الله والله أكبر، ونحر فتواثب المسلمون إلى الهدي، وازدحموا عليه ينحرونه حتى كاد بعضهم يقع على بعض) ([50]).
لقد تلكأ المسلمون عن تنفيذ الأمر النبوي طمعاً أن يتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن موقفه، أو يُنقِضَ الصلح خاصة حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينحر هديه بعد، ولا تزال آمالهم معلقة بدخول مكة وهم على مقربة منها، لكن عندما نحر الرسول صلى الله عليه وسلم هديه انتهى الأمل وقاموا بتنفيذ الأوامر النبوية.
والذي نخلص إليه من هاتين الحادثتين ما يلي:
1- مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سيد الخلق وأحكم الخلق وإمام الأنبياء لم يمنع هذا المسلمون من إبداء الرأي الآخر، والدفاع عنه حين يكون الأمر متعلقاً بمصلحة من مصالحهم، وينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأيهم.
2- وحتى حين لم يستشرهم، لم يمنعهم ذلك من أن يعلنوا الرأي الآخر المعارض ويدافعوا عنه لكن دون أن يصل بهم ذلك إلى المعصية لله ولرسوله وبعد تأكدهم من ذلك.
3- المنافقون في معارضتهم كانوا يعملون في الخفاء والسر بالاتصال بالعدو، ويخططون لإنهاء السلطة النبوية ليحلوا محلها دون أن يعلنوا ذلك، إنما كان القرآن هو الذي يفضح مخططاتهم وخياناتهم.

رابعاً – المعارضة في العهد الراشدي:
1- في عهد الصديق رضي الله عنه:
آ- كان التنافس على السلطة قد بدأ منذ اليوم الأول لوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بين حزبي الأنصار والمهاجرين، وانتهى في اليوم نفسه باقتناع حزب الأنصار بأحقية حزب المهاجرين في الخلافة من خلال الحوار وقد تمت البيعة لأبي بكر رضي الله عنه في معسكر الأنصار قبل معسكر المهاجرين ولم يكن معه من حزب المهاجرين سوى عمرو أبي عبيدة، وتمت البيعة في اليوم الثاني دون تخلف أحد على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
ب- أول معارضة بدت خلال الأسبوع الأول من الحكم مثَّلها أكثرية المهاجرين وعلى رأسهم عمر رضي الله عنه، والذين كانوا يرون عدم تنفيذ إرسال بعث أسامة بن زيد بجيشه إلى الشام، وعدم قتال مانعي الزكاة للحفاظ على القوة الإسلامية لتدافع عن الدولة المهددة، ولتخفيف المواجهة ضد المسلمين وتحييد مانعي الزكاة من الثورة ضد الدولة المسلمة، واستطاع الخليفة الصديق بما أوتي من بلاغة حجة أن يقنع هذه المعارضة بالتراجع عن رأيها في القضيتين، وقال رأس المعارضة عمر رضي الله عنه بعد الحوار:
( فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق) ([51]).
( ولم يلتفت أبو بكر إلى مشورة، إذ كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه) ([52]).
ورفض رضي الله عنه رأي الأكثرية في تغيير قيادة أسامة أو إلغاء تحرك الجيش نحو الشام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي عقد رايته، ولن يحلها الصديق فيخالف أمراً نبوياً صدر من رسول الله وهو على فراش الموت: انفذوا بعث أسامة.
جـ- أما في العهد العمري، فقد برزت معارضة كبيرة هزت المجتمع الإسلامي، وذلك عند المطالبة بتقسيم الأراضي على المقاتلين الفاتحين، وكانت القيادات المحاربة تطالب بالتوزيع وحدثت أزمة استمرت ثلاثة أيام بين المجاهدين الذين يرون حقهم في قسمة الأراضي عليهم كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وبين عمر أمير المؤمنين الذي خاف إن وزعت الأراضي المفتوحة أن تأتي الأجيال الإسلامية اللاحقة فلا تجد هذه الخيرات إلا في يد حفنة قليلة من الناس، لكن ليس لدية حجة شرعية يرد بها على المجاهدين، واستشار عشرة قيادات من المهاجرين، ثم عشرة من قيادات الأنصار فلم يلتقوا على رأي، واستشار سلمة الفتح فكلهم وافقوا على رأيه إلى أن وجد حجته في آخر سورة الحشر، حيث كانت الغنائم للمهاجرين والأنصار والذين جاؤوا من بعدهم.
فعن إبراهيم التيمي، قال: لما فتح المسلمون السواد قالوا لعمر: اقسمه بيننا فإنا افتتحناه عنوة، قال: فأبى، وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف إن قسمة أن تفاسدوا بينكم في المياه، قال: فأقر أهل السواد في أرضيهم، وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى أرضيهم الطسق (قال أبو عبيد: الخراج) ولم يقسم بينهم) ([53]).
وفي رواية: (قال بلال لعمر بن الخطاب في القرى التي افتتحها عنوة اقسمها بيننا وخذ خمسها، فقال عمر: لا، هذا عين المال ولكني أحبسهم فيما يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا. فقال عمر: اللهم ألفني بلال وذويه.. ثم قال: تريدون أن يأتي آخر الناس ليس لهم شيء) ([54]).
د- وفي عهد عثمان رضي الله عنه قاد أبو ذر رضي الله عنه معارضة فردية في آرائه التي طرحها حول المال، ولم يقره عليها الصحابة، واستدعي من الشام خوفاً من الفتنة، وحدثنا أبو ذر رضي الله عنه عن هذه المعارضة فيما أخرجه البخاري في صحيحه عنه:
( عن زيد بن وهب قال: مررت بالربدة فإذا أنا بأبي ذر رضي الله عنه، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في } الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله { قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، كتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليَّ عثمان: أن أقدم المدينة فقدمتها، فكثر عليَّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريباً، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا علي جيشاً لسمعت وأطعت) ([55]).
هـ- أما المعارضة الكبرى التي عرفت فيما بعد بالثوار وانتهت بمقتله رضي الله عنه، فقد قبلها رضي الله عنه حين كانت معارضة سلمية، وأقام الحجة على الثوار في كل ما أثاروا من شبهات، لكنهم أصروا على الحرب المسلحة، وفرضوا الحصار على المدينة، وحاصروا عثمان وقتلوه رضوان الله عليه، بينما رفض استعمال القوة معهم (فقال المسلمون: اقتلهم.. فقال: بل نعفو ونقبل، ونبصرهم بجهدنا ولا نحاد أحداً حتى يركب حداً أو يبدي كفراً) وهذا نص البيان في الرد على المعارضة:
( إن هؤلاء قد ذكروا أموراً قد علموا منها مثل الذي علمتم إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها..
1- قالوا أتم الصلاة في السفر وكانت لا تتم، ألا وإني قد قدمت بلداً فيه أهلي فأتممت.وقالوا: حميت حمى، وإني والله ما حميت، حُمي قبلي، والله ما حموا شيئاً لأحد، ما حموا إلا ما غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعيه أحداً، ومالي من بعير غير راحلتين..
2- ( قالوا: كان القرآن كتباً فتركتها إلا واحداً، ألا وإن القرآن واحد جاء من عند واحد، وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء (أي قادة المسلمين)..كذلك؟ فقالوا الصحابة: اللهم نعم..
3- وقالوا: إني رددت الحكم، وقد سيَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف ثم رده رسول الله، فرسول الله سيَّره ورسول الله ردَّه، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
4- وقالوا: استعملت الأحداث، ولم أستعمل إلا حدثاً محتملاً مرضياً، وهؤلاء أهل عملهم فسلوهم، وهؤلاء أهل بلدهم.. أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
5- وقالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه. وإني إنما نفلته خمس ما أفاء الله عليه وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر، فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك، فرددته عليهم، وليس ذلك لهم أكذاك؟ قالوا: اللهم نعم.
6- وقالوا إني أحبذ أهل بيتي وأعطيهم فأما حبي لهم فإنه لم يمل معهم على جّور، وأما إعطاؤهم فإني أعطيهم من مالي، ولا أستحل أموال المسلمين لي ولا لأحد من الناس... أكذاك: قالوا: اللهم نعم.
7- وقالوا: أعطيت الأرض رجالاً وإن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار... وإني نظرت في الذي يصيبهم مما أفاء الله عليهم فبعته لهم بأمرهم، ونقلت لهم نصيبهم فهو في أيديهم دوني، وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية وجعل ولده كبعض من يعطي...
ولانت حاشية عثمان لأولئك الطوائف وأبى المسلمون إلا قتلهم أي الثائرين وأبى إلا تركهم) ([56]).
وفي عهد علي رضي الله عنه لم يكن هناك خلاف في المعارضة السلمية، إنما كان الخلاف في المعارضة المسلحة، فقد بعث علي رضي الله عنه قبل الجمل إلى عائشة أم المؤمنين القعقاع بن عمرو التميمي وقال له: (الق هذين الرجلين – طلحة والزبير – فادعهما إلى الإلفة والجماعة وعظِّم عليهما الفرقة.. فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فسأل عائشة رضي الله عنها فسلم عليها وقال: أي أمّة ما أشخصك وأقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني إصلاح بين الناس. قال: فابعثي إلي طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما فجاءا. فقال: إني سألت أم المؤمنين... فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ متابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان، فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ قالا: قتلة عثمان فإن هذا ترك كان تركاً للقرآن، قالت أم المؤمنين: فما تقول أنت؟ قال: أقول هذا الأمر دواؤه التسكين، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة، ودرك بثأر هذا الرجل وعافية وسلامة لهذه الأمة.. فآثروا العافية ترزقوها وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم تكونون.. قالوا: قد أحسنت وأصبت المقالة، فارجع فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر، فرجع إلى علي فاخبره فأعجبه ذلك، واشرف القوم على الصلح كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه).
وكذلك أقر رضي الله عنه معارضة الخوارج (لما وقع التحكيم ورجع علي من صفين رجعوا مباينين له، فلما انتهوا أقاموا به، فدخل علي في الناس الكوفة، ونزلوا بحر وراء.. فخرج إليهم علي فكلمهم حتى وقع الرضا بينه وبينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجل فقال: إن الناس قد تحدثوا أنك رجعت لهم عن كفرك، فخطب الناس في صلاة الظهر... وكان مم قاله: إن لكم عندنا ثلاثاً لا نمنعكم صلاة في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبكم من الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا) ([57]).

خامساً- الأساس الفكري للمعارضة:
قال عز وجل: } ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون {.
هذه الآية الكريمة هي أعظم نصٍ في هذا الموضوع وأجلاه وأبينه، بالإضافة إلى كل النصوص التي تدعو الأمة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما الآية تدعو إلى تكوين رسمي أو جبهة معارضة متجاوزة الإطار الفردي غير المنظم في ذلك.
لقد كان المسلمون أمة من دون الناس، وكان اليهود أمة من دون الناس.
وها هو رب العزة جل جلاله يدعو الأمة لكي تنظم معارضتها في مشروع فكري، وفي قوامة على السلطان ومحاسبة له.
} ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون المعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون { ([58]).
ويوضح الله تعالى للمؤمنين أن هذا التنظيم ليس فرقة في الأمة ولا خلافاً فيها، فهو مغاير للاختلاف الذي يدمر الأمة.
} ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وأولئك لهم عذاب عظيم{ ([59]).
فالدعوة إلى الخير هي المشروع الإصلاحي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي المحاسبة للسلطة، والأمة هي الحزب المعارض أو الجبهة المعارضة.
أ‌- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
إن خيرية هذه الأمة بوجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها..
} كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله { ([60]).
والأمة التي لا وجود فيها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمة ملعونة..
} لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون { ([61]).
والأمة الناجية من عذاب الله يوم القيامة هي الأمة التي يقوم فيها سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلا فهي الهالكة.
} فأنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون { ([62]).
ويؤكد هذا المعنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي شرح هذه الآيات، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: } لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون، ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم {إلى قوله: }... فاسقون {. ثم قال:
كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم)) ([63]).
ونرى أن هذا الحديث هو دستور المعارضة السياسية الأكبر، فلن تتحقق هذه النتائج الضخمة التي يريدها الله تعالى ورسوله من الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر من خلال الموقف الفردي، والاندفاع الشخصي، وليس الهدف من الأمر والنهي هو التبليغ فحسب، ولو كان ذلك لتحقق الهدف بالمجهود الشخصي، إنما الهدف هو الأخذ على يد الظالم، وفرض الحق عليه، و(( لتأطرنه على الحق أطرا)) أي إجباره إلى أن يعود إلى الحق ويدع الهوى، ولا يكتفي من الأهداف إجباره على العودة إلى الحق فقط، إنما استمراره على ذلك (( ولتقصرنه على الحق قصرا)).
ولتحقيق هذه الأهداف الكبرى لا بد من تنظيم ضخم لا بد من (أمة) تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
ولقد تنوعت الأحاديث التي تطالب الأمة المسلمة بالأمرين معاً.
الأمر الأول: المسؤولية الشخصية في قول الحق، وإعلانه وتبليغه، وهذه لا تعفى منها الأمة.
الأمر الثاني: المسؤولية الجماعية في الأخذ على يد الظالم وأطره على الحق وقصره عليه، وهذا يعني مواجهة الدولة كاملة في ذلك، ولا تواجه الدولة بالصيحة المنبثة في واد، أو الصرخة من قلب صادق وانتهى الأمر، إنما تواجه ببرامج تقدم وإعلام يوضح وحزب يطالب.
ت‌- إسقاط النظام بالحجة لا بالقوة:
ولذلك عندما سًئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التقويم بالقوة.
فعن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( إنه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)) ([64]).
ونستطيع أن نفرق من خلال النصوص بين نوعين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
النوع الأول: عندما تكون الدولة مسلمة، والحاكمون منفذون تنفيذاً كاملاً لأوامر الله، ملتزمون بمنهجه ويقع الخلل في المجتمع، فتكون المهمة فردية كما في النصوص:
(( من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).
هذه السلطة الحاكمة يمثلها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
(( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره)).
هذه النماذج عادة تُطلِق يد الشعب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون دور العلماء والمصلحين عون الدولة على تحقيق أهدافها، وإصلاح المجتمع وتقويم الخلل فيه.
أما النموذج الثاني الذي نلقاه في تتمة الحديث:
(( ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون)).
فيعدون ببرامج الإصلاح دون تنفيذ شيء منها أو إهمالها، ويفعلون الهوى والظلم على الرعية، وهو ما لم يأمر الله به، وعندئذٍ تختلف القضية من الأمر والنهي الموافق لاتجاه السلطة الحاكمة المحكمة لشريعة الله إلى السلطة المنحرفة الطاغية التي يلزم الجهاد عندئذٍ نحوها كما في تتمة الحديث ((... ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) ([65]).
وفي هذا الخط من الجهاد يأتي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( أفضل الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطان جائر)) ([66]).
وفي رواية أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم - قد وضع رجله في الغرز – أي الجهاد أفضل؟ قال كلمة حقٍ عند سلطان جائر ([67]).
هذا الجهاد لمواجهة الحاكم الظالم والسلطة المستبدة، لا بد لكي يحقق أهدافه السابقة المذكورة من تنظيم قوي تحت مسمى (أمة منكم) يقدر على المواجهة لهذا الجور ببديل أفضل وإصلاح أشمل، وبذلك تتحقق الأهداف الثلاثة المذكورة.
- تأخذن على يد الظالم.
- تأطرنه على الحق أطرا.
- تقصرنه على الحق قصرا.
وقد شبَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم بركاب السفينة الذين يأخذون على يد الظالم أو يدعوه.
(( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم ما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)).
وقد فسَّر النووي بعض ألفاظ الحديث بقوله: القائم على حدود الله: المنكر لها والقائم في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود: ما نهى الله عنه، واستهموا: اقترعوا.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



avatar
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام


الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 13485
نقاط : 25129
السٌّمعَة : 23
العمر : 38
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الديمقراطية و الحكم (المبحث الثاني)

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 11:06 am

سادساً- متى تُستعمل القوة في إزاحة السلطة؟
هناك جانبان منفصلان عن بعضهما البعض؛ جانب القوة المعنوية، وجانب القوة المادية، وهدف القوتين هو عزل الحاكم المستبد والوصول إلى السلطة، ونحن بحاجة لإيضاح هذين الجانبين للجميع بين النصوص المتعارضة ظاهراً،المتوافقة روحاً ومضموناً.
النصوص التي تأمر بالسمع والطاعة:
} وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً {.
فالطاعة لأولي الأمر هنا مشروطة بطاعة الله وطاعة الرسول، وأي تنازع بين المعارضة والسلطة الحاكمة يرد إلى الله وإلى الرسول عليه الصلاة والسلام.
فالإسلام يقر تنازعاً بين الحاكم والرعية، حين يتهم الحاكم بالأمر بالمعصية، ومن الحكُم في هذا التنازع وكيف يرد إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن العلماء أو القضاء أو ما يسمى اليوم بالمحكمة الدستورية هي التي تفض هذا التنازع، وهي التي تحكم في مثل هذا الخلاف لحاكم أو ضده، وتحكم بما يستحقه إن أساء السلطة وفرَّط في الحق، عزلاً أو إمضاءً أو عقوبة محددة، المهم أننا لسنا أمام سلطة مطلقة للحاكم، إنما أمام عقد بينه وبين الأمة إن أخلَّ بهذا العقد يُحال إلى المحكمة القضائية العليا، له أو عليه.
أ‌- عند الأمر بالمعصية:
وهذا كله في ظل دولة إسلامية قائمة، توجب حين يأمر الحاكم بالمعصية كما يقول عليه الصلاة والسلام:
(( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) ([68]).
وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)).
وقوله: (( لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف)) ([69]).
إنه العصيان المدني الصامت، وقضاء المظالم هو الذي يقرر إن كان أمر الحاكم معصية أم لا، وليس الرأي والاجتهاد الفردي، والقضاء يصدر حكمه إما لصالح الحاكم فيُطاع، أو لصالح الرعية فيتراجع الحاكم أو يُعزل.
بل تطالب النصوص بإنكار هذه الأوامر الصادرة من الحاكم.
(( إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع..)).
معناه: (كما يقول النووي: من كره بقلبه ولم يستطع إنكاراً بيدٍ ولا لسان فقد برئ من الإثم، ومن أنكر بحسب طاقته، فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضي بفعلهم وتابعهم فهو العاصي) ([70]).
إن الموقف السلبي مرفوض في ظل الدولة الإسلامية، فإنكار بالقلب وكراهة لهذه الأوامر بالمعاصي، أو إنكار باللسان، وإعلان للموقف، وهذه هي السلامة من الإثم، أما الذين يصفقون للحاكم، ويطيعونه في كل شيء (من رضي وتابع) فهذا آثم لا محالة، ولا براءة له ولا سلامة.
ب‌- في الكفر البواح:
عن أبي الوليد عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله تعالى فيه برهان، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم).
قال النووي: بواحاً، أي ظاهراً لا يحتمل التأويل.
(ومعروف أن الجهة التي تصدر الأحكام في مثل هذا التنازع في الدولة الإسلامية إنما هو ولاية المظالم أو قضاء المظالم، فإذا أصدر هذا القضاء حكمه بظهور الكفر البواح جرى تنحية الحاكم على أساسه من السلطة، وجرت محاكمته على جريمته، فإذا تشبث في منصبه وساندته قوة عسكرية، فهنا لا بد أن تتحرك القوى العسكرية الأخرى لقتال هذا الحاكم ومن يسانده حتى تعود الأمور إلى نصابها)([71]).
في الكفر البواح لم يعد الحاكم صاحب الأمر، وفقد شرعية وجوده، حين يقرر قضاء المظالم ذلك وعلى الأمة أن تخرج على الحاكم حتى تخلعه وتقيم غيره مكانه.
هذه هي الحالة الوحيدة في الدولة الإسلامية التي تبيح العنف ضد الحاكم الكافر الذي خرج على دين الأمة ودستورها الحاكم، وما سوى ذلك، فالأصل الإزالة بالسلم لا بالقوة (وأن نقول الحق أينما كنا لا نخشى في الله لومة لائم) فهي الرقابة اليقظة الحية على السلطة، وإيضاح عيوبها وخللها وجورها.
جـ- عزل بالسلم لا بالقوة:
واختلف العلماء المسلمون على جواز الخروج على الحاكم لفسقه، والجمهور على عدم جواز ذلك خوف الفتنة.
(ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر.
ويرجح الحافظ ابن حجر الرأي المعتمد عند علماء أهل السنة بقولهم:
وبعضهم لا يجوِّز عقد الولاية لفاسق ابتداءً، فإن أحدث جور بعد أن كان عدلاً فاختلفوا على جواز الخروج عليه، والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه.
ومعنى الكفر البواح هو عدم إقامة الصلاة من الحاكم والتي أشار إليها الحديث السابق:
((إنه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)).
إننا نفرق تفريقاً جوهرياً بين وجوب العزل للجور والفسق عن طريق سلمي، وبين حمل السلاح لإنهاء الحاكم بالقوة ووجوب الخروج عليه عند كفره، فالجانب الأول يدخل تحت إطار العزل السلمي حين تحجب الأمة بممثليها ثقتها عن الحاكم، وتولي هذه الثقة لحكومة أخرى بسبب الفسق وانتهاك حرمات الله تعالى من الحاكم، أو بسبب الجور والظلم للرعية الذي يتناقض مع العدل الذي هو سمة شريعة الله:
} يا عبادي إني حرمت الظلم على نفس، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا { ([72]).
ويذكر ابن عطية أن وجوب عزل الحاكم الجائر هو محل إجماع عند العلماء، إذ يقول:
(الثانية: قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام؛ من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلا فيه) ([73]).
فهو ينقل إجماع الأمة وعلمائها على عزل من لا يستشير أهل الشورى، وهذه أشد من حاكم الجور، فلو فرضنا صورة ما أطلق عليه (المستبد العادل) أي الذي ينفرد بالحكم ويعدل بين الناس، فيجب عزله ولو لو يظلم لأنه هدم ركناً من أركان الشريعة وهو الشورى، فكيف بالمستبد الظالم.
وسبق أن أوفينا الحديث عن أن إمكانية تحقيق مثل هذا العزل، لا يتم إلا من خلال النص الدستوري الذي ينص على ذلك، ومن خلال المعارضة القوية اليقظة التي تملك القواعد الجماهيرية لتأييدها في إسقاط الحاكم الفاسق أو الجائر أو المستبد.
أما حمل السلاح ضد الحاكم الكافر المعلن كفره فهذا ما لم يختلف فيه المسلمون بوجوب الخروج عليه، واستبداله بحاكم مسلم ينفذ شريعة الله.

سابعاً- التداول السلمي للسلطة:
لا يعني التداول السلمي للسلطة اتفاقاً بين الأحزاب أن يحكم حزب فترة ما ثم يليه آخر إنما هو مفهوم أساسي تقوم عليه الديمقراطية المعاصرة، وأداته الأحزاب السياسية القائمة في الدولة، والانتخابات الحرة من الشعب حيث يفوز أحد هذه الأحزاب منفردة أو مشتركة بثقة الشعب، ويضطلع بمسؤولية المحكم من خلال برامج ومناهج محددة تتقدم بها الأحزاب.
ونشير ابتداءً إلى أن هذه الصيغة مستحدثة لم يكن لها وجود في التاريخ الإسلامي، فهي تدخل في إطار المصلحة المرسلة، ولكنها تلتقي في الأهداف مع الأهداف الإسلامية الكبرى في الحكم، وهي الشورى والعدل، خاصة وهي مرتبطة بالتوقيت للحاكم، لا التأييد الذي كان العرف في الأعصر الإسلامية يقوم عليه.
يقول الإمام ابن الجوزية على أمثال هذه الحالات والتجارب الجديدة:
(فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره.. والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر.. بل بيَّن بما شرع من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تُراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد) ([74]).
ونقول ثانية أن هذه التعددية السياسية لا تصطدم بأي نص شرعي، هذا من جهة، وتحقق أهداف الإسلام في العدل والشورى من جهة ثانية، فهي أقرب إلى روح الإسلام من كل الأنظمة الأخرى لأنها أدق ما يكون في تحقيق الشورى وأضمن ما يكون في تحقيق العدل.
هذا الفقه السياسي الذي تحدث عنه الإمام ابن عقيل رحمه الله فقال:
قال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: إلا ما وافق الشرع، أي لم يخالف ما نطق به الشرع، فصحيح، إن أردت، لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة) ([75]).
أ‌- التوقيت للحاكم:
ومن أهم القضايا التي تحتاج إلى إيضاح هو تحديد مدة معينة لولاية الحاكم، حيث تنتهي مدته أو تجدد ولايته، وكثيرون يزعمون عدم جواز ذلك بحجة أن السلف لم يسيروا عليه، لكنهم لا يملكون أي نص شرعي يعتمدون عليه، والنصوص الشرعية تعيد أمور الحكم والولاية كلها للشورى فإذا رأت الأمة وعلماؤها أن الأضمن والأحوط منع تأييد الحكم لحاكم معين، فلا شيء ولا نص يمنعها من ذلك، وحين ننظر إلى القضية بنظرة أعمق وأشمل، ونحن في واقع التجزئة القائم في العالم الإسلامي والذي توزع إلى خمس وخمسين دولة في العالم هي بمثابة ولايات في الدولة الإسلامية الكبرى التي يقوم على رأسها خليفة إسلامي، هذه الولايات في الماضي كان على رأسها أمير يعينه الخليفة ويعزله متى شاء، فالأمر من صلاحياته، فليس التأييد من خصائص الأمير، إنما التوقيت هو من خصائصه.
ودول العالم الإسلامي اليوم بمثابة ولايات ليس لها رئيس ولا خليفة، ولا نجد في أي دولة من دول العالم الإسلامي اليوم رئيساً له صلاحيات الخليفة أو مواصفات الخليفة، نحن اليوم مع أمير يحكم قطراً لا مع خليفة يحكم خلافة، والأصل التوقيت في الإمرة كما كان العرف سائداً في العهود الإسلامية على مدار التاريخ وحيث أن الخليفة الأعظم أو الإمام مفقود في عصرنا الحاضر فالأصل أن يختاره الشعب الذي يحكمه حسب نظام الحكم السائد، وعندما يرى الشعب صلاحه من حقه أن يجدد له، ويحدد هذا التجديد بمرة أو مرتين أو أكثر.
ونستطيع أن نقول بطمأنينة أن التوقيت للأمير أو رئيس الدولة في عصرنا هو الأقرب إلى روح الشريعة من التأييد، وفي عالمنا الإسلامي نرى أن الحكام لا ينتهون إلا بانقلاب عسكري أو بوفاة الحاكم وباسم الديمقراطية والجمهورية يستمر الحكم أكثر من استمرار الملك.
فلِمَ نعطي هؤلاء الطغاة المستبدين مستنداً شرعياً في حكمهم وهم لا يصلحون أجراء في مفهوم الخلافة الراشدة؟
ب‌- المعارضة وتعدد الأحزاب:
يقول الدكتور القرضاوي حفظه الله:
( إن السلطة قد تتغلب بالقهر على فرد أو مجموعة من الأفراد، ولكنها يصعب عليها أن تقهر جماعات كبيرة منظمة لها امتدادها في الحياة وتغلغلها في الشعب، ولها منابر وصحفها وأدواتها في التعبير والتأثير فإذا أردنا أن يكون لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معناها وقوتها وأثرها فلا بد من تطوير صورتها بحيث تقوم بها قوة تقدر أن تأمر وأن تنهى، وتنذر وتحذر وأن تقول عندما تؤمر بمعصية لا سمع ولا طاعة وأن تؤلب القوى السياسية على السلطة إذا طغت، فتسقطها بغير العنف والدم، وتعدد الأحزاب في مجال السياسة، أشبه شيء بتعدد المذاهب في مجال الفقه.
إن المذهب الفقهي هو مدرسة فكرية لها أصولها الخاصة في فهم الشريعة، والاستنباط من أدلتها التفصيلية في ضوئها، وأتباع المذهب هم في الأصل تلاميذ في هذه المدرسة، يؤمنون بأنها أدنى إلى الصواب من غيرها وأهدى سبيلاً، فهم أشبه بحزب فكري التقى أصحابه على هذه الأصول، ونصروها بحكم اعتقادهم أنها أرجح وأولى، وإن كان ذلك لا يعني بطلان ما عداها، ومثل ذلك الحزب: إنه مذهب في السياسة له فلسفته وأصوله ومناهجه المستمدة أساساً من الإسلام الرحب، وأعضاء الحزب أشبه بأتباع المذهب الفقهي كل يؤيد ما يراه أولى بالصواب، وأحق بالترجيح) ([76]).
قد تلتقي مجموعة من الناس على أن الشورى ملزمة، وأن الخليفة أو رئيس الدولة ينتخب انتخاباً عاماً وأن مدة رئاسته مقيدة بسنوات محدودة، ثم يُعاد انتخابه مرة أخرى، وأن أهل الشورى هم الذين يرضاهم الناس عن طريقة الانتخاب، وأن للمرأة حق الانتخاب وحق الترشيح للمجلس، وأن للدولة حق التدخل لتسعير السلع، وإيجار الأرض والعقار، وأجور العاملين، وأرباح التجار، وأن الأرض تُستغل بطريق المزارعة لا مؤاجرة، وأن في المال حقاً سوى الزكاة، وأن الأصل في العلاقات الخارجية السلم، وأن أهل الذمة مواطنون في دار الإسلام يُعفون من الجزية إذا أدوا الخدمة العسكرية، وضريبة التكافل، وهي ما يَقابل الزكاة التي تُؤخذ من المسلم، وأنهم يمثلون في المجلس النيابي ([77]).
قد تلتقي مجموعة أخرى من (المحافظين) يعارضون أولئك (المجددين) أو (أدعياء التجديد) في نظرهم، فيرون الشورى معلمة لا ملزمة، وأن رئيس الدولة يختاره أهل الحل والعقد ويختاره مدى الحياة وأن الانتخاب ليس وسيلة شرعية، وأن المرأة ليس لها حق الترشيح ولا حق التصويت، وأن الاقتصاد حر، والملكية مطلقة، وأن الأصل في العلاقات الخارجية هو الحرب، وأن الخليفة أو الرئيس هو صاحب الحق في إعلان الحرب أو قبول السلم، وغير ذلك من الأفكار والمفاهيم التي تشمل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والعسكرية وغيرها.
وقد توجد مجموعة أخرى لا هي مع هؤلاء، ولا هي مع أولئك، بل توافق هؤلاء في أشياء وأولئك في أشياء.
فإذا انتصرت فئة من هذه الفئات، وأصبحت مقاليد السلطة بيدها، فهل تلغي الأخرى من الوجود وتهيل على أفكارها التراب لمجرد أنها صاحبة السلطان.
هل الاستيلاء على السلطة هو الذي يعطي الأفكار حق البقاء؟ والحرمان من السلطة يقضي عليها بالفناء؟
إن النظر الصحيح يقول لا؛ فمن حق كل فكرة أن تعبر عن نفسها ما دام معها اعتبار وجيه يسندها ولها أنصار يؤيدونها) ([78]).
جـ- الشورى والتعددية السياسية:
يقول الدكتور الصاوي:
(قد سبق أن الشورى من عزائم الأحكام وقواعد الشرعية الكلية، والسبيل الأصيل لتحقيقها أو حسن تطبيقها في السياسة والحكم في واقعنا المعاصر هو التعددية السياسية.
فمجال عمل الشورى في باب السياسة والحكم يتمثل في عملية انتقال السلطة والرقابة عليها، وفي كلا الأمرين تلعب التعددية السياسية دوراً هاماً في حسن القيام بهذه الأمور على وجهها المنشود، أما عملية انتقال السلطة فالأصل أن السلطة حق للأمة، وأنها هي التي تتولى عن طريق أهل الحل والعقد منها اختيار حكامها.. وترجمة ذلك عملياً أن تتفاوت الأطروحات السياسية وبرامج التغيير المقترحة للنهوض بالأمة وكفالة مصالحها العامة حاضراً ومستقبلاً.
وإدارة شؤون الحكم لم تعد موهبة فردية تعتمد على كفاية شخصية لحاكم فذ، وإنما أصبحت علماً متشعب الجوانب لكل جانب خبراؤه ومتخصصوه، ومع تباين هذه الأطروحات يأتي دور الأحزاب السياسية كأوعية سياسية فعّالة نشطة تتولى جمع هذه الأفكار المبثوثة وصياغتها في برامج سياسية متكاملة، وطرحها على الأمة لتتولى المقارنة بين فعالية هذه البرامج ومدى مصداقية القائمين عليها.
ومن تمنحه ثقتها وتبذل له كل تأييدها فقد تأهل لقيادة مسيرتها إلى حين، وتبقى بقية البرامج في الظل ترقب مسار العمل السياسي وتتابع مستجداته، وتحلل متغيراته، وتجدد برامجها في ضوئها، فإذا عادت السلطة إلى الأمة مرة أخرى وتقرر إعادة الاختيار من جديد فقد تبذل الأمة ثقتها، وتمنح اختيارها لبرنامج آخر ووجوه جديدة، ويتم تبادل المواقع على هذا النحو السلمي الهادئ إن كان ثمة مبرر لهذا التغيير، فتحقق الشورى في أعمق مظاهرها، وتؤدي دورها في فعالية كاملة، ولا تصبح مجرد قيمة نظرية مفرغة من الدلالة والمضمون.
وإذا كانت الشورى لا تتحقق في أرشد تطبيقاتها، وأكثرها فعالية في واقعنا المعاصر إلا من خلال التعددية السياسية، فقد تذلل القول بشرعية هذه التعددية بل بوجوبها بناءً على قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
د- هل الأحزاب الكتابية في ظل الدولة الإسلامية؟:
نقول: نعم؛ وبدون تردد.
فالإسلام أقر التعايش الكامل بين المسلمين وأهل الكتاب، وإن أشد ما يتحرج منه المسلم مع غير المسلم هو الطعام والنكاح، وقد كسر الإسلام هذا الحاجز النفسي بين الفريقين من خلال قوله عز وجل:
} واليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان، ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين { ([79]).
وقد خُتمت الآية بالإيمان، فليست الأمور موقفاً سياسياً بمقدار ما هو مبدأ عقدي، فهل يعيش أهل الكتاب بجور المسلمين محرومين من حقوقهم السياسية؟.
سبق أن قلنا أنهم أمة من دون الناس يختارون ممثليهم ومرشحيهم وقياداتهم الدينية والمدنية دون أدنى تدخل من السلطة الإسلامية الحاكمة، وفي مجال السلطات العليا للدولة، فلا شك أن هناك مجالس نيابية تمثيلية تمثل أبناء الدولة جميعاً، ومن حقهم أن يكون لهم ممثليهم بالنسبة العددية التي يملكونها في الدولة تدافع عن مصالحهم وتقدم الخدمات اللازمة لهم وتشارك في الجهاز التنفيذي في الحكم، حيث أكد فقه السياسة الشرعية الإسلامي بدون خلاف من أحد حقهم في (ولاية التنفيذ) لا في (ولاية التفويض).
وحين النظر أكثر وأكثر في هذا الأمر نفهمه على ضوء الفقه السياسي الحديث في الأنظمة الديمقراطية أنهم لا حق لهم في الرئاسة العليا للدولة، وما دون ذلك فجميع الوزارات يمكن أن يشاركوا فيها لأنه لا وجود لوزارات التفويض في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة، وكل الوزراء مسؤولون أمام رئيس الوزراء أو أمام المجلس النيابي عن كل تصرف أو أمر أو مرسوم تسنه الوزارة إذا خالف دستور الأمة، وحين يشارك غير المسلمين في المجال السياسي في دولة تنطلق من القرآن ومن تحكيم شريعته، فلا صلاحية لأحد في الخروج على هذا النظام أو هذا الدستور،ويُعتبر ملغياً تلقائياً كل قانون أو قرار يخالف الدستور الأساسي.
بقي أن نقول كم عدد الأشخاص المؤهلين لرئاسة الدولة؟ فرئيس الدولة في النتيجة فرد واحد ومعظم دساتير العالم تشترط أن يكون رئيس الدولة من الأغلبية الشعبية.

ثامناً- التداول السلمي في ظل دولة عصرية:
في ظل الدولة العصرية، الديمقراطية، الأصل أن تكون الحزبية من حق الشعب كله بغض النظر عن انتماءاته الفكرية أو العقدية أو الجنسية لأن مفهوم الديمقراطية يقوم على أساس عدم التمييز بين المواطنين في دولة الرابطة العليا فيها الوطنية والحركة الإسلامية وهي فصيل من الفصائل المشاركة في الحياة السياسية، لا تملك الحق في الحظر أو السماح لأي فصيل سياسي في التمثيل وهي خاضعة لدستور يحكم حياتها السياسية ولا تحفظ لها على أحد، إنما يقوم هدفها الرئيسي على المحافظة على حقها في العقيدة والعبادة والدعوة والحياة السياسية، وتقاوم كل استبداد يريد أن يفرض مذهباً فكرياً أو سياسياً بالقوة، إنما من حق هذا المذهب أو الحكم الذي اختارته جماهير الشعب أن تكون السلطة بيده انفراداً أو تآلفاً مع غيره حين يعجز عن الاستقلال بالحكم لأنه لا يملك الأكثرية التي تؤهله لهذا الانفراد.
إن الانتساب للإسلام ليس حصانة للحركة، تفعل ما تشاء تحت هذا الاسم أو هذا الستار، إن الميزان الحاكم على الناس هو الإسلام لا الأشخاص، فإذا ادعوا الانتساب للإسلام ولم يعملوا به، أو علموا بغيره، فلا بد من نبذهم وجهادهم لتقديم الأكفأ والأصدق لتمثيل الأمة.
الإسلام لا يفرض نفسه بالقوة على الناس، ولهذا كان مبدأ وعقيدة وديناً قبل أن يكون سلطة سياسية، وحينما يعتنقه الناس، يعني أنهم ارتضوه حاكماً في حياتهم ومآلهم.
والميزة الخاصة في النظام الإسلامي السياسي أنه لا يقوم على حكم الأكثرية للأقلية بل يقوم على حكم الأكثرية للمجتمع، وأن يبقى للأقلية تمثيلها ويبقى النظام العام السائد على الجميع وهو بمثابة الدستور الإسلامي الشامل، إن الشريعة الإسلامية هي دستور الشعب، وليست العقدية الإسلامية دستوره، فاختلاف العقائد حيث يلتقي أبناؤها على دستور يرتضونه في أكثريتهم، فعلى الجميع الالتزام فيه.

تاسعاً- قوى المجتمع المدني ومؤسساته ودورها في المعارضة:
من سمات المجتمع الديمقراطي وجود النقابات المهنية التي تمثل قطاعات ومصالح فئات عريضة من الشعب فقد تبقى الحزبية محصورة في فئات محددة من الشعب والتي تحمل الألوان الفكرية والعقائدية والبرامج السياسية في منظور عام وشامل للأمة.
أما النقابات المهنية فتمثل القطاعات العريضة من الشعب إذ هي ألصق بمصالحهم من الأحزاب الكبرى بحكم التعايش مع هؤلاء الناس وتحقيق مصالحهم ورفع معاناتهم اليومية أمثال نقابات العمال والفلاحين واتحاد الطلاب، والاتحاد النسائي، والنقابات العلمية، أمثال نقابات المهندسين والصيادلة والأطباء والمحامين ونقابات المعلمين، هذه القوى لها دور فعَّال في النظم الديمقراطية، حيث تخوض بعضها الانتخابات باسم هذه المؤسسات ويكون لها القوة الكبرى في ترجيح نظام وسقوط آخر، والإسلام يرحب بأمثال هذه القوى الفاعلة ومؤسساتها، وقد كانت تُمثَّل في المجتمعات الإسلامية عرفاً – بشيخ الكار – الذي تنتهي إليه قيادة كل مهنة في عصره، والإسلام هو الذي أعطى لأمثال هذه الحرف والمهن أهميتها في المجتمع بعد أن كانت منبوذة ومحتقرة في المجتمعات الجاهلية قبل الإسلام، أما أعظم هذه المؤسسات في المجتمع الإسلامي فهي مؤسسة العلماء، أو ما يصطلح عليه بجماعة العلماء الذين يمثلون الخط الفكري والعقدي في المجتمع، وهم الذين كانوا يُسقطون الأنظمة، ويرفعونها في الحياة الإسلامية ولا بد من الاعتراف كذلك بالنسبة لمجتمعاتنا الإسلامية بدور القبلية ودور المدن في تمثيل هذه المجتمعات، ودور الأجناس المختلفة كذلك، فهذه قوىً فاعلة في المصير السياسي للأمم وحتى عصرنا الحاضر، حتى لو اتخذت إطاراً في حزب سياسي، فنجد الحزب تسيطر عليه قيادة مدنية معينة تحمل مصالح المدنية وعقليتها في معالجة الأمور كما أن هذه التحريات انعكست سلباً على مستويات الأحزاب في المجتمعات العربية المعاصرة، فعوضاً عن أن تكون القيم الفكرية هي التي تتحكم بقرارات الأحزاب المصيرية، أصبحت المصالح الشخصية والحزبية الضيقة هي التي تحكم هذه القرارات، ومع أن الإسلام جاء ليرتفع بهذه القوى جميعاً لتكون ضمن الإطار الفكري والعقدي للأمة، لكنه كان يتعامل معها واقعاً، لما لها من تأثير في صفوف الأمة، والرقي الحقيقي للحياة الحزبية هو الذي يجعلها ترتفع عن المصالح الخاصة إلى مصالح الأمة العامة، وسيطرة الفكرة العقيدة على الأشخاص والأهواء وتبقى النقابات المهنية هي القوى الممثلة لمصالح أبناء الأمة المختلفة، والمتعاملة مع معاناتهم وآلامهم الواقعية ومهمة دعاة الإسلام أن يكونوا هم طليعة الأمة في ذلك، وكانوا كذلك، فما من بلد أُعطي فيها هامش من الحرية إلا وجدنا دعاة الإسلام على رأس هذه النقابات كما هو الحال في مصر والأردن والسودان من قبل، وغيرهم كذلك.

عاشراً- استعراض بعض التجارب السياسية المعاصرة:
- إيران: لقد كانت إيران أول دولة تسلَّمت الحكم على أثر ثورة شعبية أطاحت بنظام الحكم القائم، وتحمَّلت مسؤولية الحكم كاملة، ولم تسمح لأية أحزاب غير إسلامية على الساحة، بل انطلقت من نظام حكم الحزب الواحد، غير أن هذا الحزب كان يحمل أجنحة متعددة، كانت تتنافس على الساحة السياسية، وإن كانت قد انتهت الآن إلى جناحين كبيرين، جناح المحافظين، وجناح الإصلاحيين، والحرية المسموح فيها ضمن هذا الإطار، فلا يمكن أن تعتبر التجربة الإيرانية ممثلة للتداول السلمي للسلطة.
- السودان: وتعتبر التجربة السودانية ماضية على خطا التجربة الإيرانية، إذ كان نظام الحزب الواحد الذي يسودها أكثر من عشرة سنوات، وإن كانت القيادة السياسية للدكتور الترابي قد أوسعت الحزب من جبهة الإنقاذ إلى المؤتمر القومي، وأدخل في كوادر الحزب ما لا يقل عن ثلاثمائة شخصية من الأحزاب الأخرى، حيث شكل هذا الموقف أزمة ضمن الجبهة نفسها، وتفاعلت هذه الأزمة حتى انتهت إلى الحزبين، الحزب الحاكم، وحزب المؤتمر المعارض وفي الوقت الذي تطور الدستور السوداني، وسمح بتعدد الأحزاب ضمن ثوابت الأمة، ولكن هذه الأحزاب كلها، لا تزال في المعارضة، ما عدا التجربة الأخيرة في الوزارة الأخيرة التي أشركت الإخوان المسلمين وجناحاً من حزب الأمة في الوزارة التي اعتبرتها ائتلافية.
لقد خطت التجربة السودانية خطوات أبعد من خطوات التجربة الإيرانية في هامش الحرية للشعب، والاقتراب من خطوات التداول السلمي للسلطة، وإن كان مما يُؤخذ على هذه التجربة أنها لجأت إلى القوة أثناء الصراع الحزبي في صفها، فأعلن الرئيس البشير قانون الطوارئ، وحلَّ المجلس النيابي، وكنا نود أن لا تكون هذه الظاهرة في الصف الإسلامي والتجربة السياسية الإسلامية وهذان نموذجان سياسيان لاستلام السلطة من الإسلاميين عن طريق انقلاب عسكري، وعن طريق ثورة شعبية.
- تركيا: تكاد تكون ظاهرة حزب الرفاه في تركيا تمثل حلقة من حلقات التداول السلمي للسلطة حيث كان حزب الرفاه أقوى الأحزاب في المجلس، وتحالف مع حزب آخر واستلم مسؤولية الحكم في تركيا في قلب عالم مليء بالأشواك، وفي قلب السيطرة الخفية للجيش على الساحة.
ونقول: إن هذه التجربة على كل ما حفَّ بها من مخاطر، تؤكد استعداد الإسلاميين للخضوع للعبة الديمقراطية، وتنفيذ التداول السلمي للسلطة بعيداً عن العنف وعن استعمال القوة ابتداءً أو انتهاءً، وهي النموذج الذي على الحركات الإسلامية أن تحتذيه.
- الأردن: ولا شك أن التجربة الديمقراطية في الأردن للحركة الإسلامية تمثل صورة متقدمة للعمل السياسي الإسلامي، ومع أن الحركة الإسلامية لم تنفرد بالسلطة في الأردن، إنما كانت فصيلاً قوياً من الفصائل السياسية على الساحة وشاركت بشكل جزئي مع أحزاب أخرى في الحكم، ولم يُؤخذ على الحركة الإسلامية في الأردن أي مأخذ يتعارض مع التداول السلمي للسلطة، إنما كانت القوة من الدولة في التلاعب بالقوانين واللجوء إلى حلّ المجلس في مرحلة من المراحل.
ويمكن أن نعتبر الأردن وتركيا النموذجين الحيين للمشاركة في الأنظمة من خلال التداول السلمي للسلطة.
- اليمن: وكانت تجربة التجمع اليمني للإصلاح التي قادها الإسلاميون في اليمن في العقدين الأخيرين على هذا المستوى، وهذه الكفاءة من العمل السياسي الناجح، سواءً عندما شاركت في الحكم مع حزب المؤتمر الشعبي، أو كانت في صف المعارضة، وتحمَّلت بأعصاب هادئة كل ضغوط واستفزازات السلطة، من دون أن تخرج على قواعد ومناهج المشاركة الديمقراطية، واليمن إذن تضاف إلى التجربتين السابقتين، تركيا والأردن في الخضوع لقواعد العمل الديمقراطي واللجوء إلى الانتخاب الشعبي، وصناديق الاقتراع حكماً بين الناس.
- سورية: لعل أقدم تجربة ديمقراطية للحركات الإسلامية في العالم العربي كانت التجربة السورية وقد شاركت خلال العهود الديمقراطية فيها بوزير أو وزيرين، لكن أقوى مشاركة كانت قبل ثورة الثامن من آذار، حيث كانت إحدى قوتين تتحكمان في الساحة السياسية من خلال المجلس النيابي الذي أُعيد اعتباره للحكم بعد ثورات داخلية من الجيش، ولم يُسقط هذه التجربة إلا انقلاب الثامن من آذار الذي حوَّل السلطة إلى حكم عسكري دكتاتوري.
ويُترك لبيان الألف مثقف يصف حال سوريا قبل الثامن من آذار في ظل التداول السلمي للسلطة، والذي كان على رأسه الإسلاميون والاشتراكيون يمثلون هذا التنافس، وبين سورية بعد انقلاب الثامن من آذار، بصفتهم حياديين بعيدين عن التحيز.
يقول بيان الألف بصدد حديثه عن المجتمع الديمقراطي في سورية:
إن ما يكتنف مفهوم المجتمع المدني من التباس ناشئ عن تعدد التجارب الديمقراطية في التاريخ القديم والحديث لا ينفي وجوده الواقعي عندنا.. والذي أنتج مجتمعنا خلالها ثقافة متجددة وصحافة حرة ونقابات وجمعيات وأحزاباً سياسية وشرعية دستورية، وتداولاً سلمياً للسلطة حتى غدا من أقل الأقطار العربية تأخراً إن لم يكن من أكثرها تقدماً، وكانت تلك السيرورة ترقى بمجتمعنا إلى الاندماج الوطني والاجتماعي، إلى أن حدث ذلك القطع المؤسس على المشروعية الثورية الانقلابية في مواجهة المشروعية الدستورية..).
في السابع من آذار عام 1963 كانت الحركة الإسلامية مشاركة بثلاثة وزراء في حكومة السيد خالد العظم، والكتلة الاشتراكية مشاركة بثلاثة وزراء، وكانت البلاد تمخض بالدعوة إلى انتخابات جديدة، ومجلس نيابي جديد، في إطار التحرك الديمقراطي، وكان الثامن من آذار (إلى أن حدث ذلك القطع المؤسس على المشروعية الثورية الانقلابية في مواجهة المشروعية الدستورية، ولم يكن ممكناً تهميش المجتمع المدني وتغييبه على هذا النحو لولا تماهي السلطة والدولة، وتماهي الشخص والمنصب الذي يشغله، وصيغ الدولة بصيغة الحزب الواحد واللون الواحد والرأي الواحد، وجعل الدولة جزءاً من المجتمع لا يعترف بجزئيته، بل يقدِّم نفسه ممثلاً للشعب وقائداً للدولة والمجتمع، ويخفض المواطنة إلى مستوى الحزبية الضيقة والولاء الشخصي، وينظر إلى بقية المواطنين على أنهم مجرد رعايا، فغدت أموال الدولة ومؤسساتها وثروات الوطن ومؤسسات المجتمع المدني أيضاً كأنها إقطاعات وحيازات وملكيات خاصة توزع على الموالي والأتباع، واستبيح المجتمع وانتُهبت ثرواته، وتحكم من صاروا رموزاً للعسف والفساد بمقدراته، وغدا كل مواطن مشتبهاً به بل مداناً وتحت الطلب، وراحت السلطة تنظر إلى الشعب لا على أنه كم مهمل وموضوع لإرادتها فحسب بل على أنه قاصر وناقص الأهلية وموضع ريبة وشك ولم يخل الأمر من تخوينه كلما بدرت منه بوادر التعبير عن رأيه والمطالبة بحقوقه) ([80]).
التنظيم العالمي يحسم الأمر: فقد صدر بيان مسهب حول موقفهم من التداول السلمي للسلطة والديمقراطية ومما قالوه فيه: لقد أعلن الإخوان المسلمين عشرات المرات خلال السنوات الماضية أنهم يخوضون الحياة السياسية ملتزمين بالوسائل الشرعية، والأساليب السلمية وحدها مسلمين بالكلمة الحرة الصادقة ومؤمنين بأن ضمير الأمة ووعي أبنائها هما في نهاية الأمر الحكم العادل بين التيارات الفكرية والسياسية التي تتنافس تنافساً شريفاً في ظل الدستور والقانون... ويجددون الإعلان عن رفضهم لأساليب العنف ولجميع صور العمل الانقلابي الذي يمزق وحدة الأمة..) ([81]).
ونخلص بعد هذا البحث إلى النتائج التالية:
1- ابتدأ الإسلام معارضة عقيدية فكرية سياسية.
2- المعارضة لغة: هي المقابلة والمباراة والمشابهة، واعترض عليه: أنكر قوله وفعله، وفي الاصطلاح: هي الرأي أو الصوت الآخر في المعنى السياسي العام، وفي المعنى السياسي الخاص هي تكوين حركة خارج السلطة قد تكون حزباً أو جماعة أو مؤسسات تعمل في مواجهة السلطة.
3- كانت المعارضة في العهد النبوي والراشدي هي الرأي أو الصوت الآخر في المعنى السياسي العام.
4- أما المعارضة الإسلامية في العهد المكي فهي أقرب إلى المصطلح الخاص لأنها تقدم الإسلام وفكره بديلاً عن الدولة في المجتمع الجاهل يمن خلال الطرق السلمية.
5- وحيث لم تتهيأ أكثرية تؤيد الإسلام في مكة، مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأقام دولة الإسلام فيها حين اعتنق أبناؤها الإسلام عن رضاً وطواعية.
6- ظهرت المعارضة في العهد النبوي جلية يوم أحد، حيث نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأي الأكثرية التي تريد الخروج خارج المدينة لمواجهة قريش أما معارضة المنافقين فكانت خيانة للأمة.
7- كما ظهرت في صلح الحديبية حين اعتبر المسلمون عودتهم عن فتح مكة وقبول شروط الصلح تنازلاً ودنية في الدين، ولم يدركوا أبعادها وبركتها إلا بعد لأي.
8- كانت المعارضة مع قيام العهد الراشدي في سقيفة بني ساعدة، وتم الإجماع على خليفة واحد بعد استعراض العديد من المرشحين، وتقديم مبررات ترشيحهم.
9- واستطاع الخليفة الراشد الصديق أن يقنع المعارضة القوية لإنقاذ جيش أسامة ثم قتال مانعي الزكاة من خلال فقهه الشرعي والسياسي.
10- كما استطاع الخليفة الراشد عمر أن يقنع المعارضة القوية له في رفض توزيع الأراضي المفتوحة على الفاتحين من خلال فقهه الشرعي والسياسي.
11- ودحض عثمان رضي الله عنه حجج المعارضة التي شنعت على الحكم الإسلامي وفضح نياتها المشبوهة، ورفض استعمال القوة معها حين لجأت إلى السلم، غير أنها غدرت بعدها واغتالته.
12- وأعطى علي رضي الله عنه الحق للمعارضة المنظمة السلمية، تتبنى ما تشاء من رأي ما لم تلجأ إلى القوة فتحارب.
13- الأساس الفكري للمعارضة قول الله عز وجل: } ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون{.
14- ويجب أن تتمثل في هذه المعارضة لتحقق الأهداف الكبرى منها وتأخذن على يد الظالم وتأطرنه على الحق أطرا، وتقصرنه على الحق قصرا.
15- وحين يرفض الحاكم ذلك، فالعصيان المدني لسقوطه، بالامتناع عن طاعته، وإذا تجاوز الحد فخرج إلى الكفر البواح، فيجب عزله وإسقاطه بالقوة والثورة عليه.
16- التداول السلمي للسلطة مصطلح سياسي حديث لا يتعارض مع الإسلام، بل يحقق الأهداف الكبرى له في العدل والشورى اللذين هما أساس نظام الحكم في الإسلام.
17- وإذا كان التداول السلمي للسلطة يتعارض مع التأييد للحاكم فهو لا يصطدم بأي نص شرعي ولو قبلنا جدلاً فكرة التأييد لخليفة المسلمين العام فلا وجود له في عصرنا، والوضع أقرب لوضع الأمراء المتبدل والمتغير حسب المصلحة منه إلى وضع الخليفة.
18- إن السلطة قد تتغلب بالقهر على فرد أو مجموعة من الأفراد، لكنها يصعب أن تقهر جماعات منظمة لها امتدادها وتغلغلها في الشعب، والأحزاب المعارضة هي التي تقوم السلطان أو تزيحه، وتدع الشورى متجددة بشكل دائم لاختيار الأنسب والأكفأ من خلال برامج ومناهج تقدم ويُستفتى الشعب عليها.
19- الشورى لا تتحقق في أرشد تطبيقاتها وأكثرها فعالية في واقعنا المعاصر إلا من خلال التعددية السياسية، ولما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
20- الأحزاب الكتابية في الدولة الإسلامية مصونة، لأن الإسلام أعطاهم حقوقاً مشروعة، ومن حقهم أن يحافظوا عليها، ويطالبوا فيها، من خلال من يختارونه لتمثيلهم في هذا المجال، كما أعطاهم حق الاشتراك في الحكم ضمن الخضوع لدستور الدولة العام، ومن خلال أحزابهم يقدمون الأكفأ لهذه المواقع.
21- التداول السلمي للسلطة في ظل الدول المعاصرة، الأصل فيه أن تكون الحزبية أو الحرية من حق الشعب كله بغض النظر عن انتماءاته الفكرية أو العقدية أو الطائفية، والحركة الإسلامية فصيل من فصائل هذا الشعب، تتعايش مع جميع الفصائل من خلال الحوار، وترفض إلغاء أحد، وترفض العنف أداة للحكم.
22- من سمات المجتمع الديمقراطي وجود النقابات المهنية التي تمثل قطاعات ومصالح فئات عريضة من الشعب، وهي أقرب لتصور معاناته من الأحزاب السياسية، ومن حقها أن تمثل في الجهاز التشريعي والتنفيذي.
23- والإسلام الذي يحرص على امتداد الشورى إلى كل فرد بل إلى كل مجموعة، يرى في هذه المؤسسات والنقابات، أنها من أكبر القوى الفاعلة في بناء المجتمع والدولة، ومن حقها المشاركة والمساهمة في ذلك.
24- التجارب السياسية التي خاضتها الحركات الإسلامية المعاصرة، تمثل تفاوت التعامل مع التداول السلمي للسلطة، حسب نوعية التجارب التي خاضتها.
25- ففي أفغانستان وإيران لم تُعط الحرية إلا للحزب الحاكم، وقد يفرز هذا الحكم أجنحة داخله تنالها هذه الحريات.
26- وقد سارت السودان على هذا النموذج فترة طويلة، ثم انتهت إلى إعطاء الحريات للأحزاب العامة القديمة والحديثة ضمن شروط مرنة، وقامت فيها أخيراً حكومة ائتلافية بحدٍ ضيق.
27- أما تجارب الحركة الإسلامية في الأردن واليمن والكويت والجزائر، فلم تخرج هذه الحركات عن إطار التداول السلمي للسلطة، واعتبرت هذا النموذج هو الأنجع والأصلح في تحقيق الشورى السياسية.
28- والتنظيم العالمي للإخوان المسلمين قد تبنى منذ أكثر من عقدين حين سمح له التعبير عن رأيه فكرة الخيار الديمقراطي، والتداول السلمي للسلطة، ونبذ العنف في الوصول إليها.
29- وكانت الحركة الإسلامية في سورية أعرق حركة إسلامية تعاملت مع الخيار الديمقراطي وشاركت فيه إلى أن تم اغتيال المشروعية السياسية بالمشروعية الثورية في الثامن من آذار، كما عبرت عن ذلك بينات المثقفين السوريين.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



avatar
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام


الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 13485
نقاط : 25129
السٌّمعَة : 23
العمر : 38
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى