شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

التحديات الدولية في الإسلام

اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:22 pm

رابعا: تحديات دولية
المبحث الأول: الحوار.
المبحث الثاني: الإرهاب.
المبحث الثالث: الجهاد في سبيل الله.
المبحث الرابع: العولمة.
المبحث الخامس: نحن و الحضارة الغربية.
*********************************************************
المبحث الأول
الحــــوار

مخطط البحث
1- تعريف الحوار
ا- الحوار لغة
ب- الحوار اصطلاحا
2- كلمات عامة في الحوار
ا- الاسلام سطر وجوده على الأرض بـ اقرأ
ب- معجزة الاسلام الكبرى الى قيام الساعة: القرآن
ج- أكثر من نصف القرآن حوار بين الاسلام و خصومه
د- لا إكراه في الدين
هـ أعظم شيء في الاسلام الدعوة الى الله
3- العهد المكي و الدعوة الى الصبر
4- الحوار في ظل الدولة الإسلامية
ا- الحوار داخل الدولة الإسلامية
ب- الحوار بين الدولة و خصومها
5- وضع المرتد في ظل الدولة الإسلامية
1- الفسحة الأولى
2- الفسحة الثانية

الحوار
1- تعريف الحوار
* الحوار في اللغة: ( الحَوْر: في اللغة الرجوع، وتحاوروا: تراجعوا الكلام فيما بينهم، وما أحار جواباً: ما ردَّ، والتحاور: التجاوب، واستحاره: استنطقه )([1]).
* وفي الاصطلاح: ( مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين)([2])، وعرفه بعضهم بأنه: ( نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين، يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة، فلا يستأثر أحدهما دون الآخر ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصب )([3]).
الحوار في القرآن: ورد في ثلاثة مواضع:
آ- بين صاحبي الجنتين؛ الأول]وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره: أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً[([4]).
ب- الثاني: ] قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً[([5]).
جـ- في سورة المجادلة: ] قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير [ ([6]).
وهذه المواضع الثلاثة تتناسب مع تعريف الحوار الاصطلاحي.
الحوار في السنة: ورد بالمعنى الاصطلاحي في حديث البخاري عن أبي الدرداء قوله: ( كانت بين أبي بكر وعمر محاوره فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضباً.. )([7]).
2- كلمات عامة في الحوار
لسنا بحاجة للوقوف كثيراً أمام هذه التعريفات السابقة لأن مصطلح الحوار قد أصبح واضحاً في ذهن الطبقة المثقفة من كل فئات الأمة والتي يعنيها هذا الموضوع، خاصة في مجال الصراعات أو الخصومات السياسية. وهل يكون حلها عن طريق الحوار أو طريق القوة، ومن أجل ذلك نجدنا مضطرين لتوضيح هذه الكليات الخمس في الحوار الإسلامي.
1- الإسلام سطَّر وجوده على الأرض بـ اقرأ.
2- معجزة الإسلام الكبرى إلى قيام الساعة: القرآن.
3- أكثر من نصف القرآن حوار بين الإسلام وخصومه.
4- لا إكراه في الدين.
5- أعظم شيء في الإسلام الدعوة إلى الله.

1- الإسلام سطَّر وجوده على الأرض بـ: اقرأ
(.. حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: (( ما أنا بقارئ )) فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقال: (( ما أنا بقارئ ))، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم.. )([8]).
فرسالة الله تعالى إلى خلقه والتي اختار عز وجل قلب رسوله الكريم لحملها هي قراءة وعلم وفكرة وليست قتالاً وسيفاً ابتدأت بالقراءة، واختتمت بقول الله عز وجل:
] اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكن الإسلام ديناً [ ([9]).
والعلم لا يُتلقى بالقوة والقسر إنما يُتلقى بالقراءة والفهم والتدبر.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يودع الدنيا قبيل وفاته بشهرين ونيف كان أكثر ما يشغله هو تبليغ هذه الرسالة للأمة وإيصالها لهم، كما ذكر في حجة الوداع:
(( ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فلعل بعض من يُبَلَّغُه يكون أوعى له من بعض من سمعه ))([10]).
وفي رواية ((.. فلا تظلمن أنفسكم: اللهم هل بلغت )).
فذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اشهد )([11]).
ونبحث عن أهم شيء في هذا الدين حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تبليغه في يوم النحر، حيث اجتمع مائة وثلاثون ألفاً من المسلمين فيكون الجواب:
عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السماوات والأرض. السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات؛ ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، أي شهر هذا ؟ )) قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس ذو الحجة )). قلنا: بلى. قال: (( فأي بلد هذا ؟ )). قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: (( أليس البلدة ؟ )). قلنا: بلى، قال: (( فأي يوم هذا ؟ ))، قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: (( أليس يوم النحر ؟ )) قلنا: بلى، قال: (( فإن دماءكم وأموالكم – قال محمد: أحسبه، قال: وأعراضكم – عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فلعل بعض من يُبلَغُّه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه))([12]).
فإذن أهم ما في وصايا سيد البشرية لها حرمة الدماء والأعراض والأموال، وأهم من ذلك كله أن الضلال كل الضلال هو حل المشاكل بالقوة، وضرب بعضكم رقاب بعض.

2- معجزة الإسلام الكبرى إلى قيام الساعة: القرآن
وحين تكون الآية العظمى للإسلام هي آية فكرية لا آية مادية فهذا يعني أن الحوار هو أساس الحياة الإسلامية في نقل هذا الوحي وتفهيمه وتدبر آياته وتعليمه للآخرين، في الدفاع عن مبادئه وإيضاح عظمته المتجلية للبشرية، وهي المهمة الكبرى لهذه الأمة.
]وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، إذاً لارتاب المبطلون، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون، وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه، قل إنما الآيات عند الله، وإنما أنا نذير مبين، أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم، إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [ ([13]).
وهي الآية الخالدة الباقية، أما الآيات الأخرى، والمعجزات الأخرى فقد كانت وقتية مرهونة بزمنها وبالمشركين أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الرسالة العظمى التي ارتبط وجودنا بها.
] لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون[ ([14]).
والمهمة الرئيسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم العبادة والتلاوة والتبليغ:
]... وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين[([15]).
ورسالته صلى الله عليه وسلم منبثقة من القرآن كما انبثق هو منه.
] وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله، قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن اتبع إلا ما يُوحى إلي، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به، فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون [ ([16]).
والأمة كلها مهمتها أن تبين الآيات، وتوضحها للناس، وتحاورهم حتى تظهر لهم عظمة هذا الكتاب المبين: ]أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [ ] كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته [.

3- أكثر من نصف القرآن حوار بين الإسلام وخصومه
فمن المعروف في علوم القرآن، أن القرآن المكي أكثر من القرآن المدني، ولو أمعنا النظر في القرآن المكي لوجدناه كله حواراً خالصاً بين المسلمين والمشركين، وعرضاً لعقائد الإسلام، وتفنيداً لعقائد الشرك، وعرضاً لدعوات الأنبياء، وحواراتهم مع أعدائهم من شياطين الإنس والجن.
ولا داعي لأن نستعرض ذلك، وإلا سنعرض أكثر من نصف كتاب الله شواهد على ذلك. والجدير بالإشارة نقطتان:
النقطة الأولى: أن القرآن لم يطلق عليه حواراً، وإنما ذكر الجدال والمجادلة أكثر فما هو سبب ذلك ؟
حقيقة الأمر أن أعداء الحق في هذا الوجود من لدن آدم إلى قيام الساعة، يعتمدون ابتداء الجدال السيء وشرط الحوار ليكون حواراً أن يكون من طرفين، أما الجدال فغالباً ما يرتبط باللد والخصومة والتعجيز أكثر مما يعتمد الحجة والمنطق. ومن أجل ذلك حين دعانا الإسلام إلى الجدال دعانا إليه بأن يكون بالحسنى أو بالتي هي أحسن، فهذا واجب الطرف الرباني.
]وجادلهم بالتي هي أحسن[([17]) ]ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم[([18]).
النقطة الثانية: وكثيراً ما يتجاوز الأعداء حتى حدود الجدل العقيم ليهددوا بالإبادة أو التهجير.
] وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا.. [([19]).
] قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز[([20]).
]كذبت قبلهم قوم نوح و الأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فأخذتهم فكيف كان عقاب[([21]).
وإذا أردنا أن نفقه طبيعة هذا الدين وأهمية الحوار فيه، فعلينا أن نتتلمذ دارسين على كتاب الله عز وجل وندرس المنهج الذي يريده الله تعالى منا في هذا المجال، ونتأدب به.
وتكفي هذه الأساسية لمن أراد حقاً أن يعلم أهمية الحوار في الإسلام، وماذا يقيم عليه من شأن، وما له في الدين من أهمية. ونشهد من طرف آخر موقف الخصوم القائم على الجدال بالباطل أولاً، والجدال بغير علم ثانياً. والجدال العقيم ثالثاً، والتهديد رابعاً، والتنفيذ خامساً حين يُتاح لهم ذلك:]قال آمنتم له قبل أن آذن لكم، إنه لكبيركم الذي علمكم السحر، فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ولأصلبنكم في جذوع النخل.. [ ([22]).

4- لا إكراه في الدين
]لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي.. [
وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان، واحترام إرادته وفكره ومشاعره، وترك أمره لنفسه، فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد، وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه. وهذه هي أخص خصائص التحرر الإنساني التحرر الذي تنكره على الإنسان في القرن العشرين مذاهب متعسفة، ونظم مذلة، لا تسمح لهذا الكائن الذي كرمه الله باختياره لعقيدته، أن ينطوي ضميره على تصور للحياة ونظمها غير ما تمليه عليه الدولة..
إن حرية الاعتقاد هي أول حقوق الإنسان، الذي يثبت له بها وصف إنسان، فالذي يسلب إنساناً حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداءً ومع حرية الاعتقاد حرية الدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة.. وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة.
والإسلام.. وهو أرقى تصور للوجود والحياة، وأقوم منهج للمجتمع الإنساني بلا مراء هو الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين، وهو الذي يبين لأصحابه دون سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين.. فكيف بالمذاهب والنظم الأرضية المتعسفة وهي تعرض فرضاً سلطان الدولة، ولا يُسمح لمن يخالفها بالحياة.
والتعبير هنا بصورة النفي المطلق ] لا إكراه في الدين [ نفي الجنس كما يقول النحويون, أي نفي جنس الإكراه كونه ابتداءً فهو يستبعده من عالم الوجود والوقوع، وليس مجرد نهي عن مزاولته، والنهي في صورة النفي – والنفي للجنس - أعمق إيقاعاً.
ولا يزيد السياق على أن يلمس الضمير البشري لمسة توقظه، وتشوقه إلى الهدى، وتهديه إلى الطريق وتبين حقيقة الإيمان التي أعلن أنها أصبحت وهو يقول: ]قد تبين الرشد من الغي [.
فالإيمان هو الرشد الذي ينبغي للإنسان أن يتوخاه، ويحرص عليه، والكفر هو الغي الذي ينبغي للإنسان أن ينفر منه، وأن يوصم به )([23]).
ومن جهة أخرى فلقوله عز وجل مدلول آخر ] قد تبين الرشد من الغي [، فعندما يتبين الكفر على حقيقته أنه غي وضلال، ويتبين الإيمان أنه رشد وهدى عندئذٍ لا يجبر أحد على الإيمان أبداً، أما قبل هذا التبين فلا بد من إزاحة كل الوسائل والقضاء على كل الضغوط التي تحول دون إيصال هذا الدين للناس وجهاد الإسلام ليس لفرض هذا الدين بالقوة، فلا إكراه في الدين، إنما هي لإيصال هذا الهدى للقلوب والناس أحرار بعد ذلك ] فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. إنا اعتدنا للظالمين ناراً.. [ ([24]).

5- الدعوة إلى الله
لقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للبشرية ] داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً [ ([25]).
] وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم، وان الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون [([26]).
] يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..[ ([27]).
] قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحداً.. [، ] ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.. [، ] قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن.. [.
والأنبياء من لدن آدم عليه الصلاة والسلام حتى خاتمهم محمدصلى الله عليه وسلم هم دعاة إلى الله.
] وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب، قالت رسلهم أفي الله شك [([28])
والمؤمنون إلى قيام الساعة دعاة إلى الله عز وجل:
] ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون[ ([29])
] ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين [ ([30]).
] قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن [([31]).
وحين ترفض الدعوة ويتم الحوار الكامل بين الفريقين، فلا إكراه في الدين:
] أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين.. [ ([32]).
] وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين [ ([33]).
]فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر، فيعذبه الله العذاب الأكبر [ ([34]).
] إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء [ ([35]).
ولا بد أن تكون الدعوة إلى الله بالحكمة، والموعظة الحسنة، والحسنى والتي هي أحسن، مهما كان موقف الكافرين المتعنتين والطغاة الجبارين.
]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن[([36]) ]ادفع بالتي هي أحسن[.

3- العهد المكي والدعوة إلى الصبر
وإذا كان الحوار هو سمة القرآن المكي الذي يتجاوز نصف القرآن، فكذلك هو سمة العهد المكي الذي يتجاوز نصف عمر الرسالة، فثلاثة وعشرون عاماً انقضى منها ثلاثة عشر عاماً والرسول صلى الله عليه وسلم مدعو إلى متابعة الحوار، والصبر على متاعبه ولأوائه ومرارته. والجهاد ممنوع مهما كان موقف الطغاة والجبارين، وأقصى ما يُسمح به هو صد العدوان لمن يقدر على صده.
جاء في تفسير الطبري: عن ابن عباس قوله: ] فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [ فهذا ونحوه نزل بمكة، والمسلمون يومئذ قليل، وليس لهم سلطان يقهر المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين من يجازي منهم أن يجازي بمثل ما ,JD yGDI H, dwfv H, dut, ti, Hlصلى الله عليه وسلم v K tglh ih[v vs,g hggiأوتي أوتي إليه أو يصبر أو يعفو فهو أمثل، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأعز سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم وأن لا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية ) ([37]).
ويلخص الإمام ابن العربي في " أحكام القرآن" تلك الحال بقوله: ( كان الكفار يتعمدون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالإذاية، لقد خنقه المشركون حتى كادت نفسه تذهب، فتداركه أبو بكر، وقد بلغ بأصحابه إلى الموت، فقد قتل أبو جهل سمية أم عمار بن ياسر، وقد عُذب بلال وما بعد هذا إلا الانتصار بالقتال.
إن النبي بعد وقوع العفو والصفح عما فعلوا أذن الله له في القتال عند استقراره في المدينة فأخرج البعوث)([38]) و يتابع ابن العربي فيقول:
( وقال علماؤنا رحمهم الله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب، ولم تحل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله، والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم عن بلادهم، فهم بين مفتون عن دينه ومعذَّب، وبين هارب في البلاد مغرَّب، فمنهم من فر إلى الحبشة.. ومنهم من صبر على الأذى، فلما عتت قريش على الله.. وعذبوا من آمن بالله أذن الله لرسوله في القتال )([39]).
هذا ما كان عليه حال النبي صلى الله عليه وسلم ، وحال المسلمين بمكة قبل الهجرة, وقبل نزول الإذن بالقتال ) ([40]) , والمسلمون على مدار القرون إذا كانوا في حالة استضعاف ولم يكن لهم دولة، فلا سبيل لهم إلا الحوار والصبر على كل تعنت العدو وعدوانه أو صد الأذى بمثل ما اعتُدي عليه في أحسن الأحوال.
ويوضح الدكتور هيكل هذا المعنى بصورة أكثر جلاءً فيقول:
أما ما هو مدلول منع الإذن في القتال ؟
- وهل يشمل الاستسلام للتعذيب، والكف عن الدفاع عن النفس، مهما نزل بالمسلم من محن ونكبات على يد أهل الشرك من مكة.
- وهل يشمل الامتناع عن قتل المشرك الذي يرفع السلاح على المسلم قاصداً إنزال الموت به ؟
- أم أن المراد بالقتال غير المأذون فيه هو أن يتداعى المسلمون في مكة، ويؤلفوا من أنفسهم صفاً قتالياً، ويناجزوا كفار مكة في صراع مسلح، وحرب دموية حتى يحكم الله بين الفريقين.
- أم أن المراد بالقتال غير المأذون فيه هو: شن حملات من الاغتيالات لقيادات الكفر في مكة ممن يتناولون المسلمين بالتعذيب بقصد الانتقام والانتصاف ؟
والجواب عن ذلك.. أن المسلمين إزاء ما كان يصيبهم من كفار قريش كان موقفهم منوعاً بين الصبر والصفح وبين الانتصاف والانتصار، ومقابلة الضرب بالضرب، والدفاع عن النفس، بما في ذلك الاستعداد لقتل المشرك فيما لو رفع السلاح على المسلم يريد قتله به..
إذن يبقى معنى القتال الذي كان محظوراً غير مأذون به في مكة قبل الهجرة إنما هو القتال بالمعنيين الآخرين وهما: تداعي المسلمين بعضهم بعضاً لمنازلة قريش في ميدان القتال، وشن حملات من التصفية الجسدية لصناديد قريش، عن طريق الاغتيالات يقوم بها المغامرون من المسلمين بدافع الانتقام من الاضطهاد الذي يلحقونه بهم.. )([41]).
وروى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا رسول الله إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: إني أُمرت بالعفو، فلا تقاتلوا، فلما حوَّله الله إلى المدينة أمر بالقتال فكفوا، وأنزل الله عز وجل] ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة [ إلى قوله: ] ولا تظلمون فتيلا [ ([42]).
والإضافة الجديدة للمسلمين في حالة الاستضعاف إذا كانوا في ظل حكم ديمقراطي ينتصف للمظلوم، فالأصل أن يلجؤوا إلى السلطة القائمة لترفع عنهم الظلم حسب قوانين هذه الدولة التي تمنع الاعتداء، وتبيح حرية الاعتقاد، وحرية الدعوة إليه، ولا يثأروا لأنفسهم ممن اعتدى عليهم، وإن كانوا في ظل حكم قمعي استبدادي دكتاتوري يمنع حرية الاعتقاد، وحرية الدعوة إليه، أن يدافعوا عن أنفسهم ما وجدوا سبيلاً إلى ذلك فإن كانوا عاجزين عنه. فالصبر هو المطلوب منهم حتى يأذن الله بفرج من عنده كما قال عليه الصلاة والسلام لخباب، عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال: (( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعله نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون )) ([43]).
وأما الفكرة السابقة في اللجوء إلى القوانين التي تحكم المجتمع الديمقراطي، فلنا في قوانين الإجارة في المجتمع المكي والاحتكام إليها خير دليل على ذلك، وأوضح دليل عليه ما أورده البخاري عن عائشة رضي الله عنها في جوار ابن الدغنة لأبي بكر رضي الله عنه حين أعاده من مهجره إلى الحبشة إلى مكة.
( فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفار قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرَج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق ؟ فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة، وآمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا. قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن للصلاة، ولا القراءة في غير داره.. )([44]).
والإضافة الثالثة في هذا الصدد:
هي أن الجماعة الإسلامية في ظل دولة ديمقراطية تبيح تعدد الأحزاب، لا تملك سلطة على أي حزب مهما كانت دعوته مع الإسلام أو ضده أن يقول ما شاء ضمن إطار الدستور الذي يحكمها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ثلاثة عشر عاماً، وثلاثمائة وستون صنماً تعبد في الكعبة، والشرك ضارب أطنابه فيها، والخمر والزنا والربا وكل الجرائم الأخلاقية تسود المجتمع المكي، فلم يستعمل السلطة أو العدوان أو الضرب لأحد من أبناء المشركين أو أفرادهم، إنما كان الحوار هو الأسلوب الوحيد الذي يملكه معهم.
(( ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا شرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم )) ([45]).

- الحوار في ظل الدولة الإسلامية
ونناقشه في بندين مستقلين:
آ- الحوار داخل الدولة الإسلامية.
ب- الحوار بين الدولة وخصومها.
آ- الحوار داخل الدولة الإسلامية:
لقد قامت الدولة النبوية الإسلامية الأولى ومواطنوها ذوو أديان ثلاثة، مسلمون ويهود ومشركون، وتمت صياغة الدستور الذي يحدد حقوق وواجبات كل فريق منهم تجاه الدولة، وتجاه بعضهم بعضاً مع ملاحظة أن المشركين لم يقرروا كحزب أو تجمع ديني، إنما كان وجودهم كأفراد منتشرين في الوطن الإسلامي. وبقي الحوار هو الذي يحكم أبناء هذه العقائد المختلفة، وخاصة في بداية العهد المدني، وبالعودة إلى آيات القرآن الكريم نلاحظ أن السبع الطوال، البقرة وآل عمران والنساء والمائدة أي السور المدنية منها ثم الأنفال والتوبة كلها تقدم الحوار الفكري بين المؤمنين وأهل الكتاب وبين المسلمين والمشركين، والقرآن الكريم حافل بهذا الحوار وكل العقائد المختلفة وعرضها والردود عليها مع الإشارة إلى الحديث عن جهاد المشركين خارج دولة الإسلام ضمن هذه السور.
وهذه بعض نماذج هذا الحوار التي هي غيض من فيض:
] وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، قولوا آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون [ ([46]).
] ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل، وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون [ ([47]).
]وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين [([48]).
] قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون[ ([49])، ] إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [([50]).
] لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير، وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم، بل أنتم بشر ممن خلق، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير، يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير، وإذ قال موسى لقومه، يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً، وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين[ ([51]).
فأي حوار في هذه الدنيا يعدل هذا الحوار، يسوق حجة الخصم، ويردها عليه، ويعطيه ما له من إيجابيات ولا ينكرها عليه. وإذا أردنا أن نتعلم أدب الحوار مع الخصم، فلنقف على كتاب الله عز وجل يعلمنا كيف يتم الحوار مع الخصم سواءً كان قوياً حاكماً أو ضعيفاً مغلوباً، فحقه في الحياة مصون، وحقه في الاعتقاد مصون، وحقه في المواطنة مصون، والنقاش والحوار هو سبيل التفاهم في ما اختُلف فيه
ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الوضع مع اليهود والذين تمتعوا بكامل حقهم في الرأي والعقيدة والمناظرة والمحاورة، هذا الوضع قد تغير حين نكثوا العهد، وتعاملوا مع العدو، وأعلنوا الحرب العسكرية على المسلمين وتبرؤوا من عهودهم ومواثيقهم التي تحكمهم مع محمد عليه الصلاة والسلام ).
فبنو قينقاع فقدوا حق المواطنة وتم تهجيرهم دون قتلهم لوساطة عبد الله بن أبي، بعد أن أعلنوا حربهم على المسلمين، وحاولوا اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
( وقالوا: يا محمد إنك ترى أنا قومك ؟ لا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس )([52]). وعن عمرو بن قتادة: أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحاربوا فيما بين بدر وأحد )([53]).
وبنو النضير بعد أحد (خلا بعضهم إلى بعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة.. فأتى رسول الله الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وخرج راجعاً إلى المدينة.. فأُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم )([54]).
ولم تنعكس خيانة أي قبيلة على الأخرى، وتحمل جريرتها، فبنو قريظة مكثوا حتى السنة الخامسة للهجرة وهم على أحسن ما يكون وفاء بمواثيقهم وأمناً في حياتهم وعقائدهم وأهلهم كما قال سيد بني قريظة لحيي بن أحطب سيد بني النضير:
( ويحك يا حيي دعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا وفاء وصدقاً )([55])، فلم يزل حيي بكعب (سيد بني قريظة، فنقض كعب عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أمن رسول الله لا عهد بينها وبين محمد ولا عقد، فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه )([56]) وانضموا إلى قريش في حربها ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حكم سعد بن معاذ بهم، وهم حلفاؤه، (أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء)([57]). كما قال عز وجل ]وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطئوها،و كان الله على كل شيء قديرا[([58]).
ونخلص بعد هذا إلى أن الحوار هو الخط الإسلامي الأصيل في ظل الدولة الإسلامية مع الأحزاب الكافرة، إلا إذا حاربت هذه الأحزاب أو تعاونت مع العدو، وخانت بلدها، ونقضت عهودها ومواثيقها.

ب- الحوار بين الدولة وخصومها:
وهذا المناط فيه عند قيام الحرب بين المسلمين وغيرهم، فهل هناك فسحة كافية للحوار قبل الحرب، هذا ما سنجيب عليه في هذه الفقرة.
الخيارات الثلاث التي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها بقوله:
(( اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهن ما أجابوك فاقبل عنهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم.. فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم..))([59]).
قال:بـ لابد أن يسبقها الحوار بين الفريقين الذي قد ينتهي بإسلامهم، وهذا نموذج من هذا الحوار، وخرج جرجة ([60]) حتى كان بين الصفين ونادى ليخرج إلى خالد، فخرج إليه خالد فوافقه بين الصفين، حتى اختلفت أعناق دوابهما، وقد أمَّن أحدهما صاحبه فقال جرجة: يا خالد، أصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسلَّه على قوم إلا هزمتهم ؟ قال: لا، قال: فبم سميت سيف الله ؟ قال: إن الله بعث فينا نبيهصلى الله عليه وسلم ، فدعانا فنفرنا عنه ونأينا عنه جميعاً، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا باعده وكذبه، فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتابعناه، فقال: أنت سيف من سيوف الله سلَّه الله على المشركين، ودعا لي بالنصر، فسُميت سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين، قال: صدقتني، ثم أعاد عليه جرجة: يا خالد، أخبرني إلام تدعوني ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله والإقرار بما جاء به من عند الله، قال: فمن لم يجبكم ؟ قال: فالجزية ونمنعهم. قال: فإن لم يعطها ؟ قال: نؤذنه بحرب ثم نقاتله. قال: فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم ؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا، وأولنا وآخرنا. أعاد عليه جرجة: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد مثل مالكم من الأجر والذخر ؟ قال: نعم، وأفضل. قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه ؟ قال: إنا دخلنا في هذا الأمر، وبايعنا نبينا صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء، ويخبرنا بالكتب، ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج فمن دخل منكم في هذا الأمر بحقيقة ونية كان أفضل منا. قال جرجة: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني ولم تألفني، قال: بالله لقد صدقتك، وما بي إليك ولا إلى أحد منكم وحشة، وإن الله لولي ما سألت عنه. فقال: صدقتني.
ثم قلب الترس ومال مع خالد، وقال: علمني الإسلام. فمال به خالد إلى الفسطاط، فشن عليه قربة من ماء، ثم صلى ركعتين وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد، وهم يرون أنها حملة.. وركب خالد ومعه جرجة الروم خلال المسلمين، فتنادى الناس، فثابوا، وتراجعت الروم إلى مواقفهم فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسيوف فضرب بهم خالد وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب، ثم أصيب جرجة ولم يصل صلاة سجد فيها لله إلا الركعتين اللتين أسلم عليهما.. )([61]).
ثم ماذا عن الجزية: يقول الإمام السرخسي في السير الكبير:
( فإن أبوا الإسلام، فدعاهم المسلمون إلى إعطاء الجزية فأجابوا إلى ذلك. فإذا كان المسلمون إذا أقاموا معهم يقوون على أهل الحرب فلا بأس أن يجعلهم الأمير ذمة، ويجعل عليهم أميراً من المسلمين يحكم بحكم المسلمين ويجعل مع الأمير من المسلمين من يقوى على المقام معهم في دارهم لأن قبول الذمة واجب، قال الله تعالى: ] حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون [ وهذه ذمة منهم لأن الأمير يجري عليهم حكم الإسلام، وبإجراء الحكم يصيرون ذمة )([62]).
فالجزية تمهيد لدخول الإسلام في صفوفهم، وفتح الطريق أمام المسلمين لدعوتهم إلى دين الله. فلا يجوز لطاغوت في الأرض أن يحول بين عباد الله ودينه الذي ارتضاه لهم، أو يحول بين خلق الله وفهمهم للشريعة التي أنزلها الله عليهم.
] وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين [.
فالقتال إذن مفروض، بحيث لا يفتن مؤمن عن دينه، ولا يمنع عنه، ودين الله يبلغ مسامع أهل الأرض، فلا حاجة للقتال عندئذ، وتبقى الجزية هي عربون السلام والأمر بين المسلمين والمشركين.
معاهدة سلام، حل رابع:
فالأمور بأهدافها ومقاصدها، فإذا تحقق السماح لدين الله بوصوله إلى الناس جميعاً من خلال معاهدة سلام متكافئة بين دولتين فلا حرج في ذلك.
] وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم [ الأنفال(61)
فالأصل في عالم الأمس الصراع بين الحضارات، والحروب بين الدول، ففي حالة الحرب ترد الخيارات الثلاثة من باب المعاملة بالمثل. فإذا اجتمعت دول الشرك على إيقاف الحرب، واُعترف بالدولة الإسلامية وحقها في تبليغ دعوة الله لرعاياهم، فلا داعي للجزية، إنما تحل القضية بمعاهدة سلام دائمة.
يقول الدكتور هيكل في كتابه الجهاد:
إذا وجهت الدولة الإسلامية الدعوة إلى الدول والشعوب الأخرى من أجل الدخول في الإسلام فرفضت، ثم وجهت إليها الدعوة من أجل الدخول في ذمة المسلمين والانضمام إلى الدولة الإسلامية لتطبيق النظام الإسلامي عليها فكان الرد سلبياً أيضاً، فهل يجوز للدولة الإسلامية هنا أن تطلب إلى تلك الدول والشعوب عقد معاهدات السلام معها، أو أن تستجيب لتلك الدول والشعوب إذا طلبت عقد مثل تلك المعاهدات، مما يترتب عليه عدم مشروعية الحرب ضد تلك الدول ( المعاهدة من أجل دعوتها إلى الإسلام أو الخضوع للحكم الإسلامي ) هذا هو موضوع هذه المسألة.
والجواب... أن الرأي الراجح في هذا الخصوص هو رأي الجمهور وهو عدم اللجوء إلى معاهدات السلام، بل يجوز أن يُلجأ إليها إذا اقتضتها مصلحة الدولة الإسلامية، ونقلنا عدداً من نصوص الفقهاء في هذا الصدد.
فمنها قول الإمام الجصاص: ( لا نعلم أحداً من الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا في حظره ).
هذا، وعلى القول بجواز ترك قتال المشركين، يصدق على ذلك ترك قتالهم بمعاهدة وبدون معاهدة، ومنها قول الإمام ابن كثير: ( وإن كان العدو كثيفاً فإنه يجوز مهادنتهم.. )([63]).
ومنها قول الإمام الزمخشري: والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم، وليس من المحتم أن يقاتلوا أبداً، أو يُجابوا إلى الهدنة أبداً )([64]).
ويقول الإمام ابن حجر في فتح الباري: (]وإن جنحوا للسلم فاجنح لها[([65])، هذه الآية دالة على مشروعية المصالحة مع المشركين.. ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأفضل للإسلام المصالحة أما إذا كان الإسلام ظاهراً على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا.. )([66]).
وعند ابن تيميمة أيضاً، المعاهدة جائزة لا واجبة، وإذا عقدتها الدولة الإسلامية عقداً مطلقاً بدون تحديد مدة معينة كان يعني ذلك عنده أن الدولة غير ملزمة بها فلها إنهاء المعاهدة في أي وقت تبعاً للمصلحة أما إذا عقدت على مدة معينة فيجب الوفاء بها طيلة تلك المدة ما دام العدو فيها ملتزماً بالوفاء، وفي ذلك يقول ابن تيميمة في الاختيارات العلمية، باب الهدنة، ويجوز عقدها مطلقاً ومؤقتاً، والموقف لازم من الطرفين يجب الوفاء به ما لم ينقضه العدو، وأما المطلق فهو عقدها جائز – أي غير ملزم – بعلم الإمام فيه بالمصلحة )([67]).
وعلى هذا فإذا رأت الدولة الإسلامية أن من المصلحة الراجحة أن تلجأ إلى عقد معاهدات السلام مع الدول الأخرى فإنها تلجأ إليها.. وهذه المعاهدات السلمية فيما يتصل بأمر الدعوة الإسلامية قد تتضمن شروطاً بحماية حملة الدعوة من أجل نشر الإسلام، ودعوة الناس في الدولة المعاهدة إلى الدخول فيه )([68])
ودول العالم اليوم الموقعة على ميثاق الأمم المتحدة، ومبادئها تنص على السلام بين جميع الدول، وتعتبر أي اعتداء على أي دولة من هذه الدول، هو اعتداء عليها تقوم كلها بدفعه وحربه.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فميثاق الأمم المتحدة ينص في مبادئ حقوق الإنسان التي تتبناها على حرية الاعتقاد للمواطنين.
ومن جهة ثالثة: ففي كل دولة وجود إسلامي، ولا خطر من الدعوة إلى الإسلام فيها، خاصة بعد سقوط دول المعسكر الشيوعي، بل وتقر الدول في كثير منها هذا الوجود الإسلامي وتحميه.
ومن جهة رابعة: فالقنوات الفضائية غدت توصل الإسلام لكل طالب له، والانترنت الذي يملأ الأرض يفتح كل آفاق الدعوة للإسلام في كل موقع على الأرض.
وهذا الحال من خلال هذه الوقائع الأربعة، يجعل الحوار والدعوة هي الأصل لا الحرب، خاصة حين يعترف بذلك أعظم أكبر قادة الأرض من الدول التي تملك أكبر قوة فيها، يعترف بالحوار لا بالصراع.
قال بيرغر: إن احترام الرئيس (كلينتون) للدين الإسلامي نابع من استيعابه لحقيقتين:
أولاها: أن المسلمين يمثلون ربع سكان العالم، ومن البديهي أنكم ستلعبون دوراً هاماً في صوغ العالم في القرن القادم.
ثانياً: إن المسلمين يعيدون صوغ شخصية بلادنا بالذات بسرعة، فالدين الإسلامي هو أسرع الديانات انتشاراً ونمواً في الولايات المتحدة إذ يمارس معتقداته حوالي ستة ملايين أمريكي في أكثر من 1200 مسجد ومركز إسلامي وتم تبديده لفكرة تصادم الحضارات بين المسلمين وأمريكا.. فلا يوجد صدام بين الحضارات بل مجرد صدام قيم بين الذين يسعون لمستقبل من السلام والاستقرار من جهة، والذين يحتفظون بسلطتهم من خلال اللجوء إلى العنف والأحقاد من جهة ثانية )([69]).
وبغض النظر عن الصدق في هذا الأمر أو الخداع، فالقرآن يقول لنا: هلم إلى السلم، هلم إلى الحوار وكونوا يقظين من الخداع.
]وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم، وإن يريدوا أن يخدعوك، فإن حسبك الله، هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين [ ([70]).

5- وضع المرتد في ظل الدولة الإسلامية:
والمرتد الخارج عن الإسلام بعد إسلامه لا بد من الحوار معه لمدة ثلاثة أيام ليرجع عن ردته، وإلا فحكمه القتل لأنه خرج على دينه وخالف قوانينه التي تنص على قتل من يرتد عن دينه، ورضي أن يدخل في هذا الدين وهو يعلم ذلك.
( فالحرص على صلاحهم يقتضي بذل الجهد في إزالة شبهاتهم حتى يرجعوا إلى الإسلام، أو يظهر منهم الإباء والتعنت، وهذا يختلف فيه المرتدون بحسب ما ذكرنا، وتقدير ذلك يرجع إلى أصحاب الصلاحية ممن يتولون هذا الأمر، ولعل ما يؤيد هذا الترجيح (ما روُّي عن علي بن أبي طالب أن المرتد يُستتاب ثلاثة أيام)([71]) (كما روُّي عنه أيضاً أنه استتاب رجلاً من المرتدين شهراً )([72]) ثم إن حصلت منهم التوبة قبلت منهم , و عادوا الى حكم الاسلام , و إلا فجزاؤهم القتل و هم كفار , لقوله عليه الصلاة و السلام: "من بدل دينه فاقتلوه" ([73]) ثم لا يُغسلون، ولا يُصلى عليهم، ولا يُدفنون في مقابر المسلمين ) ([74]).
ولا يختلف الأمر فيما لو كانوا جماعة خارجة على الإسلام، فلا بد من عرض الإسلام عليهم كذلك:
( بدليل أن أبا بكر الصديق كتب إلى خالد بن الوليد وقد وجهه نحو مسيلمة الكذاب وقومه من بني حنيفة ممن ارتدوا عن الإسلام كتب إليه يقول:
فلا تبدأهم بقتال حتى تدعوهم إلى داعية الإسلام، واحرص على صلاحهم، فمن أجابك منهم فاقبل ذلك منه، ومن أبى فاستعمل فيه السيف )([75]).
شبهة وردها:
كثيراً ما يثير أعداء الإسلام أن قتل المرتد هو حجر للرأي وكبت له، فإذا أراد امرؤ أن يغير عقيدته فما الذي يمنعه من ذلك، وحد قتل المرتد يعني الإرهاب الفكري.
وما نود أن نقوله ببساطة، لماذا لو خطر ببال مواطن في دولة أن يغير ولاءه لدولته ويتصل بأعدائها ويخون أمته ووطنه ويعمل جاسوساً لدولة عدوة لأنه اقتنع أن مصلحته مع تلك الدولة، لماذا تحكم بقتل الجاسوس والخائن ولا نعتبر هذا إرهاباً فكرياً أو كبتاً للرأي أو حجراً له، لماذا لا يحق للمرء أن يخون أمته ووطنه ونبيح له أن يخون دينه ويكفر بربه الذي أولاه من نعمه ووهبه الحياة والرزق وكل النعم الأخرى، ويرتد على دينه ويتبنى عقيدة مغايرة له.
فالإسلام ابتداءً لا يفرض على أحد أن يدخل فيه، لكنه عندما يختار هذه العقيدة يعرف كل مبادئ هذا الدين ويعرف أن من مبادئه القتل إذا ارتد عنه. فالظلم عندئذٍ لو طُبق عليه المبدأ الذي خالفه تماماً مثل أي مواطن اختار جنسية الدولة التي ينتمي إليها وهو يخضع لقوانينها كاملة، ويتحمل كافة العقوبات المترتبة على مخالفتها.
إن أمر الدين أعظم بكثير من أمر الوطن، ومع هذا فلا إكراه في الدين، لكن لابد أن يتبين الرشد من الغي، ويعرف الحق من الباطل، ومع هذا فأمام هذا المرتد فسحتان:
الفسحة الأولى: أن يغادر أرض الإسلام إلى أرض الكفر التي اختار عقيدتها، فلا تصل له يد الدولة ولا سلطان لها عليه في دولة عدوة.
الفسحة الثانية: أن تبقى عملية الاستتابة والحوار المفتوح لفترة شهر كامل، فإن أصر على قناعته فقد اختار مصير الموت في سبيل عقيدته الجديدة وخالف قانون الدولة التي ينتمي إليها وتحدى دستورها، وخان مبادئها.
ونؤكد ثانية وثالثة أن هذا الحد إنما يطبق في ظل دولة إسلامية تنبثق من كتاب الله وسنة رسوله، وتُحكم بالإسلام الذي هو المصدر الوحيد للتشريع فيها، وبدون هذا الشرط، وفي ظل دولة لا تحتكم إلى كتاب الله وسنة رسوله في دستورها، فلا يمكن الأفراد المواطنون تطبيق هذا الحد، إنما يملكون الحوار والنقاش معه، والحدود مرهونة بوجود الدولة المسلمة والسلطة المسلمة.


عدل سابقا من قبل أبو عبدالرحمن في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:42 pm عدل 2 مرات




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:25 pm

المبحث الثاني
الإرهـــــــــــاب


مخطط البحث
1- الإرهاب:
آ- تعريفه في:
1ً- اللغة.
2ً- المصطلح.
3ً- في القاموس الأمريكي.
4ً- في الأنظمة العربية.
ب- خطأ جسيم.
2- أمريكا بين المصالح والمبادئ.
أولاً- المصالح:
آ - مصطلح الإرهاب عند أمريكا.
ب - الدول الراعية للإرهاب.
جـ- المنظمات الإرهابية.
د - دور أمريكا في العالم.
هـ- المصالح الأمريكية:
1ً- عملية السلام.
2ً- أمن منطقة الخليج.
3ً- أمن إسرائيل.
4ً- الانحياز الإسرائيلي.
و- اتهام الحركة الإسلامية بالإرهاب:
1ً- قيام إسرائيل.
2ً- قرار حل الإخوان المسلمين.
3ً- أمريكا تمسك المقود.
4ً- الإخوان إرهابيون.
5ً- تقرير جونستون.
6ً- محنة 1965 واستشهاد سيد.
7ً- فكرة اغتيال عبد الناصر.
8ً- روح سيد ثمن الصلح مع إسرائيل.
9ً- إرهابيو 1965.
ز- حماس:
1ً- حماس اليوم في ظل الهيمنة الأمريكية.
2ً- إرهاب أم جهاد.
3ً- خلاف استراتيجي بين أمريكا والمسلمين.
ثانياً- المبادئ:
آ- كيف نتعامل مع أمريكا.
ب- موقف أمريكا من الإرهاب من الناحية النظرية.
جـ- تطابق وجهة النظر بين أمريكا والإسلاميين نظرياً:
1ً- التنظيم العالمي.
2ً- الإخوان المسلمون في سورية والعنف.
د- فتح قناة للحوار مع أمريكا.
هـ – أمريكا وحركة الإخوان المسلمين:
1ً- أمريكا تحدد موقفها من الإسلاميين والإسلام.
2ً- بين المبادئ والمصالح.
3ً- اعتراف بحق المسلمين بتبني الشريعة الإسلامية.
4ً- الخوف من العنف.
و- أمريكا تدعو إلى الحوار والتفاهم.
ز- تزكية مرفوضة:
1ً- آركون في الجزائر.
2ً- شحرور في سورية.
ح- لماذا يجب الحوار مع أمريكا.
3- الإسلام والإرهاب:
آ- رأي ابن تيمية.
ب- رفع الحصانة عن غير المقاتلين متى تكون.
جـ- النشاطات الفدائية ضد العدو المحتل.
4- فكر متطرف:
آ- طرح أهم أفكار المتطرفين.
ب- الحركات المتطرفة:
1ً- الجماعة الإسلامية في مصر.
2ً- جماعة الجهاد.
3ً- جبهة الإنقاذ في الجزائر:
1- الهدنة.
2- من الهدنة إلى الإلغاء.
5- إرهاب الدولة ونماذج عن الإرهاب الناجم عنه:
آ - جبهة الإنقاذ الجزائرية.
ب - الإخوان المسلمون.
جـ- حركة حماس.
6- الإرهاب الدولي:
آ - المافيا القديمة.
ب - المافيا الحديثة.
جـ- الإرهاب المعاصر.
7- ملخص البحث.

الإرهاب
1- الإرهاب: لفظاً هو التخويف وبث الرعب عند الآخرين، وقد استعمله القرآن الكريم بهذا المعنى في موقعين اثنين.
قال عز وجل:}وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم{ ([76]).
وقال عز وجل من قائل: } لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون { ([77]).
فمهمة قوة الدولة المسلمة أن تملك القوة الرادعة التي ترهب العدو أن يعتدي عليها أو أن ينكث وعده معها أو يتجرأ عليها، وهذا المعنى هو الذي تتبناه الدولة الأكبر في العالم اليوم أمريكا كما يقول أنطوني ليك مستشار الرئيس كلينتون للأمن القومي:
أولاً دعوني أذكر مبدأ أساسياً دائماً، وهو أننا سنكون دائماً على استعداد لاستخدام القوة دفاعاً عن مصالحنا القومية، إلى أن تتغير طبيعة البشر، ستبقى القوة في صلب العلاقات الدولية ) ([78]).
وتكون ثمرة هذا التفوق المادي في القوة أن يرهب العدو الاعتداء على المسلمين في أي مكان في الأرض، وهو المعنى الذي أقرته الآية كمعنىً واقع لا معنى صحيح.
} لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله {، لأن الحق أن تكون رهبة العدو من الله أشد من رهبته من المسلمين,لكن لأنه لا يفقه معنى الألوهية ولا يؤمن بها، فتكون رهبته من القوة المسلمة تفق رهبته من الله.
خطأ جسيم: ويقرأ بعض المسلمين هذه الآية }.. ترهبون به عدو الله { فيسارع بحماس ليقول إذن نحن إرهابيون، وذلك في أسلوب من التحدي والاستفزاز في غير محله، وعلى غير هدىً من الله، فمع أن الله عز وجب قال: ترهبون به عدو الله، فلم يسمِّنا القرآن ولا الإسلام إرهابيين، ولم ترد في أي آية من كتاب الله ولا حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يحق لنا إذن أن نطلق على أنفسنا اسماً لم يسمه الله لنا، إنما نبحث عن الاسم الذي اختاره الله لنا لنتقدم به إلى البشرية فنجده: (المسلمون ).
كما يقول عز وجل: }.. هو سماكم المسلمين من قبل.. {.
وشتان بين اسم المسلمين وبين اسم الإرهابيين.
وحتى قتال الكفار لم يطلق الإسلام عليه إرهاباً، إنما سماه جهاداً، والجهاد في سبيل الله أوسع مدى بكثير من الإرهاب الذي نترامى على تسميته به.
آ- تعريف الإرهاب: لغة واصطلاحاً:
سبق أن تحدثنا عن معنى الإرهاب في اللغة وسنتناول الحديث عن مصطلح الإرهاب في المراجع العلمية والسياسية:
1- في المعجم الوسيط ([79]):
أرهب فلاناً: خوَّفه وفزَّعه، رهَّب فلاناً: خوَّفه وفزعه، استرهبه: رهَّبهُ.
الإرهابيون:وصف يطلق على الذين يسلكون سبيل العنف والإرهاب لتحقيق أهدافهم السياسية ([80]).
2- في الموسوعة السياسية المعاصرة:
الإرهاب: هو الاستخدام غير المشروع وغير القانوني للقوة ويأخذ شكلاً عدوانياً، وهو اصطلاح قصد به استخدام القوة الإجرامية ضد الأبرياء أو ضد حكومات شرعية منتخبة للاستيلاء على السلطة بالقوة، وهذا يختلف جذرياً عن اصطلاح المقاومة الذي يُقصد به استخدام أبناء أرض محتلة للقوة المسلحة لإخراج المحتلين منها، وبذلك نرى أن الإرهاب استخدام غير مشروع للقوة، بينما المقاومة استخدم مشروع للقوة ) ([81]).
3- عند وزراء الداخلية والعدل العرب:
نصت المادة الأولى في بندها الأول على تعريف الإرهاب بأنه:
كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه وأغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم، أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر.
وعرفت في بندها الثالث الجريمة الإرهابية بأنها:
أي جريمة أو شروع فيها ترتكب تنفيذاً لغرض إرهابي في أيٍ من الدول المتعاقدة أو على رعاياها أو ممتكلاتها أو مصالحها يعاقب عليها قانونها الداخلي، كما تعد من الجرائم الإرهابية المنصوص عليها في الاتفاقيات التالية، عدا ما استثنته منها تشريعات الدول المتعاقدة أو التي لم تصادق عليها.
آ- اتفاقية طوكيو الخاصة بالجرائم والأفعال التي ترتكب على متن الطائرات والموقعة بتاريخ 14/9/1963م.
ب- اتفاقية لاهاي بشأن مكافحة الاستيلاء غير المشروع على الطائرات والموقعة بتاريخ 16/ 2/1970.
جـ- اتفاقية مونتريال الخاصة بقمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الطيران المدني والموقعة في 23/9/1971.
والبروتوكول الملحق بها الموقع في مونتريال في 10 / 5 / 1984.
د- اتفاقية نيويورك الخاصة بمنع ومعاقبة الجرائم المرتكبة ضد الأشخاص المشمولين بالحماية الدولية بمن فيهم الممثلون الدبلوماسيون والموقعة في 14/12/ 1973 م.
هـ- اتفاقية اختطاف واحتجاز الرهائن والموقعة في 17/ 2 / 1979 م.
و- اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1983 م ما تعلق منها بالقرصنة البحرية.
ونصت المادة الثانية على ما لا يعد جريمة إرهابية، وعلى أن الجرائم الإرهابية ولو ارتكبت بدافع سياسي لا تعد من الجرائم السياسية وبالتالي يجوز تسليم مرتكبيها وهذا متفق مع اتفاقية تسليم المجرمين العربية لسنة 1952، المادة الثانية من اتفاقية مكافحة الإرهاب العربية.
أ‌- لا تعد جريمة، حالات الكفاح بمختلف الوسائل بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي والعدوان من أجل التحرر وتقرير المصير، وفقاً لمبادئ القانون الدولي، ولا يًعتبر من هذه الحالات كل ما يمس بالوحدة الترابية لأي من الدول العربية.
وفي تطبيق أحكام هذه الاتفاقية لا تعد من الجرائم السياسية ولو كانت بدافع سياسي الجرائم الآتية:
1- التعدي على ملوك ورؤساء الدول المتعاقدة والحكام وزوجاتهم أو أصولهم أو فروعهم.
2- التعدي على أولياء العهد أو نواب رؤساء الدول أو رؤساء الحكومات أو الوزراء في أي من الدول المتعاقدة.
3- التعدي على الأشخاص المتمتعين بحماية دولية بمن فيهم السفراء والدبلوماسيون في الدول المتعاقدة أو المعتمدون لديها.
4- القتل العمد والسرقة المصحوبة بإكراه ضد الأفراد والسلطات أو وسائل النقل والمواصلات.
5- أعمال التخريب والإتلاف للممتلكات العامة والممتلكات المتخصصة لخدمة عامة حتى ولو كانت مملوكة لدولة أخرى من الدول المتعاقدة.
6- جرائم تصنيع أو تهريب أو حيازة الأسلحة أو الذخائر أو المتفجرات أو غيرها من المواد التي تعد لارتكاب جرائم إرهابية ) ([82]).
وبهذه الاستثناءات لم يعد هناك جرائم لا يسلم أصحابها عليها، أن كل ثورة على النظام المستبد واستعمال القوة لمواجهته تعني أن هذا إجرام غير سياسي يسلم صاحبه للدولة المستبدة، والكفاح السلمي وحده في الرأي هو الذي لا يسلم صاحبه، وهذا في الأصل لا يدخل في عداد الجرائم، وانتهت الاتفاقيات الأمنية في الدول العربية إلى أن الإرهاب هو استعمال القوة ضد الأنظمة مهما كانت الدوافع، ولو كانت الأنظمة تذبح شعوبها وتكتم أنفاسهم إلى الأبد.

2- أمريكا بين المصالح والمبادئ:
وهو موضوع شائك قد يبدو لأول وهلة بعيد الصلة عن موضوع الإرهاب بشكل مباشر لكنه في حقيقة الأمر جزء لا يتجزأ من موضوع الإرهاب، فأمريكا تعلن للعالم أن الإرهابي هو الذي يتعرض لمصالحها الاستراتيجية بالخطر، وحين تتحدث عن المبادئ تشعر العالم بأنها حمامة السلام في الأرض وأن كل ما تفعله من مواقف هو الحفاظ على السلام، كما ذكر الرئيس الأمريكي في مجلس النواب الأردني:
إن أمريكا ترفض القبول بحقيقة أن حضاراتنا يجب أن تتصادم، إننا نحترم الإسلام – لكن في الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى في شتى أرجاء العالم، تلمس الولايات المتحدة تنافساً بين القوى التي تتجاوز الحضارات تنافساً بين الاستبداد والحرية، وبين الإرهاب والأمن، وبين التفرقة والتسامح، وبين الانعزال والانفتاح، إنه الكفاح القديم العهد بين الخوف والأمل، إنه الصراع الذي يمسك بخناق الشرق الأوسط اليوم ).
ونلحظ كيف تضغط قضايا الإرهاب والسلام على ذهن الرئيس الأمريكي، بحيث ينتقل من الحديث عن الحضارات والإسلام إلى حديث الصراع الذي يمسك بخناق الشرق الأوسط اليوم، وهو الحل السلمي للقضية الفلسطينية، وحرب كل من تسول له نفسه أن يقف في وجهه.
إننا بحاجة أن ندرس بهدوء وعناية – المصالح الأمريكية، وارتباط الإرهاب بالتعرض لها – وأن نفرِّق بينها وبين المبادئ الأمريكية التي تعلنها للعالم.
وبمقدار ما تختلف المواقف بين الحركة الإسلامية العالمية وبين أمريكا في النظر إلى (المصالح الأمريكية ) بمقدار ما تلتقي حول المبادئ المعلنة.
وحتى المصالح ليس بالضرورة أن يكون الخلاف أساسياً فيها بين الإسلاميين والولايات المتحدة، فهناك كثير من المصالح لا تمس المسلمين وسيادتهم على أرضهم ودولهم لا تعارض بينها وبين مصالح الحركة الإسلامية ومبادئها، وليست نقاط تماس أو خلاف، بل يمكن القول أكثر، فقد يكون هناك تطابق بين ( المصالح الأمريكية ) (والمصالح الإسلامية ) بحاجة إلى أن نوظفها في فهمنا للتعامل مع أمريكا.
ويمكن القول: أن الإرهاب من أهم القضايا ذات الحساسية المفرطة، والتي يسودها كذلك سوء الفهم بين الفريقين نعرض له بتفصيل في هذا البحث، لننتقل إلى الحديث عن المبادئ، وضرورة الحوار حول الحقائق الكبرى المسلمة فيها عند الأمريكيين، وستكون الدراسة من خلال الخطاب الذي ألقاه مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى ( روبيرت بيليترو ) في 8 / 5 / 96 أمام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك عن الإسلام في تحديده للسياسة الأمريكية من الإسلام.
وقد اعتمدنا النص الرسمي لكلمة بيليترو كما أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية، ونشر في مجلة أضواء على الأنباء الصادرة عن وكالة إعلام الولايات المتحدة ومركز جدة في 10/6/ 1996 العدد رقم 13 / السنة الحادية عشرة.
أولاً- المصالح؛ الإرهاب والموقف منه:
آ- مصطلح الإرهاب الجديد:
عندما وضعت أمريكا نفسها في أكبر مهماتها، محاربة الإرهاب في العالم، لم تكن قد حددت بعد معنى الإرهاب، وإن كانت قد طرحت مجموعة تعاريف يمكن أن تحددها، نستعرضها كما وردت في القانون 22 من مجموعة قوانين الولايات المتحدة القسم 2656 أف / د حيث يتضمن هذا القانون التعريفات التالية:
- يعني اصطلاح – إرهاب – أعمال عنف مدبرة متعمدة يتم القيام بها بدافع سياسي ضد أهداف غير معينة بالحرب من جانب جماعات في البلاد.
- يعني اصطلاح إرهاب دولي أعمال إرهاب تتناول مواطني أو أراضي أكثر من دولة واحدة.
- يعني اصطلاح جماعة إرهابية أي جماعة تمارس أو لديها جماعات فرعية هامة تمارس أعمال إرهاب دولية، وقد استخدمت حكومة الولايات المتحدة هذا التعريف للإرهاب منذ عام 1983 لأغراض إحصائية وتحليلية ) ([83]).
فالعناصر الأساسية في تعريف الإرهاب هي أعمال العنف، والدافع السياسي والأهداف غير المعنية بالحرب، من جانب جماعات في البلاد، ويخرج ابتداءً بهذا التعريف من الإرهاب.
آ- أعمال احتجاج السلمية من مظاهرات، واعتصام، وإضراب عن الطعام وغير ذلك.
ب- ما كان في غير دوافع سياسية، مثل هدف الابتزاز المادي.
جـ- الأهداف المعنية بالحرب، فالإرهاب منصب على الأهداف المدنية.
د- أن تكون من دولة ذات سلطان متمكن، ذات سلطان متمكن، وليست من جماعات أو أحزاب غير حاكمة.
ب- الدول الراعية للإرهاب:
ولا يعني إخراج الدول من الإرهاب براءتها، فهناك دول تسميها الولايات المتحدة راعية للإرهاب وتخرج من تشاء وتدخل من تشاء في هذه القائمة.
( وقد حددت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية (الأمريكية) سبع دول على أنها دول ترعى الإرهاب وهي: كوبا، إيران، العراق، ليبيا، كوريا الشمالية، السودان، سورية، وتساند تلك الحكومات الإرهاب الدولي، إما من خلال القيام بنفسها بأعمال إرهابية، أو من خلال توفير أسلحة وأماكن للتدريب وملاذات آمنة، وتسهيلات دبلوماسية، ودعم مالي,وإمدادات أو نوع آخر من الدعم للإرهابيين ) ([84]).
والعجيب أن أربع دول من السبع هي دول عربية والخامسة في قائمة الدول الإسلامية، وبقيت دولتان هما كوبا وكوريا الشمالية، ومن بين هذه الدول السبع هناك دولتان تنطلقان من الإسلام هما السودان وإيران.
جـ- المنظمات الإرهابية:
ولم يتم تحديد المنظمات الإرهابية بالضبط لكن حيث أن أكثر الإرهاب في الشرق الأوسط، فقد ذكرت العديد من المنظمات تحت هذا الاسم وهي تتحدث عن إيران:
( وتواصل إيران توفير دعم في شكل تدريب وأموال أو أسلحة لمختلف الجماعات الإرهابية، مثل حزب الله اللبناني، وحماس، ومنظمة الجهاد الإسلامي الفلسطيني، كما تواصل الحكومة الإيرانية معارضة الاعتراف بإسرائيل، وتشجع الرفض العنيف لعملية إحلال السلام في الشرق الأوسط، وفي خريف عام 1997 استضافت طهران ممثلي عدة منظمات إرهابية تشمل حماس وحزب الله اللبناني، ومنظمة الجهاد الإسلامي، والجماعة الإسلامية في مصر في مؤتمر حركات التحرير.. وما زالت إيران توفر ملاذاً آمناً لعناصر من حزب العمال الكردستاني )([85]).
وتواصل ليبيا توفير دعم لعدد من الجماعات الإرهابية الشرق أوسطية ومنها منظمة أبو نضال ومنظمة الجهاد الفلسطينية، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، القيادة العامة.
وبالتدقيق في هذه المنظمات نلاحظ أن أكثريتها الساحقة من المنظمات الفلسطينية التي تقاوم الاحتلال والاستيطان اليهودي إلا الجماعة الإسلامية في مصر التي تقوم بأعمال عنف ضد النظام المصري.
د- دور أمريكا في العالم:
إن انفراد دولة في العالم تصدر الحكم عليه ؛ من يستحق الحياة,ومن يستحق الموت, من هو الإرهابي, ومن هو غير الإرهابي، هو إرهاب دولي يتعامل العالم معه بخوف وحذر، لقد كان الأمر من قبل يعود إلى مجلس الأمن، وإلى الأمم المتحدة، فكان هذا أخف وطأة من انفراد دولة في الأرض بهذا الأمر هي تقرر المبادئ، وهي تقرر المصالح، وهي تقرر المخاوف، وهي تقرر الأمن شيء مظلم في تاريخ البشرية، وهو مؤقت ولن يدوم، مهما كانت موضوعية هذه الدولة وسموها، هذا يعني أن ثلاثمائة مليون في الأرض يتحكمون بمصير ستة مليارات من البشر بصفتهم القوامين عليهم، وكل سندها الشرعي في ذلك هو القوة التي تملكها، ولا بد أن نشرح بوضوح هذا الاتجاه.
في خطاب ألقاه المسؤول الكبير ([86]) في جامعة جورج واشنطن يوم السادس من الشهر الجاري (آذار)([87]) عرض ليك عددا من المبادئ التي تحكم استخدام الولايات المتحدة للقوة قال:
( دعوني اذكر مبدءاً أساسياً دائماً، وهو أننا سنكون دائماً على استعداد لاستخدام القوة دفاعاً عن مصالحنا القومية إلى أن تتغير طبيعة البشر، ستبقى القوة في صلب العلاقات الدولية، هذا يستدعي السؤال عن ماهية مصالحنا بالضبط، وأريد أن أذكر سبع حالات قد تستدعي منفردة أو لدى اجتماع بعض منها استخدام القوة العسكرية:
1- التصدي لهجمات مباشرة على الولايات المتحدة أو مواطنيها أو حلفائها.
2- التصدر للعدوان.
3- الدفاع عن مصالحنا الاقتصادية الرئيسية، وهو المجال الذي يرى معظم الأمريكيين أن لنا فيه مصلحة مباشرة في التعاطي بالشؤون الدولية.
4- الحفاظ على الديمقراطية، وتعزيزها ونشرها والدفاع عنها، فالديمقراطية تعزز أمتنا، وانتشار قيمنا.
5- منع انتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب، والجريمة الدولية، و تهريب المخدرات.
6- الحفاظ على كوننا من يمكن التعويل عليه، لأنه عندما تكون شراكاتنا قوية، والثقة بقياداتنا كبيرة من الأسهل جعل الآخرين يعملون معنا.
7- لغايات إنسانية مثل مكافحة المجاعة والإغاثة من الكوارث الطبيعية والتصدي لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ) ([88]).
ولعل الفقرة الغامضة في هذه المبادئ السبعة هي:
( الدفاع عن مصالحنا الاقتصادية الرئيسية: وهو المجال الذي يرى معظم الأمريكيين أن لنا فيه مصلحة مباشرة في التعاطي بالشؤون الدولية ).
بينما كانت المبادئ الستة المتبقية واضحة، بغض النظر عن الرأي فيها، وسنحاول أن نستجلي هذه المصالح من نصوص أخرى وردت على لسان المسؤولين الأمريكيين.
يقول روبرت بيليترو مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى ([89]):
هناك مناطق قليلة في عالم اليوم مثل الشرق الأوسط تتواجد فيه كثير من المصالح الأمريكية الهامة ودعوني أتعرض لبعض هذه القضايا والمصالح التي تبقينا منشغلين:
1- تأمين عربي إسرائيلي ( سلام ).
2- الحفاظ على أمن إسرائيل ورفاهها.
3- ضمان التدفق الحر للنفط من الخليج.
4- احتواء التهديدات التي تشكلها إيران والعراق وليبيا.
5- مكافحة الإرهاب.
6- كبح انتشار أسلحة الدمار الشامل.
7- تأمين وصول الشركات الأمريكية إلى أسواق المنطقة.
8- الترويج لأنظمة سياسية واقتصادية أكثر انفتاحاً لاحترام حقوق الإنسان.
ونظراً لأهمية هذه المصالح فإن السياسة الأمريكية الوحيدة التي تنم عن حس سليم تجاه هذه المنطقة الحيوية، بل في الواقع السياسة الوحيدة الممكنة )([90]).
فكل من يتعرض لأيٍ من المصالح المذكورة هو إرهابي لا بد من مواجهته والقضاء عليه، وأكد هذا المسؤول هذا الفهم فقال:
ودعوني أركز على أكبر مبادرتين لنا: عملية السلام العربي الإسرائيلي، وأمن منطقة الخليج.
1ً- عملية السلام:
إن تأمين سلام عادل ودائم وشامل هو حجر الزاوية للسياسة الخارجية العامة لهذه الحكومة والاتفاقات التي أنجزناها على مدة العامين المنصرمين، وما أعقبها من توسيع الاتصالات السياسية والاقتصادية تشكل أساس تسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي ) ([91]).
(... إن الولايات المتحدة تنظر إلى ما وراء النجاحات في العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، وإلى هدفنا البعيد المتمثل في سلام شامل يغطي الشرق الأوسط بكامله,ومن شأنه تعزيز السلام الإقليمي أن يخدم طائفة من المصالح الأمريكية, وفي الوقت نفسه يؤكد التزامنا الذي لا يتزعزع تجاه أمن إسرائيل ورفاهيتها )([92]).
2ً- أمن منطقة الخليج:
(... فمن الأهمية بمكان لفت الانتباه لمصلحتنا الحيوية في تعزيز الاستقرار والأمن في منطقة الخليج، وهذا لا يعد مجرد اختيار بل مطلب، إن أمن ازدهار الاقتصاد الأمريكي، وفي الحقيقة أمن وازدهار العالم أجمع في هذه المرحلة من الزمن يعتمدان على التدفق الحر للنفط بأسعار معقولة من الاحتياطات الهائلة للجزيرة العربية، وهذا معناه أننا بحاجة لاحتواء بلدان خارجة على القانون مثل إيران والعراق، وكلاهما خارج عن الأعراف الدولية للسلوك، ويسعى للهيمنة على هذه المنطقة الاستراتيجية البالغة الثراء([93]).
وقد مضى خمس سنوات على إطلاق الولايات المتحدة وحوالي عشر دول أخرى عملية – عاصفة الصحراء- التي كانت عملية متعددة الجنسيات أدت إلى طرد قوات صدام حسين من الكويت، وما كانت هذه ممكنة بدون الزعامة المصممة للولايات المتحدة، وكانت مشاركتنا ضرورية لدحر عمل القرصنة الدولي للعراق وإحباط دكتاتور لا يرحم من السيطرة على حصة رئيسية من نفط العالم، وممارسة نفوذ سياسي ابتزازي على المنطقة بأكملها )([94]).
(.. وقد تعهدت هذه الحكومة بصنع السلام، واحتواء أولئك الذين يهددون استقرار المنطقة ومن خلال زعامتنا، فإننا نستجيب لأسمى تقاليد أمتنا وشعبنا، وعلينا أن نواصل العمل من أجل مستقبل أكثر إشراقاً للشرق الأوسط ولنا مستقبل يتسم بتوسيع السلام والتعاون، وزيادة الأمن والرخاء ) ([95]).
1- السلام بين اليهود والعرب.
2- أمن إسرائيل وسلامتها ورفاهيتها.
3- تدفق النفط في الخليج إلى أمريكا بدون أي سلطان عليه إلا سلطانها.
وأي مصلحة من هذه المصالح تمس يعني أن أصحابها إرهابيون لا بد من كفاحهم والقضاء عليهم باسم المبادئ الأمريكية.
4ً- الانحياز الأمريكي:
ونهمس قليلاً هنا أن الولايات المتحدة التي تعلن أنها مسؤولة عن أمن إسرائيل ورفاهيتها، وهذه رسالة عظمى من مبدئها، هذه الدولة تعلن وزيرة خارجيتها أعظم سعادتها يوم ولدت إسرائيل، وهو أسوأ يوم مر على العرب والمسلمين في تاريخهم المعاصر، فكيف تكون هذه الدولة ووزيرتها حكم بين الفريقين.
( وأذكر كيف انتابني شعور بأن شيئاً عظيماً حقاً قد حدث، في اليوم الذي سبق بلوغي سن الحادية عشر عندما ولدت دولة إسرائيل الحديثة.
هذا المعلم البارز في التاريخ – تلك الولادة المعجزة – كانت نتاج التزاوج بين التضحية الأليمة والعقيدة الصلبة، ومنذ ذلك الربيع قبل نحو خمسين عاماً، أصبح الحلم المحفز على قيام دولة إسرائيل المستقلة، المزدهرة الآمنة، يتحرك بثبات نحو الواقع.
ومن بقاع العالم المختلفة جاء الأشخاص الموهوبون وذوو الشخصيات المميزة للمساهمة بطاقاتهم في اقتصادكم، وللمساهمة بمعرفتهم في ثقافتكم، وببسالتهم من أجل الدفاع عنكم.
ومن الصحراء، أخرجت الأسر الإسرائيلية بلداً من المزارع والعمال المهرة، وأعمالاً حرة نشطة ونستطيع أن أقول لكم من خلال النظر إلى وجوهكم، ومن خلال معرفتي بمدى تميز هذه الأكاديمية أن كلاً منكم ستكون له مساهماته لبلدكم ولعالمنا، وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، إن إسرائيل صديق موضع ثقة وموضع تقدير، إن شعبينا تربطهما ببعضهما قيمنا المشتركة، فكلانا أمة من المهاجرين، وأمة عاقدة العزم على تحقيق الأحلام النهضوية التي حملها مؤسسونا، وكلانا أمة تدفعها الأفكار، وفي مقدمتها فكرة الحرية.
هذه الروابط توفر أساساً راسخاً للتحالف، إن إسرائيل لا تزال شريك أمريكا الاستراتيجي، ولا يزال التزام أمريكا أمن إسرائيل بصلابة الصخر، وسيبقى كذلك، وإذا كان هناك أدنى شك دعوني أبدده الآن، ستقف أمريكا وإسرائيل جنباً إلى جنب وكتفاً إلى كتف، اليوم وفي العام القادم، وخلال القرن القادم، وطالما أشرقت الشمس ) ([96]).
هذه وزيرة الخارجية التي تريد أن تقيم سلاماً عادلاً وشاملاً في الشرق الأوسط بين العرب ودولة إسرائيل ومن أجل هذا كانت الاتفاقات جميعاً على حساب العرب، والتنازلات من قبلهم لصالح الحليف الاستراتيجي لأمريكا طالما أشرقت الشمس، ومن أجل مقتل ستين يهودي تدعو أمريكا تسعة وعشرين زعيماً من زعماء دول العالم لإدانة هذا الإرهاب، أما الملايين التي سقطت قتلى وجرحى والملايين التي شردت في العراء، والشعب الذي يعيش أكثر من نصفه خارج وطنه، وفي المخيمات، هذا كله لا يستدعي مثل هذا المؤتمر.
ولا بد أن نوضح هذه النظرة عند الرئيس الأمريكي الذي عقد قمة شرم الشيخ لمكافحة إرهاب حماس التي قتل بعض مجاهديها ستين مدنيا في عملية الباصات.
( إن العبرة المستقاة من الاجتماع الذي عقد يوم أمس في شرم الشيخ كانت أن إسرائيل ليست وحيدة، وكان حدثاً لم يسبق له مثيل في تاريخ هذه المنطقة، وبناءً على حث جيران إسرائيل – مصر والأردن والفلسطينيين – والولايات المتحدة جاء تسعة وعشرون زعيماً ثلاثة عشر منهم من بلدان عربية لإظهار دعمهم للسلام، ومحاربتهم للإرهاب الرامي إلى تخريب السلام، ولقد كان أكبر اجتماع من هذا القبيل ونحن عاهدنا أنفسنا مجدداً على محاربة التطرف، وبدأنا العمل بصورة وثيقة معاً للتخلص من كل أولئك المسؤولين عن سفك الدماء.
إن اجتماعاً مثل ذلك لم يكن ليتخيله المرء قبل بضع سنوات، فللمرة الأولى أقرت بلدان عربية، وأعلنت على الملأ أن الألم الذي يتم إيقاعه في إسرائيل هو خطر عليها أيضاً، وهي تعرف أن القضاء على الأمل والأحلام والحياة البريئة في إسرائيل هو تهديد للمستقبل الذي تريده لنفسها ولأبنائها، وهذا بحد ذاته مدعاة للأمل..
قبل تسعة وعشرين عاماً حينما أغلقت مضائق تيران مثل شرم الشيخ رمزاً لعزلة إسرائيل عن العالم، لكن في عام 1996 أصبحت شرم الشيخ رمزاً لقبول إسرائيل في هذه المنطقة وفي العالم، إن الخلاف في الشرق الأوسط اليوم ليس هو بين عربي ويهودي، بل بين أولئك الذين يرنون لمستقبل أفضل، وأولئك الذين انكفأوا إلى عداوة الأمس الدموية..) ([97]).
وً- الحركة الإسلامية والإرهاب:
لا بد أن نشير ابتداءً أن حجر الزاوية في الإرهاب كله هو قضية فلسطين، فجميع المنظمات الإرهابية التي ذكرت على سبيل المثال تقاتل لتحرير فلسطين، أما الجماعة الإسلامية في مصر فقد تخلت عن العنف، وتحولت إلى حزب سياسي اسمه حزب الشريعة، يطلب الترخيص له في القانون المصري، دخلت في إطار ما بين طرفي النقيض، والإخوان المسلمون هم أساس الحركة الإسلامية المعاصرة.
1ً- قيام إسرائيل:
( بهذا التخطيط المحكم من جميع نواحيه قامت الدولة اليهودية عام 1948 بعد خمسين عاماً من مؤتمر هرتزل عام 1897، واعترفت بها أمريكا في منتصف الليل بتوقيتنا المحلي، وبعد عشر دقائق أعلنت روسيا اعترافها بالدولة اليهودية.
وكانت قد جرت قبل الإعلان الرسمي للدولة مسرحية الحرب بين الجيوش العربية والعصابات اليهودية خلال عام 1948 لتستقر القوات كلها على خط التقسيم المعد من قبل.. وفي أثناء ذلك وقعت المفاجأة المذهلة التي لم تكن لأحد على بال ؛ دخل الفدائيون من الإخوان المسلمين ساحة المعركة بعزيمة المسلم المجاهد في سبيل الله، وبنية الشهادة في سبيل الله، وأحس اليهود بالفرق الهائل الخطير بين القتال مع أولئك المجاهدين والقتال مع الجيوش المسرحية التي شاركت في المسرحية المعدة من قبل، والمتفق عليها من قبل )([98]).
2ً- قرار حل الإخوان المسلمين:
( لذلك التقت الصليبية والصهيونية العالمية في هدف واحد مشترك: أنه لا بد من إبادة هذه الجماعة المسلمة ليستتب الأمر للدولة اليهودية والصليبية في ذات الوقت.. وتوالت الأحداث من اعتقال وتعذيب وتشريد بعد أن اجتمع سفراء الدول الأجنبية مع قواد القوات البريطانية في مدينة فايد بالإسماعيلية، وأرسلوا إنذاراً إلى الحكومة المصرية بضرورة حل جماعة الإخوان المسلمين، ووقف نشاطها، وبلغت الأحداث ذروتها بمقتل الإمام الشهيد البنا عام 1949 )([99]).
3ً- أمريكا تمسك المقود: كانت أمريكا قد برزت إلى الوجود بوصفها زعيمة العالم الحر.. وصاحب ذلك وترتب عليه أمران مهمان بالنسبة للمنطقة الإسلامية وسير الأحداث فيها، الأول هو انتقال زعامة الصليبية إلى أمريكا.. والأمر الثاني أن اليهودية العالمية نقلت نقطة ارتكازها من بريطانيا إلى أمريكا.. وقررت الصليبية الصهيونية أنه لا بد من توجيه ضربة ثانية حاسمة للحركة الإسلامية تقضي عليها القضاء الأخير، ومن ثم تعاونت الصهيونية مع أمريكا حسب مقتضيات الوضع الجديد وكانت الأداة التي اختيرت لذلك هي جمال عبد الناصر والانقلابات العسكرية.. واستغرق الأمر عامين كاملين في التحضير والترتيب من عام 1950 إلى عام 1952... وقام جمال عبد الناصر بالدور المطلوب على الوجه الأكمل, فأقام للمسلمين مذبحتين من أبشع مذابح التاريخ، الأولى عام 1954 – 1955 والثانية عام 1965 – 1966 ) ([100]).
4ً- الإخوان إرهابيون: في 26 أكتوبر 1954 افتعلت مسرحية الإسكندر التي قال عنها حسن التهامي:
( عقد اجتماع ضم بول لينيارجر مسؤول الدعاية السوداء ( الأمريكي ) والذي قام من قبل بتخطيط إعلامي لتصعيد نجومية عبد الناصر، وضم الاجتماع عبد الحكيم عامر، زكريا محي الدين، حسن التهامي، عبد القادر حاتم وجمال عبد الناصر، وفي هذا الاجتماع – كما يروي حسن التهامي – اقترح بول لينيارجر افتعال محاولة للاعتداء على عبد الناصر تكون سليمة التدبير، وتقوم بها عناصر مختارة في هذا الصدد فتكون عملية إطلاق الرصاص على عبد الناصر عملية تمثيلية صورية محكمة وذات تأمين كافٍ لتنفيذها، وسيجذب الحادث مشاعر الشعب نحوه لما يراه فيه من مظاهر الشجاعة وثباته، وعدم خوفه واهتزازه، واعترض البعض لأن ذلك مجازفة لا طاقة لهم بتحملها إلا أن بول لينارجر كان على يقين واقتناع تام به، وانفرد بالاجتماع بعبد الناصر شخصياً، وبعد ثلاثة أشهر تمت عملية المنشية تماماً كما وضع خطتها بول لينارجر بإحكام، وتم فيها تنحية محمد نجيب والقبض على الجناة المزعومين واعتقال الآلاف من الإخوان والزج بهم في السجن الحربي) ([101]).
وينقل لنا حسن العشماوي الصديق الحميم لعبد الناصر:
حسن: لقد عرفتك يا جمال عن طريق الإخوان، ولولاهم ما عرفتك، وأنت تنوي حربهم..
جمال: ( بعد لحظة ) أتعلم يا حسن أني جاد في حربي للإخوان ؟
حسن: نعم ؛ أعلم.
جمال: أتعلم أني سأنتصر عليهم وإن كانوا نصف البلد عدداً ؟
حسن: أعلم.
جمال: ومع ذلك تقول إنك ترفض عرضي وفاءً لهم، ليس هذا بالوفاء، إنه التهور والغفلة.
حسن:.. العبرة بالمسميات لا بالأسماء يا جمال، فما قد تسميه أنت غفلة لأنه يخالف المصلحة الشخصية أسميه أنا وفاءً.
جمال: فكر يا حسن ولا تتعجل الرد فإني سأقضي على الإخوان، لن أسمح للعصاة بالبقاء ) ([102]).
وفي ختام المباحثات..
عبد الحكيم عامر: فكر في الأمر وقابلنا مرة أخرى، تعقل قبل أن تتخذ قراراً.
حسن: لقد فكرت وقررت، ولا أعتقد ني سأراكما بعد اليوم ( عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر ) إلا أن تطلباني أو يرسلني المستشار ( حسن الهضيبي ) وأرجو أن لا يفعل، وما دام الأمر قد انتهى بيننا فأرجو أن تستلما ما لكم من أسلحة ومتفجرات في العزبة، لم تعد لها محل الآن، فهي لكم، لا يعلم بها حتى الإخوان.
جمال: لا، بل دعها عندك، ليست لنا مائة مخزن مثل الذي عندك، ومن يدري، لعل الظروف تتغير ونحتاجها.
حسن: أرجوك يا عبد الحكيم، أرسل من يتسلمها، فأنا لا أريدها عندي.
عبد الحكيم: لا داعي للعجلة سنفعل ذلك فيما بعد، ولكن دعها عندك الآن أرجوك.
حسن: إلى حين وأستودعكما الله، وأسأله أن يهديكما الرشاد، وأنا بانتظار من يتصل بي لاستلام ما عندي لكم من أسلحة، ( يخرج حسن عازماً أن لا يعود، ينظر جمال وعبد الحكيم كل منهما إلى الآخر ويقول عبد الحكيم قبل أن يغادر حسن الغرفة ).
عبد الحكيم: خسارة هذا الشاب، كنت أريده معنا.
جمال: سنستفيد بذلك يوماً ) ([103]).
واستفاد من ذلك يوماً حيث تحدث عن إرهاب الإخوان المسلمين ومؤامراتهم لقلب النظام باغتيال عبد الناصر، وكشف الأسلحة والمتفجرات المعدة للإنقلاب في العزبة لحسن العشماوي.
هؤلاء إرهابيوا عام 1954، حيث تم إعدام ستة من قياداتهم عبد القادرة عودة وإخوانه، ومن بينهم عميلهم محمود عبد اللطيف، وتم اعتقال أكثر من عشرين ألفاً من شباب الإخوان وشيوخهم في السجن الحربي وغيره من السجون.
5ً- تقرير جونستون:
كان ما حدث للإخوان المسلمين في عام 1954 وثيق الصلة بأمر آخر غير مسرحية الإسكندرية، كان وثيق الصلة بتقرير جونستون المندوب الخاص للرئيس إيزنهاور في الشرق الأوسط المكلف ببحث القضية الفلسطينية، وتقديم تقرير للرئيس إيزنهاور عن الحل الأمثل للقضية، وقد قام جونستون بالمهمة التي كُلف بها فجال خلال المنطقة وقابل العرب واليهود ثم قدم تقريراً معضلاً مبنياً على ثلاث نقاط رئيسية.
النقطة الأولى: تقسيم مياه نهر الأردن بين العرب واليهود..
النقطة الثانية: تحديد حدود مؤقتة بين إسرائيل والعرب..
النقطة الثالثة: إذا بقيت أمور مختلف عليها بين العرب واليهود، فيجلس العرب واليهود على مائدة مستديرة لحل الخلافات...
وكانت الجملة الختامية على هذا النحو: ولكن طالما أن جماعة الإخوان المسلمين، وهي جماعة قوية مسلحة يبلغ تعدادها حوالي المليون في مصر والبلاد العربية الأخرى، طالما أن هذه الجماعة باقية بقوتها فلن يمكن تنفيذ هذا الحل، ولن تستقر الأمور في الشرق الأوسط.
ورفع التقرير في يونيو 1954 إلى الرئيس إيزنهاور فوافق عليه، وأعطيت الإشارة لجمال عبد الناصر للتنفيذ) ([104]).
وهكذا تمت تصفية الأخوان المسلمين (الإرهابيين ) لأنهم يعيقون السلام بين العرب وإسرائيل، وهو أول مصالح أمريكا الحيوية في المنطقة، وكل من يقف في وجه هذا السلام إرهابي.
6ً- محنة 1965 واستشهاد سيد قطب:
كثيراً ما يُتهم فكر سيد قطب رحمة الله عليه بأنه منبع الإرهاب، ومن عباءته انطلقت الحركات التي تتبنى العنف في العالم الإسلامي، ولا يبعد أن يكون بعض قادة هذه الفصائل قد فهم هذا الفكر خطأ، أما سيد فهو الذي يشرح في أكثر من موقع حديثه عن الجهاد بأنه كان ممنوعاً ثم مأذوناً ثم مأموراً به، وذلك في الظلال والمعالم وخاصة في تفسير قوله تعالى } ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة... { ([105]).
ونتساءل: هل كان يؤمن بالعنف والثورة على الأنظمة ؟ نجد الجواب عند أحد قادة التنظيم الذين كانوا معه وصدر عليه حكم الإعدام شنقاً ثم خفف بعد ذلك.
7ً- فكرة اغتيال عبد الناصر:
( عرضنا عليه ( أي سيد قطب ) فكرة اغتيال جمال عبد الناصر، وأن لدينا أخاً في حرسه يستطيع أداء ذلك بسهولة ويلح بإصرار في ذلك فأجاب:
لا أريد أن تشغلوا أنفسكم بهذه القضايا، حتى لو كان الاستيلاء على الحكم وتطبيق الشريعة الإسلامية ولا القضايا السياسية والوطنية، والإصلاحات الجزئية.
نحن نريد الإسلام في نفوس وقلوب الناس قبل إي إجراء آخر، نريد تربية إسلامية قائمة أصلاً على أساس العقيدة، والأخلاق الإسلامية، ويجب عدم إضاعة الوقت في فرض التشريع الإسلامي بالقوة، قبل أن تكوَّن القاعدة المسلمة في المجتمعات والتي تسعى لإقامة النظام الذي عاشت به وتعرفه.
وهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه حتى تربت وتكوَّنت القاعدة الصلبة القوية التي قام على أكتافها النظام بعد ذلك في المدينة، وكان في استطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلف أحد أصحابه بقتل أبي جهل أو غيره الذين يقفون في طريق الدعوة والتخلص منهم، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك رغم سهولة تنفيذه، وسرعة استجابة الصحابة رضوان الله عليهم، لذلك لو أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، ولكنه لم يفعل لأن هذا ليس هوالطريق)([106]).




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:26 pm

8- روح سيد ثمن الصلح مع إسرائيل:
نشرت إحدى المجلات اللبنانية أنه اجتمع سفراء الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، الأربعة عشر سفيراً لبحث موضوع عبد الناصر، وطالب أربعة منهم الإطاحة بعبد الناصر واستبداله لهبوط شعبيته، وممكن عمل بعض الإصلاحات مع مجيء الوضع الجديد للسلطة، أما الثمانية الآخرون فقد طالبوا الإبقاء عليه لأنه لا زال الشخصية المرموقة على مستوى العالم العربي, ويتفهم دوره جيداً في اللعبة، ورفعت الدراسة من السفراء للإدارة الأمريكية، فأخذت بالرأي الثاني، وهو الإبقاء عليه في السلطة، وطالبت الإدارة الأمريكية عبد الناصر سرعة اتخاذ خطوات نحو الصلح مع إسرائيل، فأجابهم: بأن أجهزة الاستخبارات عنده تقول: الظروف النفسية للناس لا تتقبل هذا الأمر الآن، والسبب الثاني والعقبة في ذلك الإخوان المسلمون ) ([107]).
فبدأت الاعتقالات في شهر يوليو 1965 بالأستاذ محمد قطب، ومجموعات الإخوان الذين سبق الحكم عليهم سنة 1954، وأفرج عنهم وعن غيرهم، وأودعوا سجن القلعة الرهيب، وشمل الاعتقال كذلك الشهيد سيد قطب يوم 9 أغسطس 1965 باعتبار أحد المفرج عنهم في قضايا 1954 وأودع معهم سجن القلعة.
9ً- إرهابيو 1965: نحن صلاح نصر رئيس نيابة أمن الدولة العليا، بعد الإطلاع على القضية وما تم فيها من تحقيقات نتهم: سيد قطب ابراهيم 60 سنة كاتب...
43- مصطفى العالم مقيم بالخارج وغير معلوم محل إقامته لأنهم في الفترة من سنة 1959 حتى آخر سبتمبر بالجمهورية العربية المتحدة وبالخارج، حاولوا تغيير دستور الدولة وشكل الحكومة فيها بالقوة، بأن ألفوا من بينهم وآخرين تجمعاً حركياً وتنظيماً سرياً مسلحاً لحزب الإخوان المسلمين المنحل يهدف إلى تغيير نظام الحكم القائم بالقوة باغتيال السيد رئيس الجمهورية، والقائمين على الحكم في البلاد، وتخريب المنشآت العامة، وإثارة الفتنة في البلاد، وتزودوا في سبيل ذلك بالمال اللازم، وأحرزوا مفرقعات وأسلحة وذخائر، وقاموا بتدريب أعضاء التنظيم على استعمال الأسلحة والمفرقعات، وحددوا الأشخاص المسؤولين الذين سيجري اغتيالهم وعاينوا محطات توليد الكهرباء، والمنشآت العامة التي سيخربونها، ورسموا طريقة تنفيذ ذلك، وتهيأوا للتنفيذ الفعلي، وعينوا الأفراد الذين سيقومون به، وحال ضبطهم دون تمام مؤامرتهم وكان المتهمون السبعة الأوائل هم المتولين زعامات التنظيم )([108]).
وكان هذا القرار نفسه هو قرار الإدانة في 22 أغسطس 1966 إضافة إلى الفقرة.
2- السبعة المتهمون الأوائل هم الذين كانوا يتزعمون التنظيم كله، ويقودون حركته، ولهذا فقد حكمت المحكمة عليهم طبقاً لنص المادة 87 عقوبات التي تقضي بالإعدام على كل من ألف عصابة مسلحة لقلب نظام الحكم بالقوة أو تزعمها وتولي القيادة فيها ) ([109]).
ثم صدر عفو رئاسي عن أربعة من السبعة ونفذ حكم الإعدام شنقاً على كلٍ من سيد قطب ويوسف هواش وعبد الفتاح اسماعيل وذلك يوم 29 / 8 / 1966.
وبعد ثلاثين عاماً حين برزت حماس إلى الساحة تريد أمريكا ربطها بالإخوان المسلمين.
ز - حماس:
( برزت حركة المقاومة الإسلامية أي حماس كمبعث قلق رئيسي بسبب تحديها المتسم بالعنف لعملية المصالحة الإسرائيلية – الفلسطينية، بل عملية السلام برمتها في الواقع، وقد تشكلت حماس في أواخر الثمانينات في غزة بعد فورة الانتفاضة، والجماعتان اللتان سبقتاها هما الإخوان المسلمون والجماعة الإسلامية، وهما وليدتا فترة كانت غزة خلالها واقعة تحت السيطرة المصرية، وتشير وثائق تأسيس حماس إلى حسن البنا وفي عام 1989 أصدرت إسرائيل حكماً بالسجن المؤبد على الشيخ أحمد ياسين زعيم حماس بعد قتل جنديين إسرائيليين مختطفين.. وعلى الرغم من جميع دعاواها بالشرعية الدينية أصبحت حماس معزولة على نحو متزايد، فقد تمادى الدعم الشعبي للشيعين منذ عام 1993، ومن المحتمل أن يواصل دعم حماس اضمحلاله فيما تتواصل عملية السلام )([110]).
1ً- وحماس اليوم في ظل الهيمنة الأمريكية:
فمع اقتراب الحل النهائي أصبح تصفية حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) هدفاً مطلوباً تحقيقه على المدى القريب باعتبارها القوة الجماهيرية الأولى في الشارع الفلسطيني التي تعارض اتفاقات أوسلو وإفرازاته المختلفة، وقد زاد من شعبية حركة حماس ونفوذها في الأرض الفلسطينية المحتلة امتلاكها لجهازين فاعلين سياسي وعسكري، وامتداداتها العربية والإسلامية، وعلى الرغم من أن سلطة الحكم الذاتي قد دقت على صدرها متعهدة بتغييب حماس عن الشارع الفلسطيني قبل دخولها إلى مناطق الحكم الذاتي 1994، وعملت منذ ذلك الوقت على تحقيق الهدف إلا أن فشلها الذريع في ذلك استوجب دخول لاعبين جدد على خط محاربة حماس والقضاء عليها تمهيداً للشروع في مفاوضات التسوية النهائية، فلأول مرة تتدخل الـ ( سي، آي، إيه ) لحماية اتفاق أوسلو تدخلاً مباشراً من خلال اللجنة الأمنية الثلاثية التي تضم أيضاً الـ ( شين، بيت ) الإسرائيلي وأمن السلطة الفلسطينية، وهي اللجنة التي تشكلت بموجب اتفاق واي ريفر الموقع في أكتوبر في العام الماضي.
وقد أعطى اتفاق واي ريفر الأصلي صلاحيات فوق العادة لجهاز الاستخبارات الأمريكية جعلها توجه أجهزة أمن السلطة في اعتقال من تريد من أبناء الشعب الفلسطيني، كما جعلها تسلب حق السلطة الفلسطينية في الإفراج عمن تريد منهم، وهو ما يفسر بطبيعة الحال استمرار السلطة في اعتقال المئات من نشيطي حركة حماس وقادتها دون تهمة ودون محاكمة، وقد صرَّح مسؤولوا السلطة في أكثر من مناسبة بعدم امتلاك سلطتهم لصلاحية إطلاق سراح أي معتقل أمني من حركة حماس وأن هذه الصلاحية فقط بيد ممثل الـ ( سي آي إيه ) في اللجنة الأمنية المشتركة، والتساؤل الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو إذا كانت سلطة ياسر عرفات عاجزة عن إطلاق سجين واحد في سجونها، فأي مصيبة وأي كارثة ستنتهي إليها مفاوضات الوضع النهائي وكيف ستستطيع استرداد حقوق الشعب الفلسطيني أو الدفاع عنها...
الحملة على حركة حماس جاءت شرسة وشاملة في أهدافها دون أن يعني ذلك نجاحها بالضرورة، فقد خرجت حماس من حملات مشابهة في السابق أكثر صلابة وتجذراً في الشارع الفلسطيني، والانتخابات التي جرت هذا العام في جامعات وكليات الضفة الغربية وقطاع غزة في عدد من النقابات المهنية خير دليل على تزايد شعبية حركة المقاومة الإسلامية حماس وهي التي دلت أيضاً على عزلة السلطة الفلسطينية، والتنظيمات التي تقف ورائها والتي تحالفت معها لخوض انتخابات في قوائم مشتركة ضد حماس، ففشلت فيها كلها، كما أن الحملة على حماس لم تقف مانعاً أمام استئناف كتائب القسام لعملياتها الجهادية وهو الذي بدا واضحاً في العمليات العسكرية ضد جنود إسرائيليين ومستوطنين يهود والتي تبنتها الكتائب خلال الشهرين الماضيين في الضفة الغربية المحتلة خصوصاً في الخليل وجنين...
وإضافة إلى الحملة التي تستهدف حماس نجحت السلطة الفلسطينية في تدجين أكبر فصيلين معارضين داخل منظمة التحرير الفلسطينية وهما الجبهتان الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين واللتان وافق قادتهما على القبوع تحت عباءة سلطة الحكم الذاتي والعودة إلى بيت طاعة السلطة بعد محادثات جرت في القاهرة بينهم وبين رئيس السلطة الفلسطينية، وقيادة فتح كبرى فصائل منظمة التحرير ) ([111]).
ولم تعد هناك عقبة إذن إلا الحركة الإسلامية بعد أن انضوت الجبهتان تحت لواء السلطة الفلسطينية واعترفوا بإسرائيل وسيادتها، واشترطوا أن يشاركوا في مفاوضات الحل النهائي.
2ً- إرهاب أم جهاد:
تجيب حماس قائلة: حركة المقاومة الإسلامية حلقة من حلقات الجهاد في مواجهة الغزو الصهيونية، تتصل وترتبط بانطلاقة الشهيد عز الدين القسام وإخوانه المجاهدين من الإخوان المسلمين عام 1936، وتمضي لتتصل وترتبط بحلقة أخرى تضم جهاد الفلسطينيين وجهود وجهاد الإخوان المسلمين في حرب 1948 والعمليات الجهادية للإخوان المسلمين عام 1968 أو ما بعده، هذا وإن تباعدت الحلقات وحالت دون مواصلة الجهاد العقبات التي يضعها الدائرون في فلك الصهيونية في وجه المجاهدين، فإن حركة المقاومة الإسلامية تتطلع إلى تحقيق وعد الله مهما طال الزمن والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
(( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر، يا مسلم، يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود )) (رواه البخاري ومسلم ) ] ([112]).
3ً- خلاف استراتيجي بين أمريكا والمسلمين:
أمريكا أول من اعترف بإسرائيل دولة على الأرض، وإسرائيل الدولة الأولى الحليفة لها في الأرض ولا تزال تعمل منذ خمسين عاماً معاً حتى أخضعت التيار القومي والوطني دولاً ومنظمات، واُعترف بإسرائيل واُعتبر السلام بين العرب ودولة إسرائيل هو الخيار الوحيد على الساحة للأمة العربية.
أما حماس، والجهاد، والمسلمون من وراء حركة المقاومة الإسلامية يشاركون حماس في قناعاتها لأنها عقيدة كل مسلم فيما تقوله في المادة الحادية عشر:
تعتقد حركة المقاومة الإسلامية أن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة لا يصح التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها، ولا تملك ذلك دولة عربية أو كل الدول العربية، ولا يملك ذلك ملك أو رئيس أو كل الملوك والرؤساء، ولا تملك ذلك منظمة أو كل المنظمات سواءً كانت فلسطينية أو عربية لأن فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، ومن يملك النيابة الحقة عن أجيال المسلمين إلى يوم القيامة ؟ هذا حكمها في الشريعة الإسلامية )([113]).
ثانياً- أمريكا والمبادئ:
آ- كيف نتعامل مع أمريكا:
بعد أن وضح لنا جلياً موقف الولايات المتحدة من الإرهاب، ومن الإسلام، ومن قضية فلسطين يحسن أن نتحدث عن الموقف المناسب للحركة الإسلامية من هذا الواقع، هل نعلن الحرب ضد أمريكا ؟ وهل ندفعها إلى أن تكون وإسرائيل شيئاً واحداً ؟
هذا ما لا يقره الفهم الإسلامي، والواقع العملي، ولنعرض كيف نتعامل مع هذه المواقف الثلاثة:
ب- موقف أمريكا من الإرهاب من الناحية النظرية:
هذا وإن كانت الولايات المتحدة لم تعط تعريفاً محدداً للإرهاب، وجعلته عائماً في تعريفات مختلفة ( وهي حريصة على ذلك ) لكننا نستطيع أن نستجمع هذه التعريفات ونتحدث عن رأي الإسلام فيها، وأهم هذه التعاريف:
التعريف الأول: يعني اصطلاح إرهاب، أعمال عنف مدبرة متعمدة يتم القيام بها بدافع سياسي ضد أهداف غير معنية بالحرب من جانب جماعات في البلاد.
جـ- تطابق وجهة النظر بين الإسلاميين وأمريكا نظرياً:
ونقول سلفاً: إن وجهة النظر من العنف متطابقة بين الحركة الإسلامية المعاصرة وبين الولايات المتحدة الأمريكية، ( فقد تعددت البيانات الصادرة عن الجماعة والتي تدين العنف وتعبر فيها عن رأيها في هذا الخصوص.. وكان من أبرز البيانات التي صدرت ذلك البيان الجامع الصادر في 20 من ذي القعدة 1415 الموافق 30 من أبريل 1995 والذي جاء فيه:
لقد أعلن الإخوان المسلمون عشرات المرات خلال السنوات الماضية أنهم يخوضون الحياة السياسية ملتزمين بالوسائل الشرعية، والأساليب السلمية وحدها، مسلمين بالكلمة الحرة الصادقة، والبذل السخي في جميع ميادين العمل الاجتماعي، مؤمنين بأن ضمير الأمة ووعي أبنائها هما في نهاية الأمر الحكم العادل بين التيارات الفكرية والسياسية التي تتنافس تنافساً شريفاً في ظل الدستور والقانون، وهم لذلك يجددون الإعلان عن رفضهم لأساليب العنف والقسر، ولجميع صور العمل الانقلابي الذي يمزق وحدة الأمة، والذي قد يتيح لأصحابه فرصة القفز على الحقائق السياسية والمجتمعية، ولكنه لا يتيح لهم أبداً فرصة التوافق مع الإرادة الحرة لجماهير الأمة، كما أنه يمثل شرخاً هائلاً في جدار الاستقرار السياسي، وانقضاضاً غير مقبول على الشرعية الحقيقية في المجتمع، وإذا كان جو الكبت والقلق والاضطراب الذي يسيطر على الأمة قد ورَّط فريقاً من أبنائها في ممارسات إرهابية روَّعت الأبرياء، وهزت أمن البلاد، وهددت مسيرتها الاقتصادية والسلمية، فإن الإخوان المسلمين يعلنون في غير تردد ولا مداراة، أنهم براء من شتى أشكال ومصادر العنف مستنكرون لشتى أشكال ومصادر الإرهاب، وإن الذين يسفكون الدم الحرام أو يعينون على سفكه شركاء في الإثم، واقعون في المعصية، وأنهم مطالبون في غير حزم وبغير إبطاء أن يفيئوا إلى الحق، فإن المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، وليذكروا وهم في غمرة ما هم فيه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة وداعه: (( أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا في عامكم هذا في بلدكم هذا )).
أما الذين يخلطون الأوراق عامدين، ويتهمون الإخوان ظالمين بالمشاركة في هذا العنف، والتورط في ذلك الإرهاب، متعللين في ذلك بإصرار الإخوان على مطالبة الحكومة بألا تقابل العنف بالعنف، وأن تلتزم بأحكام القانون والقضاء، وأن تستوعب في دراستها ومعالجتها لظاهرة العنف جميع الأسباب والملابسات، ولا تكتفي بالمواجهة الأمنية، فإن ادعاءاتهم مردودة عليهم بسجل الإخوان الناصع كرابعة النهار على امتداد سنين طويلة شارك الإخوان خلال بعضها بالانتخابات التشريعية والمجالس النيابية واستبعدوا خلال بعضها الآخر عن تلك المشاركة، ولكنهم ظلوا على الدوام ملتزمين بأحكام الدستور والقانون، حريصين على أن تظل الكلمة الحرة الصادقة سلاحهم الذي لا سلاح غيره يجاهدون به في سبيل الله } لا يخافون لومة لائم {.
والأمر في ذلك كله ليس أمر سياسة أو مناورة، ولكنه أمر دين وعقيدة يلقى الإخوان المسلمون عليهما ربهم } يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم { (الشعراء 88، 89).
الإخوان المسلمون 30 من ذي القعدة 1415 هـ / 30 من أبريل 1995 )([114])
2ً- الإخوان المسلمون في سورية والعنف:
وإذا كان العنف في سورية قد ساد في مرحلة لبضع سنوات في تاريخ دعوة الإخوان المسلمين البالغ خمسين عاماً بين الحركة وبين السلطة، فهو موقف استثنائي خارج على القاعدة في تاريخ هذه الجماعة، وليس هو الأصل في مبادئها أو حركتها، فقد ابتدأ خارج الإطار التنظيمي للإخوان المسلمين، وحين قررت السلطة في سورية إبادة الجماعة رغم استنكارها للعنف )([115])، وأصدرت مرسوماً جمهورياً بالحكم بالإعدام على كل من ينتمي للإخوان المسلمين، وبدأت تعتقل وتعذب وتقتل، اتخذت الجماعة موقف الدفاع عن النفس في وجه السلطة، وبلغ عنف الدولة ذروته في أحداث حماه، حيث قُتل قرابة ثلاثين ألفاً، وشُرِّد واعتقل قرابة مائة ألف من أبناء حماة الباسلة.
د- فتح قناة للحوار مع أمريكا: لقد مضى العهد الذي كانت الحركة الإسلامية العالمية تخشى أي اتصال أو حوار مع دولة أجنبية يعني لطخ الحركة بالخيانة، فالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين أصبح بمثابة قوة ثالثة تمثل فريقاً من أكبر الفرقاء العاملين للإسلام في العالم، ولا يمكن تجاهل وجوده على كل ساحات الأرض الإسلامية، ومن صالح الحركة الإسلامية أن تعلن مواقفها، وتبلغها للولايات المتحدة التي لا يمكن تجاهلها أو تجاهل دورها في قيادة العالم، فالمسلمون في أمريكا هم طليعة هذه الحركة، وبهم غدا الرئيس الأمريكي يصول ويجول في مجال حديثه عن الإسلام يقول:
إن المسلمين يعيدون صوغ شخصية بلادنا بالذات بسرعة، فالدين الإسلامي هو أسرع الديانات انتشاراً ونمواً في الولايات المتحدة، إذ يمارس معتقداته حوالي ستة ملايين أمريكي في أكثر من 1200 مسجد ومركز إسلامي.
فالشعب الأمريكي باعتراف رئيسه تعاد صياغته على يد المسلمين، هذه الحقيقة الأولى والدين الإسلامي أسرع الديانات انتشاراً في العالم، وهذه هي الحقيقة الثانية ويمارس معتقداته أكثر من ستة ملايين أمريكي في أكثر من 1200 مسجد ومركز إسلامي، وهذه حقيقة ثالثة من خلال هذه الحقائق الثلاث التي يعترف بها الرئيس الأمريكي، لا بد من فتح قناة للحوار مع كبرى دول العالم لنعرفها على حقيقة فهم الحركة الإسلامية، ونعرفها على الإسلام كما أنزل الله بعيداً عن تقارير المخابرات الأمريكية، والدعايات الصهيونية والصليبية التي تريد أن تدمر الإسلام ودعاته، وتتخذ من أمريكا وسيلة لذلك.
إن بين يدينا منطلقات وتصريحات يمكن الاعتماد عليها أساساً لإزالة سوء الفهم لدى السلطة الأمريكية عن دعاة الإسلام، وعن الحركات الإسلامية خاصة وهم لا يدعون مناسبة ليعلنوا فيها أنهم ليسوا ضد الإسلام، ولكنهم ضد الإسلام السياسي الذي يتخذ الإرهاب والعنف سبيلاً إلى الوصول لمبادئه، وذلك كما يقول التقرير الصادر عن معهد الدفاع الاستراتيجي بواشنطن.
( فيوضح التقرير بأن أهم ما يهدد وجود الدولة في الشرق الأوسط هو التيار الإسلامي المتشدد الذي يستعين بالدين في استعمال وسائل عنيفة للتعبير عن رأيه، وفيما يؤكد أن أمريكا ليس لها مشكلة مع الدين الإسلامي في صورته المجردة إلا أنه يتوجب عليها أن تضغط على حكومات المنطقة بعدم التمييز بين المواطنين بحسب معتقداتهم الدينية وأفكارهم السياسية ).
ومع أن أمريكا تصنف السودان من الدول الراعية للإرهاب، لكن هذا لم يمنع من أن يقوم الكونغرس الأمريكي بدعوة الدكتور حسن الترابي الزعيم الإسلامي السوداني الذي أقام هذه الدولة إلى أن يستمعوا إلى آرائه، ويخطب عن الإسلام السياسي في الكونغرس الأمريكي، ويوضح بجلاء الفهم الإسلامي لدى أكبر المؤسسات السياسية الأمريكية، وعندما مضى إلى كندا ليتابع رسالته السلمية ذاتها تلقفه الإرهاب العالمي في المطار، ووظف أحد الرعايا السودانيين للقضاء عليه لولا إرادة الله تعالى أن تكتب له الحياة رغم أنف هذا الإرهاب.
ولا شك أن هذه المحاولات قد تجد عراقيل كثيرة وضغوطاً أكثر لرفض مثل هذا الحوار، إنما تبقى رسالة إسلامية للحركة الإسلامية أن يتجاوز هذه الضغوط وينتزع هذه العراقيل، ويحقق هذا الحوار.
هـ- أمريكا وحركة الإخوان المسلمين:
في التصريحات العلنية أو الرسمية التي تصدر عن المسؤولين الأمريكيين بصدد مهاجمة الإرهاب بتجنب هؤلاء مهاجمة الإخوان المسلمين، وتصنيفها بالحركة الإرهابية، إنما يتركون لحكومات الدول المحلية أن تقوم بهذا التصنيف، أو تقوم بهذه التصفية المادية والمعنوية للحركة، تحت هذه العباءة، لكن تحاول بعض التصريحات أن تلمز من قناة الإخوان المسلمين حين يتحدثون عن تقويمهم لمنظمة حماس التي يصنفونها على رأس المنظمات الإرهابية إذ يقول:
برزت حركة المقاومة الإسلامية – أي حماس كمبعث قلق رئيسي بسبب تحديها المتسم بالعنف لعملية المصالحة الإسرائيلية – الفلسطينية، بل عملية السلام برمتها في الواقع، وقد تشكلت حماس في أواخر الثمانينات في غزة بعد فورة الانتفاضة، والجماعتان اللتان سبقتاها هما الإخوان المسلمون والجماعة الإسلامية وهما وليدتا فترة كانت غزة خلالها واقعة تحت السيطرة المصرية وتشير وثائق تأسيس حماس إلى حسن البنا)([116]).
ومن جهة ثانية يشير الخطاب نفسه إلى إمكانية التعايش مع الإخوان المسلمين ( بغير الاسم الصريح ) إذ يقول:
( وما بين طرفي النقيض هناك مجموعة مختلفة من الأفراد والفئات والأحزاب السياسية التي تعمل في أطر سياسية واجتماعية متباينة، وفي بعض الحالات، فإنهم يُقبلون كمشاركين في الحياة السياسية وبالتالي يقبلون بالميثاق الاجتماعي أو القواعد السياسية (مثل الدستور ) التي تحكم أسس عمل السلطة السياسية، وكيفية المشاركة فيها، وفي أوضاع أخرى يجري استبعادهم أو يعملون في ظل قيود كونهم غير شرعيين رسمياً، لكن يُسمح لهم بشكل غير رسمي بممارسة نشاط في حدود معينة ) ([117]).
1ً- أمريكا تحدد مبادئ موقفها من الإسلام والحوار مع الإسلاميين:
نحن لا نسعى تلقائياً لإقصاء الإسلاميين المعتدلين والمتسامحين والمسالمين الذين يسعون إلى تطبيق قيمهم الدينية على مشاكل سياسية داخلية، وعلى السياسة الخارجية، إلا أننا نعارض معارضة شديدة الإسلاميين الذين يدعون إلى التعصب ويتبنون العنف في المجالين المحلي والدولي، فالمتطرفون في الشرق الأوسط كما في مناطق أخرى من العالم يمكن أن يكونوا علمانيين ومتدينين )([118]).
(... فإذا عاملنا النشاطية الإسلامية السياسية بصفتها حركة سياسية موحدة واحدة تعارض الغرب بشكل عنيد لا يمكن الرجوع عنه، فإننا نجازف باستعداء العالم الإسلامي الأرحب.. ومثل هذا الموقف سيؤدي إلى بروز الكثير من الأعداء في حين ليس هناك في الواقع سوى حفنة منهم، كما أننا قد نشجع ضرباً من ( صراع الحضارات ) وهو ما سيخدم مصالح المتطرفين أكثر مما سيخدم مصالحنا )([119]).
ويتحدث عن موقف أمريكا من الإسلام قائلاً:
إن الإسلام ليس عاملاً حاسماً في سياستنا الخارجية حيال أية منطقة أو دولة أو جماعة، إننا نحترم الإسلام كونه إحدى الديانات العظمى في العالم، وقوة حضارية على مدى ما يزيد على 1300 عام فالعلماء المسلمون حافظوا على المعرفات الكلاسيكية خلال العصور المظلمة، وأسهموا إسهاماً حيوياً في فجر عصر النهضة في مجالات العلوم والفلك والرياضيات والتجارة والقانون والتاريخ والطب، وفي يومنا الحالي فإننا نرى في القيم التقليدية للإسلام – بما في ذلك احترام المعرفة، والعدالة، وأعمال الخير والمشاريع الخاصة، وجني الربح النزيه، والتعاطف مع الفقراء – قيماً تتفق مع أفضل القيم الأمريكية )([120]).
2ً- بين المبادئ والمصالح: وهذه مسلمة كبرى من المسلمات التي تفرض الحوار بين الحركة الإسلامية العالمية والولايات المتحدة، إذ يرى الناطق باسمها اتفاق القيم بين الفريقين، ويؤكد أن الخلاف ليس بين المبادئ، إنما هو على المصالح، وليس الخلاف بين دعاة الإسلام والولايات المتحدة، إنما الخلاف مع الذين يؤمنون بالعنف والإرهاب سواءً كانوا متدينين أو غير ذلك، وهم يعرِّضون مصالح أمريكا للخطر.
( ولقد أوضحت الولايات المتحدة من الرئيس فما دون أن لا خلاف لدينا مع الإسلام بحد ذاته، بل ما يعنينا هو الأفعال التي تمارسها الحكومات والأفراد وليس الدين بالذات، إننا نتفحص بعناية كيف تؤثر بلدان أو جماعات معينة بما فيها تلك التي تربط هويتها السياسية بالإسلام على مسائل ذات أهمية للولايات المتحدة مثل عملية سلام الشرق الأوسط والإرهاب، وحرية الأسواق والاستقرار السياسي واحترام حقوق الإنسان، ثم نقوم برد الفعل وفقاً لذلك.
3ً- اعتراف بحق المسلمين بتبني الشريعة الإسلامية: وإذ تركنا المصالح جانباً، والتفسيرات جانباً كذلك، فنتحدث عن جوهر رسالة الحركة الإسلامية الإعلامية وهي العودة بالأمة من جديد إلى أحضان الإسلام ديناً ودولة، ومصحفاً وسيفاً، وتشريعاً وقانوناً، يقول الخطاب:
( ويقوم المسلمون في الشرق الأوسط ومواقع أخرى في الآونة الأخيرة بمناقشة واختيار دور الإسلام في شؤون الدولة والمجتمع والاقتصاد، ونعتبر هذا النقاش جزءاً من بحث أوسع نطاقاً عن حكومة تستجيب لمطامح الشعوب، وعن التقدم المادي وحقوق الإنسان، إنه حوار يتزايد قوة منذ بعض الوقت في مناطق تشهد تحولاً واضطراباً مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقية )([121]).
ولا يكتفي الخطاب بالاعتراف بهذا الحق، بل يعتبره واجباً على الشعوب المسلمة، لأن الإسلام يملك إجابات على تساؤلات وإشكالات الأمة.
( ومن الأمور المعروفة أن الإسلام يجب أن يوفر مصدراً غنياً للإلهام والإرشاد في هذا النقاش، وخاصة في وقت فقدت فيه مذاهب مثل الشيوعية والاشتراكية والقومية العربية موثوقيتها، ويلوذ من ينتابهم اليأس بسبب الفقر والبطالة والكبت والفساد في مجتمعاتهم بجذورهم الحضارية والدينية تلمساً للسلوى والنصح، والقليل منهم يكتشف أن قدرته على الإيمان قد تحولت إلى عنف يحقق أهدافاً سياسية ) ([122]).
4ً- الخوف من العنف: وهم لا يخشون تبني الإسلام في السياسة والحكم، إنما يخشون أن يكون العنف هو الطريق لذلك ( وليس لنا سوى تأثير محدود على الطريقة التي يتم بها حسم هذا النقاش، ولا توجد أجوبة هي من صنع أمريكا لمشاكل بلدان الشرق الأوسط هذه، وعلى دول الشرق الأوسط أن تستلهم تراثها الحضاري والمجتمعي لإقامة مؤسسات حكومية تفي بطموحات شعوبها، وما يثير اهتمامنا فيما يتعلق بالحوار القائم حول دول الإسلام هو على جانب أكبر من التقييد والبراغماتية: هل سيولد هذا الحوار تغييراً سلمياً ومتسماً بالنظام أم صراعاً مدمراً ؟ هل تتوفر حماية لحقوق الإنسان الأساسية ؟ هل بوسعنا أن نعمل بفاعلية مع دولة أو جماعة معينة لترويج السلام والازدهار ؟ هل بوسعنا إقامة علاقات على أساس الثقة وحسن النية ؟)([123]).
و- أمريكا تدعو إلى الحوار والتفاهم:
وهذا الخطاب يصلح أن يكون أساساً للتفاهم والحوار إذ يعلن قائلاً:
( أعتقد أن من المهم أن نحاول زيادة فهم الأمريكيين للإسلام، وفهم أهل الشرق الأوسط لأمريكا، وهنا في أمريكا وفي مواقع مثل مركز التفاهم الإسلامي – المسيحي في جامعة جورجتاون، ومركز دراسات الشرع الإسلامي في جامعة هارفرد، وهنا في هذا المجلس وغير ذلك من الأماكن يأخذ الباحثون الغربيون والمسلمون في التآلف بين بعضهم البعض للاستفادة المشتركة من اطلاع كل منهم على تاريخ الآخر وفلسفته وتشريعاته.
ز- تزكية مرفوضة:
لكننا نجد الخطاب يزكي دعاة للإصلاح ظاهراً وحقيقة هم دعاة لنقض الإسلام من جذوره وإعادة النظر فيه، ومع ذلك فنقول إن سوء الفهم للإسلام وللدعاة هو الذي حدا بصاحب هذا الخطاب إلى هذه التزكية، ونرجح أن الحوار ومحاولة الفهم لو تمت بين الحركة الإسلامية العالمية والولايات المتحدة لألغيت هذه التزكية، يقول الخطاب:
وفيما يتزايد نوع التفاعل هذا أعتقد أن لا مناص من بدء بزوغ تفسيرات للإسلام تتسم بالحداثة، ومن شأن هذا أن يعزِّز الدعاوى التي تسمعها داخل المجتمعات الإسلامية نفسها إلى التفكير بشكل جديد في قيم الإسلام من قادة مثل السلطان قابوس سلطان عُمان إلى عاهل الأردن الملك حسين، ومن كتاب ومفكرين داعين للإصلاح مثل عبد الكريم سورش في إيران، ومحمد شحرور في سورية، ومحمد آركون في الجزائر ومحمد سعيد العشماوي في مصر ) ([124]).
1ً- آركون في الجزائر:
والإسلام المتعارف عليه عند المسلمين ليس هو الإسلام الذي يفهمه آركون، فالإسلام عنده خلاصة اليهودية والمسيحية والإسلام وهو يجيب على السؤال: ماذا تعني كلمتا (إسلام ) و ( مسلم ) وعندما يقول القرآن: } ولكن كان حنيفاً مسلماً { فإنه لا يعني بالتأكيد كما جرى تعريفه فيما بعد من قبل الفقهاء، إن إبراهيم يجسد الموقف الديني للأديان التوحيدية الثلاث قبل فرض مسحات خاصة لكل من هذه الأديان، إن الإسلام الذي حُدَّد فيما بعد تلقى مضامين من فهم الفقهاء، وصاغوا فيها تركيبة عقائدية من الإيمان واللاإيمان) ([125]).
وعنده الوحي غير القرآن الموجود بين أيدينا، فهو يجيب على السؤال السادس:
الإسلام يعتمد على كتابٍ موحى هو القرآن، ما المقصود بالوحي، وما معنى كلمة قرآن ؟
ويجيب ( في القرآن نستعمل هذه الكلمة ( القرآن ) بمعنى التلاوة، إنها مصدر كلمة قرأ } إن علينا جمعه وقرآنه { إن معنى القرآن هي التلاوة المطابقة للخطاب المسموع.. والنص القرآني المكتوب جاء فيما بعد في عهد عثمان ومنذ تم تدوين الوحي في كل من الأديان الثلاثة لم يعد في أيدي المؤمنين إلا نص رسمي كامل وليس للمؤمن منفذ على الوحي إلا من خلال النص.
إن حلول النص المكتوب محل النقل الشفهي ولَّد ظاهرة خاصة وهي أن الأمة المؤمنة عليها أن تقرأ النص المقدس من أجل استخراج المعنى منه.. كما أن البشر استخدموا الكتاب الموحى باستمرار من أجل خلع التقديس والتعالي على تصرفاتهم وقيمهم ورؤاهم المادية الدنيوية، هذه ظاهرة قد تزايدت في الآونة الأخيرة إلى حد لا يحتمل.
إن هذا لا يكفي في حل مشكلة الوحي، فـ الوحي يعني حدوث معنىً جديد في الفضاء الداخلي للإنسان (القلب بلغة القرآن) وهذا يفتح إمكانيات لا نهائية من المعاني بالنسبة للوجود البشري ويمثل الوحي تراثاً حياً تعود إليه الأمة كلما راح التقديس والتعالي يفسدان المقصد التحريري للوحي أو تجميده، وتعبِّر كلمة الهجرة عن هذه العودة التحريرية نحو السلطة الكاشفة والتغييرية للوحي وهذا بخلاف التقاليد المكرورة الجامدة، ومحاولتنا هذه لإيجاد تعميمات تشمل الأديان الثلاثة بل تشمل أدياناً أخرى )([126]).
فالقرآن الذي بين أيدينا ليس هذا الوحي الذي أنزله الله، والوحي مستمر في التجديد في القلب البشري، وتعبر كلمة الهجرة عن هذه العودة التحريرية نحو السلطة الكاشفة والتغييرية للوحي.
2ً- محمد شحرور:
وإذا كان آركون هو واضع النظرية في الوحي والقرآن والإسلام، فشحرور هو أكبر المجتهدين فيها، وحين دعا آركون إلى دراسة نقدية للمصحف المكتوب الذي هو غير الوحي المسموع قام شحرور بهذه الدراسة وطلع علينا بالجنون التالي:
( قسَّم الكتاب – المصحف – إلى كتب كما يقول حسب تعريفه للكتاب:
1- كتاب القرآن + السبع المثاني + تفصيل الكتاب، واعتبر أن ما أسماه القرآن والسبع المثاني وهي حسب تعريفه سبع فواتح للسور، وتفصيل الكتاب قصص الأنبياء والرسل، وهي الآيات التي وقع فيها الإعجاز القرآني فقط ووصف آيات القرآن والسبع المثاني بالمتشابهات وآيات تفصيل الكتاب بالآيات التي ليس محكمة ولا متشابهة ولكنها من النبوية حيث تحتوي على معلومات إلا أنها جميعاً معجزة وحصر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الآيات فقط، وجعل النبوة علوماً وحصرها بنظرية الوجود الكوني والإنساني وتفسير التاريخ...
2- الرسالة: وهي آيات التشريع، وهي الآيات المحكمات وهي أيضاً أم الكتاب، أي هي الآيات التي تعالج مشاكل الناس، وتعطي الحلول لأعمال العباد وسلوكهم اليومي حسب الحاجة والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولقد أطلق عليها رسالة لأنها قواعد سلوك إنساني ذاتي وليست قوانين وجود (موضوعي).. وآيات أم الكتاب ليست من القرآن وتخضع للتبديل والاجتهاد وهي قابلة للتزوير وقابلة للتقليد ولا يوجد فيها أي إعجاز.
3- يقرر الكاتب أن السنة النبوية ليست وحياً من الله سبحانه.. وما فعله النبي في القرن السابع في جزيرة العرب هو الاحتمال الأول لتفاعل الإسلام مع مرحلة تاريخية معينة، وبما أن رسالته تقوم على الحدود فهو الرسول الوحيد الذي سُمح له بالاجتهاد لأنه الخاتم ولكي يعلم الناس أن يجتهدوا لوحدهم من بعده حيث أن الإسلام هو تشريع إنساني من حدود الله... وقرر نظرية جديدة فيما أسماه حدود الله وتطبيق الحدود ومن خلال تقريره مبدأ أن الرسالة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، فحتى تكون صالحة لكل زمان ومكان فلا بد لها من التطور لتلائم كل عصر.. وبناءً على ذلك قامت نظريته في الحدود على أساس أمرين: الاستقامة والحنيفية، والجزء الآخر تعليمات ؛ فالتعليمات يجوز الفعل بخلافها لأنها مجرد إرشادات ونصائح.
4- وهذا مثال على فقه الكاتب المعاصر في موضوع لباس المرأة والرجل وسلوكهما الاجتماعي، فهو يرى أن الله خلق الرجل والمرأة عريانين، وهذا شيء طبيعي ثم قيدهما بحدود نصحهما بتعليمات، فكان للمرأة عورة في الحياة العامة والمجتمع، وعورة أمام المحارم والزوج، فأمام غير المحارم (الأجانب) للمرأة أن تظهر كل جسدها باستثناء الجيوب، وجيوب المرأة حسب فهمه كل ما له طبقتان، أو طبقتان مع خرق وهي ( ما بين الثديين وتحت الثديين وتحت الإبطين، والفرج، والإليتين، وما عدا ذلك فليس بعورة علماً بأن الآية الكريمة التي استدل بها على ذلك كما يقول هي للتعليم لا للتشريع، أي أنه يرى أن آية } يدنين عليهن من جلابيبهن { آية تعليمية لا تشريعية ( يمكن تبدل وتغير ) يقول إن الجلباب – الحماية – وهو اللباس الخارجي، وفسر الحماية بأنه الحماية من الأذى الخارجي، والأذى بعرفه نوعان: طبيعي واجتماعي، فالأذى الطبيعي هو المربوط بالبيئة الطبيعية من درجات الحرارة والرطوبة فالمؤمنة تلبس كما يقول حسب الشروط الجوية الخارجية، أما الأذى الاجتماعي ففسره بأن على المؤمنة أن تلبس لباساً خارجياً وتخرج إلى المجتمع حسب الأعراف السائدة في مجتمعاتها بحيث لا تكون عرضة للسخرية وأذى الناس، أما أمام المحارم فالمرأة ليس لها عورة على الإطلاق فهي تجلس معهم كما خلقها الله عارية من كل شيء، وإن الأب والأخ مثلاً إذا جلست ابنته أو أخته عارية أمامه في البيت فلا يجوز له أن يقول لها اذهبي والبسي ثيابك فإن ظهورك أمامي على هذا الشكل حرام، بل يقول لها هذا عيب.. وبذلك يقرر أن المرأة إذا خرجت عارية في حياتها العادية أمام الناس وفي المجتمع فقد خرجت عن حدود الله لأن عليها من باب التعليمات أن تستر الجيوب، وإذا خرجت دون أن يظهر منها شيء حتى وجهها وكفيها فقد خرجت عن حدود الله لأن عليها أن تظهر الوجه والكفين، وهكذا يقرر أن لباس معظم نساء الأرض يقع بين حدود الله ورسوله في اللباس، وهذه هي فطرة الناس في اللباس )([127]).
ح- لماذا يجب الحوار مع أمريكا؟
والجواب ينحصر في النقاط التالية:
1- الله تعالى فرض علينا أن ننقل الإسلام للعالم، وأمريكا أكبر دول هذا العالم، والذي آلت إليها قيادته في هذا العصر.
2- رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أمرنا أن نعرض الإسلام على أمم الأرض قبل حربها ومواجهتها.
3- رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي سن لنا مخاطبة الحكام والملوك والدول في رسائله الخالدة إلى قادة البشرية آنذاك وعلى رأسهم كسرى وقيصر.
4- أمريكا تدعو إلى الحوار والتفاهم، وإزالة سوء الفهم القائم بينها وبين الإسلاميين ( أعتقد أن من المهم أن نحاول زيادة فهم الأمريكيين للإسلام وفهم أهل الشرق الأوسط لأمريكا ).
5- وحين تم الحوار بين بعض فصائل الحركة الإسلامية وبين أمريكا، اعتبرت هذه الفصائل ضد الإرهاب حيث ذكر الخطاب بصدد حديثه عن الجزائر ( من أجل هذا دأبنا بثبات على تشجيع عملية إصلاح سياسي واقتصادي تؤدي إلى المصالحة الوطنية بين جميع الجزائريين الذي ينبذون العنف والإرهاب، ويتضمن هذا العناصر البراغماتية من الجبهة الإسلامية للإنقاذ.. وقد اجتمعت أيضاً مع قادة حزبي النهضة وحماس الإسلاميين المشروعيين اللذين يرفضان العنف، إن الفئة الإسلامية من الطيف السياسي في الجزائر الآن منقسمة على نفسها بين معتدل ومتطرف، بين العناصر البراغماتية، والعناصر العنيفة المتطرفة الممثلة بالجماعة الإسلامية المسلحة.
6- وهناك مبادئ أساسية تؤمن بها الخارجية الأمريكية تفرض على المسلمين ودعاة الإسلام أن يتحاور مع أمريكا، من الثوابت عندهم وهي:
آ- لا خلاف إطلاقاً بينهم وبين الإسلام ( كما أوضحت الولايات المتحدة من الرئيس فما دون.
ب- كما يقول كلينتون: إن المسلمين يعيدون صوغ شخصية بلادنا بالذات بسرعة، فالدين الإسلامي هو أسرع الديانات نمواً وانتشاراً في الولايات المتحدة.
جـ- إننا نحترم الإسلام كونه إحدى الديانات العظمى في العالم وقوة حضارية على ما يزيد على 1300 عام.
د - إننا نرى في القيم التقليدية للإسلام بما في ذلك احترام المعرفة والعدالة وأعمال الخير والمشاريع
الخاصة وجني الربح النزيه والتعاطف مع الفقراء قيماً تتفق مع أفضل المثل الأمريكية.
هـ- ومن حق المسلمين مناقشة دور الإسلام في شؤون الدولة والمجتمع والاقتصاد.
و - إن الإسلام يجب أن يوفر مصدراً غنياً للإلهام والإرشاد في هذا النقاش وخاصة في وقت فقدت فيه مذاهب مثل الشيوعية والاشتراكية والقومية العربية موثوقيتها.
ز- على دول الشرق الأوسط أن تستلهم تراثها الحضاري والمجتمعي لإقامة مؤسسات حكومية تفي بطموحات شعوبها.
ولهذا كله نؤمن بضرورة الحوار مع أمريكا من الناحية النظرية، والتفريق بين (المبادئ ) و (المصالح) من الناحية الواقعية.
4- الإسلام والإرهاب:
واختلاف النظريتين والاستراتيجيتين جعل قاموس الإرهاب عند أمريكا يكاد يكون منصباً على أن الإرهاب هو قتل المدنيين الآمنين، وتتغافل أن حركة المقاومة في العالم حين تُحتل أرضها، يكون المحتل هدفاً رئيسياً لها طالما هو غاصب لأرضها، وبمقدار ما يحرص الإسلام على أرواح الآمنين ويحافظ على حياتهم، ويصب كل اهتمامه في حربه على المحاربين من القيم الإسلامية في عدم قتل غير المقاتلين بمقدار ما يجعل الغاصبين هدفاً لمقاومته، ويمنع عنهم الأمن حتى يتراجعوا عن ظلمهم واحتلالهم ( ديار المسلمين ).
أ‌- رأي ابن تيمية:
وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب، والشيخ الكبير والأعمى و الزمن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان، والأول هو الصواب لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا أن نظهر دين الله.. وذلك أن الله أباح قتل النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال تعالى: } والفتنة أشد من القتل { أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه، ولذلك قال الفقهاء: إن الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة يُعاقب بما لا يُعاقب به الساكت، وجاء في الحديث: (( إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت ولم تُنكر ضرَّت العامة ))، ولهذا أوجب الشريعة قتل الكفار، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم، بل إذا أسر الرجل منهم في القتال، أو في غير القتال، مثل أن تلقيه السفينة إلينا، أو يضل الطريق، أو يؤخذ بحيلة، فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح من قتله، أو استبعاده، أو المن عليه أو مقاداته )([128]).
وقد ( رجح أستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي هذا المعنى الواسع جداً لمفهوم غير المقاتلين من بلاد الحرب قال: المحاربون: هم كل من نصَّب نفسه للقتال بطريق مباشر أو غير مباشر، وذلك كالجنود الإجباريين والمتطوعين.. أما المدنيون الذين ألقوا السلاح وانصرفوا إلى أعمالهم، وكل من له صفة حيادية فضلاً عن معاونة العدو كالملحقين العسكريين الأجانب، ومراسلي الصحف، ورجال الدين التابعين للقوات الحربية، فهؤلاء لا يعتبرون محاربين يهدر دمهم )([129]).
ب- رفع الحصانة الشرعية عن غير المقاتلين متى تكون؟
( بصرف النظر عن تحديد من الذين يحرَّم قتلهم من الأعداء أثناء الحرب.. فإن هؤلاء الذين يحرَّم قتلهم ترفع عنهم الحصانة الشرعية، ويجوز توجيه السلاح نحوهم في الحالات التالية:
الحالة الأولى: إذا حمل من يحرم قتلهم من الأعداء السلاح على المسلمين، أو قاموا بأعمال تعتبر من الأعمال القتالية، أو ما يساعد الأعداء على قتال المسلمين، أو قاموا بأعمال تعتبر من الأعمال القتالية أو ما يساعد الأعداء على قتال المسلمين.. وهذا واضح من تعليل النبي صلى الله عليه وسلم إنكاره لقتل المرأة من الأعداء بأنها لا تقاتل، أو كما جاء في النص (( ما كانت هذه لتقاتل ))([130]).
يقول ابن حجر: مفهومه أنها لو قاتلت لقتلت، ويقول الإمام النووي: وقوله: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان، أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا فإن قاتلوا، قال جماهير العلماء: يُقتلون )([131]).
وكذلك كل من لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي، والطاعة، والتحريض وأشباه ذلك.
الحالة الثانية: حين شن الغارات على الأعداء في الليل أو في النهار واستخدم ما تقتضيه الحرب ضدهم من إشعال الحرائق في بلادهم، واستعمال الأسلحة الثقيلة، والقذائف المتفجرة، وما يُسمى بأسلحة التدمير الشامل، ففي هذه الحال، لا يمكن التمييز بين من يجوز قتله، ومن لا يجوز قتله من أهل الحرب في تلك البلاد المعادية، ومن أجل هذا فقد جاءت النصوص الشرعية بمشروعية هذا النوع من القتال، وإن ترتب عليه ذلك القتل الجماعي الذي يذهب ضحية تبعاً لا قصداً قليل أو كثير من الأرواح التي يحرم في الأصل قصدها بالإرهاق من صفوف الأعداء هذا وقد تنوعت النصوص الشرعية في هذا الصدد ) ([132]).
والنشاطات الفدائية ضد الأعداء داخل الأرض المحتلة، هذا النشاط الذي يضرب العدو أيضاً في عمق الأراضي المحتلة هو من الجهاد الشرعي كذلك، لأنه قتال لكفار اعتدوا على المسلمين ودخلوا بلادهم، بل هذا القتال هو من ألزم أنواع الجهاد ) ([133]).
جاء في المنهاج للنووي وشرحه مغني المحتاج:
ثم قال: والثاني من حالي الكفار: يدخلون بلدة لنا فيلزم أهلها الدفع بالممكن منهم، ويكون الجهاد حينئذٍ فرض عين.. وقيل كفاية )([134])... وعلى هذا فدفع المسلمين للعدو الذي دخل بلادهم واحتل أرضهم بالممكن منهم والمتيسر لديهم، حتى ولو كان هذا الدفع المتيسر لهم هو رمي العدو بالحجارة.. ) ([135]).
هذا وليس الجهاد مقصوراً على مقاومة العدو، أو ضربه في بلاد المسلمين التي يحتلها ويستعمرها فقط، بل يدخل في باب الجهاد أيضاً ذلك النشاط الذي يقوم على ضرب العدو حتى في بلاده ذاتها من خارج بلاد المسلمين، وذلك لأن الجهاد يصدق على قتال الكفار في أي مكان، ولو في أن تقتحم عليهم بلادهم لهذا الغرض مادام ليس بينهم وبين المسلمين معاهدة سلمية مشروعة، فكيف إذا كانوا مع ذلك من المعتدين والمستعمرين ) ([136]).
أما في غير حال الحرب، فأمر الآمنين يختلف كثيراً عنه في حالة السلم، وذلك حين يكون بين المسلمين وبين غيرهم عهود ومواثيق داخل دولة الإسلام أو خارجها.
فحرمة دماء المسلمين وحرمة دماء المعاهدين في أرض الإسلام واحدة, كما قال عليه الصلاة والسلام: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا )).
وقتل النفس العمد من أكبر الكبائر، وقد وعد الله فاعلها بالخلود في جهنم.
} ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً { ([137])
أما المعاهدين بكل أنواعهم سواءً كانوا أهل ذمة أو موادعين أو مستأمنين فحصانة دمائهم كحصانة دم المسلم، فأهل الذمة حين دفعوا الجزية إنما دفعوها لحماية أرواحهم ودمائهم وأموالهم.
( أما الدفاع عنهم بسبب عقد الذمة لهم على أساس دفع الجزية، فيدل عليه قول عليه بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا )([138])، أي كما يجب الدفاع عن المسلمين في أموالهم ودمائهم، فكذلك يجب الدفاع عن أهل الذمة أيضاً في دمائهم وأموالهم ) ([139]).
والدفاع عن المستأمنين ولو كانوا من غير أهل الذمة.
( فيعامل المستأمنون ما داموا في دار الإسلام معاملة أهل الذمة في وجوب الدفاع عنهم لأنهم وهم في دار الإسلام يكونون تحت ولاية الإمام، فعليه الدفاع عن جميع من كان تحت ولايته ) ([140]).
والدفاع عن رعايا الدول المعاهدة في دار الإسلام ضد العدوان الخارجي هو من واجبات الإمام كذلك..
( فيعامل هؤلاء الرعايا أيضاً معاملة أهل الذمة في وجوب الدفاع عنهم لأنهم في الحقيقة مستأمنون بمقتضى معاهدة السلام المعقودة مع دولهم,وما داموا قد دخلوا دار الإسلام بموجب تلك المعاهدة القاضية بذلك، فهم إذن تحت ولاية الإمام,فعليه في هذا الحال الدفاع عنهم كما يدافع عن كل من كان تحت ولايته ) ([141]).
4- فكر متطرف:
هذا الفكر المتطرف هو الذي يرى الجهاد هو السبيل الوحيد لإقامة دولة الإسلام ( إن الدولة الوحيدة التي تملك الشرعية وتمثل صورة الإسلام الصحيح وتنطوي على جوهره هي الدولة التي تقوم عن طريق الجهاد (القتال ).
نعم إن القوة هي التي تكتب التاريخ والحياة.. فإذا قامت دولة الإسلام عن طريق الجهاد، ولن تقوم بالجهاد حتى تحرق كل الرذائل في طريقها، فالجهاد هو النار التي ستقضي على كل بذور الشر في مجتمعنا، فإذا قامت الدولة بالحرب والقتال فليس من حق أحد أن يطالب في رسم معالم دولتنا ومجتمعنا، وحينئذ سيحكم الإسلام الذي نعرفه لا الإسلام الهجين الدخيل.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:34 pm

خلال مرحلة الجهاد ستطهر الأرض من غربان الشر، وأبوام الرذيلة، ستلاحق هذه المسوخ التي تسمى كذباً وزوراً بالمفكرين، وسيصفى الرتل تلو الرتل، العلمانيون والشيوعيون، والبعثيون والقوميون وتجار الأفكار الوافدة، نعم نحن نعرف أننا لن نصل حتى نعبد الطريق بجماجم هؤلاء النوكى، وليقل العالم أننا برابرة فنحن كذلك لأن البربر في عرف هذا العصر هم الذين يدافعون عن حقوقهم، ويطالبون بحقهم في الحياة.. وسيقولون عنا أنتم أعداء الحضارة، نعم نحن أعداء حضارة الشيطان، وقتلة رموزها ورجالها، وسيقولون عنا إرهابيون، نعم نحن كذلك لأن الشر لا يخنس إلا بالسيف والنار، أما هؤلاء المشايخ الذين يتحللون من كل فضيلة مخافة الاتهام بالعنف والإرهاب والدكتاتورية فلن يرضى عنهم اليهود ولا النصارى حتى يخلعوا اسم الإسلام كذلك.. خلال مرحلة الجهاد سنقطف رؤوس الصحفيين المفسدين في الأرض، فنحن لسنا بحاجة إلى سحرة فرعون وليسمينا الناس أعداء الفكر والرأي، فنحن رأينا من حرية قوانينهم ما تشيب منه العثاتين ) ([142]).
وهي تحكم على المجتمعات الإسلامية والحكومات كلها بالكفر والردة وتوجب قتالهم.
( وجود هذه الحركات الجهادية القتالية المنبثقة من تصورات ومفاهيم السلف الصالح يجعلها أحق الناس دخولاً في مفهوم الطائفة المنصورة لأن من شروط هذه الطائفة التواصل وعدم الانقطاع (( لا تزال طائفة من أمتي.. )) وإذا أردنا – وهو مطلوب واجب – أن نبحث عن الأسس الشرعية التي تدفع هذه الحركات للنشوء والعمل في داخل مجتمعات الإسلام قبل غيرها لوجدنا أن هذه الحركات تعتمد على القواعد التالية:
القاعدة الأولى: إن الديار التي يعيشها المسلمون وكانت قبل دار إسلام وأمان، قد انقلبت إلى دار كفر وردة، لأنها من حكمت من قبل المرتدين، ولأن الكفر قد بسط سلطانه عليها من خلال أحكامه ودساتيره وأدلة كفر هذه الطوائف وردتها هو الذي سنبحث عنه فيما يأتي من مقالات....
القاعدة الثانية: وجوب جهاد هذه الطوائف، وعدم موالاتها ونصرتها، فإذا تبين لنا أن هذه الطوائف هي طائف ردة وكفر وجب على المسلمين جميعاً - وجوب جهاد الدفع – أن يقاتلوا هذه الطوائف حتى تزول أو تعود على الإسلام، وحكم قتال هذه الطوائف هو حكم قتال الدفع وهو فرض عين ولا شرط لوجوبه سوى القدرة، فإذا عدمت القدرة وجب الإعداد، فإن عًدمت القدرة على الإعداد وجبت الهجرة، فإن عدمت القدرة عليها وجبت العزلة.. ) ([143]).
ب- الحركات المتطرفة:
الحركات المتطرفة المعروف عنها أنها تحمل هذا الفكر، وكانت ذات أثر على الساحة، وقامت بالعديد من الأعمال ضد السلطات هي الجماعة الإسلامية في مصر، وجماعة الجهاد في مصر كذلك، إضافة إلى الجماعة الإسلامية في الجزائر، وجيش جبهة الإنقاذ في الجزائر كذلك، أما الحركات الأخرى مثل حماس، والجهاد، وحزب الله، فنرفض تسميتها بحركات إرهابية، لأنها تناضل لتحرير فلسطين المغتصبة من اليهود الدخلاء، وكل دفاع عن الأرض أو جهاد لتحريرها هو خارج عن نطاق الإرهاب، وحين ينطلق من الإسلام فهو جهاد في سبيل الله، ولن نخوض في مناقشات مع فكر هذه الجماعات، لأن ثلاثة من هذه الأربعة قد تراجعت عن فكرها المتطرف وأعلنت هذا التراجع، ولم يبق على الساحة إلا الجماعات الإسلامية في الجزائر، والتي لا تزال تمارس أعمال عنف تمس المدنيين العُزَّل بدون أن ننفي مسؤولية الدولة عن المشاركة في ذلك.
1ً- الجماعة الإسلامية في مصر:
تحت عنوان الجماعة الإسلامية تودع العنف وتسعى لتشكيل حزب سياسي كتبت مجلة المجتمع تقول: شهدت الساحة السياسية المصرية في الفترة الأخيرة تفاؤلاً حذراً باحتمال حدوث مصالحة بين السلطة والإسلاميين وذلك في أعقاب مبادرة وقف العنف التي أعلنها من جانب واحد قادة الجماعة الإسلامية المحبوسين بسجن ليمان طرة، ثم أيدهم فيها الدكتور عمر عبد الرحمن ومعظم قيادات الداخل والخارج، وكان آخر بيان لدعمها صدر يوم الخميس 19 من نوفمبر الماضي / 98، جاء البيان الجديد ليؤكد الدعم الكامل لمبادرة القادة التاريخيين للجماعة ويدعو بقية الجماعات المسلحة للانضمام إلى الركب ونبذ العنف كما يناشد القوى السياسية دعم هذه المبادرة التي جاءت من منطلق شرعي وعملي تحقيقاً لمصلحة الإسلام والوطن.. وتكتسب مع الأيام أنصاراً جدداً فقد انضم إليها عدد من قادة (الجهاد ) إضافة إلى قادة الجماعة في الداخل والخارج كما انضمت إليها جماعات أخرى مثل ( الناجون من النار ) بحيث لم تعد المبادرة تعبر فقط عن الجماعة الإسلامية بل عن الغالبية من جماعات العنف )([144])... ولم يعد يعترض عليها سوى الدكتور أيمن الظواهري مسؤول تنظيم الجهاد في الخارج )([145]).
واتبعت هذه المواقف دراسات فكرية لمنظرها الشيخ مصطفى مقرئ إذ يقول: إن الحركة الإسلامية مطالبة أن تنقد ذاتها وأن تقوِّم انحرافاتها.. إن معالجتنا للسرطان الفكري الذي أصاب الجهاد الجزائري بتورماته الخبيثة فأودى بحياته لم تزل سطحية فاترة.. ونحن نريد هنا أن تأتي على منهج الجماعة المسلحة مفردة فلا ندع باطلاً إلا اجتثثناه ).
.. ثم يتعرض لحادثة باص السياح الأجانب قائلاً:... إذا عرفت ذلك فقد تبين لك أن إهدار دم السياح الأجانب القادمين إلى بلاد المسلمين تأسيساً على بطلان أمان الحكام المعاصرين وعدم اعتباره شرعاً تأسيساً غير صحيح.
الخطوة الأجرأ: لقد أصبحت هناك بيئة فكرية ونفسية تقبل بفكرة الانخراط في العمل السلمي خصوصاً أن حادث الأقصر الذي قُتل فيه 68 سائحاً أجنبياً أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن القيمة الحدية للعنف قد بلغت منتهاها، وأن تكلفة باهظة على المستوى السلبي في جميع الجوانب ومن هنا جاءت خطورة فكرة عسكرية الجماعة، والاتجاه بدلاً من ذلك للعمل السلمي.
وتوج هذا الاتجاه بالإعلان عن تشكيل حزب سياسي يحمل هذه المبادئ كان اسمه أولاً الحزب الاجتماعي الإسلامي ثم تحول اسمه بعد ذلك لحزب الشريعة، ونشرت الحياة (اللندنية) في عددها الصادر في 13 جمادى الثانية / 1421 هـ أن أحد مؤسسي حزب الشريعة المصري يرشح نفسه للانتخابات مخالفاً قرار المقاطعة وفتوى الشيخ عمر عبد الرحمن وهو الشيخ محمد علي الذي برَّر هذا الترشيح بقوله أنه لا ينتمي للجماعة الإسلامية، كما أن الحزب والشريعة ) لم يشهر بعد فإن من حق أي من مؤسسيه اتخاذ أي قرار خاص به من دون أن يعد ذلك خروجاً على مبادئ الحزب وأهدافه، وأعرب عن أمله في أن توقف الحكومات الإجراءات التي تستهدف إبعاد الإسلاميين عن اللعبة السياسية معتبراً أن توقف العنف لا بد أن تتبعه إجراءات لاستيعاب الإسلاميين بمختلف تياراتهم وإدماجهم في نسيج المجتمع )([146]).
والأسس التي يقوم عليها الحزب، ويحمل فكر الجماعة الإسلامية كما صرح بذلك مفكر الحزب ومنظره والذي التقته المجتمع الكويتية هي أسس ثلاثة:
1- استبعاد فكرة المطلق في التعامل مع الواقع، والتمييز بين ما هو مجمع عليه وما هو اجتهاد ويجوز الاختلاف والنقاش حوله مثل فكرة دخول الانتخابات.. ولو رأينا دخول الانتخابات مثلاً وجاء من يقول: إن دخول الانتخابات منافٍ للتوحيد يمعنى أن البرلمان ينازع الله حاكميته وحقه في التشريع، هنا نقول إن مسألة التوحيد مختلفة عن اتخاذ قرار سياسي بدخول الانتخابات لأن التوحيد يدخل في الجانب المطلق والمجمع عليه، بينما اتخاذ قرار سياسي يتصل بالجانب المتغير.
2- التمييز بين الوسائل والغايات، فالحركات الراديكالية اعتادت أن تقول: إن الله تعبدنا بالوسائل كما تعبدنا بالغايات ونحن نصوغ هذه العبارة بشكل جديد فنقول: إن الله تعبد المسلم بالإبداع في الوسائل كما تعبده بالالتزام بالغايات.
3- إعمال فقه المقاصد الشرعية، وتفعيل القيم الإسلامية الحاكمة في التعامل مع القضايا الإسلامية حيث أن الواقع بجزئياته لا يتناهى، بينما النصوص والقواعد الحاكمة متناهية، وحتى يحكم المتناهي اللامتناهي فلا بد من إحداث اجتهاد بكل واقعة، وهذا الاجتهاد يتطلب التحرك في إطار المقاصد الشرعية )([147]).
2ً- جماعة الجهاد: وقد سارت جماعة ( الجهاد ) المصرية على خطا (الجماعة الإسلامية ) وراجعت فكرها السابق، وانتهت إلى التراجع عنه والانخراط في العمل السياسي، والذي برز في حزب (الإصلاح ) الذي تقدَّم بطلب ترخيص له من السلطات المصرية، ووقفت السلطات من الحزبين (الإصلاح) و ( الشريعة ) موقف الرفض والحظر أسوة برفض الترخيص للإخوان المسلمين، ولم يغير هذا الموقف السلبي من موقف قيادات (الجهاد) و (الجماعة الإسلامية ) من العنف، فهو قرار مبدئي فكري وليس قراراً سياسياً يعتمد على رد الفعل، إنما تم تبنيه بعد دراسة متأنية للواقع القائم، ودراسة متأنية للأحكام الإسلامية التي تنطبق عليه.
3ً- جبهة الإنقاذ في الجزائر:
( قبل عام 1988 واندلاع الاضطرابات الشعبية لم تكن هناك أي حركات سياسية معارضة في الجزائر سواءً كانت حركات إسلامية أو غير إسلامية تعمل من أجل قلب نظام الحكم، وفي الشهور التالية لتشكيل جبهة الإنقاذ الجزائرية لم يكن أحد من قادتها يفكر بجدية بإسقاط النظام الحاكم، والاستيلاء على السلطة بالقوة المسلحة ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: من أين جاء العنف ؟ ولماذا تحولت الجبهة إلى جيش إسلامي يهاجم الأجانب، ويفجر المطارات، ويقوم بأعمال عنف متعددة ؟ لماذا حدث كل هذا ؟
من وجهة نظرنا فإن الجيش الجزائري هو الذي بدأ سلسلة العنف عندما رفض التسليم بنتائج الانتخابات المحلية وانهال على أعضاء وأنصار الجبهة قتلاً واعتقالاً، فقد قاد هذا القمع الشديد الذي تعامل به الجيش مع الجبهة إلى اتجاه بعض فصائلها إلى تكوين جيش جبهة الإنقاذ، ثم الجيش الإسلامي فيما بعد، اللذين عملا بطريقة انتقامية وانخرطا في المواجهة الدموية العنيفة في البلاد )([148]).
كان قرار الجيش الإسلامي للإنقاذ في إيقاف العنف المسلح جاء في إطار صفقة سياسية بين قياداته وقيادات الجيش الجزائري، ويبدو المشهد في الحالة الجزائرية حواراً بين ندين، وتم الإعلان عن هدنة بين الجيشين خفَّت بعدها حدة التوتر كثيراً بين الطرفين أوائل عام 1997، بل إن فصائل جيش الإنقاذ بدأت تخوض عمليات مشتركة مع الجيش ضد الجماعات المسلحة الأخرى، وبإعلان الجيش الإسلامي للإنقاذ هدنة خرج من ساحة القتال فريق مهم وبقي فيها ما تُطلق على نفسها الجماعة الإسلامية المسلحة التي ما زالت تعلن عن عملياتها البشعة ضد الأطفال والنساء والمدنيين، وهنا يجدر بنا أن نشير إلى فارق جوهري في المنطلقات الفكرية والفقهية لدى جيش الإنقاذ والجماعات المسلمة، فجيش الإنقاذ منذ أعلن تشكيله وانطلاق عملياته عام 1992 دأب على التأكيد أن قتاله ضد الجيش الجزائري، ومع تأكيد الجبهة للقتال كان تأكيدها على رفض المساس بالمدنيين والشعب، وإعلانها إدانة عمليات القتل الإجرامي المرتكبة بحق المدنيين وبينما تستمر الجماعة المسلحة في حربها ضد الجزائر دولة ونظاماً وشعباً، استمرت جبهة الإنقاذ من خلال قيادات جيشها في مفاوضاتها مع قيادات الجيش لتقوية الهدنة والوصول إلى اتفاق شامل ببنود واضحة تحقق مصلحة الطرفين وتعالج عودة الجبهة الإسلامية للإنقاذ للعمل السياسي، ودراسة أوضاع السجناء، واندماج جيش الإنقاذ بالجيش الجزائري )([149]).
- من الهدنة إلى الإلغاء: وكانت هذه الخطوة بعد أن أصدر رئيس الجمهورية الجزائرية قانون الوئام وتم الاستفتاء عليه من الشعب الجزائري، فقد قامت اجتماعات شارك فيها قائد الجيش الإسلامي للإنقاذ مدني مرزاق وممثلون عن الرئيس بوتفليقة وقيادة الجيش الجزائري واستمرت طيلة الأيام القليلة الماضية أسفرت عن تسليم مرزاق قوائم بأسماء عشرة آلاف مقاتل تميهداً لإعلان عفو رئاسي شامل عنهم، وأبلغت المصادر (المجتمع) أن هؤلاء المقاتلين سينخرطون ضمن تشكيلات خاصة للدفاع عن مؤسسات الدولة ومحاربة الجماعات المسلحة الشيعة إلقاء السلاح بعد المهلة التي حددها قانون الوئام الجزائري بالثالث عشر من يناير /2000، وأشارت ( هذه المصادر ) إلى أن قائد الجيش الإسلامي للإنقاذ أعد قوائم نهائية للمسلمين المنضوين تحت إمرته إضافة إلى أعضاء الجماعات المسلحة الأخرى الملتزمة بالهدنة سواء المرابطون بالجبال أو المعتقلون بالسجون والمحكوم عليهم من قبل المحاكم، وتضم هذه القوائم أكثر من عشرة آلاف مقاتل مسلح إضافة إلى العشرات من أعضاء الجماعات المسلحة الأخرى الملتزمة بالهدنة )([150]).
4- إرهاب الدولة:
تحدثنا عن الإرهاب الدولي، والحركات المتطرفة التي تؤمن بالعنف، ولا بد من الإشارة إلى أن هذا العنف في كثير من الأحيان هو طارئ عليها، تفرضه عليها الدول ذات الأنظمة الشمولية التي تلغي الإنسان وتحوله إلى رقم في عجلتها، وتمارس كافة أصناف الطغيان ضد الإنسان، وتود أن تسحقه فلا ينسحق معها ويتمرد ويثور ويقتل شهيداً أهون عليه من أن يقتل وئيداً، إن العنف الذي تستعمله السلطات الحاكمة ضد شعوبها يجعل العنف طارئاً على الحركات الدعوية ذات الطابع السلمي، ولعل هذا الرأي يكون أكثر موضوعية حين يشهد به العدو.
( لم يعد بحث الظاهرة الإسلامية في الغرب عموماً وفي الولايات المتحدة على وجه التحديد يقتصر على مشروعات الكتب والبحوث المتعلقة بالندوات والمؤتمرات، وإنما امتد إلى السياسيين وصناع القرار ورجال المخابرات الذين شعروا بمدى الحاجة إلى معرفة شاملة بالظاهرة الإسلامية وتأثيراتها على العالم ككل ومستقبلها.. في هذا الإطار من الاهتمام الغربي بالظاهرة الإسلامية أو الأصولية الإسلامية – مع تحفظنا على هذا المصطلح – تأتي شهادة الدراسات الاستراتيجية بوزارة الدفاع الأمريكية والتي أدلي بها في الندوة التي عقدتها بواشنطن مجلة المجتمع بالاشتراك مع المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث تحت عنوان: نظرية الأصولية..
وقد بنى د. بلليتري تحليله على فرضية أساسية تقول إن الأصولية كحركة راديكالية لم تبدأ من فراغ، وإنما بدأت كحركة إصلاحية، وقد حاول الإصلاحيون الإسلاميون العمل من داخل الأنظمة الحاكمة بالطرق السلمية، إلا أن القمع الذي تعرضوا له من جانب الحكومات التي حاولوا الإصلاح من خلالها أدى إلى انسحاب القادة الأصليين لهذه الحركات ودخول عناصر جديدة من الشباب بصفة أساسية قادت ما يمكن اعتباره بدايات الثورة الشعبية الشاملة، وبالتالي يجب التركيز على ظاهرة صعود الشباب إلى المراكز القيادية في الجماعات باعتبارها تمثل نقطة البداية فيما تطورت إليه هذه الجماعات، فقد أدى صعود الشباب إلى خروج القيادات الأصلية من الساحة وانتقالهم إلى الصفوف الخلفية غير قادرين على التأثير في مجرى الأحداث بما فيها أحداث العنف.

ولاختبار هذه الفرضية تناول د. بلليتري أوضاع ثلاثة من الجماعات الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط وهي جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، وجماعة الإخوان المسلمين في مصر وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الأراضي العربية المحتلة نظراً للتشابه الكبير بين هذه الجماعات فيما يتعلق بالنشأة واستراتيجية العمل، بالإضافة إلى هذه الجماعات الثلاث تناول أيضاً أصول نشأة جماعتين أخريين هما حزب الله في لبنان وجماعة – جوش أمونهم – اليهودية المتطرفة في إسرائيل، وقدَّم مراجعة منهجية متعمقة لتاريخ هذه الجماعات والشكوك التي تحيط بها، حتى يمكن استخلاص وبناء نظرية خاصة بالأصولية في منطقة الشرق الأوسط وأخيراً تقديم بعض اقتراحات لصناع القرار السياسي في هذا الشأن )([151]).
ولَخَّص نظرته بالنسبة لجبهة الإنقاذ الجزائرية بقوله:
من وجهة نظرنا فإن الجيش الجزائري هو الذي بدأ سلسلة العنف عندما رفض التسليم بنتائج الانتخابات المحلية، وانهال على أعضاء الجبهة قتلاً واعتقالاً، فقد قاد هذا القمع الشديد الذي تعامل به الجيش مع الجبهة إلى اتجاه بعض فصائلها إلى تكوين جيش جبهة الإنقاذ ثم الجيش الإسلامي فيما بعد اللذين عملا بطريقة انتقامية وانخرطا في المواجهة الدموية العنيفة في البلاد ) ([152]).
وما نشهده اليوم على سبيل المثال في مصر، وموقفها من مرشحي الإخوان المسلمين للانتخابات هدفه هو تحويل الإخوان المسلمين للعنف ليتم مبرر تصفيتهم وإبادتهم، والإخوان يدركون ذلك، ويصرون على رفضهم للعنف بكل أشكاله، ( فمنذ الانتخابات البرلمانية السابقة التي جرت عام 1995 ففي ذلك العام ومنذ شهره الأول بدأت حملة أمنية واسعة ضد التيار الإسلامي، ولم يحل موعد الانتخابات العامة حتى كانت قد نصبت أربع محاكم عسكرية لمحاكمة العشرات من أبناء التيار الإسلامي أكثرهم من الرموز السياسية والاجتماعية المعروفة التي كانت ستخوض الانتخابات وتكون من بين ممثلي الشعب، ومن أفلت من المحاكمة من المرشحين لم يفلت من التدخل السافر ضده.. ) ([153]).
والمشهد يتكرر هذه المرة، ففي أكتوبر من العام الماضي ألقت قوات الأمن القبض على عشرين من أبرز الشخصيات النقابية في مصر، وأحالتهم إلى المحاكمة العسكرية.. وبعد المظاهرات التي خرجت في القاهرة للاحتجاج على نشر وزارة الثقافة رواية تمس الذات الإلهية والرسول والقرآن الكريم، أعطت الجهات الأمنية إشارة البدء في حملة اعتقالات طالت حتى اليوم قرابة ستمائة شخص ما بين مرشح محتمل في الانتخابات المقبلة أو مساعد لأنشطة أحد المرشحين... ولم تقف الحملة الإرهابية عند هذا الحد، فقد نشر أن مسؤولي الأمن في محافظات عدة طلبوا من عدد من القيادات في الحركة الإسلامية عدم الترشح للانتخابات، وإلا سيتم القبض عليهم قبل تقديم أوراق ترشيحهم، ومن يخالف ذلك فلن يمكَّن من الفوز في الانتخابات، بل وصل الحد إلى تهديد بعض أكبر قيادات الحركة بالضرب إذا أصر على ترشحه.. فإلى متى يستمر هذا الوضع السيء)([154]).
6- الإرهاب الدولي:
آ- المافيا القديمة:
ربما جاءت كلمة المافيا من الكلمة العربية التي تعني ( المخفية أو المخبأ أو المأوى، ولما فتح النورمانديون صقلية في القرن الحادي عشر استولى السادة الإقطاعيون على الأرض وأداروها بنفس الطريقة التي تدار بها مزارع العبيد الرومانية، ففر الكثير ممن نزعت ملكياتهم إلى مأوى من التلال بدلاً من أن يصبحوا عبيداً في الأرض، وحين فتح الإسبان البلاد في القرن الخامس عشر استخدمت محاكم التفتيش محاكما الهرطقة لتعذيب كل من الأغنياء والفقراء وإلحاق الأذى بهم على حد سواء، فكانت المقاومة الوحيدة ضد الحكومة المستبدة تتمثل في الخارجين على القانون، وبذا أصبح قطاع الطرق في المدن الإيطالية هم أبطال الفقراء والمقهورين)([155]).
ب- المافيا الحديثة:
وازدهرت المافيا في أمريكا لأنها وفَّت باحتياجات المهاجرين للحصول على المكانة، غير أن تراث المافيا الذي يرجع إلى القرن التاسع عشر والذي يحض على جمع المال بالقوة والسطو يُعد غير متمش تاريخياً مع مجتمع تفوقت فيه الأعمال الكبيرة على ما في المافيا من قسوة، ومع ثراء الكثير من الصقليين بالوسائل المشروعة، ماتت المافيا القديمة، وقامت المافيا الأمريكية الجديدة التي تمتلك شركات لعربات النقل والمطاعم ومنتجعات بأكلمها، بل إنها تنظم الدعارة وهو ما لم يكن يخطر على بال الصقليين القدامى أن يفعلوه ) ([156]).
ولقد تعلمت المافيا من واقع تجربتها تحت الفاشية وفي أمريكا أن أفضل مناخ لانتزاع الأموال هو النظام الرأسمالي، وأن أضعف نظام قانوني يوجد في ظل الديمقراطية.. كما اكتسبت المافيا الجديدة إذعان المجتمع الأكثر اتساعاً، وهو الإذعان الذي ناضل زعماء المافيا القدامى كي يفوزا فيه بشق الأنفس..
جـ- الإرهاب المعاصر:
وعلى الرغم من انتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب، والتي كان يستخدم قطباها الإرهاب ضد مصالح كل منهما إلا أنه ليس هناك ما يدل على استئصال جذور الإرهاب الديني والسياسي والإيديولوجي ولا على استئصال الأسباب الاستراتيجية التي تغذيه.. ولم تسلم الدول الغربية الديمقراطية من الأحداث والأعمال الإرهابية الموجهة ضد أمنها وسيادة القانون فيها فقد:
1- ظهر التيار النازي في ألمانيا ثانية وبقوة منذ 1986 م.
2- وظهرت حركة لوبين القومية المتطرفة في فرنسا.
3- وظهرت حركة الباسك الإسبانية إذ قام الجناح العسكري للباسك بهجمات في إسبانيا نجم عنها مئات القتلى وآلاف الإصابات، وما قيمته آلاف الملايين من الدولارات من التلفيات، وضرب الباسك مطاراً للسياح بالقنابل / 1996، ولكنها هجمات كانت أقل خطورة من سابقتها...
4- ودخلت بريطانيا في سلسلة من الأعمال الإرهابية الخطيرة من جانب ما يُسمى بجيش أيرلندا الجمهوري منذ 28 عاماً وحتى الآن (1970)، وحتى الآن على الرغم من اتفاق الجهات المتصارعة من الكاثوليك والبروتستانت على وقف إطلاق النار.. وقد ترتب على هجمتين فقط من هجمات الجيش الجمهوري الأيرلندي في أبريل 1992 م و 1993 بالقنابل في مدينة لندن تلفيات تقد قيمتها بـ 600 مليون جنيه استرليني ( ما يوازي مليار دولار ) فضلاً عن القتلى، وكان الجيش الجمهوري قد أعلن وقف إطلاق النار في سبتمبر 1994 ولكنه استأنف أعماله الإرهابية في فبراير 1996.. وعلى الرغم من أن الجيش الجمهوري الأيرلندي قد أعلن وقفاً جديداً لإطلاق النار وقبل (الشين فين ) الانضمام إلى المحادثات إلا أن الهوة بين طلبات الجيش الأيرلندي ورؤية الأحزاب الوحدوية التي تمثل غالباً سكان شمال أيرلندا لا تزال واسعة.
5- وظهرت في أوربا خلال السنوات القليلة الماضية مشكلة العنف الإرهابي المتطرف للجماعات اليمينية الذي وصل إلى درجة من التهديد والجسامة أكبر من العنف الإرهابي المتطرف اليساري، ففي ألمانيا مثلاً تسببت القيود الاقتصادية التي أعقبت توحيد ألمانيا وزيادة حجم البطالة.. في خلق جو من الاضطراب جعل العنف الإرهابي ينتعش من جانب جناح اليمين المتطرف ففي عام 1992 حدثت أكثر من ألفي هجمة من جانب جماعات اليمين المتطرف خلفت 17 قتيلاً وأكثر من ألفي مصاب..
6- وظهرت الأنشطة الإرهابية للأجنحة العسكرية اليسارية في كل من فرنسا وبلجيكا وإن كانت قد قلَّت بفضل نشاط الشرطة في كلتا الدولتين.
7- وظهرت الفيالق الحمراء الإيطالية ( الألوية الحمراء ) التي خطفت رئيس الحكومة آلدومورو في مارس عام 1978 واغتالته، وقد اتخذت الشرطة تدابير فعَّالة لمكافحة مهاجمة هذه الفيالق فضلاً عما تقوم به أجهزة العدالة الجنائية والأجهزة التشريعية من تدابير.
8- وظهر الجيش الأحمر الألماني ومجموعة أندرياس ماينهوف في ألمانيا التي خطفت هانز مارتن شلوبر رئيس اتحاد المقاولين سنة 1977 م واغتالته، وكانت هذه المجموعات قد أزعجت ألمانيا الغربية في السبعينات إلا أنها لم تلق تأييداً شعبياً وبالتالي أصبحت معزولة ولا تمثل نضالاً ثورياً الآن.
9- وظهر الجناح اليساري الإرهابي في اليونان والذي يمثل مشكلة للسلطة هناك حتى الآن ) ([157]).
والملاحظ في كل هذه النماذج أنها تحمل طابعاً سياسياً أو طابعاً دينياً، وليست إرهاباً رغبة في الإرهاب فقط، حتى أن كارلوس الذي كان يُعتبر من أكبر إرهابيي العالم ننقل نص الرسالة التي بعثها من سجنه لمؤتمر الوحدة الأفريقية والتي يقول فيها: نداء إلى الضمير الأفريقي.. إن هيئة الدفاع عن (كارلوس ) تدعو رؤساء الدول الأفريقية لاتخاذ موقف سياسي يدافع عن كارلوس باعتبار أنه كان أحد أكبر رموز حركات التحرر الوطني في العالم الثالث خلال فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، ومن غير المعقول - أضاف البيان -: أن يدفع كارلوس لوحده (الفاتورة) بعد انهيار المعسكر الذي كان ينتمي إليه، وبالتالي فإن قضيته تعد سياسية لا غير حيث يتابع بسبب الأفكار والقناعات التي دافع عنها وما يزال يتمسك بها بكثير من الصبر والتفاني والشجاعة ) ([158]).
غير أن بعض هذه الحركات الإرهابية لا تضع أعمالها على الأهداف السياسية فقط، بل تتعمد الأبرياء أحياناً بلا مبرر، ولعل الجماعة الإسلامية في الجزائر تمثل أسوأ هذه النماذج بدون أن ننسى دور الدولة في ذلك ( فتقدر إدارة المباحث الجنائية الفدرالية الأمريكية عدد القتلى في الفترة من 1992 حتى 1996 بحوالي 60000 شخص من المسلمين والمواطنين وقوات مكافحة الإرهاب، لكن الرقم المعلن رسمياً من جانب السلطات الجزائرية عن الفترة من 1992- 1997 لا يتجاوز نصف هذا العدد ( 27000 ) شخص بينهم 189 رضيعاً و 422 طفلاً لقوا مصرعهم في التفجيرات العشوائية ) ([159]).
أما الإرهاب الحقيقي الذي لا يحمل لوناً سياسياً فهو جرائم العنف والاغتصاب التي تملأ فجاج الأرض وخاصة عواصم الدول الكبرى في العالم، والتي تقع أحياناً بمعدل جريمة كل دقيقة ( وفي أمريكا حالي 5 ملايين شخص من المجرمين بمعدل 3% من السكان ) ([160]).

7- ملخص البحث:
ونخلص بعد هذا العرض إلى النتائج التالية:
1- الإرهاب لفظاً هو التخويف وبث الرعب في الآخرين، والإسلام دعانا لتملك القوة المادية التي ترهب أعداءنا، } ترهبون به عدو الله وعدوكم {.
2- وهذا المبدأ هو الذي تأخذ أمريكا به كما يقول أنطوني ليك مستشار الرئيس كلينتون للأمن القومي: دعوني أذكر مبدءاً أساسياً دائماً، وهو أننا سنكون على استعداد لاستعمال القوة دفاعاً عن مصالحنا القومية إلى أن تتغير طبيعة البشر, ستبقى القوة في صلب العلاقات الدولية.
3- ومع هذا فقد سمانا الإسلام ( مسلمين ) ولم يسمنا ( إرهابيين )، وشتان بين الاسمين، وسُمي حربنا جهاداً.
4- وأمريكا التي تتحكم بمصير العالم اليوم موزعة بين المبادئ التي تعلنها، والمصالح التي تحكمها، كما برز ذلك جلياً في الخطاب الرسمي الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية، وحددت فيه موقفها من الإسلام والمسلمين.
5- وقد عرفت الإرهاب بقولها: يعني اصطلاح إرهاب أعمال عنف مدبرة يتم القيام بها بدافع سياسي ضد أهداف غير معنية بالحرب من جانب جماعات في البلاد.
6- الدول الراعية للإرهاب كما حددتها أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية هي سبع دول: ( كوبا، إيران، العراق، ليبيا، كوريا الشمالية، السودان، سورية ).
7- أربع دول من السبع دول عربية إسلامية، والخامسة إسلامية، وبقيت دولتان هما كوريا الشمالية وكوبا.
8- المنظمات الإرهابية لم يجر تحديدها، لكن أكثريتها الساحقة من المنظمات الفلسطينية التي تقاوم الاحتلال اليهودي في فلسطين.
9- المصالح الأمريكية التي تستدعي استعمال القوة هي سبع حالات عامة، أما في أرض الإسلام فهي ثمان حالات:(1- تأمين عربي إسرائيلي (سلام).2- الحفاظ على أمن إسرائيل ورفاهها.
3- ضمان التدفق الحر للنفط من الخليج. 4- احتواء التهديدات التي تشكلها إيران والعراق وليبيا 5- مكافحة الإرهاب. 6- كبح انتشار أسلحة الدمار الشامل. 7- تأمين وصول الشركات الأمريكية إلى أسواق المنطقة. 8- الترويج لأنظمة سياسية واقتصادية أكثر انفتاحاً لاحترام حقوق الإنسان ).
10- أكبر مبادرتين أمريكيتين لا بد من رعايتهما الدائمة: عملية السلام العربي الإسرائيلي، وأمن منطقة الخليج، فأهم المصالح الأمريكية في أرضنا الإسلامية:
1- السلام بين اليهود والعرب. 2- أمن إسرائيل ورفاهها. 3- تدفق نفط الخليج لها.
11- وراعية السلام بين البلدين تتحدث وزيرة خارجيتها عن أسعد أيام حياتها بولادة إسرائيل ( وأذكر كيف انتابني شعور بأن شيئاً عظيماً حقاً قد حدث في اليوم الذي سبق بلوغي سن الحادية عشرة، عندما ولدت دولة إسرائيل الحديثة ).
12- من أجل مقتل ستين يهودي تدعو أمريكا تسعة وعشرين زعيماً لعقد مؤتمر في شرم الشيخ لإدانة هذا الإرهاب، أما الملايين التي سقطت قتلى وجرحى، والملايين التي شردت في العراء والشعب الذي يعيش أكثر من نصفه خارج وطن لا يستدعي ولا يستحق مثل هذا المؤتمر، وثلاثة عشر زعيماً من هؤلاء الزعماء من بلدان عربية, شاركوا في إدانة الإرهاب الفلسطيني.
13- لابد أن نشير ابتداءً أن حجر الزاوية في الإرهاب كله هو قضية فلسطين، فجميع المنظمات الإرهابية التي ذكرت على سبيل المثال تقاتل لتحرير فلسطين، أما الجماعة الإسلامية في مصر فقد تخلت عن العنف، وتحولت إلى حزب سياسي.
14- لقد اتهمت الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمون ) بالإرهاب منذ عام 1948 لأنها حاربت ضد اليهود وفي 1954 وفي 1966، وكانت الفقرة الأخيرة في تقرير جونستون عام 54 الذي طرح الحل السلمي بين العرب واليهود ( ولكن طالما أن جماعة الإخوان المسلمين وهي جماعة قوية ومسلحة يبلغ تعدادها حوالي المليون في مصر والبلاد العربية الأخرى، طالما أن هذه الجماعة باقية بقوتها فلن يمكن تنفيذ هذا الحل، ولن تستقر الأمور في الشرق الأوسط ) وأعطيت الإشارة لعبد الناصر بالتصفية.
15- حماس (الإرهابية الأولى ) اليوم في التقويم الأمريكي لأنها تقول في المادة الحادية عشر من تأسيسها: تعتقد حركة المقاومة الإسلامية أن أرض فلسطين وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها ولا تملك ذلك دولة عربية أو كل الدول العربية.. ).
16- أما الحديث عن أمريكا المبادئ، والموقف من الإرهاب والعنف من الناحية النظرية، فلا نرى فرقاً بينها وبين موقف الحركة الإسلامية ( الإخوان المسلمون ) منه، فالحركة الإسلامية تعلن رفضها لجميع أساليب العنف والقسر ولجميع صور لعمل الانقلابي الذي يمزق وحدة الأمة، وهم براء من شتى أشكال ومصادر العنف وشتى أشكال ومصادر الإهمال.
17- وإذا كان ( الإخوان المسلمون في سورية ) وهم فصيل من التنظيم العالمي قد أُلحق بهم ذلك، فإنما فرض العنف عليهم فرضاً حين اتخذت الدولة قرارها بإعدام كل من ينتمي للإخوان المسلمين رغم إدانتهم للعنف الذي وقع في حادثة المدفعية.
18- ومن خلال هذه المبادئ نرى أنه لا بد للتنظيم العالمي أن يفتح قناة للحوار مع أمريكا، خاصة بعد اعتراف الرئيس الأمريكي بالإسلام والمسلمين بقوله: إن المسلمين يعيدون صوغ شخصية بلادنا بالذات بسرعة، فالدين الإسلامي هو أسرع الديانات انتشاراً في العالم، ويمارس معتقداته أكثر من ستة ملايين أمريكي في أكثر من 1200 مسجد ومركز إسلامي.
19- في التصريحات العلنية التي تصدر عن المسؤولين الأمريكيين يتجنبون النيل من الحركة الإسلامية بشكل مباشر, ومن جهة أخرى يصفون تصرفاتهم بالاعتدال دون إعلان ذلك مباشرة كذلك.
20- لكن الشيء المريب هو تزكية أشخاص مثل سورش في إيران ومحمد شحرور في سورية ومحمد أركون في الجزائر ومحمد سعيد العشماوي في مصر، وهؤلاء يريدون أن يطرحوا ديناً جديداً غير الإسلام باسم الإسلام، ويتركون آلاف المفكرين والمصلحين الإسلاميين.
21- والمبادئ الأساسية التي تفض الحوار مع أمريكا هي المبادئ الستة التالية: آ- زعمهم أن لا خلاف إطلاقاً بينهم وبين الإسلام. ب- المسلمون يعيدون صوغ شخصية أمريكا وهو أسرع الديانات انتشاراً فيها. جـ- الإسلام إحدى الديانات العظمى في العالم وقوة حضارية على ما يزيد على 1300 عام. د- القيم الإسلامية تتفق مع أفضل القيم الأمريكية. هـ- من حق المسلمين مناقشة دور الإسلام في شؤون الدولة والمجتمع والاقتصاد و- وللإسلام دوره بعد أن فقدت مذاهب مثل الشيوعية والاشتراكية والقومية موثوقيتها. ز- على دول الشرق الأوسط أن تستلهم تراثها الحضاري. ح- دعوة أمريكا للحوار.
22- للإسلام فلسفته في حرب الإرهاب، ففي قتال الكفار لا يقتل إلا المقاتلون أما النساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن فلا يقتلون عند جمهور العلماء، لكن من يشارك في القتال يُقتل.
23- لكن إذا احتل العدو أرض المسلمين فيغدو قتال الدفع فرض عين، ويجوز قتالهم في أي مكان في أرضهم وأرض المسلمين.
24- أما في حالة السلم فقتل العمد جزاؤه الخلود وفي جهنم، وحكم المعاهدين المستأمنين هو حكم المسلمين.
25- الفكر المتطرف هو الذي يرى الجهاد هو السبيل الوحيد لإقامة دولة الإسلام، وخلال مرحلة الجهاد ستطهر الأرض من غربان الشر وأبوام الرذيلة، ولا يجد حرجاً أن يعلن عن نفسه أنه إرهابي وعدو للحضارة.
26- وهذا الفكر يحكم على المجتمعات والحكومات الإسلامية كلها بالكفر والردة، ويوجب قتالها، والديار ديار كفر، والواجب جهاد هذه الطوائف وهو فرض عين حتى تعود إلى الإسلام.
27- أهم الحركات الإسلامية المتطرفة على الساحة الإسلامية، الجماعة الإسلامية، وجماعة الجهاد في مصر وجبهة الإنقاذ والجماعة الإسلامية في الجزائر، وقد نفذت العديد من العمليات الإرهابية ونالت المدنيين بالموت.
28- الجماعة الإسلامية في مصر وجماعة الجهاد أعلنتا رسمياً تخليهما عن العنف، وطرحا مفاهيمها عن الجهاد السلمي وصاغا أفكارهما من خلال حزبي الشريعة والإصلاح، لا تخلياً عن الجهاد، ولكن لتعذر ظروفه وعدته.
29- ولحقت جبهة الإنقاذ في الجزائر بهما حيث ابتدأت بهدنة مع الدولة، وانتهت بإعلان حلِّ جيش الإنقاذ الجزائري وانخراطه في صف الجيش الرسمي للدولة، وتسليم أسماء عشرة آلاف مقاتل ليأخذوا مواقعهم في الجيش الرسمي للدولة.
30- إرهاب الدولة هو الذي يلجئ في كثير من الأحيان الجماعات السلمية إلى العنف، والعنف ليس من منهجها، وقد اعترف بذلك رجل المخابرات الأمريكي ( ستيفن بيلليتري ) بذلك وقدم نموذجاً درسه على ضوء هذه النظرية عن الحركات الإسلامية الثلاث ( جبهة الإنقاذ في الجزائر والإخوان المسلمون في مصر وحركة حماس في الأرض المحتلة ).
31- الإرهاب الدولي معظمه إرهاب سياسي مرتبط بمواقف سياسية أو مواقف دينية متطرفة وهو موزع على أنحاء العالم.
32- الإرهاب الحقيقي اليوم هو ما يُسمى بجرائم العنف الذي يملأ عواصم العالم الكبرى، ويقض مضجع أمن




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:35 pm

المبحث الثالث
الجهاد في سبيل الله


مخطط البحث
1- معنى الجهاد لغة واصطلاحاً.
2- مراحل الجهاد.
3- إنكار الجهاد لنشر الإسلام:
أ- هل الجهاد القتالي لدرء الحرابة أم للقضاء على الكفر ؟
ب- من أين جاء الالتباس.
4- أين الجهاد اليوم ؟
5- إيضاح مفهوم الدولة الإسلامية.
6- خطوات إقامة الدولة الإسلامية.
7- بين العالم والحاكم.
8- بين الشرعية والقانونية.
9- موقف الحركات الإسلامية من الأنظمة المستبدة.
10- قواعد ذهبية ثلاث.
11- ملخص البحث.

الجهاد في سبيل الله
1- معنى الجهاد لغة واصطلاحاً:
الجهاد: مصطلح إسلامي خالص نأخذ معانيه من كتاب الله وسنة رسوله قبل أن نأخذها من آراء الناس وأقوالهم.
وإذا كان الجهاد لغة: هو بذل الجهد، فقد كان مستعملاً في العهد المكي بهذا المعنى فقط، بعيداً عن القتال الذي يعتبر من أهم معاني الجهاد في الإسلام، لكن الجهاد يبقى أوسع وأشمل.
( فالجهد: الطاقة، ويضم، والمشقة، واجهد جهدك: ابلغ غايتك.. وجهِد عيشه: (كفرح) نكد واشتد ) ([161]).
ونقف عند الآيات المكية التي عرضت لطلب الجهاد فنجدها في قوله عز وجل:
} ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين { ([162]).
وقد جاءت هذه الآية استكمالاً لصورة المحنة والتعذيب التي يتعرض لها المؤمنون في سنن الدعوات.
} آلم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمون الكاذبين {.
والجهاد هنا بمعنى الصبر على الأذى وتحمل العذاب والفتنة والثبات على هذا الدين كما يذكر الإمام ابن كثير في تفسيره: ( ولهذا قال تعالى: } ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين { قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يوماً من الدهر بسيف ) ([163]).
وعند الإمام ابن جرير الطبري: ( وقوله } ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه... { ويقول: ومن جاهد عدوه من المشركين فإنما يجاهد لنفسه لأنه يفعل ذلك ابتغاء الثواب من الله على جهاده ) ([164]).
فسياق السورة كلها يتحدث عن صبر المؤمنين تجاه عدوهم وثباتهم على عقيدتهم } اللذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون { ويأتي ختام السورة بقوله عز وجل } والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا،و إن الله لمع المحسنين{.العنكبوت (69)
( قوله تعالى: } والذين جاهدوا فينا { أي جاهدوا الكفار فينا، أي في طلب مرضاتنا، وقال السدي وغيره: إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال، قال ابن عطية: فهي قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته.. وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين وقمع الظالمين، وعظمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله وهو الجهاد الأكبر.. وقال عبد الله بن عباس: } والذين جاهدوا في طاعتنا لنهيدنهم سبل ثوابنا { وهذا يتناول بعموم الطاعة جميع الأقوال.. ) ([165]).
ونجد في سورة الفرقان ذكر الجهاد كذلك بقوله عز وجل: } فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً{ ([166]).
وقال ابن عباس: بالقرآن، ابن زيد: بالإسلام، وقيل بالسيف وهذا فيه بعد لأن السورة مكية نزلت قبل الأمر بالقتال ) ([167]).
وعند الإمام الطبري: ( ولكن جاهدهم بهذا القرآن جهاداً كبيراً حتى ينقادوا للإقرار بما فيه من فرائض ويدينوا به، ويذعنوا للعمل بجميعه طوعاً وكرهاً ) ([168]).

2- مراحل الجهاد:
أما الجهاد بمعنى قتال الكفار بالسيف فقد مرَّ بمراحل نذكرها من زاد المعاد عند ابن القيم رحمه الله.
( أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه } يا أيها المدثر، قم فأنذر { فنبأه بقوله } اقرأ { وأرسله بـ }يا أيها المدثر { ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح، ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله، ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام، أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة، فأمر أن يتم لأهل العهد عهدهم، وأن يوفى لهم به مذ استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده.
ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمره فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان.. فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة، ثم حالت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين ؛ محاربين وأهل ذمة والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب ) ([169]).

3- إنكار الجهاد لنشر الإسلام:
ولن نخوض في أبحاث الجهاد وتفصيلاته فلذلك مظانه في كتب الفقه والفكر الإسلامي، لكننا نجد أنفسنا مضطرين للرد على الذين ينكرون الجهاد لنشر الإسلام، ويحصرونه في الجهاد الدفاعي فقط.
يقولون:
( لا وجود لدار الإسلام إلا حيث يستقر فوقه المجتمع الإسلامي، ولا يترسخ المجتمع الإسلامي بأهله ونظامه إلا على دار آمنة تغدو لهم وطناً ومستقراً، ومن المعلوم بداهة أن مسؤولية حراسة هذين الحقين والدفاع عنهما لا تتم بالجهاد والدعوة والتبليغ، وإنما تتم بدفع المعتدين ورد غائلهم والقضاء على الأخطار الوافدة من قبلهم، وهذا هو مصدر مشروعية الجهاد القتالي في الشريعة الإسلامية، وهو السبب في ارتباط مشروعيته بهجرة المسلمين واستقرارهم في المدينة المنورة.
ومع ذلك فقد وقع خلاف بين أئمة الشريعة الإسلامية وفقهائها في علة الجهاد القتالي، أهي الكفر بقطع النظر عن الحرابة ([170]), أم هي الحرابة بقطع النظر عن الكفر وعدمه، فلنذكر خلاصة هذا الخلاف, ومدرك كلٍ من المذهبين مع بيان ما ترجحه الأدلة من النصوص ومن القواعد الشرعية التي هي محل اتفاق.
أ‌- هل الجهاد القتالي لدرء الحرابة أم للقضاء على الكفر ؟
ذهب الجمهور وهم الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن علة الجهاد القتالي هي درء الحرابة، وذهب الشافعي في الأظهر من قوليه إلى أن العلة هي الكفر وهو مذهب ابن حزم أيضاً ) ([171]).
ونقول ابتداءً ليس صحيحاً أن المذاهب الثلاثة ذهبت إلى أن علة الجهاد القتالي هي درء الحرابة، إنما الصحيح عند المذاهب الأربعة أن العلة هي الحرابة والكفر، ذلك لأن المذاهب الأربعة تتحدث عن غزو بلاد الكفر وأنه لا يقبل بعد الغزو إلا الإسلام أو الجزية أو القتال، وليس هناك حل رابع هو ( إيقاف العدوان )، فلا بد أن تفتح بلاد الكفر أرضها لدخول الإسلام والدعوة إليه، وإيقاف سلطان الطواغيت لكي لا يحولوا بين الناس وبين شريعة الله لقوله تعالى } وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله { فلا يتمكن طاغية من أن يفتن مسلماً عن دينه، أو يحول بينه وبين دين الله، أو يحول بينه وبين شريعة الله.
وهذه هي المذاهب الأربعة كلها في هذا المجال:
الشافعية: يقول الجويني إمام الحرمين:
( ابتعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين، وحتَّم على المستقلين بأعباء شريعته دعوتين ؛ إحداهما: الدعوة المقرونة بالأدلة والبراهين، والمقصد منها إزالة الشبهات، وإيضاح البينات في الدعاء إلى الحق بأوضح الدلالات.
والأخرى: الدعوة القهرية المؤيدة بالسيف المسلول على المارقين الذين أبوا واستكبروا بعد وضوح الحق المبين، فأما البراهين فقد ظهرت ولاحت ومُهدت، والكفار بعد شيوعها في رتب المعاندين، فيجب وضع السيف فيهم حتى لا يبقى عليها إلا مسلم أو مسالم ).
وهذا التعبير الدقيق للإمام الجويني رحمه الله ( لا يبقى إلا مسلم أو مسالم ) ولم يقل مسلم أو ذمي.
والمسالم من دول الكفار هو الذي يفتح أبواب دولته للدعوة إلى الإسلام، ولشريعة الله أن ينعم بها عبيده، وما لم يقبل ذلك فهو محارب، والجويني يستغرب غزوة واحدة في السنة لبلاد الكفار، فيقول:
( ثم قالوا يجب أن ينتهض إلى كل صوب من أصواب بلاد الكفر في الأقطار عند الاقتدار عسكر جرار في السنة مرة واحدة، وزعموا أن الفرض يسقط بذلك، وهذا عندي ذهول عن التحصيل، فيجب إدامة الدعوة القهرية فيهم حسب الإمكان، ولا يتخصص ذلك بأمد معلوم من الزمان.. لكن كلام الفقهاء محمول على الأمر الوسط في غالب العرف ) ([172]).
الحنفية:
(وإذا حاصر المسلمون أهل الحرب في مدينة أو حصن دعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا كفوا عن قتالهم، وإن لم يسلموا دعوهم إلى أداء الجزية إن كانوا من أهل الجزية، وبينوا لهم كميتها ومتى تجب، فإن قبلوها فلهم ما لنا وعليهم ما علينا, فإن أبوا استعانوا بالله تعالى عليهم وحاربوهم, ونصبوا عليهم المجانيق، وأفسدوا زرعهم وأشجارهم، وخرقوهم ورموهم )([173]).
المالكية: قال ابن عبد البر فقيه المالكية:
( يقاتل جميع أهل الكفر من أهل الكتاب وغيرهم... وسائر الكفار من العرب والعجم، يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقيل لا تُقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس لا غير من بين سائر أهل الكفر، ولا يقبل من غير هؤلاء إلا الإسلام أو القتل )([174]).
الحنابلة: قال ابن قدامة: ( مسألة ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويقاتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا )([175]).
فالمذاهب الأربعة عندها الجهاد القتالي قائم للكفار حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية.
ولم ينص فقهاء المسلمين على المصالحة أو الهدنة إلا عند ضعف المسلمين، وجوزوها بشروط تدرس في مظانها، أما لو كانت العلة للقتال هي الحرابة فقط لكان الواجب على المسلمين أن يقبلوا المهادنة أو المصالحة في كل وقت حين يعرضها العدو كما اجتهد الدكتور البوطي في ذلك، وهذا لم نجده في أي مرجع من مراجع الفقه الإسلامي.
ب‌- من أين جاء الالتباس:
ونسأل الآن من أين جاء الالتباس في إصدار هذا الحكم، وهو أن قتال الكفار للحرابة وليس للكفر ما عدا الشافعية.
وبالتحري الدقيق لهذا الخلل الفقهي نعود إلى بداية المجتهد، حيث شرح ابن رشد هذه القضية، وقد أحالنا الباحث عليه:
( الفصل السابع: لماذا يحاربون ؟ فأما لماذا يحاربون فاتفق المسلمون على أن المقصود بالمحاربة لأهل الكتاب – ما عدا أهل الكتاب من قريش ونصارى العرب – هو أحد أمرين ؛ إما الدخول في الإسلام، وإما إعطاء الجزية لقوله تعالى: } قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون { ([176])، وكذلك اتفق عامة الفقهاء على أخذها من المجوس لقوله صلى الله عليه وسلم : (( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ))، واختلفوا ( فيما سوى أهل الكتاب ) من المشركين هل تقبل منهم الجزية أم لا، فقال قوم: تؤخذ الجزية من كل مشرك به وقال مالك: وقوم استُثنوا من ذلك مشركي العرب وهم الحنفية، وقال الشافعي وأبو ثور وجماعة وأحمد لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس )([177]).
فابن رشد يتحدث بصراحة ووضوح وجلاء عن سبب المحاربة للكفار وعلته، وينقل على ذلك اتفاق المسلمين جمعياً أن سبب الحرب إما الدخول في الإسلام وإما إعطاء الجزية.
( فاتفق المسلمون على أن المقصود بالمحاربة لأهل الكتاب – ما عدا أهل الكتاب من المشركين ونصارى العرب – هو أحد أمرين إما الدخول في الإسلام، وإما إعطاء الجزية ) ولم يقل أحد منهم أنه هو الحرابة.
غير أن موضوعاً آخر وهو معرفة الذين يُقتلون أثناء الحرب من هم، وهو الذي كان الالتباس عليه فيه ليصل من خلاله إلى منع الجهاد القتالي للدعوة إلى الله وتحكيم الإسلام، والذين يحاربون شيء وسبب حربهم شيء آخر، أما سبب الحرب فقد ذكرناه من قبل، وأما الذين يحاربون فهو موضوع الحديث.
( الفصل الثاني: فأما الذين يحاربون على أنهم جميع المشركين لقوله تعالى } وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله {.. وكذلك لا خلاف في أنه لا يجوز قتل صبيانهم ولا قتل نسائهم ما لم تقاتل المرأة والصبي، فإذا قاتلت المرأة استبيح دمها.. واختلفوا في أهل الصوامع المنتزعين عن الناس والعميان والزمنى والشيوخ الذين لا يقاتلون، والمعتوه والحراث والعسيف، فقال مالك: لا يُقتل الأعمى ولا المعتوه ولا أصحاب الصوامع، ويُترك لهم من أموالهم بقدر ما يعيشون به، وكذلك لا يُقتل الشيخ الفاني عنده وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال الثوري والأوزاعي لا تُقتل الشيوخ فقط، وقال الأوزاعي: لا تُقتل الحراث، وقال الشافعي في الأصح عنه: تُقتل جميع هذه الأصناف، والسب في اختلافهم معارضة بعض الآثار ببعضها)([178])، والسبب الموجب لاختلافهم في اختلافهم في العلة الموجبة للقتل فمن زعم أن العلة الموجبة للقتل هي الكفر لم يستثن أحداً من المشركين، ومن زعم أن العلة في ذلك طاقة القتال للنهي عن قتل النساء مع أنهن كفار, استثنى من لم يطق القتال، ومن لم ينصب نفسه كالفلاح والعسيف )([179]).
فالحديث إذن عن قتل غير المحاربين وليس عن سبب القتال، أما القتال فكان السبب صريحاً في الفصل السابق هو الحرابة والكفر، ولا يقبل من المحارب إلا الإسلام أو الجزية، وفي الجزية فتح الباب على مصراعيه للدعوة إلى الإسلام، وتحكيم شريعة الله في الناس، وهي التي لا يمكن للطواغيت أن يمنعوها، بينما الحديث هنا عن القتل هل هو للكفر أم للإطاقة على القتال، ورأي الجمهور هو لإطاقة القتال وليس للكفر كما رأى الشافعي.
والبون كبير جداً بين جعل القتل لمن يطيق القتال، وبين جعل القتال للحرابة، لأن جعل القتال للحرابة هو الذي أغرى بإلغاء الجهاد للدعوة ولنشر الإسلام، وحمَّل هذا الرأي للجمهور، والجمهور منه براء وحصر الجهاد في الدفاع عن دار الإسلام.
وهنا لا بد لنا من أن نتحدث عن التجاهل الذي لا يُعقل غفلة مثله من الفقهاء في هذا الموضوع، ولا من هو دونه بكثير.
( وأما الأحاديث فنذكر منها ما يلي:
2ً- ما رواه أبو داود من أحاديث أنس بن مالك أن رسول الله قال: (( انطلقوا باسم الله، ولا تقتلوا شيخاً ولا فانياً ولا طفلاً صغيراً، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)).
وينقل تخريج الحديث في الصفحة نفسها فيقول: وفي سنده خالد الفزري قال عن يحي بن معين: ليس بذلك، انظر نصب الراية / 3 / 386، ففي الحديث إذن ضعف ) ([180]).
لكن العجب كل العجب، والذي يعجز العاقل عن فهمه أن هذا الحديث المذكور عند أبي داود هو الحديث الثالث تحت عنوان: باب في دعاء المشركين، ورقمه 2614.
أما الحديث الذي قبله تماماً رقم 2613 فهو ( عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر، اغزوا ولا تغدروا ولا تغلُّوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً)) ([181]).
فهذا الحديث حجة قاطعة في موطن النزاع ( قاتلوا من كفر بالله )) فالقتال إذن لمن كفر بالله، بينما النهي عن قتل الوليد هو في موضوع من يجوز قتله وليس في موضوع من يجب قتاله.
والحديث الذي قبله كذلك أوضح وأجلى في المعنى:
( عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله عز وجل في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيراً وقال: (( إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم، فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكن لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، وإن أجابوك فاقبل منهم، فإن أبوا فاستعن بالله تعالى وقاتلهم ))([182]).
فالخصال الثلاثة هي الإسلام أو الجزية أو القتال، وليس هناك خصلة رابعة أن يكفوا عن قتال المسلمين حتى يخطر في الذهن أن سبب القتال هو الحرابة، فكيف رأى الدكتور البوطي الحديث الثالث الذي يوافق هواه، ولم ير الحديثين المذكورين، وأحدهما يرويه مسلم إضافة إلى رواية أبي داود.

4- أين الجهاد اليوم ؟:
أما الجهاد بمعنى المصابرة والمجاهدة والصبر على الأذى فهو ماضٍ إلى يوم القيامة، وكما شهدناه في العهد المكي: } والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين {.
والجهاد بمعنى القتال فهو ماضٍ إلى يوم القيامة كذلك طالما أن هناك أرضاً للمسلمين ( ثم هذا كله إذا لم يطأ الكفار بلد المسلمين فإن وطئوها وغشوا المسلمين,وعلم كل واقف عليه من الكفار أنه إن أخذه قتله, فعليه أن يتحرك ويدفع عن نفسه بما أمكن يستوي في ذلك الحر والعبد والمرأة و الأعمى والأعرج والمريض, لأنه قتال دفاع عن الدين لا قتال غزو فلزم كل مطبق والله أعلم ) ([183]).
إنما الإشكال الأكبر القائم اليوم لدى الدعاة إلى الله، هو في حكم الجهاد ضد الذين يشرعون بغير ما أنزل الله ويعلنون الكفر البواح في دولهم ودساتيرهم.
والعاملون إلى الإسلام في هذا الأمر فريقان:
الفريق الأول: يوجب الجهاد القتالي ضد الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ويشعلون الحرب انطلاقاً من فهم بعض النصوص التي توجب الخروج على الحاكم إذا أعلن الكفر البواح، وهذا أمر متفق عليه عند فقهاء المسلمين ( قال القاضي عياض: فلو طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكن ذلك ).
لكن هذا الأمر مقنن في ظل الدولة الإسلامية، فقضاء المظالم هو الذين يقرر الكفر البواح فإذا أصدر هذا القضاء حكمه بظهور الكفر البواح جرى تنحية الحاكم على أساسه من السلطة وهذا الحل منوط بشرطين ؛ الشرط الأول: هو وجود الدولة الإسلامية التي تنص في دستورها على الانطلاق من الكتاب والسنة، والشرط الثاني: شرط القضاء الدستوري الذي يصدر حكمه بكفر الحاكم ووجوب الخروج عليه، وعلى الجيش الإسلامي حينئذ أن يسارع إلى تنفيذ حكم قضاء المظالم وتنحية هذا الحاكم.
الفريق الثاني: ينظر إلى أن هذه الدول لم تقم أصلاً على الإسلام حتى نقول إنها خرجت عنه وهي مثل دولة المشركين في مكة يعمل المسلمون فيها لنشر الإسلام، ويتحملون الأذى في سبيل ذلك حتى يتكون لهم قاعدة واسعة تؤمن بتطبيق شريعة الله، وتكون أساساً لقيام دولة الإسلام.

5- إيضاح مفهوم الدولة الإسلامية:
ولا بد من إيضاح هذا المصطلح حتى لا يقع الالتباس عند الأمة في ذلك، خاصة وأن عندنا اليوم في العالم قرابة خمس وخمسين دولة إسلامية تحويهم منظمة المؤتمر الإسلامي، فقد أُطلق اليوم مصطلح الدولة الإسلامية على الدولة التي يدين أكثرية شعبها بالإسلام بغض النظر عن نظام الحكم القائم فيها.
وبهذا الفهم نحن لا نمس هذا التعبير، ونؤمن به، بل ندعو إليه، وهي دعوة للشعوب نفسها أن تؤدي دورها في تطبيق أحكام دينها في الحكم والتشريع كما تطبقه في الشعيرة والعبادة والعقيدة لكن الذي نعنيه هنا في مفهوم – الدولة الإسلامية المنسوبة لشعوبها، العمل على تحويل أنظمة الحكم لتكون مطابقة لعقيدة هذه الشعوب، فحين ننظر إلى هذه الدول من منظار نظام الحكم فيها، فمعظم هذه الدول لا تدعي أنها تنطلق من القرآن والسنة، إنما تدعي أنها تنطلق من الدستور الذي ارتضته شعوبها، وبعض هذه الدول نص على أن الإسلام هو أحد مصادر التشريع فيها، وهذا ليس كافياً لاعتبارها دولة تحكم بالإسلام وهي لا تقبل أن نحاكمها على هذا الأساس، إنما نحاكمها على ما نصت عليه في دستورها أنها دولة ديمقراطية أو اشتراكية أو شعبية أو غير ذلك، ونحن لسنا أمام بيعة لإمام أو رئيس على كتاب الله وسنة رسوله ( فما لم يتحقق هذان الأمران، الرضا والاختيار في أخذ الحكم وإقامة الحكم على كتاب الله وسنة رسوله لا تكون السلطة شرعية، وبالتالي لا يستحق صاحبها ما يستحق صاحب السلطة الشرعية من حق السمع والطاعة، ووجوب الصبر عليه، ومنع شهر السيف في وجهه، ذلك لأن النص الشرعي أعطى هذا الحق للحكام الذين سماهم أئمة... والحكام لا يسمون أئمة شرعاً إلا بما وصفنا في كيفية أخذهم السلطة والإمامة ) ([184]).
فنحن أمام وضع لن نجد له وصفاً في كتب الفقهاء القدامى لأنهم لم يمروا بمثل هذه التجربة، حتى عندما حكمهم التتار واستولوا على أرضهم، حكموا بكفرهم وقتالهم، يقول الحافظ ابن كثير:
وقد تكلم الناس في كيفية قتال التتار من أي قبيل هو، فإنهم يظهرون الإسلام، وليسوا بغاة على الإمام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت من الأوقات ثم خالفوه، فقال الشيخ تقي الدين ( ابن تيمية ):
هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية، ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة ففطن العلماء والناس لذلك وكان يقول للناس:
إذا رأيتموني في ذلك الجانب ( جانب التتار ) وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، فتشجع الناس في قتالهم وقويت قلوبهم ونياتهم ولله الحمد... ) ([185]).
أما ما يتعلق بكفرهم لاحتكامهم إلى تشريع من عند غير الله واسمه الياسا أو الياسق فندع لابن كثير كذلك يحدثنا عنه:
( ثم ذكر الجويني([186]) نتفاً من الياسا من ذلك: أنه من زنا قُتل محصناً كان أو غير محصن، وكذلك من لاط قُتل، ومن تعمد الكذب قُتل، ومن سحر قُتل، ومن تجسس قُتل.. )([187]).
وبعد أن يعدد كثيراً من هذه الأحكام يقول: ( وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين قال الله تعالى } أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون { وقال تعالى:} فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما{([188]))([189]).
هذا في تاريخه، وما يقوله في تفسيره هو تأكيد على الكلام نفسه بصدد تفسير قوله تعالى } أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون { ينكر الله تعالى على من خرج على حكم الله المحكم، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل غلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير } أفحكم الجاهلية يبغون...{ أي يبتغون أو يريدون, وعن حكم الله يعدلون ؟) ([190]).
وعندما استولى الصليبيون على بعض الأراضي الإسلامية بقي الجهاد قائماً من أئمة المسلمين حتى أعادوا هذه الأرض المغتصبة إلى حظيرة الإسلام، وكما قلنا نحن أمام إنشاء وضع جديد ؛ إنشاء دولة إسلامية زالت من الوجود، فهدينا في ذلك إقامة دولة الإسلام في عهد النبوة.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:37 pm

- خطوات إقامة الدولة الإسلامية:
أما خطوات أقامتها فهي على المراحل المدرجة التالية:
1- دعوة الأمة إلى الإسلام عقيدة وعبادة وتشريعاً، وهو المفهوم الكامل لـ: لا إله إلا الله } وهو الذي في الأرض إله، وفي السماء إله وهو الحكيم العليم {.
2- حين تثمر هذه الدعوة، ويصبح الذي يتبناها أكثرية الأمة، وتعتبرها القضية الأولى في حياته تسلك السبل المتاحة لكي يكون الحكم لهذه الأكثرية كما هو الحال في كل النظم الديمقراطية في العالم.
3- لكن إذا بقيت أقلية تريد بسيف القهر والتسلط أن تحكم هذه الأكثرية رغماً عنها فمن حق هذه الأكثرية أن تقاوم هذه السلطة بالقوة حتى تزيل هذه السلطة المفروضة عليها وتعيد الأمر إلى الأكثرية الإسلامية في الشعب.
4- ولا يعني حكم الأكثرية التي اعتنقت بالإسلام عقيدة وعبادة وتشريعاً القضاء على الأقلية، بل ميزة الحكم الإسلامي هنا أنه لا يفرض تشريعه إلا على معتنقيه، ومن حق الأقلية أن تحكم نفسها بمبادئ دينها الذي تؤمن به، فدولة الإسلام الأولى النبوية قامت على التعددية في شعبها، وأعطى الدستور الإسلامي حقوقاً للأقلية في حكم ذاتي لها ضمن مبادئ الإسلام العامة.
فالعنصر الأولى يتحدث عن إيجاد أجواء في بلد ما من البلدان الإسلامية تتجاوب مع الدعوة الإسلامية والفرق بين مجتمعنا والمجتمع في العهد النبوي أن المجتمع في العهد النبوي مجتمع مشرك لا يؤمن بالله ورسوله، أما مجتمعاتنا التي نعيش فيها اليوم – وقد فُقدت الدولة الحاكمة بالإسلام – لا يزال أفرادها يؤمنون، وكثير من القيم والمبادئ التي نود إقناعهم بها هم مقتنعون فيها، ولو سألت أي واحدٍ منهم – حتى الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله – لأجابك: أنا مسلم أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ومهمتنا إذن أن نوضح لهم مفهوم لا إله إلا الله محمد رسول الله وارتباطها الوثيق بالحكم بما أنزل الله، وأخذ ما شرَّعه ونبذ ما شرَّعه العبيد من دون الله.
وأين نجد شبهاً لحالنا اليوم في مضامين السيرة النبوية من حيث تكوين جماعة أو أمة من الناس تحمل مسؤولية الدعوة الى الله، وتوضح المفاهيم الغامضة، وتقاوم الأغاليط والمؤامرات على الإسلام ؟.
نجد هذا في قول الله عز وجل } ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون {.
فالقرآن إذن يأمر بانبعاث جماعة أو فريق أو أمة من الناس تحمل هذه المسؤولية في الدعوة، ويكون دورها حسب طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه، والرسالة التي تحملها إلى الناس.
ومن يقود هذه الفئة أو الأمة أو الجماعة في غياب الإمام المسلم، وفي غياب الدولة الإسلامية ؟ يجيب إمام الحرمين الجويني على هذا التساؤل بقوله:
فإذا شفر الزمان عن الإمام، وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية فالأمور موكولة إلى العلماء، وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم، ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم فإن فعلوا ذلك فقد هدوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد ولاة العباد، وإن كثر العلماء في الناحية فالمتبع أعلمهم، فإن فُرض استواؤهم فالوجه على أن يتفقوا على تقديم واحد منهم ) ([191]).
إذن لا يستطيع الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، ويشرع بغير ما أنزل الله أن يدعي نفسه ولي أمر المسلمين، وعلى المسلمين حق السمع والطاعة له، إنما الشرعة والحاكمية الحقيقية للعلماء حراس الشريعة وتكون لأحدهم البيعة ليعمل على إقامة دولة الإسلام، وهذا هو مبرر قيام الحركات الإسلامية في الأرض حين تختار عالماً ثقة تسير وراءه وتبايعه ليقودها إلى تحكيم شريعة الله، وهو ما نهيب به العلماء في أرض الإسلام أن يقوموا به، فليس تطوعاً، ولا تنطعاً قيام الحركات الإسلامية بهذه المسؤولية، والعلماء ينظرون إليهم فقط، بل مهمة العلماء أن يكونوا في صف هذه الحركات، ويشاركوا في اختيار الأعلم لهذه القيادة، ويساهموا في إقامة شريعة الله في الأرض.

7- بين العالم والحاكم:
تُرى هل يكفي العلم ليكون أداة القيادة للأمة ؟
يجيب الجويني رحمه الله على هذا السؤال، وكأنما يجيب عن واقعنا اليوم فيقول:
( ومن الأسرار في ذلك أنه إذا وجد في زمان كافٍ ذو شهامة، ولم يكن من العلم على مرتبة الاستقلال استظهر بالعدد والأنصار، وعاضدته موافاة الأقدار، فهو الوالي وإليه الأمور والأجناد والولايات، ولكن يتحتم عليه أن لا يبت بأمر دون مراجعة العلماء، فإن قيل: هلا جزمت بأن عالم الزمان هو الوالي وحُقَّ على ذي النجدة والبأس اتباعه والإذعان لحكمه، والإقرار لمنصب علمه ؟ قلنا: إن كان العالم ذا كفاية وهداية إلى عظائم الأمور فحق على ذي الكفاية العَرِيِّ ( الخالي ) عن الاجتهاد أن يبتغيه إن تمكن منه، وإن لم يكن العالم ذا دراية واستقلال بعظائم الأمور، فذوا الكفاية الوالي قطعاً، وعليه المراجعة والاستعلام في مواقع الإيهام، ومواضع الاستعجام، ثم إذا كانت الولاية منوطة بذي الكفاية والهداية، فالأمور مربوطة بكلاءته، وجمعه وتفريقه ورعايته، إن عماد الدولة الرجال، وقوامهم الأموال، فهذا منتهى القول في ذلك ).
وإذن تثبت شرعية الوالي الكفء حين لا يبت بأمره دون مراجعة العلماء.
والذي نفقهه من هذا النص هو أن قيادة الحركة من العلماء هي قيادة مؤقتة، إنما الأصل أن يقود الحركة كافٍ ذو شهامة وذو دراية بعظائم الأمور، أي أن القائد ليس هو الأعلم فقط، إنما الأعلم والأكفأ لمواصفات فيه لا يحملها كل عالم، وما لنا نبعد وكتاب الله تعالى شاهد بيننا على ذلك ؟
في قصة طالوت } ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، قال، هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا، قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا.. { فهم بلا دولة يبحثون عن قائد، والنبي بين ظهرانيهم ولم يقولوا له تقدم فقدنا، إنما طلبوا منه } ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله { وجاءت الاستجابة الربانية لطلبهم، ولم يكن طلبهم خطأً يحاسبوا عليه } وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال، قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء.. { فمواصفات القيادة لا يُشترط فيها المال إنما العلم والقوة على إدارة الأمور والحكمة في تصريف شؤون الناس، ونحن إذن ندعو الأمة إلى أن تضع يدها بيد الفئة من الناس – الأمة – وهي الحركة الإسلامية، وخاصة علماء الأمة أولو رأيها، ليقودوا الأمة الشتات بدين الله وشريعته.
إنه فرض كفاية تأثم الأمة كلها ما لم يوجد من يحمل هذا اللواء، وقد تقدمت الحركة الإسلامية لحمل هذا اللواء، لواء الدعوة إلى إقامة شريعة الله في الأرض الإسلامية، وأولى من يساندها ويعبئ الأمة معها علماء الأمة الذين أنيط بهم حمل هذا اللواء ليكون الحاكمون تبعاً لهم، وليسوا هم تبعاً للحكام.
فإذا تقرر ضرورة وجود الأمة أو الجماعة، وحددنا قيادتها وحددنا مسؤوليتها، فعليها أن تمضي قدماً في طريق العودة، لكن خصومها لها بالمرصاد، يريدون أن يئدونها قبل الولادة، خاصة إذا بدأت تشكك بشرعية النظام الحاكم الذي لا يقوم على الإسلام، ولا ينطلق من كتاب الله وسنة رسوله، بينما أخذ النظام شرعيته بالانتخاب كما يدعي، أو بقوة السلاح كما فعل، فهو يريد أن يمنع الدعوة أساساً والجماعة أن تقوم عليها.

8- بين الشرعية والقانونية:
ولا بد من إيضاح نقطة دقيقة في هذا المجال، فالحكم الديمقراطي حكم دستوري قانوني وليس حكماً شرعياً، فالشرعية الوحيدة هي الحاكمية لله عز وجل، وهو ما تسعى الجماعة جاهدة للوصول إليه، ولا يكون لحكم الجاهلية دور معها، ولكن الحكم دستوري وقانوني تتحاكم الأمة في هذه المرحلة إليه، والدعاة إلى الله يتعاملون مع هذه الدستورية، ريثما تقوم الشرعية برضا الأمة واختيارها، أما إذا كانت السلطة للقوة بالفعل، فلا شرعية ولا دستورية لما يفرض على الأمة بقوة السلاح، وحين تريد القوة أن تمنع الدعوة إلى الله، فلا بد من الالتجاء إلى قوة معنوية أخرى تكافئ القوة الحاكمة.
لقد هيأ الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب، ومن ورائه بنو هاشم وبنو المطلب لحماية، والتي لخص أبو طالب خطوطها العريضة بقوله:
اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فلن أسلمك لشيء أبدا,وذلك بعد أن قال له عليه الصلاة والسلام: والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته.
ومضت عشر سنوات من عمر الدعوة، والجماعة المسلمة في مكة مكفولة لها حرية الدعوة بالقيم الجاهلية نفسها، قيم الإجارة، وكانت الحرية لقائد الدعوة بينما كان الدعاة بحاربون في دعوتهم ممن لم تهيأ له مثل هذه الإجارة، ومنعوا حتى من حق العقيدة وحق العبادة، ولم يجدوا لهم ملجأ إلا في ظل نظام النجاشي في الحبشة الذي لا يُظلم عند أحد، بمعنى أن لا يحال بينه وبين عقيدته ودعوته، وأقيمت قيادة رديفة في الحبشة للدعوة الإسلامية انطلاقاً من الموقع الذي يتيح لها هذه الحرية.
والمبدأ الذي نصل إليه هو: إن حماية الدعوة يمكن أن تتم من خلال القيم والمبادئ الإنسانية السائدة، فالأصل أننا لسنا في دولة إسلامية، والقوانين والأعراف التي تسود هي قوانين جاهلية.
والتطبيق العملي اليوم لحماية الدعوة هو الديمقراطية أو النظام الديمقراطي الذي يعطي حرية الاعتقاد والتعبير عن الرأي والنشاط السياسي لكل فرد في الأمة، وهو الذي تملك الجماعة أن تتشبث به بحيث تمارس حقها في الدعوة انطلاقاً من قوانين البلد الديمقراطي.
لقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التغيير السلمي بالتربية والحوار، ويدخل قادة مكة في الإسلام وتسلم مكة وتقوم دولة الإسلام فيها وتنطلق – وهي أم القرى – لتواجه من حولها بهذا الدين الجديد، وكانت أمنيته عليه الصلاة والسلام ذلك، لكن جهاد عشر سنين بالدعوة لم يحرك من مراكز القوى شيئاً يذكر إلا عمر وحمزة من بين عشرات الطواغيت الذين يتحكمون بمصير مكة، ولم يكتفوا بعدم إسلامهم، إنما كانوا يحاربون الإسلام ودعاته، ولم يتهيأ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إيجاد هذه الأجواء التي تتجاوب مع الدعوة الإسلامية بحيث يكون لها رأي عام غالب، ورفضت قريش الحوار والإيمان، وأعلنتها معركة على المسلمين والحزب الهاشمي الذي يساندهم، وقامت بعملية التطويق والحصار للمسلمين وحلفائهم بهدف إبادتهم جوعاً وعطشاً، واستسلامهم أو تسليم قائد الدعوة ليقتلوه، والجماعات الإسلامية المعاصرة في كل أنحاء الأرض عاشت هذه الأجواء أو تعيشها، وهو خط أصيل وصحيح من سنن الدعوة إلى الله ؛ خط الصبر على المحنة، وتحمل الأذى في سبيل الله.
وحدث تطور حاسم في تاريخ الدعوة في مكة وهو وفاة أبي طالب السند القوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العام العاشر للهجرة، وفقدت الدعوة حريتها ممثلة بحرية قائدها عليه الصلاة والسلام،، وتحركت مكة للقضاء على قائد الدعوة كما يقول صلى الله عليه وسلم :
(( ما نالت قريش مني شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب )) وفي رواية (( ما زالت قريش كاعين([192]) عني حتى مات أبو طالب )).
وهذا الوضع الذي تتعرض له الحركات الإسلامية المعاصرة وضع وجود الأنظمة الدكتاتورية المستبدة ولو كانت بلباس ديمقراطي، فلقد كانت دول المعسكر الاشتراكي كلها ديمقراطية شعبية، ومثلت أقسى أنواع الظلم والاضطهاد في التاريخ، وعالمنا الإسلامي الذي يحاول حكامه أن ينثروا عليهم هذا الثوب الديمقراطي، ويخلعوه على أنظمتهم، وهو في الحقيقة نظام الفرد الإله، أو الحزب الحاكم، أو الطائفة الحاكمة، أو الأقلية المغتصبة للسلطة.

9- ما هو موقف الحركات الإسلامي من الأنظمة المستبدة ؟
لقد مضت إلى ثلاثة مواقف:
الموقف الأول: الصبر على البلاء، والصبر فقط، واعتقاد أن هذا الطريق وحده الموصل للتمكين، فالتربية تدفع بالأمة إلى اختيار الإسلام.
الموقف الثاني: حملت السلاح، وراحت تهاجم السلطات الحاكمة، وتعلن حرب العصابات عليها.
الموقف الثالث: الصبر، والعمل لقيام دولة الإسلام من خلال الخيارات المتاحة في أرض الواقع.
ونحن بحاجة إلى فهم الموقف الثالث على ضوء التخطيط النبوي لإقامة الدولة المسلمة.
موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة عمه أبي طالب هو الاتصال بكل مراكز القوى في الأرض العربية ضمن خطين اثنين:
الخط الأول: دعوتها إلى اعتناق الإسلام والعمل لإقامة دولته.
الخط الثاني: دعوتها إلى حماية الإسلام والدعوة من أعدائهم (( من يحميني حتى أؤدي رسالة ربي ؟ )).
وبعد عشرات اللقاءات مع مراكز القوى في الأرض العربية أثمر اللقاء مع الفتية الستة من الخزرج على ضوء الخط الأول، وكانت بداية المسيرة الجديد.
المطلوب من الحركات الإسلامية أن تكون فاقهة لواقعها، وفاهمة له فهماً صحيحاً، وأن تعرف مراكز القوى فيه، وتحاور هذه المراكز ضمن الخطين المذكورين، ولا تقف مكتوفة الأيدي تنتظر الإبادة.
وقد تفشل عشرات اللقاءات والاتصالات، وقد ينجح اتصال واحد ضمن الخطين السابقين المذكورين وها نحن نكتب ما نكتب في طرح القناعة الإسلامية للتمكين من خلال المنهج النبوي، وليس هناك ضرورة أن يضع الحاكمون حرباً بيننا وبينهم.
إننا نرفض فرض الإسلام بالقوة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، إنما أسس حركة المدينة من الأنصار، وانطلقت الحركة بعد عام واحد من تأسيسها، فأقامت المجتمع الإسلامي في المدينة في العام الثاني، وأقامت الدولة الإسلامية في العام الثالث، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال في مكة ولم تُرق قطرة دم واحدة، ولم يشهر سيف لإقامتها.
هذا هو المنهج النبوي الذي ندعو دعاة الإسلام إلى تبنيه.
ولا بد من إيضاح الخط الثاني من هذا المبدأ، بعد أن ذكرنا الخط الأول، وهو الاستفادة من المبادئ والقيم الوضعية لإتاحة حرية الدعوة والتبليغ.
الخط الثاني من هذا المبدأ هو واجب الحركة الإسلامية في إيجاد جو الحرية المطلوب لها، إن الأقلية الحاكمة لا تملك حق منع الدعوة إلى الله، وهي تستند إلى قوة تحميها مع أنها ليس أكثرية.
ومن واجب الحركة الإسلامية أن تسعى إلى إيجاد القوى المحايدة التي لا تحكم، إنما تحمي الحرية والإرادة الشعبية في الأمة، ومن واجب الحركة الإسلامية ومن حقها كذلك أن تسعى لرفع الضيم والأذى عنها من خلال مراكز القوى التي تسند خصومه، ومن حقها ومن واجبها كذلك كلما طغى فرد أو فئة أو طائفة عليها وعلى الشعب المستضعف المقهور بسلطانه أن تزيل هذا الطغيان وهذا الاضطهاد ضمن الخط الثاني الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من يحميني حتى أؤدي رسالة ربي ؟ )).
ونحن اليوم في عالم يدين بالإسلام، وحكام لا يتبرؤون من الإسلام، ومن حقنا ومن خلال الحوار أن نملك حق الدعوة إلى الخير، وأن نقاوم كل من يحول بين وصول دعوة الخير إلى الناس.
ومن حقنا ومن واجبنا أن نسعى لإيجاد الرأي العام الذي يسند الدعوة، ويشكل الأكثرية المتبنية لها من خلال الحوار والإقناع، وحين يرفض خصوم الدعوة الإسلامية الحوار والإقناع ويصرون على فرض نفسهم على شعب مسلم بالقوة فمن واجبنا أن نتصدى ونساند كل من يتصدى لهذه القوة حتى يزول طغيانها وتسلطها على الأرض.
يقول الدكتور هيكل حول المبدأ الثالث:
[... فإذا حدث ذلك ( تكوَّن الرأي العام المطلوب ) وكان التجاوب مع الدعوة الإسلامية موجوداً في أي بلد تتوافر فيه مقومات الدولة كما كان عليه وضع المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسبة لظروف ذلك الزمان حيث يجري البحث عن أهل النصر القادرين على تسليم السلطة لمن تُؤخذ البيعة له ].
ولا بد أن نوضح شيئاً من الفرق بين عالمنا اليوم، والعالم زمن النبي صلى الله عليه وسلم لنعرف كيف نتعامل مع هذا المبدأ، فالعالم الذي نسعى فيه اليوم لإقامة دولة الإسلام أكثريته الساحقة تدين بالإسلام، والحاكم الذي يعلن الكفر البواح، أو المصر على إبعاد الإسلام عن الحكم هو المغتصب للشرعية، ويزعم أنه يحكم باسم هذا الشعب، ويوم تتاح الحرية الحقيقية للجماعة المسلمة في الدعوة، سوف ينكشف زعم الحاكم المتسلط بعد فهم الإسلام ابتداءً ثم تقوم بعد ذلك في العمل لإقامة دولة الإسلام، وهذه الخطوة الأولى منتهية في مجتمعاتنا المعاصرة، فلا يجب على الجماعة المسلمة أن تسعى للنصرة من خارج حدود دولتها، إنما واجبها أن تفقه مراكز القوة في مجتمعها ودولتها نفسها، وتتعامل معها تعاملها مع الشعب نفسه في إيضاح الإسلام الحقيقي الذي لا يقبل الله تعالى المؤمنين فيه ما لم يحتكموا إلى شرعه، لأنها جزء من هذه الدولة، لها الحق الأجلى في تفقيه الناس في دينهم، وتعليمهم أحكام ربهم، وفرض العلمانية في الحكم وفصل الدين عن الدولة هو الأمر النشاز الذي فُرض على الأمة في غفلة من أمرها أو ضعف من قوتها، وحتى لا يُترك الأمر للإدعاء، ومراعاة للتطور الزمني الطويل الذي ابتعد الناس فيه عن الحكم بالإسلام، قبلت الجماعة الإسلامية حرية الدعوة لحكم الإسلام، وحين لا تتجاوب الأمة معها فلن تحكم بالإسلام بالقوة، لكنها تود كذلك أن توضح أن الفهم الإسلامي للسلطة هو البيعة عن رضا واختيار بين الحاكم والمحكوم، فليطمئن خصوم الدعوة الإسلامية إلى أن الشرط الأول للحكم الإسلامي هو الرضى والاختيار كما يحدد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر ))([193]).
ووضوح فكرة البيعة والعقد بين الحاكم والمحكوم لا تحتاج إلى كثير تفصيل، ويكفينا قول علي رضي الله عنه: ( حق الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يعدل في الرعية، فإذا فعل ذلك فحق عليهم أن يسمعوا ويطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا، وأي حاكم لم يحكم بما أنزل الله فلا طاعة له ) ([194]).
وجاء في مصنف عبد الرزاق عن ابن عفيف ما نصه:
أتيت أبا بكر وهو يبايع الناس فقال: أنا أبايعكم على السمع والطاعة لله ولكتابة ثم للأمير، قال: فتعلمت ذلك، قال فجئته فقلت: أبايعك على السمع والطاعة لله ولكتابة ثم للأمير، قال: فصعَّد فيَّ النظر وصوَّب، كأني أعجبته ثم بايعني ) ([195]).
ولو أن حكامنا اليوم وهم يقولون أنهم مسلمون مثلنا بايعونا على العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وضعوا في دساتيرهم الإسلام هو المصدر الوحيد للتشريع لانتهى الخلاف بيننا وبينهم، واكتفينا بأن نكون مراقبين على التطبيق، فليس المهم عندنا أن يحكم الدعاة، إنما المهم أن يحكم الإسلام.
إن كل الذي نسعى له هو تهيئة الجو الحقيقي للحرية، والجو الحقيقي للشورى، والأمة بعد ذلك سوف تختار الإسلام ولا يضير الدعاة أن لا تختارهم الأمة، إنما الذي تريده فقط أن يتحول النظام العلماني الحاكم في العالم إلى نظام إسلامي ينطلق من القرآن والسنة.
وهو انتقال بالقوة من القوة المحايدة إلى القوة المساندة التي تحمي نظام الإسلام الذي اختارته أكثرية الأمة برضاها، وأن توضع هذه القوة كلها في وجه كل من تسول له نفس مواجهة هذا النظام أو القضاء عليه.

10- قواعد ذهبية ثلاث:
لقد علمنا الإسلام ثلاث قواعد ذهبية في الخط اللاحب الطويل لإقامة الدعوة:
القاعدة الأولى:} ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير { ([196]).
وعلمنا القاعدة الذهبية الثانية:
} ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا، ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون { ([197]).
يجب أن يكون راسخاً في أذهان الدعاة أنه عندما تقوم دولة الإسلام، فلن يكف أعداء الإسلام عن قتالهم، ومحاولة إزالة استخلافهم، فالقتال مكتوب ومفروض، وأي تصور غير هذا التصور هو فهم خاطئ ومخالف لما قرره الله تعالى في كتابه.
والواقع اليوم الذي يتعامل فيه خصوم الإسلام مع الإسلام بمثل هذه الحقيقة، رغم كل تبجح دول الغرب بالديمقراطية، بل تحارب بعض الأنظمة المجاورة لها لأنها لم تتبن الديمقراطية، ومع ذلك فهي تتناسى هذه المبادئ والقيم التي تحكمها، وتقدم المبررات لمواجهة الأنظمة الإسلامية، وتبدأ بتشويه صورتها بحيث تقدمها الخطر الأكبر على العالم، ولا مجال لإنقاذ العالم من خطر التطرف إلا بالقضاء عليها، هاتان القاعدتان يجب أن لا تغيبا عن ذهن الدعاة بعد الاستخلاف، فلا بد إذن من حشد طاقات الأمة كلها للدفاع عن الكيان الإسلامي والدولة الإسلامية حين يصر العدو على استعمال القوة عوضاً عن أسلوب الحوار.
لا بد أن نشير هنا أن وصول الإسلاميين للحكم لا يعني تغيير حكومة بحكومة، ولكن يعني تغيير نظام بنظام ودستور بدستور، وحين يتغير الدستور بحيث يصبح الإسلام هو المصدر الوحيد للتشريع من خلال اختيار أكثرية الأمة لذلك، فهذا يعني أن كل الانتخابات القادمة سوف تكون في ظل هذا الدستور، ومن خلال مبادئه، وقد يتغير الإسلاميون الحاكمون بغيرهم، لكن جميع الحاكمين إنما يُقسمون على الولاء لدستور البلاد والطاعة له، ومن حق الشعب أن يختار من يشاء من ممثليه ليحكموه بشريعة الله.
والقاعدة الذهبية الثالثة التي علمنا إياها القرآن الكريم، أن الصبر والتقوى كفيلان بصد كل خطر تتعرض له دولة الإسلام، } ولا تهنوا في ابتغاء القوم، إن تكونوا تألمون، فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون، وكان الله عليماً حكيماً { ([198]).
} إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا، إن الله بما يعملون محيط { ([199]).
هذه القواعد الثلاث يجب أن تحكم الدعاة إلى الله حين يقيمون دولة الإسلام، فالصبر على لأواء الحرب، والصبر على مصاعب الحياة التي يضعها الأعداء عراقيل في وجه استمرار التمكين،والصبر على الجوع والعطش والبأساء والضراء وحين البأس عنصر رئيسي من عناصر استمرار التمكين.
والصبر على حسن التخطيط، وحسن الإعداد، والصبر على إعداد العدة لتكوين جيش يرهب العدو ويخيفه، والصبر على المواجهة قبلها وأثناءها وبعدها عنصر رئيسي من عناصر التمكين واستمراره، والصبر عن الأهواء والشهوات والعصبيات الجاهلية الإقليمية والعشائرية والجنسية عنصر أساسي من عناصر التمكين واستمراره، والصبر عن الركون إلى الدنيا وزهرتها عنصر رئيسي من عناصر التمكين واستمراره، والصبر على مرارة بعض الهزائم وتجاوزها عنصر أساسي من عناصر التمكين واستمراره، والصبر عن شهوة السلطة والغلبة وحب القهر عنصر رئيسي من عناصر التمكين واستمراره، والتقوى لله تعالى في كل شيء بحيث يكون كل ما يُعمل يُقصد به وجه الله تعالى وحده هو عنصر رئيسي من عناصر التمكين واستمراره، والتقوى الحقيقية بالاعتماد على الله سبحانه وحده والتوكل عليه عنصر أساسي من عناصر التمكين واستمراره.
وحين يتمثل الصبر والتقوى في جيش الإسلام، وتتحول القوة المساندة إلى قوة مهتدية مبصرة تحمل رسالة هذا الدين للبشرية عندئذ تنعم البشرية كلها بتحقيق شريعة الله فيها لا شريعة العبيد، وتتحرر من نير الطواغيت لتكون عابدة لله وحده } ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون{([200]).

11- ملخص البحث:
ونخلص بعد هذا العرض إلى النتائج التالية:
1- الجهاد مصطلح إسلامي خالص نأخذ معانيه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
2- المعنى اللغوي للجهد هو: بذل الجهد، والجهاد في العهد المكي هو الصبر على الأذى والثبات على العقيدة.
3- } والذين جاهدوا فينا { مكية، تعني كما يقول الداراني، نصر الدين والرد على المبطلين وقمع الظالمين وعظمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله وهو الجهاد الأكبر.
4- مراحل الجهاد عند ابن القيم رحمه الله كان ممنوعاً ثم مأذوناً به ثم مأموراً به لمن قاتله، ثم للمشركين كافة.
5- العلماء الذين ينكرون الجهاد لنشر الإسلام يتذرعون بفهوم غير دقيقة للنصوص الشرعية ويدَّعون أن علة الجهاد القتالي هي درء الحرابة عند المذاهب الثلاثة، والصحيح أن العلة عند المذاهب الأربعة هي الحرابة والكفر.
6- خلط هؤلاء العلماء بين أمرين مختلفين تمام الاختلاف، الأمر الأول: علة القتال، والثاني: معرفة الذين يقتلون أثناء الحرب.
7- صريح الأحاديث الصحيحة يجعل علة القتال الكفر ( اغزوا باسم الله في سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله.. ).
8- الخصال الثلاثة في الحرب هي الإسلام أو الجزية أو الحرب، وليس هناك خصلة رابعة هي الكف عن القتال.
9- الجهاد اليوم بمعناه الأول – الصبر والمجاهدة والمصابرة، فهو ماضٍ إلى يوم القيامة} والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا إن الله لمع المحسنين {.
10- والجهاد بمعنى القتال ماضٍ إلى يوم القيامة طالما أن هناك أرضاً للمسلمين يمكن أن يطأها الكفار, ويغدو فرض عين على كل مسلم إذا اجتاح الأعداء ديار المسلمين.
11- الإشكال الأكبر لدى الدعاة إلى الله اليوم هو حكم القتال ضد الذين يشرعون بغير ما أنزل الله ويعلنون الكفر البواح في دولهم ودساتيرهم.
12- العاملون إلى الإسلام في هذا الأمر فريقان:
آ- فريق يوجب الجهاد القتالي كما يقول القاضي عياض: ( فلو طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة خرج من حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام بخلعه ونصب إمام عادل إن أمكن ذلك ).
ب- فريق يرى أن هذه الدول لم تقم أصلاً على الإسلام حتى نقول إنها خرجت عليه، وهي مثل دولة المشركين في مكة يعمل المسلمون فيها لنشر الإسلام، ويتحملون الأذى في سبيل ذلك حتى يتكون لهم قاعدة واسعة تؤمن بتطبيق شريعة الله, وتكون أساسً لقيم دولة الإسلام.
12- أُطلق اليوم مصطلح الدولة الإسلامية على الدولة التي يدين أكثر شعبها بالإسلام بغض النظر عن نظام الحكم القائم فيها، وبهذا الفهم نحن لا نمس هذا التعبير، ونؤمن به، بل ندعو إليه.
13- أما الذي نعنيه هنا في مفهوم الدولة الإسلامية هو العمل على تحويل أنظمة الحكم في هذه الدول لتنطلق من كتاب الله وسنة رسوله، ليتطابق المفهومان معاً، ويكون الإسلام عقيدة وشعيرة وشريعة في وقت واحد.
14- فما لم يتحقق هذان الأمران، الرضا والاختيار في أخذ الحكم وإقامة الحكم على كتاب الله وسنة رسوله لا تكون السلطة شرعية يجب على المسلمين حق السمع والطاعة لها، ويعتبر الخارج عليها سلماً أو حرباً خارج على الإسلام.
15- نحن أمام وضع لن نجد له وصفاً في كتب الفقهاء القدامى لأنهم لم يمروا بمثل هذه التجربة، حتى عندما حكمهم التتار واستولوا على أرضهم حكموا بكفرهم وقتالهم كما يقول الحافظ ابن كثير: فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا ( كتاب التتار ). وقدمها عليه، من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين قال الله تعالى: } أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون {.
16- خطوات إقامة الدولة الإسلامية:
آ- دعوة الأمة إلى الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة.
ب- حين تثمر الدعوة، ويصبح الذي يتبناها أكثرية الأمة، تسلك السبل المتاحة ليكون الحكم لهذه الأكثرية.
جـ- إذا بقيت أقلية تريد بسيد القهر والتسلط أن تحكم هذه الأكثرية رغماً عنها فمن حق هذه الأكثرية أن تقاوم السلطة بالقوة لتزيل هذه الأقلية المتسلطة وتعيد الأمر إلى الأكثرية الإسلامية.
د- لا يعني حكم الأكثرية التي اعتنقت الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة القضاء على الأقلية، بل يبقى للأقلية حكمها الذاتي وتشريعها الخاص بها، مع مراعاة القانون العام للدولة.
17- الحالة التي تشبه حالنا اليوم ونص الفقه الإسلامي عنها هي حالة شتور الأمة عن إمام.
18- في هذه الحالة الأمور موكولة إلى العلماء، وعليهم أن يختاروا أحدهم ليقوم بمقام الإمام وهذا الحكم هو مبرر قيام الحركات الإسلامية في كل صقع بتنظيم الجماعة التي تعمل لإقامة دولة الإسلام، وهم بمثابة الوكلاء عن العلماء في الحكم، ومهمة العلماء أن يكونوا وراء هذه الجماعة ومعها لتحقيق هذا الأمل.
19- أما الحاكم الحقيقي فهو صاحب الشوكة والدربة والخبير بحكم الناس، وعليه أن يرجع للعلماء في كل تشريع ليس هو القائد هو الأعلم فقط، بل الأكفأ ولكن يتحتم عليه أن لا يبت بأمره إلا بمراجعتهم، فقيادة العلماء قيادة مؤقتة، والأصل أن يقود الأمة كاف ذو شهامة ودراية بعظائم الأمور.
20- ولا أدلُّ على ذلك من أن بني إسرائيل من بعد موسى طلبوا من نبيهم أن يدعو ربهم ليبعث لهم ملكاً يقاتلوا تحت قيادته في سبيل الله، وأنبأهم نبيهم الموحى إليه أن طالوت ملكهم لتوفر إمكانات القيادة عنده، حيث زاده بسطة في العلم والجسم، وقد مضى بهم وانتصر على جالوت واستعاد الأرض المقدسة.
21- ونحن ندعو علماء الأمة أن يضعوا يدهم بيد الحركة الإسلامية المتخصصة في السياسية، والدعوة، وحيث أن ما تقوم به الحركة الإسلامية في كل قطر هو فرض كفاية تقوم به عن الأمة، فلا أقل من أن يكون العلماء بجوارها، وجوار قيادتها المتمرسة بالأمور السياسية والتشريعية.
22- هناك فرق دقيق بين الشرعية والقانونية، فالشرعية لا تكون لحكومة لا تحتكم إلى شريعة الله عز وجل، لكنها تكون قانونية تنظم شؤون الناس وتطاع بمقدار ما تدفع من المظالم وتحقق من المصالح.
23- وحين رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعامل مع قوانين الإجارة والأعراف الجاهلية الصالحة ويثني على حلف الفضول لمنع المظالم على الناس، لا نجد حرجاً في الاستفادة من القوانين الديمقراطية التي تبيح حرية الرأي وحرية العقيدة وحرية الدعوة ضد القوة الدكتاتورية المتسلطة التي تمنع ذلك.
24- افترقت مواقف الحركات الإسلامية إلى ثلاثة مواقف ؛ الأول: الصبر على البلاء والمضي في التربية، وهذا يحوِّل الأمة إلى أمة مسلمة، الثاني: مواجهة الأنظمة الحاكمة وحمل السلاح في وجهها لإسقاطها، الثالث: الصبر والعمل لقيام دولة الإسلام أثناء ذلك من خلال الخيارات المتاحة السلمية أو المواجهة عند الإصرار على تسلط الأقلية.
25- ونحن ننطلق من الموقف الثالث، ونرفض فرض الإسلام بالقوة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك وإنما أسس حركة المدينة من الأنصار، وانطلقت فأقامت المجتمع ثم الدولة دون أن تريق قطرة دم واحدة.
26- نحن اليوم في عالم يدين بالإسلام، وحكام لا يتبرؤون من الإسلام، نرى أن من حقنا ومن خلال الحوار أن نملك حق الدعوة إلى الخير، وأن نقاوم كل من يحاول أن يحول دون وصول دعوة الخير إلى الناس.
27- والشرط الأول لقيام دولة الإسلام هو البيعة عن رضا واختيار للحاكم المسلم، والسلطة عقد بين الأمة والحاكم.
28- هناك ثلاث قواعد ذهبية تحكم مسيرة العمل الإسلامي السياسي والدعوي:
آ- } ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم, قل إن هدى الله هو الهدى...{.
ب- } ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا.. {.
جـ- } إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا {.
29- الصبر على متاعب الدعوة ابتداء، والصبر على حسن التخطيط وحسن الإعداد، والبعد عن الارتجال والعاطفية والصبر عن شهوات الحكم والسلطة للذات، ليكون العمل لحكم الإسلام لا حكم الدعاة، وتقوى الله تعالى في كل خطوة يخطوها الدعاة، وحسابهم لأنفسهم على النية قبل العمل.
30- حين يتمثل الصبر والتقوى في جيش مهتدٍ، وتتحول القوة المحايدة إلى قوة مهتدية، وتنعم البشرية بتحقيق شريعة الله فيها } يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده.. {، والحمد لله رب العالمين




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:37 pm

المبحث الرابع
العــولمـــة


مخطط البحث
1- ماهي العولمة: تعريفات عدة واختيار أحدها.
2- الأوضاع الاقتصادية التي أدت إلى العولمة:
آ - تضخم الأسعار.
ب- خسارة المصانع والمعامل المؤممة.
جـ- انخفاض الرغبة في العمل.
د - هروب الرساميل إلى دولة آسية الشرقية.
هـ- بروز النمور الأربعة.
و - استفحال البطالة.
ز- منح الثقة للمحافظين.
3- العولمة القديمة والعولمة الجديدة.
4- المكونات الستة للعولمة.
5- مثلث إدارة العولمة الجديدة.
6- الخطوط العريضة للعولمة:
آ - تأمين الإطار المستقر للسوق.
ب - سياسات التكييف والتثبيت الهيكلي.
جـ- تطبيق البرامج المطروحة.
د - الخصخصة.
7- آثار تطبيق العولمة الاقتصادية:
آ - استمرار العجز في المديونية.
ب- استعمار جديد.
8- العولمة المضادة.
9- رأي دعاة العولمة العرب في الإسلام:
آ - الإسلام دين المتخلفين.
ب - الأصولية في مواجهة التحديث والعولمة.
جـ- الأصولية بين الفكر والممارسة.
د - أسلمة الحداثة أم تحديث الإسلام.
هـ- خلاصة الرأي.
10- العولمة والعرب:
آ- العولمة والنظام العالمي الجديد.
ب - العرب والتسوية وملامح الترتيبات الإقليمية.
جـ- الملاحظات الأربع.
11- سوريا والعولمة:
آ - أكثر من نصف الشعب تحت خط الفقر.
ب - تحدي العولمة.
جـ- تحدي السلام والسوق شرق أوسطية.
د - أسوأ أزمة ركود اقتصادي.
هـ- الخبير الاقتصادي عارف دليلة يشهد.
12- الصهيونية والعولمة:
أولاً- الالتقاء في المبادئ:
آ - إهمال الفقراء.
ب- الربا هو الأساس الذي تقوم عليه العولمة.
جـ- الهم الأكبر جمع المال وتكديس الثروات.
د - الصورة العملية لليهود من خلال قارون وقومه.
ثانياً- الالتحام الأمريكي الصهيوني الاستراتيجي:
آ - التيارات الثلاثة في السياسة الأمريكية وخريطتان للعالم.
ب - التيارات الثلاثة تلتقي على الحضارة الغربية وإسرائيل.
جـ- إدارة كلينتون الأكثر يهودية في هذا القرن.
د - القوائم اليهودية.
13- ماليزيا والعولمة:
آ - مؤتمر الإسلام والعولمة.
ب - أهمية دراسة التاريخ الإسلامي.
جـ- الدروس المستفادة.
د - ماليزيا والعولمة.
14- نقد العولمة:
الفصل الأول: مجتمع الخمس الثري.
الفصل الثاني: ضغوط العولمة والانهيار المعولم.
الفصل الثالث: دكتاتورية ذات مسؤولية محددة.
الفصل الرابع: شريعة الذئاب.
الفصل الخامس: أكاذيب ترضي الضمير.
الفصل السادس: لينقذ نفسه من يستطيع.
الفصل السابع: جناة أم ضحايا.
الفصل الثامن: لمن الدولة، انحطاط السيادة ومستقبل السيادة الوطنية.
الفصل التاسع: الإفلات من المأزق.
15- العولمة اليوم ومنتدياتها:
آ- تجاهل أصوات الفقراء.
ب- المنتدى المعاكس.
جـ- صرخة معبرة.
د- صورة جديدة للاستعمار.
هـ- تقارير مدهشة.
و- أهم الحاضرين في منتدى دافوس.
ز- الدول الفقيرة.
ي- أين يكمن الحل.
16- الإسلام والعولمة:
1ً- نقاط الافتراق:
آ- الإسلام دين رباني والعولمة فكر بشري.
ب- فلسفة العولمة الحرية المطلقة، وفلسفة الإسلام العدل.
جـ- العولمة أساسها الربا الحرام، والإسلام حرب على الربا.
د- العولمة تكديس للثروة بيد الأغنياء، والإسلام منع بقاء الثروة دولة بيد الأغنياء.
هـ- العولمة رفض لوجود الأمة وإلغاء لهويتها, والإسلام اعترف بهويتها ضمن الإسلام.
و- الإسلام حرر البشرية من الظلم، والعولمة استعبدت البشرية.
ز- الإسلام حرية مقيدة، والعولمة حرية مطلقة.
ح- في الإسلام المال مال الله، والإنسان مستخلف فيه، وفي العولمة الثروة للأقوى.
ط- الإسلام دين الأخلاق، والعولمة دين الإباحية.
ي- الإسلام يوازن بين القطاعين العام والخاص، والعولمة تقوم على الخصخصة.
2ً- نقاط الالتقاء:
آ- التطبيق العملي للعولمة.
ب- لقاء في بعض المبادئ النظرية.
جـ- الثورة المعلوماتية.
17- ملخص البحث.

العولمة
1- ما هي العولمة:
ما هي العولمة: كاد المعنى اللفظي مشتق من العالم، وصيغة فوعل تعني في اللغة التحويل، وعلى هذا فيكون المعنى اللفظي للعولمة هو: تحويل المحلي إلى العالمي.
أما الاصطلاح: وبالرغم من أن دعاة العولمة لم يصلوا بعد إلى تعريف محدد، لكن هناك تعريفات لم تأخذ صيغة الإجماع عليها، ومعظم هذه التعريفات تحاول أن تقدم العولمة من خلال خصائصها أو مواصفاتها، ونعرض لمجموعة من التعريفات على أمل الوصول إلى أجمع تعريف لها وأوضحه كذلك.
1- العولمة: نظام عالمي جديد يقوم على العقل الالكتروني، والثورة المعلوماتية القائمة على المعلومات والإبداع التقني غير المحدود بدون اعتبار للأنظمة والحضارات والثقافات والقيم والحدود الجغرافية والسياسية القائمة في العالم.
2- العولمة: هي القوى التي لا يمكن السيطرة عليها للأسواق الدولية والشركات المتعددة الجنسية التي ليس لها ولاء لأية دولة قومية.
3- العولمة: هي حرية حركة السلع والخدمات والأيدي العاملة ورأس المال والمعلومات عبر الحدود الوطنية والإقليمية.
وقد جاءت هذه التعريفات الثلاثة في كتاب ( العولمة: نشأتها، أسسها، أهدافها ) ([201]).
4- العولمة: تعني في نظر البعض ؛ إزالة الحواجز والمسافات بين الشعوب بعضها وبعض، وبين الأوطان بعضها وبعض، وبين الثقافات بعضها وبعض، وبذلك يقترب الجميع من ( ثقافة كونية ) و ( سوق كونية ) و ( أسرة كونية ).
5- العولمة: تتضمن معنى إلغاء حدود الدولة القومية في المجال الاقتصادي ( المالي والتجاري )، وترك الأمور تتحرك في هذا المجال عبر العالم، وداخل فضاء يشمل الكرة الأرضية جميعها.
وقد جاءت هذه التعريفات الثلاثة في كتاب العلامة الدكتور القرضاوي عن ( العولمة ) ([202]).
6- العولمة الجديدة: عبارة عن واقع اقتصادي وتكنولوجي تم فرضه بلغة الخطاب الأمريكي أي الهيمنة الأمريكية على أرجاء الكرة الأرضية )([203]) وهي:
7- العولمة أو الكوكبة هي: الكرة الأرضية تشكل سوقاً واحدة فهي عالم بلا حدود، تجارة بلا قيود، انسياب رؤوس الأموال دون عوائق، تلاشي الاختلافات بين الثقافات والحضارات ([204]).
ولعل أجمع تعريف للعولمة هو الذي قدمه السيد ياسين أستاذ علم الاجتماع السياسي، والمدير السابق لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام في كتابه: العالمية والعولمة.
العولمة: هو تعبير يُطلق على الحقبة التاريخية التي تبدأ منذ بداية سياسة الوفاق، ونهاية الحرب الباردة بين القطبين ( الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي ) وهي تجلٍ لظواهر اقتصادية أهمها تحرير الأسواق، وخصخصة الأصول، ونشر وتوزيع الإنتاج عبر القارات من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر والتكامل بين الأسواق الرأسمالية، والاعتماد على سمو القدرات التكنولوجية، وتتسم بهيمنة القيم الأمريكية على المؤسسات والنظم من خلال التمسك بمبادئ الرأسمالية الديمقراطية، وإحياء دور المجتمع المدني في مجال التنمية )([205]).

2- الأوضاع الاقتصادية التي أدت إلى العولمة:
آ- تضخم الأسعار بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ العالم، فإذا كان قد وصل في نيكاراغوا وبوليفيا وصربيا عام 1985 – 1989 إلى نسبة 12000% سنوياً، فإنه قد وصل في الكثير من الأحيان في انكلترا إلى 30 – 35 % وفي دول أوربا الصناعية الأخرى إلى ما لا يقل عن 10 – 15 %.
ب- خسارة المصانع والمعامل المؤممة: والذي جعلها عالة على خزينة الدولة بدلاً من أن تصبح مصدر دخل لها كما كان مأمولاً بعد أن أصبحت وسيلة لإرضاء فئات الدخل الدنيا في وظائف وأعمال لا مبرر لها اقتصادياً لقاء أجور محدودة لا قيمة لها بحكم التضخم العالمي اقتصادياً، مما أدى إلى ارتفاع تكاليفها وانخفاض مستواها الفني وبالتالي نوعية إنتاجها وقدرتها على المنافسة.
جـ- انخفاض الرغبة في العمل من قبل القادرين عليه؛ والراغبين فيه والناجحين اقتصادياً نتيجة قوانين مالية يعتبرونها تعسفية وجائرة بحقهم، فما الفائدة من عمل لا يرضي ولا يسمن من جوع ؟ وما الفائدة من عمل إذا كان بإمكاني الاكتفاء بما تعطيني إياه دولة الرفاه من تعويضات وتقاعد بشكل مجاني بالرغم من قدرتي على العمل ؟
د- هروب الرساميل إلى دول آسية الشرقية، أو تحويلها إلى مصارف الدول المتقدمة، أو للمضاربة في سوق العملات والأسهم العالية إذا ما دامت الأرباح محدودة، والرأسمال مقهور ومضطهد سياسياً وضريبياً، فما الفائدة من استثماره في إنتاج مقيد ما دام المردود الدولي من أعمال المضاربة أفضل بكثير ؟
وهذا ما كان عليه الواقع الفعلي في السبعينات من هذا القرن في كل الدول الأوربية ).
هـ- بروز النمور الأربعة، وهي كورية وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ ومن ورائهم الفهود السبعة وهي: الفلبين وتايوان وماليزيا وبروناي والصين والهند وإندونوسيا والباكستان كمصدرين عالميين منافسين لصناعات الدول الغربية الصناعية، في تحدٍ هو الأول من نوعه منذ قرون للصناعات الغربية العريقة بعد أن أصبحت صناعات هذه الدول الصناعية الجديدة التي تعتمد على يد عاملة انضباطية رخيصة، وفوق كل هذا مدربة تدريباً جيداً، الأمر الذي جعل من دول ككورية الجنوبية تصبح ثالث دولة في العالم بإنتاج الرقائق الالكترونية، وتاسع دولة تجارية في العالم عام 1996 على الرغم من حالتها المالية التي وصلت بها عام 1997 إلى حافة الإفلاس، كما أصبحت دولة مثل تايوان تملك ثاني احتياطي ذهبي ودولاري في العالم بعد الولايات المتحدة، مما أدى إلى تراجع نسبة الاستفادة من الطاقة الصناعية في الولايات المتحدة إلى 96.3 % في صناعة الورق وإلى 76% فقط في صناعة الآلات والتجهيزات.
و- استفحال البطالة: أصبحت البطالة بشتى أنواعها مظهراً دائماً من مظاهر الاقتصاد الغربي.. وهكذا كان على التوزيعيين من ماركسيين في شرق أوربا وكينزيين في غربها أن يعترفوا أخيراً بأن أفكارهم الحالمة والمثالية والجدلية، والقوانين الاجتماعية الأبدية التي اعتقدوا أنهم وحدهم اكتشفوها لم تؤد إلا إفلاس الدول التي حكموها وأصبح عليهم وبأصوات الطبقات الفقيرة نفسها التي جاؤوا إما لتنمية دخولها، أو لينصفوها من جور الطبقات الأغنى المحافظة الطابع أن يعيدوا إلى هذه الأخيرة الأمانة، وهذا ما تم من بريطانيا إلى الاتحاد السوفياتي عبر دول أوربا الشرقية وساحل العاج، وحتى إلى البرازيل والأرجنتين خلال السنوات 1979 – 1990.
ز- منح الثقة للمحافظين (1979 – 1990): وقد أدى كل هذا إلى أن الشعوب الأوربية الغربية, وقد حدث الكساد الاقتصادي وانتشار البيروقراطيات الاقتصادية في ظل حكم الاشتراكيين على اختلاف نزعاتهم طيلة السنوات ( 1950 – 1980 )، أعادت منح الثقة لمدة عقد من الزمن إلى المحافظين في انكلترا، وفرنسا وألمانيا الغربية على الدوام باقتصاد السوق كأفضل شكل من أشكال وأطر التعامل الاقتصادي عرفه الإنسان حتى الآن، وبهذا الشكل تمكن المحافظون من الإطاحة بكل النظريات الاجتماعية والاقتصادية سواءً منها المبنية على الجدلية المادية والصراع بين الطبقات.. أو تلك المبنية على التكافل الاجتماعي ) ([206]).

3- العولمة القديمة والعولمة الجديدة:
العولمة القديمة: عبارة عن تخطي الحدود الجغرافية والسياسية بين الدول فالفتوحات الإسلامية صورة من صور العولمة القديمة.
العولمة الجديدة: عبارة عن واقع اقتصادي وتكنولوجي تم فرضه بلغة الخطاب الأمريكي أي الهيمنة الأمريكية على أرجاء الكرة الأرضية، فالعولمة الجديدة ليست فعلاً وإنما رد فعل للثورات العلمية والتكنولوجية، ومعنى هذا أنها ظاهرة حتمية، كما أنها تمثل مرحلة تاريخية في عمر البشرية، ومن هنا يمكن اعتبار القرن الحادي والعشرين عصر العولمة الجديدة لأن هذا العصر هو عصر تزاوج الثورات العلمية والتكنولوجية التالية:
- الثورة البيو تكنولوجية ( الهندسة الوراثية ).
- ثورة تكنولوجيا المعلومات والحاسبات الآلية.
- ثورة الاتصالات العالمية ) ([207]).

4- المكونات الست للعولمة:
المكون الأول: نمو التجارة العالمية في السلع والخدمات، بل توسعت التجارة العالمية في السلع والخدمات بشكل ملحوظ خلال الفترة 1980- 1996.
المكون الثاني: زيادة تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تمكن الاستثمار الأجنبي المباشر أن ينتقل من متوسط سنوي مقداره ( 174 ) مليار خلال الفترة 1987 – 1992 ليقفز قفزة كبرى مكنته من بلوغ (644) مليار دولار عام 1996.
المكون الثالث: العولمة المالية وهو ما يُعرف اصطلاحاً بالاستثمار المالي حيث تحركت هذه الاستثمارات من حوالي 5 مليار دولار عام 1992 إلى حوالي 92 مليار دولار عام 1997، وكان للعولمة دور كبير في دمج الاقتصاديات الوطنية بالاقتصاد العالمي من جهة، وتحقيق معدلات فوائد عالية ساهمت في تدعيم دور مجالات نشاط الشركات متعددة الجنسية من ناحية أخرى.
المكون الرابع: الدور المتزايد للشركات متعددة الجنسيات، وهو دور مرتبط إلى حد كبير بتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة داخل محيط الدول الصناعية المتقدمة أو من هذه الدول إلى محيط الدول النامية).
المكون الخامس: الهجرة، حيث تُعتبر أحد مظاهر العولمة، حيث بدأت تتلاشى كثير من الحواجز، وترفع القيود عن الهجرة وبدأ الأفراد يبحثون عن فرص أفضل للحياة خارج حدودها.
المكون السادس: التكتلات الاقتصادية، وعلى الأخص التكتلات الاقتصادية بين الدول الصناعية المتقدمة وفي هذا الخصوص يمكن التفرقة بين التجمعات الاقتصادية الثلاثة التالية:
- التجمع الاقتصادي الأمريكي، والذي بدأ بإقامة منطقة التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ويضم في مرحلة أولى كل دول أمريكا الشمالية، وفي مرحلة ثانية ستضم إليه دول أمريكا اللاتينية.
- التجمع الاقتصادي الأوربي المتوسطي، والذي يخطط ليضم كل دول القارة الأوربية والقارة الأفريقية، ودول جنوب حوض البحر المتوسط
- التجمع الاقتصادي الآسيوي، وهو التجمع المعروف بالآسيان بزعامة اليابان والذي يضم دول جنوب شرق آسية وأهم الدول الواقعة في جنوب آسيا ) ([208]).

5- مثلث إدارة العولمة الجديدة:
وله ثلاثة أضلاع:
الضلع الأول: الضلع النقدي، ويشرف عليه صندوق النقد الدولي ( النظام النقدي الدولي ).
الضلع الثاني: الضلع المالي: ويشرف عليه البنك الدولي ( النظام المالي الدولي ).
الضلع الثالث: الضلع التجاري: وتشرف عليه منظمة التجارة العالمية ( النظام التجاري الدولي ).
وهناك اتجاه نحو دمج هذه المنظمات الثلاث في منظمة واحدة هي: منظمة الاقتصاد العالمي لكي تكون بمثابة حكومة اقتصادية عالمية ) ([209]).


6- الخطوط العريضة للعولمة:
هناك خطوط عريضة أربعة تمثل مفهوم ومضمون العولمة وهي:
آ- تأمين الإطار المستقر للسوق: أي يجب على الدولة عدم استخدام إنفاقها العام ومدفوعاتها وتحويلاتها وسيلة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، كما يجب أن تُستخدم معدلات الضرائب والرسوم بهدف تحقيق توازن الموازنة الأمة فقط وليس من أجل أهداف اقتصادية أو اجتماعية، ويجب أن تخلُص الدولة أيضاً من مسؤولية الرقابة على الكتلة النقدية والتحكم بها، ويطالب بالتدخل الحكومي فقط في النظام البنكي لقطع الطريق على الانعكاسات السلبية التي تحدث في القطاع الخاص وتعرضه للخطر، بل يغالون في ذلك حيث يطالبون الدولة من الانسحاب من أهم مهامها كالجيش والشرطة والعدالة والتعليم والنقل وتركه للقطاع الخاص، والمقصود بالسياسات الاجتماعية هو تدخل الدولة لصالح الفقراء والضعفاء والمحرومين أمام سطوة المترفين.
ب- سياسات التثبيت والتكييف الهيكلي: وبكلمة أخرى تنفيذ شروط البنك والصندوق الدولي بحذافيرها، فقد بدأ تطبيق العولمة الجديدة مع وصول ريغان للسلطة في أمريكا، وتاتشر للسلطة في بريطانيا والتي توجهت في البداية لمحاربة التضخم والحد منه بسياسات نقدية صارمة، فرفعت من سعر الفائدة، وأدى هذا إلى زيادة تكلفة أقساط خدمة الدين عند الدول النامية، وبدأت أزمة المديونية تأخذ أبعاداً أكثر شمولية لتضم أعداداً أكثر من الدول النامية بشكل أصبح يهدد النظام المالي والنقدي العالمي نتيجة إعسار الدول النامية، فسارعت الولايات المتحدة بشكل رئيسي بدفع البنك الدولي وصندوق النقد للعب دور رئيسي في امتصاص آثار الأزمة عبر تولي منح قروض جديدة للدول النامية لتحسين قدرتها على الوفاء بالتزاماتها مقابل تنفيذ عدد من الشروط المالية والاقتصادية، وبدأت تطالب هذه الدول بإعادة جدولة ديونها، وانصاعت إلى مشروطية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتزمت ببرامج للتثبيت والتعديل الهيكلي في بنية الاقتصاد الوطني على المدى الأبعد... وجاءت اتفاقية الجات لعام 1994 لتدشن عهداً جديداً لحرية التجارة وإزالة القيود والضوابط المحركة لرأس المال، هذه العوام أسهمت بالضغط على الحكومات التي لم ترتبط بعد ببرامج محدودة للتعديل الهيكلي لتسريع عملية الانفتاح الاقتصادي والحد من دور الدولة وقطاعها الاقتصادي العام.
وفي أوائل التسعينات كانت جميع الدول العربية تطبق إجراءات للتعديل الهيكلي سواءً من خلال برامج متفق عليها مع البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، أو من خلال إجراءات خاصة بها، ولكنها تؤدي النتيجة المطلوبة في الانفتاح والدور الرئيسي لرأس المال الخاص المحلي والأجنبي، والتقليص لدور الدولة الاقتصادي، ولدور القطاع العام بالدرجة الأولى.
جـ- تطبيق البرامج المطروحة:
قام صندوق النقد والبنك الدوليان بتنسيق جهودهما وفرض مجموعة من البرامج المتكاملة فيما بينها وتقسم هذه البرامج إلى ثلاث مجموعات:
آ- المجموعة الأولى: تركز على صافي مدخرات القطاع الخاص من خلال تخفيض الضرائب على الدخول والإيرادات، وتقديم إعفاءات وتسهيلات لرأس المال المحلي والأجنبي في المشروعات الجديدة، وإلغاء تدخل لدولة في التسعير للمنتجات والرقابة عليها، وتقديم إعفاءات جمركية على الواردات الاستثمارية والوسيطة للمشروعات الجديدة وزيادة سعر الفائدة على الودائع الادخارية.
ب- المجموعة الثانية: تركز على العجز في الموازنة العامة من خلال تقليص الإنفاق العام بإلغاء الدعم للسلع لاستهلاك الضرورية، وإلغاء الدعم للقطاع العام وزيادة أسعار السلع والخدمات التي تقدمها الدولة وإلغاء التزامات الدولة بتعيين الخريجين الجدد من المعاهد والجامعات، وتجميد الأجور أو تخفيضها، ووضع حد أعلى للائتمان المصرفي للحكومة والقطاع العام، بالإضافة إلى زيادة الضرائب غير المباشرة، وبيع منشآت القطاع العام للتخلص من عبئها وزيادة الموارد.
جـ- المجموعة الثالثة: فإنها تشمل السياسات المشجعة للحصول على النقد ورأس المال الأجنبي، وتركز على تخفيض قيمة العملة المحلية، وتحرير التجارة الخارجية، وإلغاء كافة القيود الكمية والنوعية على الواردات، وتخفيض الرسوم الجمركية إلى حدودها الدنيا، وإلغاء الرقابة على الصرف، وإعطاء رأس المال المحلي والأجنبي الحرية العامة في التنقل، وتقديم محفزات وإعفاءات مغرية لرأس المال الأجنبي للاستثمار وخاصة في مجال التصدير.
د- الخصخصة: تبرر المؤسسات المالية الدولية تمسكها بهذه البرامج بعدد من الفرضيات تعتبرها مسلمات، وهي أن تحرير الأسعار والتجارة، ونقل ملكية المنشآت العامة إلى القطاع الخاص من شأنه أن يعزز فرص النمو ويقود إلى الاستقرار المالي والاقتصادي، وإن أي تدخل من قبل الدولة من يشوه فعل آليات السوق، ويعيق تحقيقها للتوازن التلقائي.. وهي تبرر عملية نقل الملكية من العام إلى الخاص بأنها تؤدي إلى: - تقليص الأعباء المالية للدولة بالتخلص من المنشآت العامة الخاسرة.
- تحسين كفاءة ومردودية الاستثمارات والموارد.
- تحسين الكفاءة الاقتصادية عامة باعتماد آليات السوق والمنافسة.
- توفير موارد لتخفيض الدين الخارجي والأعباء المترتبة عليه.
- تطوير وتوسيع السوق المالية.
- الاستفادة من مشاركة رأس المال الأجنبي )([210]).




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:39 pm

- آثار تطبيق العولمة الاقتصادية:
آ- استمرار العجز في المديونية: مع ذلك لا يوجد دليل على هذا التحسن المزعوم، إذ تم تقليص العجز في الموازنة العامة، أما العجز في ميزان المدفوعات والمديونية الخارجية فالملاحظ أنه استمر في الزيادة، وأنه على الرغم من كل الإصلاحات في أكثر من سبعين بلداً منذ عام 1980 فإن عبء الديون الخارجية للدول النامية قد ازداد من 658 مليار دولار عام 1980 إلى 1770 مليار دولار عام 1993 وازداد الدين الخارجي للدول العربية من 141417 مليون عام 1980 إلى 157738 مليون دولار عام 1995، أي على الرغم من تطبيق معظم الدول العربية برامج للتصحيح الهيكلي، فإن مديونيتها قد ازدادت بما يقارب 11.45% خلال خمس سنوات ) ([211]).
ب- الاستعمار جديد: ( إن العولمة كما تطرح اليوم إنما تصب في النهاية لصالح الأقوياء ضد الضعفاء ولكسب الأغنياء ضد الفقراء، ولمصلحة الشمال الغني ضد الجنوب الفقير...
إن فتح الأبواب على مصاريعها بدعوى العولمة في مجالات التجارة، والتصدير والاستيراد، أو في مجال الثقافة والإعلام سيكون لحساب القوى الكبرى، والدولة التي تملك ناصية العلم والإعلام الجبار والتكنولوجيا العالية المتطورة، ولا سيما الدولة الأكبر قدرة، والأشد قوة، والأعظم نفوذاً وثروة، وهي أمريكا.
أما بلدان العالم الثالث كما يسمونها وخاصة ( البلاد الإسلامية ) منها، فليس لها في هذا السياق العالمي إلا بقايا ما يفضل من الأقوياء، إن بقي لديهم ما يجودون به من فتات على الآخرين ) ([212]).

8- العولمة المضادة:
ومن هذا المنطلق فإن قارات وحضارات العالم المختلفة عليها أن تبحث عن نمط جديد يضفي على العولمة الجديدة طابعاً خاصاً يحمي تراثها وحضارتها ويؤكد على بقاء هويتها دون إعاقة مسيرة النهضة التكنولوجية والمعرفية العالمية، معنى ذلك أننا في حاجة إلى نمط جديد يمكن من خلاله عولمة القيم الأوربية وعولمة القيم الإسلامية، وما يُسمى بالعولمة الصفراء والنموذج الآسيوي للعولمة.
وفيما يختص بالنموذج الإسلامي للعولمة، فهو عبارة عن نموذج مقترح يقوم على شقين رئيسيين هما: يتعلق بالشق الأول بعولمة القيم الإسلامية، أي بناء نهج خاص يمكن من خلاله للدول الإسلامية الترويج لقيمها في أنحاء العالم لتبقى العقيدة الإسلامية راسخة وقوية بين القيم المختلفة التي تتداولها شعوب العالم المختلفة، أما الشق الثاني فيتعلق ببناء وتوكيد الواقع الاقتصادي والتكنولوجي الخاص بدول العالم الإسلامي في القارات الآسيوية والأفريقية والأوربية.. وهناك صحوة تنموية داخل العالم الإسلامي، بل وأمكن لعدد منها الوصول إلى خيوط التنمية التكنولوجية الذاتية، وهو ما نشاهده في باكستان وإيران وأندنوسيا وماليزيا )([213]).

9- رأي دعاة العولمة العرب في الإسلام:
وذلك حسب نظر العولمة وفلاسفتها العرب للإسلام، وعلى رأسهم سمير أمين أول دعاتها العرب والتي نعرضها بفهم هؤلاء المنظرين والفلاسفة.
- بين العولمة والإسلام: يفرق ( أمين ) بين العولمة الرأسمالية الحالية وبين عالمية الامبراطوريات القديمة مثل الدولة العربية الإسلامية التي امتدت من الصين إلى الأندلس أو الدولة الرومانية، فالعولمة الرأسمالية تغطي الكون، وتلك الإمبراطوريات مجرد دول إقليمية كبرى شملت في الأكثر بين الربع والثلث من الإنسانية، والرأسمالية هي أول نظام عالمي على الكون كله.
الاختلاف الثاني: هو أن نظام العولمة والرأسمالية يستند على سيادة هيمنة المستوى الاقتصادي على المستويات الأخرى وسيادة قانون القيمة الذي هو قانون اقتصادي على جميع المستويات الأخرى بينما جميع النظم السابقة على الرأسمالية كانت قائمة على هيمنة المستوى الأيدلوجي تستطيع أن تتحدث عن الدولة ولا تستطيع أن تصفها كنظام اقتصادي، ولهذه الأديان ميول عالمية بمعنى أنها مطروحة للبشرية كلها أي ميول للتوسع على صعيد عالمي ولكن لم يتحقق ذلك عند المسيحية ولا الإسلام، أما العولمة فهي تظهر الآن في وجود نظام إنتاجي عالمي يتميز بوجود سوق مندمجة للمنتجات ولرؤوس الأموال، ولكن سوق العمل غير مندمجة )([214]).
آ- الإسلام دين المتخلفين: ( يذهب الإسلاميون إلى تقديم أنفسهم كبديل لفشل الرأسمالية الغربية والاشتراكية الغربية، ويرفض أمين هذه الفرضية جذرياً.. ولا يمكن فهم ظاهرة صعود الحركات الإسلامية إلا بوضعها ضمن عملية التطريف والعولمة.. فهناك دول حققت رغم تبعيتها قدراً من النجاح في تحقيق تنافس نسبي في السوق العالمية ويطلق عليها اسم ( العالم الثالث ) ويراها تمثل قلب رأسمالية الأطراف للمستقبل وهناك دول أخرى سماها ( أمين ) ( العالم الرابع ) وهي تحتل الدرجة الدنيا في التراتبية العالمية وهي تضم العالم الإسلامي بكليته – عدا تركيا وأجزاء من آسيا الوسطى تحت النظام السوفياتي السابق ([215])، بالإضافة إلى أفريقية جنوب الصحراء، فهناك قدر من النضج أو التطور في ردود الفعل في مجتمعات الفئة الأولى ( العالم الثالث ) يتخذ شكل صراعات اجتماعية أو طبقية أو سياسية، بينما في العالم الرابع نجد حركات الرفض الشعبي والحركات الإسلامية أحدها تغيب عن إدارة الصراع على أرضيات الحياة الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية وهجرها إلى سماوات الحلول العامة المجردة: الإسلام هو الحل، وامتناعها عن ترجمة هذا الشعار المجرد إلى برنامج ملموس يتناول المطالب الشعبية وإجابات عينية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية.. وقد نشطت الحركة الإسلامية بين الفئات المهمشة من القادمين من الريف دون أن تستوعبهم المدينة والتي تختلف في نشأتها عن المدينة البورجوازية([216])، وكان من آثار تطور مجتمعات العالم الرابع أن هذه الفئات تعيش حرماناً يبعدها عن أي مشاركة فعالة في السلطة والثروة، وتحاول الحركة الإسلامية التعبير عن الأزمة بتفسيرات مختلفة ولكن أهم الآراء السائدة هي النظرة إلى القضية باعتبارها أزمة هوية بينما هي في حقيقتها أزمة التوسع الرأسمالي عالمياً.... واستطاعت الحركة الإسلامية على أساس أنها فكر أزمة أي تنتشر في مناخ الأزمات أن تجتذب أغلب الساخطين بسبب الفراغ السياسي والتدهور الفكري والثقافي مع غياب الوعي أو تزييفه.
ب- الأصولية في مواجهة التحديث والحداثة والعولمة: ( تتسم الحركات الإسلامية بأن نموذجها المثالي موجود في الماضي.. لذلك لا يكون في إطلاق تسمية الأصولية عليها أي نوع من التجني أو تعميم، وعند (أمين) ينتقل من مرحلة التحديث إلى الحداثة، إذ تتضمن عملية التحديث إشكالية التخلف والتقدم واللحاق ولكنها تبقى ناقصة أو مستحيلة دون إتمام ثورة في الفكر والثقافة تنقل المجتمع من عصر هيمنة الميتافيزيقا([217]) الى عصر التحرير من هذه الهيمنة.
فالفكر الحديث تخلى عن الاهتمام بالبحث عن الحقيقة المطلقة، فالاجتهاد ممكن في العقيدة وله سقف معين، أما الإبداع فينطلق نحو فضاء أرحب في مجالات المعرفة الأخرى أي تلك التي لا تحكمها الشريعة أو النصوص الدينية، هذا هو مدخل وشروط الثورة الثقافية والتي هي في هذه الحالة ثورة في الدين، للخروج من مأزق الفكر الوسيط من الجانب الآخر ) ([218]).

جـ- الأصولية بين الفكر والممارسة: ( يحول الأصوليون الصراع أو التناقض إلى آخر عقائدي أو ديني وقد ارتكزوا على فكرة أن الإسلام هو الحضارة.. وترد مثل هذه التوصيفات في أغلب أدبيات الحركة الإسلامية,وهي قاطعة في رأيها بأن الإسلام يوجد في داخله وليس مطالباً باللحاق بنموذج خارجه, كل المطلوب أن يعيد إنتاج نفسه ولكن حسب المبادئ الإسلامية ذات الطابع الشامل، ولا تمنع من الأخذ بالتكنولوجيا والعلوم شريطة إخضاعها للعقيدة التوحيدية المتمثلة في الإيمان بالله الواحد الخالق.. ولا يرجع عجز الحركة الأصولية عن الاستجابة إلى طبيعة الدين أو عدم مرونته، ولكن إلى قدرات الحركة نفسها.. فلم تحقق الصحوة الإسلامية المزعومة خطوة أولى مهما كانت متواضعة في اتجاه الثورة الثقافية المطلوبة، بل على العكس مثلَّت ثورة مضادة دون أن يكون قد حدثت ثورة قبلها، فالحركة الأصولية بمختلف أجنحتها أحد أعراض الأزمة وليس حلاً لها، لذلك لن تقود ثورة ثقافية بل ستفاقم التدهور بكل صورها، وتستمر في عجزها عن مواجهة التحدي.
فالشعب المتخلف يفهم دينه فهماً متخلفاً، ( والتحرر عند أمين ) هو إبعاد جميع المطلقات، وإحلال مطلق وحيد مكانها وهي حرية الفكر الكاملة، وهكذا تشترط الديمقراطية، العلمانية إبعاد الدين عن السياسة والفكر وأن يكون الدين خاصاً بالفرد )([219]).
د- أسلمة الحداثة أم تحديث الإسلام: ( لقد وجدت الحركة الأصولية نفسها بين خيارين ؛ إما أن تملأ الحداثة بمضمون إسلامي أو تقوم بإصلاح ديني يحدث الإسلام، واختارت الأصولية مهمة أسلمة الحداثة لذلك كثر الحديث عن الاقتصاد الإسلامي وإسلامية المعرفة وحتى درجة البحث عن سينما إسلامية أو فن إسلامي ويحاول الأصوليون الوصول إلى فصل تعسفي بين المادي والروحي فهم مثلاً يقولون أنهم مع الديمقراطية كطريقة لاختيار الحكام وتداول السلطة، لكنهم يرفضون النواحي الفلسفية التي قامت عليها، فهم مثلاً مع الصناعة دون مشكلاتها الاجتماعية... وبسبب قبول الليبرالية الاقتصادية لا يمكن القول بأن الأصوليين والحركة الإسلامية معادون في حقيقة الأمر للغرب أو بالأصح للرأسمالية العالمية، على العكس من ذلك يؤدي الخوف المرضي من الشيوعية والإلحاد إلى تنازلات في التعامل مع الغرب الرأسمالي، هذا عن إيران، أما الدولة الأخرى التي وصل فيها الإسلاميون إلى السلطة من خلال انقلاب عسكري وهي السودان فقد اختطت سياسة خصخصة لا تختلف عن مصر أو تونس أو ساحل العاج، وقد قبلت السودان خلال حكم الإسلاميين كل شروط صندوق النقد الدولي، ورفع القطاع العام يده عن كثير من المشروعات الاستراتيجية مثل المواصلات والاتصالات، بل رفعت الدولة الدعم عن التعليم والصحة، ويشجع النظام الحاكم القطاع الخاص والمبادرة الفردية إلا إنها رأسمالية موجهة تميز أعضاء حزب الجبهة الإسلامية القومية الحاكم، وهكذا بينما يحاول الإسلاميون أسلمة الحداثة يجدون أنفسهم قد انغمسوا في العالم([220]) دون مقاومة حقيقية غير التشنج والصراخ، يقول ذلك شايغان عن التجربة الإيرانية التي يمكن تعميمها ([221]).
هـ- خلاصة رأيه: يصل ( أمين ) إلى استنتاج نهائي بأن الصحوة الإسلامية المزعومة هي موجة رجعية تنخرط في استمرار تسلط فكر عصور الانحطاط التي سبقت الغزو الرأسمالي، وقد حدثت هذه التطورات المؤلمة في الحقبة التاريخية نفسها التي تتميز في المناطق الأخرى بالتقدم في كلا مجالي الإبداع الاجتماعي العلماني والاجتهاد المبتكر في التأويل الديني لأن الذي نراه حتى الآن إنما هو مزيج من تأكيد الطقوسية الشكلية والغموض في الإجابة على المشاكل التي تواجهها المجتمعات المعاصرة وفي نهاية المطاف مذهب يجمع بين تسلط الفكر الديني المتجمد وبين الخضوع لمقتضيات استمرار سيطرة الاستعمار الغربي، ونجد نموذجاً لهذا الجمع في تطبيقات الاقتصاد الإسلامي وفي النظم القمعية في دول تحكم باسم الدين وتجد بعض القبول لدى شعوبها.
والعالم العربي كجزء من العالم الرابع كان الصراع فيه متدنياً وظل رجال الدين المسلمون محافظين ووقفوا في أغلب الأحيان ضد السلطة الوطنية في بلادهم, فهم نتاج مجتمع فلاحي وتعليم ديني قروسطي، لذلك كان لا بد أن يعجزوا عن ولوج المغامرات الفكرية والخروج عن عقلية القطيع، ولم يمثل التجديد الديني تياراً، بل ظل اجتهاداً فردياً تعرَّض للاضطهاد، وبقيت تهمة الردة مشروعة أمام كل مجتهد وقد يصل الأمر لدرجة الإعدام كما حدث للأستاذ محمود محمد طه، أو الاغتيال النفسي والمعنوي كما حدث لنص حامد أبو زيد بإبعاده خارج وطنه ومحيطه الأكاديمي والفكري.
أظهر العرض السابق أن الأصولية فشلت في توفيقيتها لأنها تريد أن تجمع الماء والنار، فهي تحاول أن تأخذ التكنولوجيا مثلاً بدون العقل العلمي أو النقدي، أو أن تستسلف المؤسسات وطرق الإدارة الحديثة مع إبقاء القدرية والاتكالية إنها حداثة معكوسة، وأعني بذلك تحاول عبثاً أن تخلق مجتمعاً حديثاً بأدوات قديمة وتقليدية.. هذا هو مأزق الأصولية، لذلك نتساكن أو نتعايش التكنولوجيا مع الخرافة أو توظف لأغراض رجعية، كما يحدث بالنسبة لاستعمال التلفزيون في تعليم البنات منفصلات عن الشباب والأساتذة الذكور في بعض البلدان العربية.
تواجه الأصولية إشكالية أخرى في العولمة، إذ تدعي الأصولية امتلاك الحقيقة المطلقة، وهذا ما يجعلها إقصائية ورافضة للآخر لدرجة إمكانية إلغائه بقصد تحقيق النقاء في الفكر أو الحياة، وما العنف الذي تمارسه إلا بسبب ادعاء دور رسائلي وتبشيري لنشر حقيقتها المطلقة، ولكن الميزة الأساسية في العولمة أن النسبية هي المطلق الوحيد، إن صح التعبير، فالعولمة لا تسعى إلى خلق مركز أو قطب واحد كما يبدو ظاهرياً ولكنها تعمل على زحزحة الثوابت، وفي هذه الحالة يصعب فرض ثقافة مركزية عالمية، ولكن ستوجد ثقافات إنسانية عالمية تشترك في طرائق تفكير واستخدام أدوات عالمية، ولكنها تتنوع في التعبير عن خصوصية غير ثابتة، أي نسبي )([222]).

10- العولمة والعرب:
الاستعمار الجديد: أصبح من الأمور المسلم بها أن الاستعمار المباشر بصورته السافرة قد أخلى سبيله إلى نوع آخر من الاستعمار يتعرف عليه بأنه استعمار جديد، فيما يمكن اعتباره تأكيداً على استمرار جوهره ولكن بأساليب تخفي الوجه السافر للاستعمار، ولكنها تتحقق بدرجة أعلى من الكفاءة وبمسحة أكبر من التظاهر بالإنسانية ).
آ- العولمة ؛ النظام العالمي الجديد: هناك محاولات مستمرة لتسوية الصراع التاريخي بين العرب وإسرائيل، فما علاقة العولمة بذلك ؟ لعل محاولة تلَّمس الإجابة على هذا التساؤل تمر عبر النقاط الثلاث التالية:
النقطة الأولى: إن العولمة هي محاولة تسييد القوة بمفهومها الشامل الاقتصادي والسياسي والتقني والإعلامي والثقافي، وهي بالتالي الأساس الذي سوف يصنع أو يصبغ شكل النظام في القرن الواحد والعشرين.. هذا يعني أن النظام الدولي الجديد ونحن على أعتاب القرن الواحد والعشرين سيكون أخطر بكثير من النظام الدولي الذي سبقه في القرن العشرين، فإذا كان هذا الأخير قد نجح في تجزئة القوميات في العالم وتكوين الدول والكيانات السياسية في آسيا وأفريقية وشرق أوربة وأمريكا الجنوبية، وعلى أساس وطني أو إقليمي، فإن النظام القادم سيعمل على اختراق تلك القوميات، وسيقوم بتفتيت بعض الدول والكيانات وسوف لا تقارن النتائج التي أسفر عنها مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 بما ستسفر عنه نتائج النظام الآتي.
النقطة الثانية: بما أن الولايات المتحدة تتمتع اليوم بأدوات ووسائل القوة بمعناها الشامل، فإنها تحاول أن تسخر العولمة لصالحها، حتى ليمكننا القول إن الخطط والأطروحات المتتابعة التي يشهدها العالم اليوم من أجل ولادة العولمة إنما ترتبط عموماً بالمشروع السياسي الأمريكي الجديد، وهو المشروع الساعي لتوحيد العالم من خلال رأسمالية السوق.
يكفي أن نشير هنا إلى أن أولى الخطوات التنفيذية لهذا المشروع كانت قد نمت من خلال الحرب التي دارت رحاها على الأرض العربية في الخليج شتاء 1991، لقد كانت هذه الحرب أشبه بحرب عالمية واجه فيها (الشمال ) - الذي تقوده الولايات المتحدة – بعد أن حولت أوربا واليابان إلى تابعين لما تفعله، الجنوب وجرت فوق ميدان إقليمي وفوق هذا الميدان قادت الولايات المتحدة حرباً من أجل النفط وإسرائيل وعلى حساب ( العالم الثالث ).
النقطة الثالثة: إن الأحداث التاريخية قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الولايات المتحدة لها القدرة على استخدام أقصى وسائل الردع والحسم الكبرى التي تمتلكها من أجل إبقاء نفوذها وسيطرتها على منطقة الشرق الأوسط ذات الموقع الحيوي في العالم.
وهكذا، كانت وما تزال وستغدو هذه المنطقة أهم مجال حيوي وأعظم منطقة استراتيجية بالنسبة إلى مصالح الولايات المتحدة التي كانت وما تزال تدعم الأنظمة السياسية الموالية لها، فضلاً عن تبنيها نشأة قوة إسرائيل وتبلورها داخل المنطقة.. وهكذا فإن الدائرة المكونة لهذه النقاط الثلاث وإن كانت تشير إلى بانوراما المناخ العام الذي يلف ( العرب ) في إطار (العولمة ) وتجلياتها فإنها في نفس الوقت تؤكد أن ما يجري على الأرض العربية خصوصاً وفي منطقة – الشرق الأوسط – على وجه العموم منذ أولى تباشير عقد التسعينات الجاري، إنما يتم بغرض تحقيق استهداف محدد، ترتيبات إقليمية جديدة تتلاءم – في الأساس – مع الرؤية الأمريكية الاستراتيجية لفترة ما بعد الحرب الباردة، ولا شك أن التصفية السريعة للقضية الفلسطينية - التي قد تجري قبل أن ينتهي هذا القرن – وتسوية الصراع التاريخي بين العرب وإسرائيل تأتي في مقدمة تلك الترتيبات المستهدفة من حيث كونها تتسق مع الرؤية الأمريكية الجديدة ضماناً لمصالحها البعيدة وإدراكها أن محور النفوذ العالمي يتمثل في جزء هام منه في السيطرة على ( الشرق الأوسط ) اقتصادياً وعسكرياً.
ب- العرب والتسوية, ملامح الترتيبات الإقليمية: يمكن الولوج إلى محاولة الاستشراف هذه من خلال العديد من الملاحظات المتعلقة بمقدمات ونتائج التفاعلات الراهنة... والتي يمكن أن نوجزها كما يلي:
الملاحظة الأولى: وهي تلك المتعلقة بالتحول الدولي السريع إلى مرحلة التكتلات العملاقة أو الديناصورية مع نهاية هذا القرن العشرين، وعلى ما يبدو من خلال متابعة ما يحدث من تحركات متعاكسة على جانبي الأطلنطي، ولا نجاوز الحقيقة كثيراً إذا قلنا إن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي على وشك أن يتقاسما العالم بينهم، فالولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وإضافة إلى أنها تمسك بقسم كبير مما يسمى بنصف الكرة الغربي، وتقيم منطقة اقتصادية مندمجة تشمل - فضلاً عنها – المكسيك وكندا – نافتا – ناهيك عن البرازيل والأرجنتين وفنزويلا، فإنها تحاول العمل على تحويل مركز ثقل الرأسمالية العالمية من أوربا إلى الشرق الأقصى... من الأطلسي إلى الهادي، وإحداث تبادل تاريخي لا سابقة له في الساحة التي شهدت أهم فصول التقدم الرأسمالي والهيمنة على العالم خلال القرون الستة الماضية تبدلاً لا يعرف أحد مداه أسس وإطار العلاقات الدولية.
وهذا جلياً من خلال الخطة الأمريكية الرامية إلى احتضان 18 دولة عضو في منتدى دول منطقة آسيا والمحيط الهادي ( أبيك ) في منطقة تجارة حرة بحلول عام 2020، والملاحظ أن هذا المنتدى سينضوي تحت رايته أقوى اقتصادين في العالم وأسرعها نمواً ( اليابان والصين ) ثم أمريكا بالإضافة إلى الاتساع الهائل في عدد سكانه وفي أسواقه ( الصين ودول جنوب شرقي آسيا واستراليا ونيوزلاندا ) ومن ثم فإن هذا التكتل يشكل كتلة ضخمة تضم نصف سكان العالم تقريباً وتهيمن على نصف الإنتاج العالمي، وحجم تجارتها ليس في حاجة إلى تعليق، ويبدو أن هذه الكتلة تهيأ أكثر من غيرها لوراثة مقعد مجموعة السبع الغنية في بدايات هذا القرن.. إضافة إلى الخطة لتهدئة الصراع بين العرب وإسرائيل، وإدخال أطرافه في أنماط جديدة من الصراعات الدولية تلعب فيها هذه الأطراف دوراً لا تقاس أهميته الدولية بأهمية النتائج التي يمكن أن تترتب بالنسبة للمصالح الأمريكية على استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وامتناع إسرائيل عن الاعتراف بالوجود الوطني لشعب فلسطين، هذا وإن كان يشير إلى أن الحسابات الأمريكية تتجاوز احتمالات الخطر الناجمة عن (الطابع العربي –الإسلامي) للصراع ضدها وضد إسرائيل، فإنه في نفس الوقت يعني أنها تسعى لاحتواء الأدوار العربية، بل ودمجها في منظومة إقليمية مع إسرائيل ؛ المنظومة الشرق أوسطية من أجل الاستفادة منها في الصراعات الدولية المحتلمة خلال بدايات القرن الحادي والعشرين القادم.
أما اتحاد أوربا الغربية، من جهة أخرى فإنه يعمل على توسيع دائرة حركته في الاتجاهين الشرقي والجنوبي، يبدو هذا جلياً من خلال المشروع الذي طرحته المفوضية الأوربية والذي تناولته قمة ( آيسن ) الألمانية في نهاية 1994، والذي يهدف إلى إبرام معاهدات أمنية وإقامة منطقة تجارة حرة بحلول عام 2010 تضم كتلة سكانية قوامها 800 مليون نسمة تسكن 40 دولة من دول الاتحاد ودول أوربا الشرقية ودول الشمال الأفريقي المطلة على البحر المتوسط وتلك الواقعة إلى الشرق منه.
الملاحظة الثانية: وهي تلك المتعلقة بما يجري على ساحة المنطقة التي يقع الوطن العربي في موقع القلب منها والتي تملها دائرتين متقاطعتين دائرة ( الشرق أوسطية ) ودائرة ( المتوسطية ) وهي المنطقة التي تشهد في هذه الآونة المعادلة ( الأمريكية الأوربية ) التي تقوم على منظور ظاهرة التعاون، وصراع الكواليس.. ولا عجب والحال هذه أن تبدو بوضوح طبيعة المعادلة الأمريكية – الأوربية، المشار إليها.. فتتعامل الولايات المتحدة مع المنطقة العربية بمنظور المصلحة المزدوجة حيث تبرز مصالحها الاقتصادية النفط، عوائده، السوق، الممرات من جانب، ومن جانب ثانٍ تبرز مصالحها السياسية على أساس أنه من يسيطر على ( أو على الأقل يتحكم في ) هذه المنطقة يصبح ( سيد العالم ) كما أثبتت التجربة التاريخية.
الملاحظة الثالثة: بعد أن راهنت إسرائيل خلال العقود الأربعة الأخيرة على تحدي المنطقة العربية، وما كان يجلبه لها هذا التحدي في سياق ( الحرب الباردة ) من دعم خارجي تطمح الآن من خلال توقيعها على اتفاقيات التسوية إلى جعل هذه المنطقة نفسها عن طريق استغلال ما بها من إمكانيات واسعة مرتكزاً وقاعدة لإحداث طفرة اقتصادية، وتقنية داخلية تسمح لها بالدخول المنتج والإنتاج العالمي في السوق العالمية، فانفتاح السوق العربية الواسعة عليها هو اليوم الفرصة الملائمة تماماً التي تسمح لها بتجاوز وضعية اقتصاد ( القلعة المحاصرة ) المعتمد على التمويل الأجنبي والمساعدات الخارجية، وتكفينا الإشارة هنا إلى خطة السلام التي اقترحها شمعون بيريز مهندس أطروحة – إسرائيل الكبرى اقتصادياً – وفيها ظهر بوضوح أن ما يريده الإسرائيليون في ظل الترتيبات الجديدة ليس -مقايضة الأرض بالسلام – ولكن مقايضة الجزء بالكل والخضوع لمعادلة جديدة لتقسيم العمل في المنطقة سوف تكون عناصرها كما طرحها بيريز كما يلي: ( النفط السعودي + الأيدي العاملة المصرية + المياه التركية + العقول الإسرائيلية )، بل إن ما يزيد الأمر وضوحاً هو ما جاء في كتاب بيريز المعنون: الشرق الأوسط الجديد حيث يذكر فيه ما يلي: يؤدي السلام بين إسرائيل وجيرانها إلى خلق مناخ لإعادة تنظيم أساسية لمؤسسات الشرق الأوسط، وإلى نوع جديد من التعاون.. ويُعتبر التنظيم الإقليمي مفتاح السلام والأمن، وسوف يشجع الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والتطوير القومي ورفاهية الأفراد، إن إقامة السلام تتطلب ثورة في المفاهيم.. وإن هدف إسرائيل النهائي هو خلق مجتمع إقليمي من الدول بسوق مشتركة وهيئات مركزية ومصممة على غرار الجماعة الأوربية.
الملاحظة الرابعة: وهي المتعلقة بالتوجهات العامة لدى البلدان العربية في الآونة الأخيرة، وخاصة في ظل الضغوط الهائلة لإلحاق المشرق العربي بـ ( الشرق أوسطية ) الجديدة، وإلحاق المغرب العربي بأوربا الغربية أو ( المتوسطية ) وإغراق الخليج العربي بهواجس الدفاع عن الثروة النفطية الجاذبة للأطماع، وإغراق السودان والصومال في الفضاء الإفريقي، وتأسيس الخطوة الأولى لإطلاق اليد الإسرائيلية للهيمنة الاقتصادية، وهي الخطوة المتمثلة في الدائرة الثلاثية ( إسرائيل، الكيان الفلسطيني، الأردن )([223]).
فنحن العرب على أبواب مرحلة جديدة لا تقوم فقط على ( التجزئة الثالثة ) للوطن العربي خلال القرن العشرين، بل تعتمد أيضاً على قاعدة التوظيف الاتجاهي بين كل من العرب وإسرائيل، وبينهما معاً وبين استراتيجيات القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي خلال العقود الأولى من القرن القادم من خلال الدوائر المتقاطعة ( الدائرة المتوسطية ) و ( الدائرة النفطية ) و ( الدائرة الشرق أوسطية )([224]).




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:41 pm

- سوريا والعولمة:
ويحسن أن نعرض الوضع الاقتصادي في سورية مباشرة من وزير التخطيط السوري الدكتور عدنان الزعيم الذي يعرض الوضع الاقتصادي السوري ابتداءً، ثم يعرض تحديات هذا الاقتصاد من العولمة وذيولها في التطبيع مع اليهود والمصالحة مع إسرائيل.
آ- أكثر من نصف الشعب يعاني من فقر حقيقي: لقد وجهت مجلة الأموال مجموعة من الأسئلة للوزير السوري من أهمها:
- ماذا عن السياسات المالية والقطاع المالي ؟
- التطور الذي تم في القطاع النقدي اتصف بتوحيد أسعار الصرف عبر عملية تخفيض تدريجية متعددة المراحل في قيمة النقد السوري، ويمكن القول أن هذا التخفيض قارب نهايته في الميزانيات العامة الأخيرة 1998- 1999 حيث بلغ صرف الدولار الواحد 45 ل.س وهو قريب جداً مما نسميه سعر السوق السوداء، ولكن هذه الخطوات دفعت أيضاً إلى تدهور القوة الشرائية لكل من يتقاضى راتبه بالعملة المحلية، وهناك ظاهرة أخرى هي أن الأجور تزداد سنوياً بنسبة ثابتة وهي 9.45 سنوياً ولكن هذه الزيادة لا تتناسب مع التضخم، وبالتالي فإن الهوة بين الأجور والأسعار تتسع منذ سنوات عديدة، وقد أدى هذا وذاك إلى تدهور القوة الشرائية، وانتشار ظاهرة الفقر، وانحدار الطبقة الوسطى إلى مستوى الفقر، وتقلص الطلب المحلي وبالتالي ضعفت فرص النجاح أمام الاستثمار الوطني، وحتى أصحاب الدخول العليا في الدولة أصابهم الضرر من جراء انخفاض قيمة النقد، وتآكل القوة الشرائية، فالتخفيض وصل إلى 300% خلال 20 سنة، وهناك حوالي مليون ونصف شخص يعملون في قطاع الدولة المدني أو العسكري، والغالبية الساحقة من هؤلاء يكفيها أجرها وبالتالي نحن أمام مشكلة تواجه 6 – 7 مليون شخص.
وهذا يعني أن أكثر من نصف المجتمع يعاني من فقر حقيقي، ونحن نعلم أن رواتب العاملين في الدولة بشكل عام تكفيهم مدة تتراوح بين أسبوع إلى عشرة أيام، وبقية الشهر يفتقرون إلى ما يصرفونه، ومن هنا بدت ظاهرة الرشوة والفساد التي تميز واقع الاقتصاد السوري.
ب- تحدي العولمة: ومن الأسئلة التي وجهتها المجلة للوزير:
هل تعتقدون أن القطاع الخاص يستطيع بمفرده أن يتحمل عبء التنمية في هذه المرحلة ؟
- لا يستطيع القطاع الخاص تحل عبء التنمية بمفرده، لأن عبء التنمية أكبر من قدرته، فنحن في عصر العولمة حيث يواجه القطاع الخاص تحديات لم يسبق لها مثيل بالنسبة إليه، ففي عصر الحرب الباردة كان نشاط القطاع الخاص مركزاً بصفة هامشية على التصدير، وكانت التحديات الخارجية قليلة، أما الآن فلم يعد بإمكان هذا القطاع أن ينمو متجاهلاً تحرير التجارة، وبالتالي فالتحديات التي تواجهه لا تطاق، وهي تحديات تبدأ بسوق التصدير، وتشمل قبل ذلك السوق الوطنية فهو خاضع لتحديين داخلي وخارجي، ولهذا فهو يحتاج إلى الدولة.
لقد وقعنا في الماضي في خطأ لأننا اعتبرنا قطاع الأعمال الخاص ممثلاً للإقطاع، والذي يشمل قطاعات طفيلية دورها في التنمية هامشي وسيء، وهذا الخلط أدى بنا إلى شطب البورجوازية جملة وتفصيلاً، الأمر الذي أضر كثيراً بعملية التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي([225]).
ولكن في ذات الوقت فإن الانتقال إلى الطرف الآخر أيضاً خاطئ، إن الاعتقاد بأن الاقتصاد الخاص يستطيع أن يقوم بعبء التنمية، وأن القطاع العام مرادف للفشل والفساد([226])، فالمسألة الأساسية هي مسألة سياسية، ومسألة رقابة اجتماعية على مختلف الأنشطة، فعندما تكون هناك محاسبة وهناك شفافية، فلن تصبح المسألة مسألة قطاع عام أو خاص.. صحيح أن القطاع الخاص السوري يملك تقاليد عميقة وراسخة ويتصف بنضج سياسي، ولكن هناك أيضاً عناصر من هذا القطاع حديثة العهد بالنشاط الاقتصادي، ولا تملك تجربة لا في الإدارة الاقتصادية ولا في التعامل مع الأحداث السياسية.. ونحن بحاجة إلى توليفة تضم القطاع العام والخاص وتشرف عليها الدولة([227]).. وفي الحقيقة فإن التجارب الوحيدة التي نجحت في العالم بعد الحرب العالمية الثانية.. وحققت نتائج باهرة هي التجارب التي اعتمدت على أولوية الدولة والمزاوجة بين قطاع الدولة والقطاع الخاص.
جـ- تحدي السلام وسوق الشرق أوسطية:
من أهم المسائل التي تواجه سورية في المرحلة الحالية مسألة السلام مع الكيان الصهيوني، والسؤال: كيف ينعكس السلام على الصعيد الاقتصادي ؟ وما هي سبل مواجهة آثاره ؟
... إن عملية السلام تتم في مناخ اقتصادي يتصف بتحرير التبادل، ويتجلى هذا التحرير أولاً في قمة الأرغواي وتأسيس منظمة التجارة العالمية, وانضمام عدد كبير من الدول العربية إلى هذه الاتفاقية ([228]).
وهناك ضغط كبير على سوريا من أجل الانضمام إلى اتفاقية التجارة الحرة، وفي الوقت نفسه تواجه سورية تحديات تحرير التجارة في إطار السلام الإسرائيلي، فإقامة علاقات ثنائية مشتركة معناه تحرير التجارة والتبادل والتعاون الاقتصادي بين سورية وإسرائيل.
- كيف تنظر إلى مشروع الشرق أوسطية إذا تم توقيع اتفاق سلام بين سورية وإسرائيل ؟
هذا المشروع يشكل أخطر التحديات التي تواجه سوريا في مرحلة ما بعد السلام، وكما هو معروف فإن هذا المشروع ولد من أفكار شمعون بيريز، وتبنته جامعة هارفارد والإدارة الأمريكية وصاغته في برنامج وثيقة عرفت بوثيقة هارفرد.
وتنص هذه الوثيقة على تشكيل مثلث استراتيجي ( إسرائيلي، أردني، فلسطيني ) حيث تدمج إسرائيل في اقتصادها العملاق الاقتصاد الفلسطيني الهش، والاقتصاد الأردني الضامر، وتصبح هي مركز الثقل بدون جدال في هذا المثلث، أي سوف يتحكم في مصير الوطن العربي شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وهذا المشروع سوف يضع سورية في موقف لا تُحسد عليه، ومعروف أن سوريا قد رفضت الانضمام إلى هذا المشروع، كما رفضت أن تشترك في أي قمة من القمم الخمس التي عقدت من أجله، ولكن إذا وقعت سوريا اتفاقيات السلام وقبلت التطبيع، فلن يكون لديها حجة لترفض الدخول في مشروع الشرق الأوسط، وبدخولها ستواجه تحدياً كبيراً يكمن في أن سوريا بموقعها الجغرافي السياسي هي في موقع المواجهة المباشرة مع إسرائيل لأنها القوة الوحيدة التي يمكن أن تواجه إسرائيل في هذه المنطقة، وسيكون الصراع على من يتحكم في قلب الوطن العربي عربياً، أم يصبح إسرائيلياً والمشروع ينص على تحويل الوطن العربي إلى منطقة شرق أوسطية، وتحويل القلب العربي إلى قلب إسرائيلي يبتلع الاقتصادين الأردني والفلسطيني.
- فكيف يمكن لسوريا أن تواجه مثل هذا التحدي ؟
يمكن لسوريا أن تكون البديل لإسرائيل بأن تندمج ليس فقط مع لبنان، وإنما أيضاً مع الأردن وفلسطين من أجل تشكيل نواة اقتصادية بديلاً عن الاقتصاد الإسرائيلي، وإذا تشكلت هذه النواة البديل فيمكن القول أن مشروع الوحدة العربية لم يمت، أما إذا لم تتمكن سوريا من أن تقيم اندماجاً اقتصادياً مع الأردن ولبنان وفلسطين، وبالمقابل تكون إسرائيل قد نجحت في تحقيق مشروعها الشرق أوسطي الاقتصادي، في هذه الحالة سيكون من الصعب جداً الحديث عن أي اندماج عربي في المستقبل ) ([229]).
د- أسوأ أزمة ركود اقتصادي:
وأظهر استطلاع للرأي أن الأسواق تعاني أسوأ أزمة ركود اقتصادي على الرغم من محاولات الحكومة إخراجها من التعثر وتحسين الوضع المعيشي للمواطنين، وبيَّن الاستطلاع الذي أعدته صحيفة تشرين الحكومية وشمل عينة مكونة من 100 شخص ما بين منتج وتاجر جملة ومفرق، أن 99 % من المشاركين أجمعوا على أن الأسواق المحلية تعاني من أسوأ حالة ركود وتصريف للبضائع، وأوضح الاستطلاع أن القطاعين العام والخاص كانا متساويين تقريباً في درجة الضرر من الركود وفقاً لآراء 71 % ممن شملهم الاستطلاع.. ووجَّه سؤالاً آخر إلى العينة عن الأكثر فئات تضرراً من هذا الركود وأجاب 235 % بأن المواطن كان هو الأكثر معاناة من الركود )([230]).
هـ- عارف دليلة الخبير الاقتصادي يشهد: نشرت صحيفة الثورة الرسمية يومي السبت والأحد الماضيين دراسة على حلقتين للخبير الاقتصادي انتقد فيها بشدة السياسة الاقتصادية للحكومات السابقة وكتب دليلة العميد السابق لكلية الاقتصاد في جامعة دمشق أن النتيجة المنطقية والحتمية لمثل هذه الإدارة الاقتصادية على جميع المستويات هي ما نراه اليوم على الأرض من توقف للتقدم الاقتصادي منذ عشرين عاماً، وأضاف: إن النتيجة كانت إعادة توزيع الدخل القومي من جيوب 80 % من السكان على 2 إلى 5 % من السوريين الذين لا يحكمهم القانون، وتزايد معدلات البطالة بين الشباب والخريجين الذين يسعون إلى الاغتراب ([231])...
وأشار الكاتب إلى أن الزيادة الأخيرة للرواتب ستكلف الخزينة 2 مليار ليرة سورية، ورغم إنكار الوزراء الاقتصاديين لأي زيادة أسعار لتغطيتها، فقد أصدروا زيادات سعرية تمثلت في زيادة سعر علبة التبغ خمس ليرات سورية، وهو أمر سينتج عنه زيادة دخل المهربين 10 مليارات ليرة مقابل مليارين فقط للخزينة.
إن العولمة تغزو العالم، وهي تمضي في ضغوطها على سوريا، لتستغل وضع الاقتصاد السوري السيء وتسد كل الخيارات أمامه إلا طريقها التي تستنزف فيها ثروة البلد، وإذا كانت العولمة هي مجتمع الخمس مقابل الثمانين % فهذا محقق في سورية منذ عشرين عاماً كما شهد بذلك دليلة ( الذي سرَّحه رئيس الوزراء السوري السابق ( محمود الزعبي ) لجرأته في نقد السياسات الاقتصادية للدولة، وأعاده رئيس الوزراء الجديد ليستفيد من خبرته ) والاقتصاد السوري يمضي الآن في طريق معاكس للاشتراكية لينقض كل ذلك البناء الذي بناه في حوالي أربعين عاماً، حيث اكتشف خطأه، وبدأ يتراجع عنه بخطوات سريعة هائلة بإعادة دور القطاع الخاص، وإعطاء الحرية الاقتصادية كاملة.

12- الصهيونية والعولمة:
لقد رأينا جزءاً أساسياً من دور الصهيونية في عملية التسوية، والسيطرة على اقتصاد الشرق الأوسط وخطورة هذه التسوية على العالم العربي والإسلامي، وإذا كانت أمريكا هي زعيمة العولمة وهي التي تريد أن تفرض ثقافتها على العالم من خلالها، فلا بد من الحديث عن الارتباط بين مبادئ الصهيونية ومبادئ العولمة من جهة، ومن ربط تأثير الصهيونية على الحكم والاقتصاد في أمريكا، ودورها في بناء العولمة من جهة ثنية.
أولاً: الالتقاء في المبادئ:
آ- إهمال الفقراء: تصر العولمة على إلغاء جميع التزامات الدولة نحو الفقراء والمعوزين حتى تبقى حرية اقتصاد السوق بدون قيود فيعتبر اليهود كل خارج عن مذهبهم غير إنسان، ولا يصح أن تستعمل معه الرأفة ويعتقدون أن غضب الله موجه إليه، وأنه لا يلزم اليهود شفقة عليه.
وجاء في التلمود: إن مثل بني إسرائيل كمثل سيدة في منزلها يستحضر لها زوجها النقود، فتأخذها بدون أن تشترك معه في الشغل والتعب.
وذكر في التوراة ( إن الله سلط اليهود على الأجانب فأخذ أموالهم وسلمها لليهود.
وقال الرابي (ألبو): سلًّط الله اليهود على أموال باقي الأمم ودمائهم.
ب- الربا هو الأساس الأكبر الذي تقوم عليه العولمة: وهو أساس اقتصاد اليهود، يقول تعالى عنهم:
}...و منهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدي إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون { ([232]).
ويقول جلَّ وعلا: } وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان لبئس ما كانوا يعلمون، لولا ينهاهم الربانيون و الأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون { ([233]).
ويقول جلَّ شأنه:
} فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيراً، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، واعتدنا للكفرين منهم عذاباً أليما { ([234]).
جـ- الهم الأكبر عندهم جمع المال وكنزه وتكديس الثروات، والحصول عليه ولو كان من عرق الكادحين أو الاغتصاب أو الغش أو الربا أو الاحتكار، الحصول عليه في الباطل والتجارة فيه للاستثمار، ولا شيء منه في سبيل الله.
يقول جلَّ شأنه:
} يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل و يصدون عن سبيل الله، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون { ([235]).
د- ولعل الصورة العملية للعولمة القديمة قد تمثلت بقارون الإسرائيلي:
(إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ). القصص (76)
فمليارديريو العالم اليوم الذين يملكون كأفراد أكثر من ثروة نصف العالم هم تلاميذ هذه المدرسة القارونية والتي لم تتحصل إلا بالبغي والظلم على الآخرين.
وعندما طولب بحق الله فيه من خلال وظائف أربعة.
(( آ- وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة. ب- ولا تنس نصيبك من الدنيا. جـ- وأحسن كما أحسن الله إليك. د- ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين )).
كان جوابه الرفض الكامل لهذه الوظائف كلها، واعتبار المال حقاً شخصياً له (( قال: إنما أوتيته على علم عندي، أو لم يعلم كما أهلك الله من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً )) وبذلك عُدَّ من المجرمين في الأرض }.. ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون {.
وكان عاقبة الإجرام الخسف في الأرض } فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين {.
ثانياً: الالتحام الأمريكي الصهيوني الاستراتيجي:
- تناول الدكتور فؤاد نهرا هذا الموضوع الحساس بقوله:
وإن الدعم الأمريكي لإسرائيل ليس نتيجة حسابات استراتيجية تسقط بعد اصطفاف الدول العربية في المعسكر الأمريكي، وما هي مجرد أثر للضغوط المحلية على صانعي القرار، إنما هي نتيجة لتماهٍ ثقافي وإيديولوجي للمجتمع السياسي الأمريكي مع إسرائيل كياناً ونهجاً وسياسة، وتعجبت حين تكشفت لي الأبعاد الدينية البروتستانتية لدعم المشروع الصهيوني، ثم تطرقت لموضوع تعامل الفكر السياسي الغربي الأمريكي مع الوطن العربي والإسلام، ووجدت في نصوص الأكاديميين ذات الصلة بأهل القرار، نظرية إجمالية سلبية للغاية إلى الإسلام، وأذكر على سبيل المثال مدرستين في هذا الميدان الثقافي وانتقادهما لديننا ولحضارتنا وأبرزهما طبقاً مدرسة صدام الحضارات التي مثلها صموئيل هنتنغتن، فلما طلب مني مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق في بيروت إنجاز كتاب في هذا الموضوع استرسلت إلى التمعن في هذا الموضوع واتضحت هذه الأمور، وقبل دراسة آلية القرار الأمريكي أردت أن أتوقف عند المنطلقات الفكرية – السياسية، ثم تمعنا في مسألة تحديد المصالح الجوهرية المحددة للقرار السياسي الأمريكي والتي لا تتوقف عند قضية دعم إسرائيل والسيطرة على النفط، وإنما تذهب إلى حد فرض مشروع حضاري مناقض لهويتنا الإسلامية )([236]).
آ- التيارات الثلاثة وخريطتان للعالم:
التيار الأول: وهو التيار الليبرالي الذي مثله فوكوياما بادئ الأمر الذي قضى باعتبار أن العالم الغربي الليبرالي انتصر، لكنه ما يزال يواجه تهديدات من الجنوب، وقد عرض أنتوني لاك المستشار السابق لمجلس الأمن القومي خريطتين.
آ- الأولى اقتصادية تحدد سبيل التوسع الديمقراطي في العالم المحرر من الشيوعية وفي دول العالم الثالث.
ب- الثانية سياسية تحدد طبيعة العدو وهو الدول المرتدة والتي يجب على الولايات المتحدة احتواءها.
كما تم احتواء الاتحاد السوفياتي من قبل، مع أن حجمها أصغر بكثير، وغالبها يقع في العالم الإسلامي
التيار الثاني: نشأ منذ نهاية الستينات وبداية السبعينات مع مورغنتاو وكيسنجر ووالتز، ويدعو هل القرار إلى الفصل بين الأيديولوجيا والسياسة الخارجية، وبين أن العلاقات الدولية قائمة على مصالح وليس على أيديولوجيات.. ولم يحتل هذا التيار موقعاً مسيطراً إلا في بداية السبعينات وزارات كيسنجر.
جـ- التيار الثالث، وتمثل في مواقف صاموئيل هنتغتن الشهيرة حول صراع الحضارات، ففي نصوصه يبين هذا الأخير أننا انتقلنا مع انهيار الكتلة السوفيتية من صراع غلب عليه الطابع الإيديولوجي والليبرالية ضد الشيوعية – إلى صراع يطغى عليه الطابع الحضاري أطلق هنتغتن مقولته الشهيرة: الغرب يواجه بقية العالم، ثم أخذ تدريجياً يثبت ن التهديد الأساسي للحضارة الغربية ينبع من التحالف الإسلامي – الصيني، ويدعي أن العالم الإسلامي هو الأشد عدوانية وعداوة.
ب- التيارات الثلاثة تلتقي على الحضارة الغربية وإسرائيل:
ثم إن العلاقة بين التيارات الثلاثة ليست علاقة تنافر.. فالليبراليون الذين يتكلمون عن الديمقراطية ويضغطون بشتى الوسائل على الدول العربية باسمها، يعتبرون إسرائيل مثالاً يُقتدى به، وهي نظرة تكتفي بإسقاط نمط نظم للسلطة والمجتمع، وتتغاضى عن الحقوق السياسية والوطنية لمجتمع بكامله تم طرده واضطهاده وهم بذلك يسقطون نماذجهم الثقافية على مجتمعاتنا، ومن جهة ثانية يكشفون عن نهج انتقائي في المطالبة بالديمقراطية والتي لا توجه إلا للضغط على الطرف الآخر.
إن الولايات المتحدة التي أصبحت مهيمنة تنزع إلى فرض نظرتها السياسية ونموذجها الثقافي في المنطقة وتضغط على الدول العربية والإسلامية حتى تتمثل بالقيم التي يفرضها الكونغرس حالياً، ونذكر مثل قانون التحرر من الاضطهاد الديني الذي اعتمده هذا الأخير عام 1997 والذي يقضي بفرض العقوبات على كل دولة لا تقيم بما في وسعها لمنح كافة حقوقها للأقليات الدينية، ونعلم أنه قانون سيطبق بصورة انتقائية، وأن الدول الإسلامية هي أول من يستهدف من جرائها، وذلك جهلاً بطبيعة الإسلام الذي يدعو إلى التسامح وإلى احترام التعددية الدينية.
تم تطبيق هذا القانون فوراً على السودان، ولوَّح النواب والشيوخ إلى إمكانية استخدامه بحق دول عربية أخرى، وهذا القانون يطلق يد المبشرين الأمريكان – أي النصارى البروتستانت المتصهينين داخل العالم الإسلامي، ونذكر أن هؤلاء اصطدموا بالجماعات المسيحية العربية المتأصلة في مصر، ونذكر أن المشروع الاستراتيجي – الشرق أوسطي، الذي تدعو إليه الولايات المتحدة كأثر مباشر لعملية السلام يهدف إلى محورة الاقتصاديات العربية حول مركزين هما إسرائيل كمركز أول وتركيا كمحور ثانٍ، لكن الصراع ليس بين الإسلام والغرب، لأن هذا المفهوم الأخير يبقى غامضاً، لقد كشفت وزملاء لي أمثال سيرج لا توش في كتاب آخر بعنوان " نقل العقل الاقتصادي " / باريس 1999، أن النموذج المسيطر عالمياً والذي يُسمى بالنموذج التغريبي ليس بالضرورة نمط عيش مجتمع ما، وإنما هو نموذج كوني ركيزته سيطرة الثقافة المادية الاقتصادية في نزعتها إلى هضم أو محو الرموز الثقافية المتناقضة )([237]).
جـ- إدارة كلينتون الأكثر يهودية في القرن العشرين:
ولعل السنوات الثماني التي مرت من تاريخ أمريكا تمثل هذا الالتحام الكامل بين أمريكا وإسرائيل، وتمثل بالتالي خطط العولمة لتسيطر على العالم طالما أنها إنتاج أمريكي.
فلم يكد كلينتون يضع اللمسات النهائية لاختيار إدارته الأولى حتى ذهل العالم بل اليهود أنفسهم من العدد الكبير الذي وصل إلى مناصب حساسة وهامة جداً في تعيينات كلينتون، وهذا ما دعا أحد الصحفيين الإسرائيليين ليعلن: إن إدارة كلينتون هي أكثر الإدارات يهودية في تاريخ الولايات المتحدة، وأنه لم يبق أمام كلينتون إلا أن يعلن عن ضم إسرائيل لتكون الولاية الـ 51 من الولايات المتحدة الأمريكية، وهكذا دخلت السياسة الخارجية للولايات المتحدة مطبخ الحاخامات اليهود وامتلأ البيت الأبيض بالشخصيات اليهودية.. ومن هذه الشخصيات:
1- سام لويس: تم تعيينه رئيساً لجناح التخطيط السياسي، له شبكة علاقات مميزة مع إسرائيل، وصديق شخصي لشارون.
2- دينس روس: شغل منصب المنسق الأمريكي في المفاوضات التي جرت بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.
3- مارتن أنديك: من يهود استراليا، وصفته إسرائيل بأنه ترعرع في لجنة العمل السياسي الإسرائيلي الأمريكي، عين مسؤولاً عن الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، ثم سفيراً في إسرائيل.
4- ستيوارت ابزنشتات: عين مساعد وزير لشؤون المساعدات السياسية العسكرية، وهو منصب جديد.
5- برومنور لونس سامرس: اقتصادي يهودي، عين مساعداً لوزير المالية للعلاقات الاقتصادية، كان يعمل في البنك العالمي.
6- ريتشارد سيفستر: مسؤول حقوق الإنسان في الكونغرس، وكان مستشاراً لدى جماعة الضغط اليهودية.
7- وارن كريستوفر: وزير الخارجية الأول الذي قال عنه كلينتون: وجدت عوناً كبيراً في معلوماته وخبراته.
8- مادلين أولبرايت: وزيرة الخارجية الأمريكية، وهي تعلن فرحتها بأنها اكتشفت أنها يهودية، وكان يوم ميلاد إسرائيل أسعد أيامها.
د- القوائم اليهودية:
( ويُدهش المراقب حين يقرأ هذه القوائم اليهودية للمتنفذين في الإدارة الأمريكية من مسؤولين كبار في الوزارات السيادية، ومنها الخارجية والدفاع والخزانة والأمن القومي، وكذلك السلك الدبلوماسي والأسواق المالية والإعلام والسينما بالإضافة إلى الجريمة. فهناك 64 مسؤولاً كبيراً في الإدارة الأمريكية، وعلى رأسهم مادلين أولبرايت (الخارجية) ووليام كوهين (الدفاع) وروبريت روبين (الخزانة ) بالإضافة إلى ( السي آي إي ) التي يرأسها صموئيل بيرغر وغيرهم، كما أن هناك 23 سفيراً أمريكياً من اليهود في مختلف دول العالم و36 عضواً في مجلس الكونغرس، هذا عدا مئات بل آلاف الموظفين الصغار في الإدارات المختلفة، وهناك عشرات المديرين التنفيذيين من اليهود في أسواق المال الأمريكية، وكذلك الإعلام من صحف وقنوات تلفزيونية، كما أن اليهود يتزعمون مافيا الجريمة المنظمة في المجتمع الأمريكي وهم يتفوقون في هذا المجال على المافيا الإيطالية.
ولا ننسى ونحن نستعرض هذه القوائم أن معظم المسؤولين اليهود أياً كانت مواقعهم يدينون بالولاء أولاً للكيان العنصري الصهيوني في فلسطين المحتلة وهم يؤثرون ( إسرائيل ) على البلد الذي يستضيفهم، ويضربون بعرض الحائط بمصالحه الكثيرة في الوطن العربي ).
ونترك قائمة اليهود المسيطرين على وسائل الإعلام في الولايات المتحدة، لنستعرض قائمة اليهود المسيطرين على الاقتصاد في الولايات المتحدة، وعلى الأسواق المالية فيها لعلاقتها الوثيقة بالعولمة.
( عائلة الفرد أوش، هيلمان سيلغمان، عائلة غولدمان، عائلة ساش، عائلة واريبرغ، عائلة شيف، عائلة لويب، عائلة أوش ( بولاية تينيسي )، ألفرد هوغرموسيس (يهودي جنوبي )، آدولف لويسون، جون لويب، عائلة ستون، عائلة هاميل، عائلة هنتز، سيدني جيمس وانبرغ، فرانك اتشول، السير آرثر ليفت، أ. و , هابر، غيسليمان، أولمان روبيرت، عائلة بيرهارد، عائلة فيليبس، عائلة الفلهارد ومارغريت ريان (ابنة اوتوخان ) لي رادز بويل ).
يسمى الجيل اليهودي الأحدث في أوربا الشرقية باسم الزمرة الجديدة، وهؤلاء هاجروا إلى الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين ثم عقب الحرب العالمية الثانية ثم بعد انهيار الكتلة السوفيتية، ولم يرد ذكر لهؤلاء اليهود في الكتاب المذكور، الزمرة الجديدة، على الرغم من أنهم ينحدرون من نفس الزمرة وهم:
[ تشارلز بلودورن ( غلف أندويسترن )، سانفور دوايل ( أمريكان اكسبريس، ترافلرز غروب، شيرسون ليمان ) بيتر كوهين، آرم آند هامر ( قطب صناعة صودا الخبز ) فليكس روهايتن ( قواد وسمسار سياسي واقتصادي )، آلان كرينبورغ، ايراهاريس ( سفاحة وول ستريت ) اندرماير ( يهودي فرنسي ) مارتين ليبتون، جيمس ولفترو يهودي أسترالي أحد تجار البنوك في لندن، إدموند سافرا ( يهودي لبناني يعمل في مجال البنوك، برنارد باروخ ( أحد ذئاب بورصة وول ستريت ) صموئيل برونغمان ( إمبراطورية سيغرامز) البارون هاري أوبنهايمر ( ماسات جنوب إفريقيا ) اريفنغ شابيرو ( مسؤول سابق في السياسة الصناعية بمجموعة ديبونت ) ]([238])، وعشرات ومئات أمثالهم يمثلون الشركات الكبرى التي تتحكم في مصير العالم، وعلى رأسهم روكفلر وادوارد دي روتشيلد وبيل غيتس وجورج سوروس، الذين يمثلون السرطان اليهودي المتغلغل في شرايين الحياة الأمريكية.

13- ماليزيا والعولمة:
ونعرض هنا رأي خبير قاد نهضة بلاده الاقتصادية على مستوىً عالمي، ونحب أن نعيد هنا ابتداءً ما قيل عن ماليزيا في كتاب " فخ العولمة " لنتبين خبرة الرجل في هذا الموضوع فهو رجل ماليزيا الاقتصادية الحديثة ( لقد خرجت ماليزيا منذ أمد ليس بالقصير من قائمة البلدان النامية فمنذ عام 1970 ينمو الاقتصاد الوطني سنوياً بمعدلات تتراوح في المتوسط بين 7 و 8 %، أما الإنتاج الصناعي فإنه ينمو بمعدل يزيد على العشرة بالمائة، وبدلاً من 5% يعمل اليوم 25 % من السكان في سن العمل في القطاع الصناعي الذي صار يخلق ثلث الناتج الإجمالي، وتضاعفت حصة الفرد الواحد من الدخل القومي في الفترة الواقعة بين عام 1987 وعام 1995 فوصلت لدى هذا الشعب البالغ تعداده عشرين مليوناً أربعة آلاف دولار في العام، وإذا سارت الأمور على ما ترتئيه الخطط الحكومية فسترتفع هذه الحصة حتى عام 2020 إلى خمسة أضعاف أي أنها ستصل إلى المستوى السائد في الولايات المتحدة الأمريكية )([239]).
وهي على رأس النمور([240]) الآسيوية، ولـ ( محاضير وجهة نظر تجاه الغرب تستحق الاهتمام وقد أثارت عليه غضب العالم إلا أنه لا يزال متشبثاً برأيه، مؤخراً عبَّر محاضير عن تلك السياسة في خطابه لدى افتتاح الدورة السابعة والعشرين لمجلس وزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي في العاصمة الماليزية يوم السابع والعشرين من يونيو / 2000 ونورد فيما يلي ترجمة([241]) لمعظم فقرات الخطاب )([242]).
آ- مؤتمر الإسلام والعولمة:
( لقد اختير شعار المؤتمر ليكون " الإسلام والعولمة "، وهو اختيار في وقته حيث تستعد الدول الإسلامية في منظمة المؤتمر الإسلامي والمسلمين عامة لمواجهة تحديات العولمة في الألفية الجديدة.
اسمحوا لي أن أتحدث قليلاً عن العولمة في كلمات وهي المفهوم والظاهرة التي أصبحنا نعيش معها والتي كانت ماليزيا لسوء الحظ قد جربتها في الفترة الماضية ووجدتها لم تشكل لإغناء دول العالم أجمع ومنهم الدول النامية مثلنا، لقد كنا على وشك أن نعلن إفلاسنا الكامل بسبب نظام العالم المعولم، وكدنا نتحول إلى متسولين وعالة على غيرنا، وأن نقع تحت وطأة أوامر القوى الكبرى التي تختلف أجندتهم وأهدافهم عنا، وبالطبع فهي أهداف ليست إسلامية.
ب- أهمية دراسة التاريخ الإسلامي: ولكن قبل أن نتحدث عن العولمة بشكل خاص دعوني أقل إننا قبل أن نستعد لتحديات المستقبل لا بد أن نقف وقفة محاسبة لحاضرنا ودراسة لماضينا، وإنني على يقين أننا لو فعلنا ذلك لاستطعنا تفادي الأخطاء التي وقعنا فيها في الماضي، واستطعنا التعامل مع أخطار المستقبل بمهارة أكبر، فالتاريخ يثبت لنا مراراً أنه يعيد نفسه وأن الأخطاء التي نرتكبها عبر العصور متشابهة، وكنتيجة لذلك نستمر نحن في دفعنا ثمن ذلك ولكن يبدو أننا لا نتعلم أبداً.
عندما جاء الإسلام كان العرب منقسمين على أنفسهم، وكانوا يوالون قبائلهم باستماتة وبسبب ذلك لم يعيشوا حياة هدوء وسلام، وبقوا منقسمين من أكثر الشعوب تخلفاً، لكن الإسلام وحَّدهم وأوقف حروبهم القبلية التي لم تنته سابقاً، وأصبحوا بعد ذلك أقوى شعوب الأرض فنشروا الإسلام من الصين وحتى إسبانيا، ومن أقاصي آسيا الوسطى وحتى أفريقية وآسية التي وطئت أقدامها غاباتها الاستوائية الكثيفة، وفي تلك الفترات شُيِّدت إمبراطورية عظيمة وبُنيت حضارة إسلامية، وباتباعهم لتعاليم الإسلام الذي أمرهم بتقصي العلم والعمل على تحصيله تعلم المسلمون الأوائل العلوم والرياضيات وفنون الحضارات التي سبقتهم وطوروها ووسعوها حتى أصبحت الحضارة الإسلامية أكبر الحضارات وأقواها وأكثرها علماً ومعرفة وتقدماً.
وفي البلدان الإسلامية بدأ ظهور الصناعات التي أنتجت أفضل ما أنتجته البشرية حتى ذلك الوقت من جديد وغير ذلك من المعادن والمواد الخام التي استخرجوها، وشيَّد المسلمون السفن التي أبحرت إلى أقاصي العالم وبلاده البعيدة، وانطلقوا للتجارة والسكن فيها ونشر الهدى، أما قوافل الجمال والخيول والحمير فقد وصلت بين مدن في الصين وأخرى في أوربا وقدمت بحوث المسلمين في الطب إياهم على غيرهم ممن بحث في هذا العلم وكان لهم الفضل في إرساء قواعد الطب الحديث، وبنيت مدن عظيمة تحتضن في جنباتها مكتبات ضخمة وجامعات مرموقة، وتدرب المسلمون على فنون حرب جديدة فهزموا جحافل جيوش أوربا المثقلة بالسلاح والعتاد وحموا المسلمين ومجتمعاتهم أينما كانوا.
لقد كانت الدولة الإسلامية قوة عالمية، وكان المسلمون يعاملون باحترام في كل مكان، وبقيت الحضارة الإسلامية التي بناها المسلمون لقرون عديدة، وكان الأعظم في التاريخ البشري وستظل كذلك إلى الأبد، ومن الواضح أن الإسلام سيعود ليكون الدين السائد في العالم، ولقد اعتنقه الكثيرون من النصارى الإسبان والصينيين البوذيين، ويبدو أن غيرهم كثير ممن سيخطو تلك الخطى، وتراجع المسلمون عندما تركوا دينهم.
لكن عملية أسلمة الحياة الإنسانية بدأت بالتراجع والتباطؤ لأن المسلمين بدؤوا يرجعون إلى سلوكياتهم الجاهلية التي كانت قبل الإسلام، فلقد بدؤوا الصراع والتحارب فيما بينهم وبرز الاختلاف بينهم، وظهرت الدويلات والممالك الصغيرة شيعين ولاءهم للإسلام، ومقدمين على ذلك الولاء للحكام المحليين والحكومات وانشغلوا باختلافات حول تفسيرات وتطبيقات الأحكام الإسلامية وتشاحنوا حول من هو المصيب في تطبيقه للإسلام ومن المخطئ، وكل طرف منهم حاول أن يهزم الآخر في تعصبه الديني، ورفض بعضهم سلوك طريق علم غير العلوم المتعلقة بالدين الإسلامي، وفشلوا في متابعة التغيرات التي حصلت في أوربة والنقلات التي حدثت فيها بفعل العلوم والمعارف التي أخذها الأوربيون من ا لمسلمين، وهي تغييرات مهدت للثورة الصناعية لاحقاً.
ولذلك عندما جاءت الثورة الصناعية وبدأ عصر جديد لم يسهموا فيها بشكل واضح، بل إنهم رفضوها بوصفها من فعل الباطل وتراجعت المصانع الإسلامية، ولم تعد صناعاتهم اليدوية مثل صناعة النسيج تقدر أن تنافس صناعات أوربا، وكان الأمر المؤسف أن يواجه المسلمون الحاجة لاستخدام صناعات أوربا الغربية بعد ذلك، وبالتأكيد احتاجوا أن يستوردوا أسلحة صنعت في الغرب، لقد أمر القرآن المسلمين أن يحاربوا ويخيفوا أعداءهم بقوة حربية وأسلحة للدفاع عن أنفسهم وأن يكونوا مستعدين لذلك، وبسبب الانشغال بالخلافات في تطبيق القوانين وفقه السلوكيات أهمل المسلمون استعداداتهم الدفاعية تماماً، ولا يستطيع أحد الدفاع عن نفسه بحق لو ظل يحتاج لشراء السلاح من الأعداء، وبمضي الوقت ضعفت القوة العسكرية الإسلامية وجيوشهم وسقطت أوطانهم بيد غير المسلمين أرضاً تلو أرض...
جـ- الدروس المستفادة:
إن الدروس التي يجب أن نتعلمها من تاريخ الشعوب المسلمة والإمبراطورية الإسلامية كثيرة ومنها.
1- لزوم الأُخُوَّة الإسلامية التي أمرنا الإسلام بها والتي من دونها لن نحيا وننجح في معيشتنا.
بالتأكيد هناك حاجة للقراءة التي أمرتنا بها أول آية أُنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم ، حاجة للتعلم وتحصيل المعرفة، ونحن نعرف كيف طلب المسلمون الأوائل العلم وحتى ما كُتب في الحضارة الإغريقية وغيرها من الكتابات في العصور التي سبقتهم.
3- ولأنهم اتبعوا تعاليم المسلمين فإن المسلمين الأوائل تعلموا فنون الحرب، وفنون السلام والحياة، ونجحوا في نشر الإسلام وكسب مؤمنين ومناطق جديدة.
وفيما يتعلق بتحصيل العلم فنحن بالتأكيد متأخرون عن بقية دول العالم، والمعرفة في غير العلوم الإسلامية منتقدة من قبل المسلمين الذين يعتبرونها علوماً علمانية ويدعوننا لرفضها، ولكن بعضاً من المسلمين هاجر إلى خارج العالم الإسلامي ليطلب العلم، وكنتيجة لذلك يستفيد غيرنا من الفنون والعلوم التي نماها وتعلمها أهل بلداننا، ولهذا السبب لا يمكن أن نطور بلادنا، ولا يمكننا حتى منافسة الدول التي تطورت حديثاً، وحتى في استخراجنا لما عندنا من ثروات طبيعية ومعادن إذا اعتمدنا على غيرنا.
- عصر المعلومات: واليوم تفتح الثورة الصناعية الباب لعصر المعلومات ليبدأ، ويرى غير المسلمين من تقنيات الجديدة فرصاً هم مشغولون باستغلالها، وتتضاعف قوة سيادتهم وانفرادهم الصناعي مرات عديدة بسيطرتهم على تطبيقات المعلومات، لقد أبدعوا فكرة العالم بدون حدود، ودولة وحكومة العالم، وعملت ماكينات دعايتهم وإعلامهم على ترويج هذه الفكرة، وضمان انتشارها في دول العالم، وجعلها مقبولة لدى الجميع، وغرس فكرة أننا لو لم نقبل ذلك فسنبقى جزءاً من الماضي متأخرين ومتمردين، ولذلك فنحن المسلمون مجبرون على أن ننضم للجوقة، ونلحِّن لتمجيد الدولة.
ولكننا هل نعرف حقاً ما الذي نقبله ونعي ذلك ؟ إننا نعرف بعض الشيء، ولكننا بالتأكيد لا نعرف ذلك بشكل كامل.
د- ماليزيا والعولمة: بتواضع أود أن أقول: إن ماليزيا تعرف أكثر من أغلبية الدول الإسلامية الأخرى بقليل، ولكن ما نعرفه، ما جربناه، جعلنا نحذر من الوعود العظيمة والمغرية التي يتنادى بها أدعياء العولمة.
إنني أشك في قدرتنا على أن نكسب العلمية، ولكن معرفة الفكرة والمفهوم وما يمكن أن تفعل لنا وما فعلت لنا جعلنا نحذر، ونُعِّد أنفسنا للتحديات التي ستأتي باسم العولمة.
وكما قلت فإن ماليزيا كانت لها تجارب مرَّة مع العالم الذي بلا حدود، فبتعويم عملتنا فقط يمكن أن نعيش في فقر مدقع مما يجعلنا نتفاوض ونتنازل عن استقلالنا، الكثيرون ظنوا أننا نحن المسلمين في هذا البلد وفي مواجهة هذا التحدي كنا سنغلق أبوابنا عن أنفسنا، لكن الكثيرين من المسلمين في ماليزيا مشغولون بالوعي لتقدير خطورة الوضع، لأننا استطعنا أن نفشِّل محالة استعمارنا نحن الماليزيين، استطعنا أن نخلِّص أنفسنا هذه المرة، وذلك جعل شعبنا أكثر رضاً عن نفسه، وفي الواقع أقل تقديراً لحظهم الجيد، ولذلك بقينا منقسمين وقد نستمر باتجاه الضعف، والقصة قديمة لخلافات المسلمين والاهتمام بالفروق الصغيرة في تطبيقات الإسلام ستظل تعيقنا عن محاولة إنجاز الحسنة في الدنيا.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:42 pm

الإنترنت:
إن أكثر التغييرات المهمة التي جاء بها عصر المعلومات وتقنياته هي الإنترنت، فقد أصبح فجأة فعل أشياء بطرق مختلفة وجديدة أمراً ممكناً، وأصبح من غير الممكن إيقاف انتشار المعلومات، لكن المعلومات ليست دائماً بهدف المعرفة ولكنها أيضاً لنشر الفحش والقذارة والكذب، ينشرها أناس يريدون تدمير تنمية ونهوض المجتمعات الإنسانية بما في ذلك الأمة المسلمة.
إنكم ستفاجؤون عندما تعرفون أن 50% من التعاملات المالية عبر الإنترنت في مجال المنتجات الإباحية, وبينما نحن المسلمين نغطي عوراتنا بكل طاعة واتباع لديننا فإننا نجبر على استعراض أفحش الصور والأفلام على الإنترنت، وتتهدد أخلاقنا وأخلاق أطفالنا والأجيال المقبلة حتى يصبح اعتناقنا الإسلام بلا معنى، ولا نعلم التقنيات والأساليب التي نواجه بها ذلك، ولأن الجميع يتوقع أن تنفتح الأسواق العالمية بإشراف منظمة التجارة الدولية، تتكتل الدول الصناعية والبنوك والمصانع، وبعمليات الاندماج والتمليك أصبحت الشركات والكتل ضخمة جداً لدرجة أن دولاً بأكملها لا تُقارن إلا بقسم من أقسام هذه الشركات، إنهم سيقدرون على ابتلاع أي بنك أو مصانع أو تجارات نملكها وفي النهاية سنصبح مثل جمهوريات الموز التي يعد فيها مالكو المزارع أقوى من رؤساء تلك الدول.

14- نقد العولمة:
وهذا النقد هو بلسان عالمين من كبار علماء الاقتصاد في هذا العصر, حيث ألفا كتابهما – فخ العولمة: "الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية ", وقد بلغ من إقبال الناس عليه أن طُبع تسع مرات في سنة واحدة، وهما ( هانس بيتر مارتين ) و ( هارالد شومان ) حيث وضعاها على الشرحة بعيداً عن التزيين والتهويل وقام بترجمة الكتاب د. عدنان عباس علي وقدَّم له الأستاذ الدكتور رمزي زكي ([243]).
وقد أحسن الدكتور رمزي زكي حيث عرض ملخص الكتاب في مقدمة، نحاول أن نعرض هذا الملخص مع الاستشهاد من نصوصهما داخل الكتاب...
( فالمؤلفان قد طرحا مجموعة من الطروحات المهمة التي تستحق التأمل والتفكير لفهم قضية العولمة من منظور يختلف عن المنظور الزائف الذي غالباً ما تطرحه علينا وسائل الإعلام المختلفة.
وأول هذه الطروحات هو أن العولمة من خلال السياسات الليبرالية الحديثة التي تعتمد عليها إنما ترسم لنا صورة المستقبل بالعودة للماضي السحيق للرأسمالية، فبعد قرن طغت فيه الأفكار الاشتراكية والديمقراطية ومبادئ العدالة الاجتماعية، تلوح لنا الآن في الأفق حركة مضادة تقتلع كل ما حققته الطبقة العاملة والطبقة الوسطى من مكتسبات، وليست زيادة البطالة، وانخفاض الأجور، وتدهور مستويات المعيشة، وتقلص الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة، وإطلاق آليات السوق، وابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط الاقتصادي، وحصر دورها في حراسة النظام، وتفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين المواطنين، وهي الأمور التي ترسم الآن ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية في غالبية دول العالم، كل هذه الأمور ليست في الحقيقة إلا عودة لنفس الأوضاع التي ميزت البدايات الأولى للنظام الرأسمالي 1750 – 1850، وهي أمور تزداد سوءاً مع السرعة التي تتحرك بها عجلات العولمة المستندة إلى الليبرالية الحديثة )([244]).
الفصل الأول: مجتمع الخمس الثري
( ويختزل البرغماتيون المستقبل إلى العددين 20 إلى 80 فحسب ما يقولون فإن 20% من السكان العاملين ستكفي في القرن القادم للحفاظ على نشاط الاقتصاد الدولي، فخمس قوة العمل سيكفي إنتاج جميع السلع، ولسد حاجات الخدمات التي يحتاج إليها المجتمع العالمي، إن هذه الـ 20% هي التي ستعمل وتكسب المال وتستهلك، فماذا عن الآخرين ؟
ماذا عن الثمانين بالمائة العاطلين وإن كانوا يرغبون في العمل ؟.
إن المسألة ستكون في المستقبل هي: إما أن تأكل أو تؤكل، لقد كان الأوربيون يخافون في الثمانينات من أن يكون مجتمع الثلثين الأثرياء هو الذي يقرر توزيع الثروة والمكانة الاجتماعية على الثلث الفقراء.
أما الآن فسيحددها مستقبل ( العولمة ) النموذج العالمي الجديد القائم على صيغة 20% يعملون و 80% عاطلون عن العمل، لقد لاح في الأفق حسب رأيهم مجتمع الخمس، ويتعين في ظله تهدئة خواطر العاطلين عن العمل ).
فليس هناك مكان يبدو فيه التدهور بيناً للعيان كما هو بيِّن في الموطن الأصلي للثورة الرأسمالية المضادة الولايات المتحدة الأمريكية فالجريمة اتخذت أبعاداً هناك بحيث صارت وباءً واسعاً للانتشار ففي ولاية كاليفورنيا – التي تحتل لوحدها المرتبة السابعة في قائمة القوى الاقتصادية العالمية – فإن الإنفاق على السجون يعادل المجموع الكلي لميزانية التعليم، وهناك 28 مليون مواطن أمريكي أي ما يزيد عن عشر السكان قد حصنوا أنفسهم في أبنية وأحياء سكنية محروسة، فليس بالأمر الغريب أن يتفق المواطنون الأمريكيون على حراسهم المسلحين ضعف ما تنفق الدولة على الشرطة، لكن أوربا واليابان وكذلك الصين والهند هي الأخرى تتفتت إلى قلة قليلة من الرابحين وأغلبية ساحقة من الخاسرين، وإذا ما ظلت الحكومات تتحجج في كل المسائل المستقبلية الجوهرية بما يمليه عليها الاقتصاد المعولم من مواقف لا قدرة لها على التحكم بها فعندئذ تصبح السياسة برمتها مسرحاً يضم حشداً من رجال مسلوبي الإرادة، وتفقد الدولة الديمقراطية شرعيتها، وتصبح العولمة مصيدة للديمقراطية )([245]).
الفصل الثاني: كل شيء موجوداً في كل مكان, ضغوط العولمة والانهيار المعولم.
سيغدو العالم واحداً، وفي البداية كان هناك تخيل لمعمورة واحدة..
( إن سبب نجاح استعمار - والت ديزني –للثقافة العالمية يكمن حسب ما يعتقد – باربير – في ظاهرة قديمة قدم الحضارة إنها المنافسة بين الشاق والسهل بين البطيء والسريع، بين المعقد والمبسط، فكل أول من هذه الأزواج يرتبط بنتاج ثقافي يدعو للإعجاب والإكبار، أما كل ثانٍ من هذه الأزواج فإنه يتلاءم مع لهونا وتعبنا وخمولنا، إن ديزني وماكدونالدز تروج لما هو سهل وسريع وبسيط )([246]).
إن الشمس لا تغيب عن امبراطوريات شركات الإعلام العظيمة، وتقدم هوليود بصفتها المركز العالمي أهم مادة أولية لمادية العصر المتأخرة، ويسيطر في المنطقة الواقعة بين الخليج العربي وكوريا الاسترالي ( روبرت موردوخ ) فمحطة إرساله بواسطة الأقمار الصناعية ( ستار ت. ف ) تغطي من حيث التوقيت الزمني أربع مناطق مختلفة يسكنها نصف سكان المعمورة، وكلما شملت سوق البث التلفزيوني أكثر ضيقاً.
إن ثمة جهوداً خارقة تُبذل لكي يتخذ العالم صورة واحدة ولا ريب أن المحصلة النهائية لمثل هذا التطور ستكون في المجال الثقافي سيادة الصراخ والزعيق الأمريكي بمفرده في العالم أجمع، لقد ازداد الطلب على السيل الهائل من السلع التي يجري الإعلان عنها والدعاية لها على مستوىً دولي، بحيث بدا كما لو أن محراثاً يجوب المعمورة ويقلبها ويقلب المراكز التجارية في مدنها رأساً على عقب وكما يقول الناقد الاجتماعي – إيفان إيليش – ساخراً فقد ( صار العطش يرتبط على نحو مباشر بالحاجة إلى الكوكا كولا.
وننتقل إلى عصر المدن: فلم تعد باريس ولندن ونيويورك هي مدن الخوارق والمعجزات، فمنذ مارس 96 صارت العاصمة الماليزية كوالا مبور هي المدينة التي يتربع على كتفيها أعلى ناطحة سحاب في العالم، فهناك بين الباكستان واليابان اثنتا عشرة منطقة تتحرك بإلحاح لتكون القوى الجديد على مسرح المنافسة العالمي، فبانكوك تريد أن تحل محل ديترويت كمدينة لصناعة السيارات، وترى تايبه نفسها وريثاً لوادي السيليكون لا سيما أن تايوان أخذت مكان الصدارة العالمية في إنتاج التلفزيون وأجهزة الكمبيوتر، وتتطلع شانغهاي على وجه الخصوص لتكون المركز الاقتصادي الأول في قائمة مدن آسيا وكما هو يانغ تساهو: إننا نريد أن نكون في عام 2010 المركز العالمي الأول في مجال التجارة والمال في المنطقة الغربية من المحيط الهادئ، وهذا يقود إلى تصدع العالم الواحد، فالجزء الأعظم من العالم يتحول ( خلافاً لتلك الجزر ( الصناعية ) إلى عالم بؤس وفاقه عالم غني ببضع مدن كبرى أيضاً ويسكنها مليارات من البشر لا يسدون رمقهم إلا بالكاد، إن 358 مليارديراً يمتلكون معاً ثروة تضاهي ما يملكه 2.5 مليار من سكان المعمورة أي أنها تضاهي مجموع ما يملكه نصف سكان العالم، وبما أن 95% من الزيادة السكانية تتركز في أفقر مناطق المعمورة لذا لم يعد السؤال يدور حول ما إذا كانت ستندلع حروب أم لا، فمن بين الاثنتين والعشرين دولة عربية ينخفض الناتج القومي في سبع عشرة دولة منها، هذا في وقت يتوقع فيه المرء أن يتضاعف حجم السكان في بعض هذه الدول في العشرين سنة القادمة, ويعلق كابلان في هذا السياق قائلاً: في هذا الجزء من العالم سيكون الإسلام بسبب تأييده المطلق للمقهورين والمظلومين أكثر جاذبية، فهذا الدين المطرد الانتشار على المستوى العالمي هو الديانة الوحيدة المستعدة للمنازلة والكفاح([247]).
ومن هنا فليس مصادفة أن يكسب الانفصاليون والمتحمسون المتدينون من المغرب وعبر الجزائر وحتى الهند وأندنوسيا أنصاراً أكثر فأكثر، هناك 20% من دول العالم هي أكثر الدول ثراءً وتستحوذ على 84.7% من الناتج العالمي وعلى 84.2% من التجارة الدولية ويمتلك سكانها 85.5% من مجموع مدخرات العالم، ومنذ عام 1960 تضاعفت الهوة بين ذلك الخمس من دول العالم الأغنى والخمس الذي يعتبر أفقر الدول حتى الغذاء فحجم صادرات الحبوب بلغ الآن 200 مليون طن، تصدر الولايات المتحدة الأمريكية بمفردها نصفه، وهكذا لا تعني العولمة استعماراً ثقافياً أمريكيا في مجال اللهو والتسلية فقط، بل ستوزع الخبز أيضاً )([248]).
الفصل الثالث: دكتاتورية ذات مسؤولية محددة
يظل الفصل الثالث الذي خصصه المؤلفان للكلام عن صندوق النقد الدولي والأسواق النقدية العالمية من أمتع وأهم فصول الكتاب، فقد ارتبطت العولمة المستندة إلى الفلسفة الليبرالية الحديثة بتحرير الأسواق العالمية النقدية بالتخلي عن معظم الضوابط التقليدية التي كانت تسيِّر العمل المصرفي والنظم النقدية لعهود طويلة، وكان من نتيجة ذلك أن الكتلة النقدية في ضوء عمليات التحرير هذه لم تعد خاضعة بالمرة للسلطة المحلية (البنك المركزي ) فعمليات خروج ودخول المليارات على نطاق واسع تتم في ومضات سريعة على شاشات الكمبيوتر، وعلى نحو جعل السلطة النقدية تقف عاجزة عن الدفاع عن أسعار الصرف وأسعار الفائدة وأسعار الأوراق المالية في البورصات، وهكذا تحول العالم إلى رهينة في قبضة حفنة من كبار المضاربين الذين يتاجرون بالعملات والأوراق المالية مستخدمين في ذلك مليارات الدولارات التي توفرها البنوك وشركات التأمين وصناديق الاستثمار الدولية وصناديق التأمين والمعاشات.
وقد أشار المؤلفان في هذا السياق إلى عدد من الحالات([249]) والأزمات([250]) التي سببها هؤلاء المضاربون والتي أصبحت تشير إلى مقدرتهم الفائقة على التحكم في رفاهية أو فقر أمم أو دول برمتها دون أن توجد أية سلطة محلية أو عالمية لمحاسبتهم أو ردعهم، وما يحدث على ساحة الأسواق النقدية والعالمية هو النتيجة الطبيعية والمنطقية للسياسيات والقوانين التي أقرتها حكومات الدول الصناعية الكبرى تحت ما سمي بـ تحرير الأسواق المالية والنقدية، وهي العمليات التي سرعان ما أجبر صندوق النقد الدولي مختلف دول العالم على تطبيقها بإطلاق سعر صرف عملتها وانفتاحها التام على السوق المالي العالمي، وهذا الانفتاح يجبر هذه الدول على التنافس في تخفيض الضرائب وتقليص الإنفاق الحكومي، وخصخصة مشروعات الدولة، والتضحية بالعدالة الاجتماعية، وكل ذلك يتم الترويج له على أساس أنه ينسجم مع المصلحة العامة )([251]).
الفصل الرابع: شريعة الذئاب، الأزمة اللامحدودة في سوق العمل والأممية الجديد
( وهكذا تتحول الدعوة للانفتاح على السوق النقدي والمالي العالمي إلى إيديولوجية صارمة يخضع لها الجميع وإلا فقانون الغاب سيتكفل بالعقاب، وكل دول العالم تقريباً أخذت تحت تأثير الضغوط التي تمارسها عليها المنظمات الدولية في تطبيق سياسات الانفتاح المعولم، وقد أشار المؤلفان في هذا السياق إلى نقطة مهمة لا يلتفت إليها عادة غالبية الكُتّاب، وهي أنه حينما يبدأ البلد بالانصياع لتلك السياسات، والخضوع لمنطق أسواق النقد والمال العالمية، ينضم الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال من أبناء البلد إلى قائمة المقيِّمين للسياسات الاقتصادية في بلدهم، وكيف لا يحدث هذا وهم الآن بوسعهم استثمار أموالهم في كل مكان.
وتناول المؤلفان قضية على جانب كبير من الأهمية ولها علاقة وثيقة بالعولمة ألا وهي قضية النمو المطرد للبطالة، وما يرتبط بها من تقليص في قدرة المستهلكين واتساع دائرة المحرومين، فتحت تأثير الركض المحموم وراء الأرباح المرتفعة التي أصبحت تتحقق في الأسواق النقدية والعالمية راحت جميع القطاعات تتنافس وتتصارع من أجل خفض كلفة الإنتاج، وكان التنافس ضارباً والضغط شديداً على عنصر العمل للوصول ببند الأجور إلى أدنى مستوى ممكن، ولم يعد الأمر يقتصر على ذوي الياقات الزرقاء الذين أُبعدوا عن عملهم بعد أن حلَّت الآلات الحديثة والمتطورة مكانهم في مواقع الإنتاج المادي، بل امتد الأمر ليشمل أيضاً ذوي الياقات البيضاء ( مهن الطبقة الوسطى ) حيث تولت عمليات هندسة عنصر العمل، والاستخدام الموسع لأجهزة الكمبيوتر مهمة الاستغناء عن عشرات الألوف من الوظائف والمهن التي كان يقوم بها هؤلاء.
وكانت ( مذبحة العمالة ) قاسية جداً في البنوك وشركات التأمين، بل إن المؤلفين يشيران إلى أنه حتى في قطاع صناعة برامج الكمبيوتر بدأت كبرى الشركات المتخصصة في هذا المجال في إحلال العلماء الهنود ذوي المرتبات المتدنية مكان العلماء الأمريكيين، وحينما ضايقتهم الحكومة الأمريكية في هذا السلوك قامت هذه الشركات بنقل جزء من أنشطتها إلى نيودلهي، وهكذا سواءً تعلق هذا بصناعة الصلب والسيارات أو المواد الكيماوية أو الأجهزة الإلكترونية أو بالبريد أو بشبكة الاتصالات، أدت حرية انتقال السلع ورؤوس الأموال عبر الحدود دون أي قيود إلى العصف بالعمالة والإطاحة بها بعيداً عن الشوارع الخلفية للبطالة ويرى المؤلفان انطلاقاً من هذا أن المنافسة المعولمة أصبحت تطحن الناس طحناً وتدمر التماسك الاجتماعي، وتعمل على تعميق التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين الناس )([252]).
الفصل الخامس: أكاذيب ترضي الضمير
أسطورة الميزة على استقطاب الاستثمارات وخرافة العولمة العادلة
لقد كانت المكسيك من الضحايا الأولى للعولمة ففي فترة زمنية لا تزيد على شهور وجيزة أُعلن الإفلاس لخمسة عشر ألف مشروع، وفقد ما يقرب عن ثلاثة ملايين مواطن فرص عملهم، كما انخفضت القوة الشرائية لدى المواطنين بما لا يقل عن الثلث، وهكذا بعد عشر سنوات من الإصلاحات ذات الطابع الليبرالي المحدث أضحت أمة المائة مليون مواطن في وضع أسوأ مما كانت عليه من قبل وتركية هي المكسيك الأوربية.. فقد أغرقت البضائع الأجنبية الزهيدة الثمن السوق المحلية وبعد توقيع الاتحاد الجمركي مع أوربة، وخلال نصف عام عصف العجز بالميزان التجاري التركي، وخوفاً من تآكل احتياطيها من العملات الأجنبية، فرضت الحكومة بقيادة حزب الرفاه الإسلامي ضريبة على الواردات تبلغ ستة بالمائة، وقد أدرك الكثير من حكام البلاد الفقيرة في النصف الجنوبي من المعمورة منذ سنين كثيرة الأمور على حقيقتها فساروا بأممهم إلى الرفاهية عن طريق أكثر حصافة ذكاء.
لقد خرجت ماليزيا منذ أمد ليس بالقصير من قائم الدول النامية فمنذ عام 1970 ينمو الاقتصاد الوطني سنوياً بين 7 و 8%، أما الإنتاج الصناعي فينمو بمعدل يزيد عن 10% وبدلاً من 5% يعمل اليوم 25% من السكان في سن العمل في القطاع الصناعي، وتضاعفت حصة الفرد الواحد من الدخل القومي بين عام 87 و95 فوصلت لدى هذا الشعب البالغ تعداده عشرين مليوناً أربعة آلاف دولار في العام، وإذا سارت الأمور على ما ترتئيه خطط الحكومة فسترتفع هذه الحصة حتى عام 2020 إلى خمسة أضعاف أي أنها ستصل إلى المستوى السائد في الولايات المتحدة.
ولا يقتصر السعي لتحقيق المستوى الرفاهي العظيم على ماليزيا فقط، فكوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ وهي كلها بلدان وُصفت بالنمور في وقت مبكر كانت قد سبقت ماليزيا بخمسة إلى عشرة أعوام في هذا المضمار، وجاء بعد ذلك دور تايلاند وأندنوسيا وجنوب الصين، فهذه البلدان انطلقت أيضاً في طريق التطور، وصارت تحرز الآن نجاحات مشابهة الأمر الذي دفع الكثيرين لأن يطلقوا عليها لقب النمور، وأشاد الاقتصاديون والصناعيون في كل أرجاء المعمورة بالمعجزة الاقتصادية الآسيوية معتبرين إياها قدوة ودليلاً حياً على جدارة نظام السوق لكسر طوق الفقر والتخلف، وفي الحقيقة ليس هناك صلة وثيقة بين الازدهار الاقتصادي في آسيا ( ورأسمالية دعه يعمل دعه يمر ) السائدة في غالبية بلدان منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، فمن غير استثناء طبقت البلدان الناهضة في الشرق الأقصى استراتيجية مستهجنة على نحو شديد في الغرب، فبدلاً من أن تحذو حذو المكسيك وتصبح شاة تُنحر في مجزرة المنافسة الدولية، طوِّر نمو التنمية الموجهة حكومياً من جاكرتا حتى بكين مجموعة من الأساليب التي تتيح لهم فرصة توجيه عملية التنمية، فبالنسبة لها لا يشكل التكامل مع السوق العالمية الهدف الذي تسعى لتحقيقه بل هو وسيله تخدم الهدف المنشود لا غير، وبالتالي فلا يُستعان به إلا بتحفظ بعد تمحيص دقيق.
ومن هنا فإن استعادة الإرادة السياسية أو أولوية السياسة على الاقتصاد هي المهمة المستقبلية الأساسية, فالتكيف الأعمى مع الضرورات التي تفرزها السوق العالمية يقود المجتمعات التي تتمتع بالثراء الآن غلى فوضى لا مناص منها، ويقود إلى هدم البنى الاجتماعية التي تشكل سلامتها ضرورة حتمية لهذه الدول.
الفصل السادس: لينقذ نفسه من يستطيع، ولكن من هو الذي يفلح ؟
ضمور الطبقة الوسطى، وبزوغ نجم المضللين المتطرفين، انظر إلى أولئك الذين ينهون دراستهم الجامعية وهم في سن الثانية والعشرين أو الثالثة والعشرين، إن هؤلاء لن يحصلوا على فرصة عمل مناسبة, بل صار عليهم أن يعملوا نادلين ( خدماً ) في أحد المطاعم، أو موزعين للرسائل يمتطون دراجاتهم الهوائية متنقلين من شركة غلى أخرى.
ويعلن زوج (ألسون) بأسلوب صحفي مقتضب إذ يقول: إن الطبقة الوسطى تتضاءل وتختفي، واحتياطياً لما يضمره المستقبل من نوائب يستثمر من تبقى في التسعينات من الطبقة الوسطى الأمريكي مدخراتهم في الأسهم، إن هناك عشرين مليون عائلة أمريكية تقامر في الأسهم وقد علَّقت كل آمالها على صناديق الاستثمار البالغ عددها أكثر من 6 مليارات دولار موزعة على كل أرجاء المعمورة، وصار مزاج ملايين العوائل يرتفع وينخفض بارتفاع وانخفاض مؤشر ( داو جونز ) للأسهم، كما يتعين على ملايين من المستخدمين المكتبيين البالغ عددهم 18.2 مليوناً أن يتوقعوا خسرانهم لفرصة عملهم وإحلال زميلهم الكمبيوتر محلهم في العمل، وفي ألمانيا يناكف ربع السكان على أقل تقدير من التطلع إلى الرفاهية، فالفئات الدنيا من الطبقة الوسطى تزداد فقراً بخطىً وئيدة.
إن تسارع عملية ( الهدم الخلاق ) هي الطابع الجديد الذي اتخذه نظام السوق الرأسمالي كما قال محللاً (إدوارد لوتاك ) الاقتصادي الأمريكي الذي صاغ لهذا الطابع الجديد مصطلح ( الرأسمالية النفاثة ) ويواصل تحليله قائلاً: إن السرعة المروعة التي تتم بها التحولات قد غدت صدمة لشطر عظيم من السكان, ويقول: من يرى توطيد أركان الأسرة والمجتمع أمراً مهماً لا يمكن له أن يناصر في ذات الوقت تراجع تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وعولمة الاقتصاد، فهما اللذان يمهدان الطريق للتحولات التكنولوجية السريعة، إن تفكك الأسر الأمريكية وما نلاحظه في الكثير من أصقاع المعمورة من انهيار في المؤسسات الاجتماعية المناط بها السهر على التربية، وكذلك الاضطرابات السائدة في بلدان شبيهة بالمكسيك على سبيل المثال ليست سوى نتائج أفرزتها هذا القوة التدميرية ذاتها )([253]).
الفصل السابع: جناة أم ضحايا
( يترتب على ما تفرزه العولمة من نتائج، تضاؤل إمكانات الدول المختلفة على التدخل أكثر فأكثر، في حين يتعاظم أكثر فأكثر تجاوز اللاعبين الدوليين حدود اختصاصهم من دون رقيب يذكر، ولعل القطاع العام خير مثال على ذلك، وإن القادة السياسيين – كما يقول بطرس غالي – لم يعودوا يمتلكون الكثير من المجالات العقلية التي تمكنهم من اتخاذ القرار، إن انتظار وقوع الحدث وليس اتخاذ المبادرة الحاسمة، والإصلاح المكلف للأخطاء وليس تفادي وقوع الخلل، إن هذا كل ما تستطيع فعله السياسة الدولية حسب تقدير اللاعبين الدوليين.
و ( ميشيل كامديسو ) رئيس صندوق النقد الدولي يؤكد من جانبه على أنه يتعين على المرء أن يعلم بأن اتخاذ المبادرة الذاتية أو عدم اتخاذها يسفر عن نتائج ذات أبعاد عالمية وبهذا التقييم فهو لا يبرر مغامرته المكسيكية عام 95 حينما خصص ثمانية عشر مليار دولار من أموال المشاركين في صندوق النقد الدولي بهدف مواجهة أول أزمة في القرن الحادي والعشرين فحسب، بل هو على ثقة أيضاً بأن التكييف مع البيئة العالمية المعلومة قد أضحى أمراً لا مفر منه، كما أنه لا يترك مجالاً للشك بأن ( الوول سترايت ) وقادة صناديقه الاستثمارية هي المهيمنة: ( إن العالم في قبضة هؤلاء الصبيان ) وكما أعلن آخر رئيس للاتحاد السوفياتي (غورباتشوف ) إن السياسة تجري وراء الأحداث، إننا نتصرف كما لو كنا رجال حرائق ينتقلون عند اندلاع النيران إلى أوربا وإلى باقي أنحاء العالم، إننا جميعاً لا نتصرف إلا على نحو متأخر.
وبهذا فمن هم هؤلاء اللاعبون الدوليون في مجالات السياسة والمال والإعلام والاقتصاد، أهم مسيرون دونما إرادة أم هم جناة مع سبق الإصرار ؟
الفصل الثامن: لمن الدولة، انحطاط السياسة ومستقبل السيادة الوطنية
( تعطي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى وهما البلدان اللذان خفضت فيهما الحكومة طواعية وفي وقت مبكر نشاطها صورة عن الحالة التي سيفضي إليها ترتيب الموازنة الحكومية لمصلحة الاقتصاد الحر (الخاص ) فبالنسبة لصيانة وتوسيع البنية التحتية ثمة ضائقة مالية في كل النواحي، فمقارنة بالناتج القومي الإجمالي لا تستثمر الإدارات الحكومية في الولايات المتحدة الأمريكية سوى ثلث ما تنفقه اليابان على الطرق وسكك الحديد والمدارس والجامعات والمستشفيات ففي واشنطن على سبيل المثال أضحت بنايات غالبية المدارس جاهزة للهدم، وبناءً على ما تقوله عمدة المدينة فإن المدينة بحاجة إلى 1.2 مليار دولار إذا ما أرادت ترميم بنايات هذه المدارس، وتقدر شرطة المدينة أنها بحاجة إلى مبلغ مشابه لإصلاح آلاتها ومعداتها وسياراتها، ويرفض الكونغرس تخصيص الأموال اللازمة لذلك.
وفي الجزر البريطانية وهي البلد الذي يُعتبر الدولة المثالية من حيث تطبيق النظرية الليبرالية الجديدة، وتوشك نظم الرعاية الاجتماعية أن تتخذ المستوى السائد في بلد نامٍ، فمن بين كل ثلاثة أطفال بريطانيين ينشأ طفل واحد في ظل الفقر والفاقة، وبسبب عدم كفاية الرعاية الاجتماعية يتعين على 1.5 مليون طفل دون الستة عشر عاماً العمل من أجل كسب القوت، ويرتفع معدل الأمية ارتفاعاً متصاعداً ففي استطلاع يقوم على أسس علمية لم يستطع خمس من هم في سن الواحد والعشرين عاماً إجراء بعض العمليات الحسابية البسيطة، ولم يستطع سبعهم القراءة والكتابة.
وفي ألمانيا، البلد الغني نسبياً والذي لا يزال الرفاه موزعاً بين سكانها فقد تعين الآن في فرنكفورت إغلاق أبواب 44 مرفقاً ترفيهياً، وهناك ستة من المسابح العمومية جاهزة للبيع أو الإغلاق، ولم يعد أحد مسارح المدينة يعمل أكثر من ستة أسابيع في الموسم الواحد وبسبب انخفاض الدعم الحكومي يهدد مدير دار الأوبرا بوقف العرض فقد جعل التخفيض الإجباري في الموازنات الحكومية السياسيين حيارى كيف ينهضون بأعباء المهام الملقاة على عاتقهم، فعلى مستوى كل البلدان الصناعية تتحدث دوائر الشرطة والقضاء عن طفرة بينة في نمو الجريمة المنظمة، وكان أحد موظفي الشرطة الدولية يقول: إن ما هو في مصلحة التجارة الحرة هو في مصلحة مرتكبي الجرائم، وحسب تقديرات مجموعة خبراء شكلتها الدول الاقتصادي السبع الكبرى في عام 1989 ارتفع حجم المبيعات في السوق العالمية للهيروين حتى عام 1990 إلى عشرين ضعفاً في خلال العشرين سنة الماضية، أما المتاجرة بالكوكايين فقد ارتفعت إلى خمسين ضعفاً، وازدهار عمليات التهريب لا يكمن في تقاعس الشرطة عن أداء مهامها، والنتائج المترتبة تثير الرعب ففي منظور الخبراء أضحت اليوم الجريمة المنظمة عالمياً أكثر القطاعات الاقتصادية نمواً، إنه يحقق أرباحاً تبلغ خمسمائة مليار دولار في العام، ومن مجموع الثروة التي تمتلكها التنظيمات الإرهابية الإيطالية الأربعة وهي ثروة تتراوح بين 150 – 200 مليار مارك صادرت الدولة حتى يوينو 1996 مبلغاً لا يتجاوز 2,2 مليار مارك، إن قائمة فشل الدولة في التعامل مع فوضوية السوق العالمية تكاد تكون بلا نهاية إذ شيئاً فشيئاً تفقد الدولة في أرجاء المعمورة قدرتها على أخذ زمام المبادرة في توجيه تطور أممها )([254]).
الفصل التاسع: التوقف عن السير على غير هدى، الإفلات من المأزق
هناك مقترحات استراتيجية عديدة ترمي إلى وقف التطور صوب مجتمع الخمس الثري، وتكمن الخطوة الأولى على هذا الدرب في الحد من السلطة السياسية التي يتمتع بها الناشطون في أسواق المال، ولو فرضت ضريبة مبيعات على المتاجرة في العملات الأجنبية وعلى القروض الخارجية لما تعين على المصارف المركزية والحكومات في مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى الخضوع بلا قيد أو شرط لما يمليه عليها تجار المال من مطالب غير مبررة، فبدلاً من الحد من الاستثمارات عن طريق الزيادة المستمرة في أسعار الفائدة كوسيلة لمكافحة تضخم لا وجود له بمستطاع هذه المصارف والحكومات معاً البدء في إنعاش النشاط الاستثماري لدى المشروعات الصناعية، وذلك عن طريق تخفيض([255]) أسعار الفائدة على القروض التي تمنحها المصارف الاستثمارية ولا مناص من أن يتزامن هذا كله مع إصلاح ضريبي يفي بمتطلبات المحافظة على البيئة، إصلاح يرفع من أسعار الثروات التي تستهلك بشكل قاسٍ، ويزيد من استخدام العمل البشري عن طريق خفض التكاليف التي تتحملها المشروعات في مجالات التقاعد والتأمين ضد المرض وضد البطالة، وهذا هو الطريق الوحيد القادر على الحد من استمرار التدمير الذي يعصف بالأساس البيئي، ويقدم المؤلفان حلاً أوربياً من عشر نقاط:
1- اتحاد أوربي ديمقراطي قادر على النهوض بالتحولات.
2- تقوية المجتمع المدني وتعزيز مشاعره الأوربية.
3- الاتحاد النقدي الأوربي.
4- توحيد القوانين الضريبية الأوربية.
5- فرض ضريبة مبيعات على المتاجرة بالمشتقات.
6- معايير اجتماعية وبيئة دنيا للتجارة الخارجية.
7- إصلاحات ضريبية ذات أبعاد أوربية لحماية البيئة.
8- فرض ضريبة أوربية على السلع الكمالية.
9- النقابات العمالية الأوربية.
10- التوقف عن تحرير الاقتصاد من دون تعزيز للرعاية الاجتماعية([256]) ) ([257]).




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:43 pm

- العولمة اليوم ومنتدياتها:
إذا كان عمر ذلك النقد عشر سنين على الأقل، فهذا النقد بعد ذلك الزمن بعشر سنين حيث ظهرت العورات أكثر وأكثر بعد هذا الزمن، والتقرير المذكور الآن يتحدث عن منتدى دافوس الاقتصادي الذي عقد في منتجع دافوس السويسري في دورته الحادية والثلاثين وحضره 2322 مشاركاً من أنحاء العالم بتاريخ 26 / 1 / 2000 وبحضور ثلاثين رئيس دولة وحكومة، وثمانين وزيراً، والنخبة السياسية والاقتصادية في العالم، وعلى مدى ستة أيام و 315 جلسة ناقش المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد تحت شعار التنمية المستدامة وشد الهوة، وتأثير التباطؤ المتوقع للاقتصاد الأمريكي، ووسائل جديدة لعمل الشركات والوجه المتغير للإنترنت.
آ- تجاهل أصوات الفقراء: إلا أن الساسة وصناع القرار الاقتصادي تجاهلوا أصوات الفقراء، وأكدوا أنهم يحتمون وراء ثروتهم الطائلة، وغير مستعدين لسماع أي وجهة نظر تخالفهم الرأي، بل هم ماضون في خططهم الرامية إلى إضفاء المزيد من اللبرلة المتوحشة على النظام العالمي على الرغم من آثارها السلبية على شرائح كبيرة من الناس وبذلك عزز أغنياء العالم اتهامات فقرائه بأن العولمة حولت الحياة برمتها إلى سوق سلعية طاحنة، يديرها المرابون، والمقرضون والشركات المتعددة الجنسيات التي أتاحت للمبشرين بها استبدال كل المرجعيات بأخرى تنسجم مع مصالحهم، وتترك مليارات البشر نهباً للفقر والجوع والمرضى والصراعات الأهلية والنزاعات الإقليمية وهو ما أكده – كلاوس شقاب – مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي بقوله: إن هدف المنتدى الحالي طرح تساؤلات ومحاولة تقديم ردود عليها قدر الإمكان، منوهاً إلى أن هاجس العولمة طرح تساؤلات جديدة.
ب- المنتدى المعاكس: في ( بورتو ) الليغري المدينة البرازيلية أعرب الفقراء المشاركون في المنتدى الاجتماعي العالمي الذي عقد بمواجهة المنتدى الاقتصادي العالمي عن رغبتهم بإنشاء صندوق عالمي للتعويض عن نهب الدول الغنية لدول العالم الثالث، ونددوا بقواعد التجارة الدولية القائمة، واقترحوا إقامة حواجز كمؤشر للمسؤولية الاجتماعية، وفرض احترام القواعد التي تمنع إغراق الأسواق، ودعوا لمجتمع دولي أكثر تحضراً وتضامناً وعدلاً وانضباطاً، وتحدثوا عن مشكلات بلدانهم، وعن أحلام شعوبهم، وعن نظرتهم للمستقبل في خضم الأزمات المتلاحقة والمتصاعدة، وأشار رئيس لجنة ديون العالم الثالث ( أريك توسان ) أن مهمة صندوق لتعويض الذي اقترح إنشاؤه، ستكون تعويض النهب المزمن جداً في دول العالم الثالث، وقال في مناقشة بعنوان: نظام مالي من أجل المساواة بين الدول: إن الصندوق سيخضع لإشراف الأمم المتحدة وليس للبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وسيتم توفير أمواله من عائدات رسم توبين الذي يقتطع 5% على عمليات المضاربة المالية.
جـ- صرخة معبرة: الأصوات الجديدة الداعية لإعادة صياغة العالم على أسس عادلة ليست أكثر من صرخة معبرة عن حجم الألم الذي يستوطن الكرة الأرضية، صرخة شبيهة إلى حد بعيد بتلك الأصوات التي برزت في اجتماعات منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد والبنك الدولي، وقمة الفقراء التي عقدت في هافانا عاصمة كوبا العام الماضي، وقمة الألفية التي عقدت في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، والسؤال المطروح اليوم على الساحة الدولية، هل أسمعت تظاهرات المقهورين التي دوت مجدداً في دافوس وبورنو صوت الفقراء للعالم المتحضر ؟ أم أنها وقعت على آذان صماء في مراكز صنع القرار الاقتصادي العالمي المنهكة في التبشير بنهاية عهد الدول والحكومات وبداية عصر السوق المنفلت من أي قيود ؟
د- صورة جديدة للاستعمار:
العولمة التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، وتصاعد تأثيرها مع انتهاء الحرب الباردة قدمت نفسها على أنها حامية للحريات عبر صناديق الاقتراع، وحرية السوق وتبادل المعلومات، إلا أنها في حقيقتها ليست أكثر من نظام اقتصادي جديد يكرس هيمنة القوى الكبرى بأسلحتها القوية على البلدان الضعيفة معيدة إلى الأذهان عصر الاستعمار القديم الذي كرس الجهد للاستغلال عن طريق تصدير رؤوس الأموال والتقانة والثقافة من المركز إلى الأطراف.. وبالرغم من أن مصطلح القرية الكونية الذي تم تعميمه منذ مطلع التسعينات من القرن العشرين أعطى زخماً جديداً لمحاولات السيطرة والتحكم بمصير الشعوب، إلا أن الصراع غير المتكافئ بين الدول الفقيرة التي لا تملك شعوبها قوت يومها, والدول الغنية التي تحقق نمواً متصاعداً، وسع الفجوة كثيراً، ففيما سجلت العولمة انتعاشاً كبيراً اقتصادياً في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، سيطر على عالم الجنوب هاجس تراجع النمور وارتفاع الديون الخارجية، وانتشار الفقر، وتفاحش البطالة، وتدني مستوى العيش إلى حد التهديد بالمجاعة وخطر الموت وبخاصة في القارة الأفريقية وأمريكا اللاتينية.
هـ- تقارير مدهشة: وتشير التقارير إلى أن قيمة ديون الدول النامية ارتفعت من 520 مليار دولار في العام 1980 إلى 2070 مليار دولار في العام 2000 في حين أن هذه الدول سددت 3350 مليار دولار ([258]) خلال نفس الفترة، أي ستة أضعاف ديون العام 1980، وذكرت مصادر منتدى بورتو أن دول الجنوب سجلت عجزاً في التجارة الخارجية بين عامي 1980 و 1990 بقيمة 45 مليار دولار، مقابل فائض للدول الصناعية يقدر بنحو 80 مليار دولار.. وبالرغم من أن أنصار مؤسسات العولمة الاقتصادية يقولون إنها تنطق باسم الضعفاء، وتعهدوا بجعل مؤسساتهم ( أكثر فاعلية وشفافية ومسؤولية ) رداً على آلاف المتظاهرين الذين ينددون بهذه الهيئات العالمية.
إلا أن سجل الدوليين يبدو كافياً لدحض هذه المقولات.. فمع بداية الثمانينات باتت اهتماماتها محصورة في الدول الفقيرة، وفرضت عليها شروط إقراض تركز على خفض قيمة العملة، وخفض الموازنات، ورفع الضرائب، والحد من تدفق القروض إلى الاقتصاديات المتأزمة )([259]).
و- أهم الحاضرين في منتدى دافوس: ( بعض الحاضرين لا يحتاج إلى تقديم مثل بيل غيتس وجورج سوروس وتوماس باتاو وديفيد روكفلر، وإدوارد دي روتشيلد، وبعضهم لم نكن سمعنا به، ثم اكتشفنا أنه يدير شركة أو شركات تفوق دخلاً سنوياً لمعظم الدول العربية، ومن هؤلاء:
1- روبرت بوكلهوفرين فولكسواغن ( 88 بليون دولار و 306 آلاف موظف ).
2- بيتر بيجور من شركة تكساكو ( 35 بليون دولار و 18 ألف موظف ).
3- يورغن هوبرت من شركة دايملر كرايزلر ( 151 بليون دولار و467 ألف موظف ).
4- تيموثي كولي من شركة إس بي سي البلجيكية للاتصالات ( 50 بليون دولار و 204 آلاف موظف ).
5- شيلي لازاروس من شركة أوغيفلي أندمائر للاتصالات (35 بليون دولار و33 ألف موظف).
6- جين جاكسون من شركة والمارت ( 165 بليون دولار و 910 آلاف موظف ).
7- آن ليفرمور من شركة هيولت باكارد للكمبيوتر ( 48 بليون دولار و 88 ألف موظف ).
8- ماري بات ماكارثي من شركة كي إم بي جي ( 13 بليون دولار و 108 آلاف موظف ).
وربما لاحظ القارئ أن الأسماء الأربعة الأخيرة من النساء، وقد اخترت نماذج قليلة بشكل عشوائي فهناك مئات من رجال الأعمال من هذا المستوى وأكبر من العالم أجمع....
لم يغب العرب كلهم عن الميدان فقد كان هناك أبو عمار وأمير قطر وولي عهد البحرين وولي عهد دبي ورئيس وزراء الأردن ورئيس وزراء تونس ووزراء كثيرون يتقدمهم وزير خارجية مصر السيد عمرو موسى ووزير المال والبترول السعوديان إبراهيم العساف وعلي النعيمي، لكن ربما كان أجمل ما في المشاركة العربية ذلك الجيل من الشباب من رجال الأعمال العرب، وصحيح أن أكثرهم ورثوا العلم، إلا أنهم جميعاً أو على الأقل الذين جالستهم وناقشتهم كانوا أرفع مستوى... والحضور العربي الذي سجلت خصوصاً جيل الشباب يعطي ثقة في المستقبل.
ولكن ما يخيب الآمال غياب سوريا رسمياً وبرجال أعمالها عن المؤتمر، وغيار لبنان الرسمي معها.. وأرجو ألا أسمع أن سوريا غابت وغُيبت لبنان معها لوجود إسرائيليين، فهؤلاء كانوا موجودين فعلاً من شمعون بيريز، وحاخامات يتقدمهم كبيرهم إسرائيل مايرلاو إلى رؤساء شركات التكنولوجيا الحديثة، والمطلوب أن ننافس الإسرائيليين لا أن نخلي الساحة لهم.. ) ([260]).
ز- الدول الفقيرة: التي دعت في المنتدى الاجتماعي في بورتو وقمة الألفية وقبلها في قمتي هافانا ومجموعة الـ 15 التي عقدت في القاهرة إلى إحداث تغيير في النظام الاقتصادي الاجتماعي العالمي، وحثت الدول الغنية على اتباع نظام تجاري أكثر إنصافاً لإنهاء ما وصفه الرئيس الكوبي فيديل كاسترو بنظام تفرقة عنصري اقتصادي، إلا أن الواقع يؤكد أن هذه الدول تعيش مرحلة غير مسبوقة من اختلال التوازن، وتفرق حكوماتها في الديون الخارجية التي تتجاوز قيمة أقساطها وخدماتها قدرة الدول على السداد.
من يسمع صوت الفقراء في عالم لا مكان فيه للضعفاء ؟ سؤال يتردد في كل مكان، لا أحد يملك الإجابة، وستبقى صرخات المتظاهرين في دافوس والمجتمعين في بورتو والتي طالبت بفرض سياسات ملائمة لإنقاذ الفقراء صيحة في واد إذا لم يتم إشراك الشعوب الفقيرة بتقرير مصير بلدانها، واختيار أنظمتها السياسية والاقتصادية، وما لم تلعب من جهة أخرى حكومات الدول الغنية والمؤسسات الدولية دوراً بناءً في إدارة الأزمة )([261]).
ي- أين يكمن الحل ؟
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب )) فهذا هو الإنسان بدون عقيدة، ولا مجال للإصلاح الحقيقي، وإنهاء سيطرة قوى العولمة في الأرض إلا من خلال العودة إلى الدين الذي يقول: ( والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه )، والذي يقول: ( الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ).
ومن خلال إعادة البناء النفسي للإنسان على ضوء العقيدة } والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم{ إلى المجتمع المتكامل المتكافل حيث يكون خير الناس أنفعهم للناس، ومن خلال النظرة الكلية للمال التي تنطلق من أنه ما جاع فقير إلا بما بطر به غني إلى بقية المفاهيم الإسلامية الأخرى التي تحقق الإنسان الصالح والمجتمع الصالح والحكومة الصالحة.

16- الإسلام والعولمة:
أولاً - نقاط الافتراق:
إن نقاط الافتراق الكبرى بين الإسلام والعولمة كثيرة نستعرض منها عشر نقاط أساسية:
آ- الإسلام دين الله المنزَّل على خلقة ورسالة الله تعالى إلى البشر إلى قيام الساعة، والعولمة فكر بشري قاصر يتسم بالهوى والجهل والظلم ككل فكر بشري ضالٍ لا يهتدي بهدي الله } ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله {.
ب- فلسفة العولمة هي الحرية المطلقة وفلسفة الإسلام هي العدل، فالعولمة تعني إبعاد جميع المطلقات وإحلال مطلق وحيد مكانها وهو حرية الفكر الكاملة، أما الإسلام فهو دين العدل، وأينما كان العدل فثم شرع الله، والظلم مرفوض في شتى أحواله وأنواعه }... إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا.. { وقوله عز وجل: } إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظمياً { وقوله }...و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.. { وقوله: } إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى.. { وقوله: } ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى {.
جـ- العولمة أو النظام العالمي الجديد أو الليبرالية الجديدة إنما تقوم على أساس الفائدة والربا الحرام، حتى لينقلب تسديد الديون إلى تسديد الفوائد، وتتعطل وظيفة المال كلها عن الإنتاج في أسواق استغلال لحاجة الإنسان والدولة والأمم، فهم حلفاء الشيطان } إن الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع وحرَّم الربا.. { ([262]).
فقد ارتفع المجموع الكلي لمديونية الدول النامية.. ففي عام 1996 ارتفعت هذه الديون لتصل إلى 1.94 ألف مليار دولار أي أنها ارتفعت إلى ضعف ما كانت عليه قبل عشرة أعوام.
وهذا النظام يعلن الله تعالى الحرب عليه ورسوله كذلك.
} يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون { ([263]).
د- العولمة هي تكديس للثروة البشرية بأيدي حفنة من الأثرياء الجشعين اللصوص، بينما تذبح البشرية بالفقر والحاجة والحرمان، ( ففي القرن القادم سيكون هناك فقط 20% من السكان الذين يمكنهم العمل والحصول على الدخل والعيش في رغد وسلام أما النسبة الباقية 80% فتمثل السكان الفائضين عن الحاجة الذين لن يمكنهم العيش إلا من خلال الإحسان والتبرعات وأعمال الخير ) وهناك ( 358 ) ملياردير في العالم يمتلكون ثروة تضاهي ما يملكه 2.5 مليار من سكان المعمورة.
أما النظام الاقتصادي في الإسلام فيود أن يحطم استعمار المال في يد فئة من الأثرياء } ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم، وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب { ([264]).
ويقول علي رضي الله عنه: ( إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم ما يكفي الفقراء، فإن جاعوا أو عروا أو جهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله تبارك وتعالى أن يحاسبهم ويعذبهم ) ([265]).
وفي الحديث: (( أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله )) ([266]).
هـ- العولمة رفض لوجود الأمة، ورفض لقوميتها ورفض لهويتها ( وهذا يعني أن النظام الدولي الجديد ونحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين سيكون أخطر بكثير من النظام الدولي الذي سبقه في القرن العشرين، فإذا كان هذا الأخير قد نجح في تجزئة القوميات في العالم وتكوين الكيانات والدول في آسيا وأفريقية وعلى أساس وطني أو إقليمي فإن النظام القادم سيعمل على اختراق تلك القوميات وسيقوم بتفتيت بعض الدول والكيانات، وسوف لا تقارن النتائج التي أسفر عنها مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 بما ستسفر عنه نتائج النظام الآتي ) ([267]).
أما الإسلام فقال: } يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير { ([268]) وقال: ( لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى أو بعمل صالح ).
فلقد حافظت الأمم على هويتها في ظل الإسلام، وطبقت كل أمة الإسلام دون أن تتنكر لأعرافها وتقاليدها وهويتها التي صاغتها حسب مبادئ الإسلام، وبقيت الأمم خلال ألف عام من حكم الإسلام لها استقلالها وتميز هذا في ظل هذا الدين، ولم يعمل الإسلام على إذابة أي قومية أو أمة لصالح قومية أو أمة أخرى بل وضع طاقات هذه الأمم جميعاً لصالح الإسلام، لقد كان الإسلام تحريراً لكل أمم الأرض من ظلم الطواغيت واستسلامها لشريعة الله، بينما تريد العولمة أن تخضع أمم الأرض لحفنة من الأثرياء والمترفين يتحكمون في رقاب الأفراد والدول والأمم ( وبعمليات الاندماج والتمليك أصبحت الشركات والكتل الضخمة جداً لدرجة أن دولاً بأكملها لا تقارن إلا بقسم من أقسام هذه الشركات، إنهم سيقدرون على ابتلاع أي بنك أو مصانع أو تجارات تمتلكها وفي النهاية نصبح مثل جمهوريات الموز التي يعد فيها مالكو المزارع أقوى من رؤساء تلك الدول.
و- الإسلام والحضارة الإسلامية حققوا رسالة عظمى في تاريخ البشرية إذ حرروا الشعوب والأفراد، وأنهوا ظلم الطواغيت في الأرض كما يقول ربعي بن عامر ( الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ورفع الخيف عن كل فرد بغض النظر عن معتقده وجنسه ) بينما تريد العولمة أن تحقق استعباد الدول والشعوب والأفراد للصندوق الدولي والبنك الدولي أو كما سماها المؤلفان ( شريعة الذئاب ) ويتحدثون عن ملايين الضحايا من قربان العولمة ( فالجزء الأعظم من العالم يتحول خلافاً لتلك الجزر إلى عالم بؤس وفاقة، عالم غني ببضع مدن كبرى وبأحياء فقر وجوع هي الأخرى كبرى أيضاً ويسكنها مليارات من البشر لا يسدون رمقهم إلا بالكاد ومما تجب الإشارة إليه هنا أن سكان هذه المدن يزدادون أسبوعياً مليون نسمة ).
وينقل الكاتبان الألمانيان عن كابلان وطبيعة هذا الدين إذ يقول: ( في هذا الجزء من العالم سيكون الإسلام بسبب تأييده المطلق للمقهورين والمظلومين أكثر جاذبية، فهذا الدين المطرد الانتشار على المستوى العالمي هو الديانة الوحيدة المستعدة للمنازلة والكفاح ) ([269]).
ز- العولمة حرية مطلقة والإسلام حرية مقيدة: العدالة في التوزيع تأتي على قمة سلم أولويات المجتمع العربي، فالإسلام يؤكد على حقوق الفقراء في أموال الأغنياء أكثر بكثير مما يؤكد على الحرية الفردية المطلقة في تجميع الثروة والتصرف بها، فالحرية الفردية في التصرف في القانون الروماني مطلقة بينما الحرية المطلقة في الإسلام مفسدة وآثمة أيضاً.. ولهذا كانت الطبقة المحافظة العربية بمعظمها مختلفة عن مثيلتها الطبقة المحافظة الأوربية والأمريكية في النظرة والدور والإمكانات، فالثانية تؤمن بحرية الفرد في تجميع الثروة والاحتفاظ بها وتوريثها بغض النظر عن طبيعة الحياة التي يعيشها الأفراد الآخرون في المجتمع، وتعتقد أن هذه هي إرادة الله في مكافأة الأفراد العالمين والمنتجين يشاركها في تلك النظرة قسم كبير، أما الثانية وإن كانت تؤمن بما تؤمن به الأولى إلا أن التراث الثقافي والاجتماعي للمجتمع يحول بينه وبين بناء رأسمالية مزدهرة.. والمهم أن تقر بحقيقة موضوعية ثابتة تاريخياً([270]) وهي أن المجتمعات الإنسانية وفي كل مرحلة من مراحل تاريخها وفي إطار ظروفها الموضوعية تحاول دائماً إيجاد توازن من نوعٍ ما بين فكرة الحرية التي يطالب بها ذوو الدخل الضعيف والمحدود والفقراء، وبين فكرة الحرية التي يطالب بها الأقوياء اقتصادياً، والولايات المتحدة بلد جديد نسبياً غني بمصادره الاقتصادية بالنسبة لسكانه الذين يؤمنون بثقافة أصلها القانون الروماني الذي يقدس الحرية الفردية والحرية الشخصية, وفكر يوناني في الأصل يقدس حرية الاختيار وديانة بروتستانتية تشجع الفرد على العمل الاقتصادي، وتبارك أرباحه باسم الرب...
أما الذين يعيشون على عتبات الفقر أو فيه فيشعرون بأنهم مظلومون محرومون من الفرص، ولهذا يؤمنون بأن المصادر الاقتصادية في أي بلد هي لكل ساكنيه دونما تفريق، وأن وجود الفقر غير مقبول إنسانياً ولا اجتماعياً ويجب أن لا يكون هناك شيء كهذا اقتصادياً، وهي فكرة نجدها متجسدة في الوطن العربي ) ([271]).
إن الميزان في الاقتصاد الإسلامي واضح كل الوضوح هو الاعتدال والاقتصاد، ولو كان للاقتصاد ارتباط ولادة في التاريخ لكانت ولادته من الإسلام كما يقول عز وجل } وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا، وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسورا,ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك, ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً, إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر,إنه كان بعباده خبيراً بصيرا { ([272]).
ح- في الإسلام المال مال الله والعبد مستخلف فيه يعمل فيه وفق أوامر الله، وفي العولمة حق مكتسب للفرد، ولا حق لأحد فيه، حتى ولا للدولة، فمنطق الرأسمالية ( هو تحقيق أقصى حد ممكن من ربح رأس المال المستثمر في وقت قياسي مع الإشارة إلى نقطتين:
الأولى: ( إن العولمة هي محاولة تسييد القوة بمفهومها الشامل، الاقتصادي والسياسي والتقني والإعلامي والثقافي، وهي الأساس الذي يصنع أو يصيغ شكل النظام الدولي في القرن الواحد والعشرين، بعبارة أخرى، إن استراتيجيات القوى التي تتواكب مصالحها والعولمة وفي مقدمتها الولايات المتحدة إنما تستهدف تحقيق مجموعة من الأهداف يأتي على رأسها اثنان متكاملان، تعميق العولمة الاقتصادية أي سيادة السوق عالمياً وتدمير قوة الدول والقوميات والشعوب على المقاومة السياسية.
الثانية: بما أن الولايات المتحدة تتمتع اليوم بأدوات ووسائل القوة بمعناها الشامل فإنها تحاول أن تسخر العولمة لصالحها حتى ليمكننا القول: إن الخطط والأطروحات المتتابعة التي يشهدها العالم اليوم من أجل ولادة العولمة، إنما ترتبط عموماً بالمشروع السياسي الأمريكي الجديد وهو المشروع الساعي لتوحيد العالم من خلال رأسمالية السوق ) ([273]).
وخلاصة الأمر أن الإسلام يسعى ليكون العالم عبداً لخالقه، والعولمة تسعى ليكون العالم عبداً لأمريكا إلى أن يظهر منافس قوي جديد.
ط- الإسلام دين الأخلاق، والعولمة دين ا لحرية والإباحية، ولا داعي لإثبات أخلاقية الإسلام، فهذا من المسلمات التي لا يُناقش فيها أحد، أما إباحية العولمة فتكاد تكون لا يُناقش فيها أحد كذلك، ( وهذا يعني إبعاد جميع المطلقات وإحلال مطلق وحيد مكانها وهو حرية الفكر الكاملة ) وكما تحدث مهاتير محمد ( إنكم ستفاجؤون عندما تعرفون أن 50% من التعاملات المالية عبر الإنترنت في مجال المنتجات الإباحية) وبينما نحن المسلمين نغطي عوراتنا بكل طاعة واتباع لديننا، فإننا نجبر على استعراض أفحش الصور والأفلام على الإنترنت وتتهدد أخلاقنا وأخلاق أطفالنا والأجيال المقبلة حتى يصبح اعتناقنا للإسلام بلا معنى )([274]) وكما يقول الكاتبان الألمانيان ( إن ثمة جهوداً خارقة تبذل لكي يتخذ العالم صورة واحدة، ولا ريب في أن المحصلة النهائية لمثل هذا التطور ستكون في المجال الثقافي سيادة الصراخ والزعيق الأمريكي بمفرده في العالم أجمع ) ([275]).
ي- الإسلام يوازن بين القطاعين العام والخاص وبين واجبات الدولة وواقع الأفراد، والعولمة تسعى إلى الخصخصة وإلغاء القطاع العام، وإلغاء وظيفة الدولة، فتبرر العولمة ( نقل الملكية من العام إلى الخاص بأنها تؤدي إلى:
- تقليص الأعباء المالية للدولة بالتخلص من المنشآت العامة الخاسرة.
- تحسين كفاءة ومردودية الاستثمار والموارد.
- تحسين الكفاءة الاقتصادية عامة باعتماد آليات السوق والمنافسة، الاستفادة من مشاركة رأس المال الأجنبي ([276]).
بينما ينطلق الإسلام من أن الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، وهو الذي يكبح جماح الاستغلال والاستئثار والاحتكار ويقيم المشاريع للعاطلين عن العمل ويوجد الفرص لهم، ويفسح المجال لحركة المال الخاص، ويزيل العقبات أمامه فهو يوازن موازنة تامة بين الحرية والعدالة، يفسح المجال للجهد والإبداع العلمي والمعلوماتي والمادي لأوسع الآفاق وبلا حدود، ضمن المبدأ الاقتصادي العام الخالد: (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك شيء فقل قدر الله وما شاء فعل، ولا تقل لو فإن لو تفتح عمل الشيطان )) ولا فصل أبداً بين الروح والمادة، فكلاهما طريق لمرضاة الله } كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا {.
ثانياً- هل من لقاء ؟
آ- في التطبيق العملي:
أن نقول أن التطبيق العملي للعوملة ومبادئه الأساسية وهي:
1- الخصخصة.
2- الانفتاح.
3- الصرف العائم.
4- تخفيض مصروفات الدولة.
5- إلغاء التقنين من أجل إطلاق الحرية لفعل الأسواق.
6- وضع الشركات العالمية وقدرتها في السيطرة على الأسواق.
فكلها طرق مفتوحة يمكن الولوج إليها دون حرج مع مراعاة التوازن مع العدالة. ويمكن القول لحد ما أنه لا تعارض بينها وبين الإسلام ضمن تحفظاته، فلا يمكن أن يُضحى بالعدل لصالح الثروة وبالفقير لصالح الغني، ودليل ذلك تعامل دولة السودان الإسلامية فيها فقد قبلت السودان خلال سنوات حكم الإسلاميين فيها كل شروط صندوق النقد الدولي ورفع القطاع العام يده عن كثير من المشروعات الاستراتيجية مثل المواصلات والاتصالات، ورفعت الدولة الدعم عن التعليم والصحة، ويشجع النظام الحاكم ( الإسلامي القطاع الخاص والمبادرة الفردية ) ([277]).
ب- تقارن لمبادئ النظرية:
ويقول أحد خصوم الإسلام ودعاة العولمة ( أما على الصعيد النظري فتلتقى مبادئ الاقتصاد الإسلامي التي يعلنها الإسلامييون مع الرأسمالية والملكية الخاصة والحرية، فهم ينطلقون من فكرة الاستخلاف لأن الأصل في الملكية لله وحده أما بالنسبة للبشر المستخلفين فالملكية لها أسباب حققتها، فإما ناتجة عن ممارسة الإنسان لنشاط معين فكانت ناتجة عن جهده وسعيه، أو يكون مصدراً إلهياً تشريعياً كملكية الإرث والميراث، كذلك يضع في الاعتبار الفطرة أي – الطبيعة البشرية – وما فطرت عليه فلم ينظر لغريزة التملك على ضرورة قتلها في النفس البشرية، ومن ناحية أخرى فالربح لي له حدود ([278]).
يقول الشيخ طنطاوي: أما ما يتعلق بالربح فليس هناك ما يدل على تحديده في مجال من المجالات ما دام هذا الربح قد أتى عن طريق مشروع وتم بالتراضي المشروع بين الطرفين ولم يكن فيه ما يدل على الاستغلال أو الظلم أو الغش أو غير ذلك مما تأباه شريعة الإسلام، شريعة العدل والتراحم والسماحة ).
جـ- الثورة المعلوماتية: أما الثورة المعلوماتية، فليس لها هوية إنما هي ملك لمن حصل عليها، بل يحث الإسلام على أن يسبق المسلمون غيرهم في ذلك، ولعل ما تقدم كافٍ لعرض العولمة ما لها وما عليها في ميزان أهلها وفي ميزان خصومها وفي ميزان الإسلام.

17- ملخص ا لبحث:
ونصل بعد هذا العرض إلى النتائج التالية:
1- للعولمة اصطلاحات وتعاريف عدة أجمعها: هو تعبير يطلق على الحقبة التاريخية التي تبدأ منذ سياسة الوفاق ونهاية الحرب الباردة بين القطبين، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، وهي تجل لمظاهر اقتصادية أهمها تحرير الأسواق، وخصخصة الأصول، ونشر وتوزيع الإنتاج عبر القارات من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر والتكامل بين الأسواق الرأسمالية، والاعتماد على سمو القدرات التكنولوجية وتتسم بهيمنة القيم الأمريكية على المؤسسات والنظم من خلال التمسك بمبادئ الرأسمالية الديمقراطية وإحياء دور المجتمع المدني في مجال التنمية.
2- الأوضاع التي أدت إلى العولمة هي: آ- تضخم الأسعار. ب- خسارة المصانع المؤممة.
جـ-انخفاض الرغبة في العمل من قبل القادرين عليه. د- هروب الرساميل إلى دول آسية
الشرقية. هـ- بروز النمور الآسيوية الأربعة. و- استفحال البطالة. ز- منح الثقة للمحافظين.
3- المكونات الست للعولمة: آ- نمو التجارة العالمية. ب- زيادة توفق الاستثمار الأجنبي.
جـ- الاستثمار المالي. د - الدور المتزايد للشركات متعددة الجنسيات. هـ- الهجرة.
ز - التكتلات الاقتصادية.
4- مثلث إدارة العولمة الجديدة: آ- الضلع النقدي. ب- الضلع المالي. جـ- الضلع التجاري.
5- الخطوط العريضة للعولمة: آ- تأمين الإطار المستقر للسوق. ب- سياسات التكييف الهيكلي بتنفيذ شروط البنك الدولي. جـ- تطبيق البرامج المطروحة. د- الخصخصة.
6- آثار تطبيق العولمة الاقتصادية: آ- استمرار العجز في المديونية التجارية وزيادته.
ب- الاستعمار الجديد.
7- العولمة المضادة: آ- العولمة الأوربية. ب- العولمة الآسيوية. جـ- العولمة الإسلامية والعولمة الإسلامية من خلال خطين: 1- بناء نهج خاص للعولمة من خلال القيم الإسلامية والترويج لها. 2- توكيد الواقع الاقتصادي والتكنولوجي للدول الإسلامية مثل باكستان وإيران وإندنوسيا وماليزيا.
8- رأي دعاة العولمة العرب في الإسلام: آ- الإسلام قام على العقيدة، والعولمة تقوم على هيمنة الاقتصاد. ب- الإسلام دين المتخلفين. جـ- الأصولية في مواجهة التحديث والعولمة.
د-أسلمة الحداثة أم تحديث الإسلام ويلخص د. أمين رأيه بقوله: إن الصحوة الإسلامية هي موجة رجعية تنخرط في استمرار فكر عصور الانحطاط، والمسلمون نتاج مجتمع فلاحي، الإسلام يقدم نفسه المطلق الوحيد بينما النسبية هي المطلق الوحيد.
9- العولمة والعرب: أولاً- في النظام العالمي الجديد سيقوم النظام الدولي باختراق القوميات، وتفتيت بعض الدول والكيانات إلى كتل اقتصادية تابعة لأوربا أو أمريكا. ثانياً- الخطط المتتابعة التي يشهدها العالم اليوم ترتبط عموماً بالمشروع السياسي الأمريكي الذي يهدف إلى توحيد العالم من خلال رأسمالية السوق. ثالثاً- تصفية القضية الفلسطينية، وتسوية الصراع التاريخي بين العرب وإسرائيل ينسجم مع المصالح الأمريكية التي تدرك أن محور النفوذ العالمي يتمثل في جزء منه في السيطرة على الشرق الأوسط اقتصادياً وعسكرياً.
10- في إطار التحول الدولي السريع إلى مرحلة التكتلات العملاقة، فتحاول العولمة الأمريكية العمل على تحويل ثقل الرأسمالية العالمية من أوربا إلى الشرق الأقصى في محاولة احتضان 18 دولة في منتدى دولة منطقة إيبك الذي يضم نصف سكان العالم ( فيه الصين واليابان وأمريكا ودول جنوب شرقي آسيا.
11- وفي هذه الخطة تسعى أمريكا لاحتواء الأدوار العربية، ودمجها في منظومة إقليمية مع إسرائيل (المنظومة الشرق أوسطية، وذلك في مواجهة اتحاد أوربا الغربية الذي يمح لكتلة قوامها 800 مليون تسكن 40 دولة بما فيها دول الشمال الإفريقي المطلة على البحر المتوسط وتلك الواقعة إلى الشرق منه.
12- وبين هذين المحورين، محور ( الشرق أوسطية ) الأمريكي، ومحور ( المتوسطية ) الأوربي يتم الصراع للسيطرة حيث تدرك أمريكا أن مصالحها الاقتصادية في هذه المنطقة تستطيع التحكم في العالم من خلالها.
13- ومن خلال التسوية العربية الإسرائيلية التي طرحها شيمون بيريز مهندس أطروحة إسرائيل الكبرى اقتصادياً وتكون عناصرها:النفط السعودي، الأيدي العاملة المصرية، المياه التركية، التقنية اليهودية أو العقول الإسرائيلية حيث يضيع العرب في متاهات الشرق أوسطية الجديدة، والتي يكون الاقتصاد الإسرائيلي هو المسيطر على الساحة.
14- وفي الحديث عن سورية والعولمة، يعتقد الحكام السوريون أن التحدي الأكبر الذي يواجههم هو تحدي العولمة التي تريد أن تنسف القطاع العام، والموقف الصحيح لهذه المواجهة هو السعي لتوليفة تضم القطاع العام والخاص وتشرف عليه الدولة، فالتجارب الوحيدة التي نجحت هي التي اعتمدت على أولوية الدولة والمزاوجة بين القطاعين الخاص والعام.
15- هنالك ضغط كبير على سوريا من أجل الانضمام إلى اتفاقية التجارة الحرة، إضافة إلى تحديات تحرير التجارة في إطار السلام العربي الإسرائيلي، الذي يسعى إلى تحويل القلب العربي إلى قلب إسرائيلي يبتلع الاقتصاد الأردني والفلسطيني والسوري إذا لم يقف على قدمه.
16- ويمكن لسورية أن تكون البديل عن إسرائيل إذا ارتبطت مع الاقتصاد اللبناني والفلسطيني والأردني لتشكيل النواة الاقتصادية المواجهة للاقتصاد الإسرائيلي، ولكن هذا لن يكون في ظل اقتصاد يعاني أسوأ أزمة ركود اقتصادي، وإذا كانت العولمة هي مجتمع الخمس مقابل الثمانين، فهذا قائم في سورية اليوم في ظل الاقتصاد الاشتراكي الذي يريد أن يتحول إلى الاقتصاد الحر بعد أربعين عاماً من الممارسة.
17- إن أبعاد العولمة الصهيونية تنطلق من خلال المبادئ التي تحملها في السيطرة على العالم لأنها تمثل شعب الله المختار الذي أبيحت له ثروات الأمم وأرواحها، ومن خلال الربا الذي هو المرتكز الرئيسي للعولمة, فالفكر الصهيوني يحمل هاتين النقطتين: ( إن الله سلط اليهود على الأجانب، فأخذ أموالهم وسلمها لليهود ) و ( مسموح غش الأمي وأخذ ماله بواسطة الربا الفاحش وغير مصرح لليهودي أن يُقرض الأجنبي إلا في الربا ).
18- صورة اليهود في القرآن في أكلهم السحت وأكل الربا وأكل أموال الناس بالباطل، إضافة إلى صورتهم في كنز الذهب والفضة واحتجاز ثروات العالم.
19- والصورة العلمية للعولمة القديمة من خلال سيرة قارون الذي بغى وجمع من الأموال ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، ورفض وظائف المال الأربعة، واعتبر كل ما يملكه من حقه } إنما أوتيته على علم عندي { وهذه صفة المجرمين.
20- كما تبرز العولمة الصهيونية من خلال التلاحم الاستراتيجي بين أمريكا والصهيونية والمتمثل في التماهي الثقافي والإيديولوجي للمجتمع السياسي والأمريكي والضغوط اليهودية على صانعي القرار الأمريكي.
21- ومن خلال مراجعة التيارات الثلاثة المتحكمة في القرار الأمريكي والتي تمثل علاقة تنسيق لا تنافر تنتهي كلها بخدمة المشروع الصهيوني.
22- وكانت إدارة كلينتون هي الأكثر يهودية في القرن العشرين، ويدهش المراقب حيث يقرأ هذه القوائم اليهودية للمتنفذين في الإدارة الأمريكية من مسؤولين كبار في الوزارات السيادية ومنها الخارجية والدفاع والخزانة والأمن القومي وكذلك السلك الدبلوماسي والأسواق المالية والإعلام والسينما بالإضافة إلى الجريمة فهناك 64 مسؤولاً كبيراً في الإدارة الأمريكية، كما أن هناك 23 سفيراً أمريكياً من اليهود و 36 عضواً في الكونغرس.
23- وكانت ماليزيا بمقدمة الدول الإسلامية التي حققت نهضة اقتصادية في ظل العولمة، ولم تقع في فخها، وكان من الممكن أن يصل دخل الفرد الماليزي في عام 2020 من ثروة بلاده إلى أربعة آلاف دولار لولا الضربة التي وجهها سيروس اليهودي للاقتصاد الماليزي، وكاد أن يحطمه لولا ثبات مهاتير محمد وإنقاذ اقتصاده.
24- وفي مؤتمر الإسلام والعولمة الذي عُقد في ماليزيا ركَّز مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي على أهمية دراسة التاريخ الإسلامي مع استعراض عام له، واستنباط الدروس المستفادة من ذلك، وأهمها التزام الأخوة الإسلامية، والاهتمام بالثقافة والمطالعة، ومواكبة عصر المعلومات.
25- تحدث بشكل خاص عن تجربة ماليزيا مع العولمة، وما عانت من سلبياتها وآثارها الخطيرة، وكيف حاولت الاستفادة من إيجابياتها.
26- نقد العولمة وتعريتها على يدي عالميين ألمانيين في كتابهما فخ العولمة، وكشفوا زيف ادعائها من خلال الآتي:
آ- مجتمع الخُمس الثري والأربعة أخماس الفقراء، والمسألة في المستقبل إما أن تأكل وإما أن تؤكل
ب- إن 358 مليارديراً يمتلكون ثروة تضاهي ما يملكه 2.5 مليار من سكان المعمورة، وسيطرة الاستعمار الثقافي الأمريكي.
جـ- المضاربون في سوق المال أصبحوا يتحكمون في رفاهية وفقر الدول والأمم دون أن توجد
سلطة لمحاسبتهم.
د- شريعة الذئاب التي تمضي في رفع مستوى البطالة الذي بلغ في أوربا وحدها 40 مليون مواطن كلهم ضحايا السوق العالمية.
هـ- كانت المكسيك أول ضحايا العولمة حيث أعلن إفلاس خمسة عشر ألف مشروع وفقد 3
ملايين مواطن فرص عملهم.
و- خروج النمور الآسيوية على العولمة في إطار السيطرة السياسية على الدولة ونمو اقتصادها هي مهمة المستقبل في جو العولمة.
ز- لينقذ نفسه من يستطيع، ولكن من هو الذي يفلح ؟ في جو ضمور الطبقة الوسطى، وبزوغ نجم المضللين وتسارع عملية الهدم للأمم.
ح- انحطاط السياسة، ومستقبل السيادة الوطنية، وتوافق مصلحة دعاة التجارة الحرة مع مصلحة مرتكبي الجرائم.
27- النقد الجديد للعولمة من خلال منتدى دافوس الاقتصادي، وبعد عشر سنوات من النقد السابق يتجاهل أصوات الفقراء:
آ- وقد قام منتدى بورتو المعاكس في شباط 2001 في وقت انعقاد مؤتمر دافوس الذي طالب بإنشاء صندوق لفقراء الدول النامية، ونددوا بقواعد التجارة الدولية القائمة، واقترحوا إقامة نظام للمساواة العادلة بين الدول.
ب- والسؤال المطروح: هل أسمعت صيحات المقهورين وتظاهراتهم سدنة العولمة أم أنها وقعت على آذان صماء في مراكز صنع القرار الاقتصادي المنهمكة بالتبشير بنهاية عهد الدول والحكومات، وبداية عصر السوق المتفلت من القيود.
جـ- تشير التقارير إلى أن قيمة ديون الدول النامية ارتفعت من 520 مليار دولار في عام 1980 إلى 2070 مليار عام 2000، أي ستة أضعاف ما كانت عليه رغم أنها سددت 3350 مليار خلال نفس الفترة، فكانت كلها فوائد متراكمة.
د- لقد كان أثرياء العالم ومجرموه على رأس الحاضرين في منتدى دافوس الذين ترتفع ثرواتهم عن 5 مليار دولار.
هـ- وستبقى هذه الأزمة قائمة ومتفاقمة ما لم يحتكم البشر إلى شريعة الله التي تجعل حق الله في أموال الأغنياء، وأنه ما جاع فقير إلا بما بطر به غني، والانطلاق من مقولة الصديق: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه.
28- في دراسة الإسلام والعولمة يضع مهاتير محمد مخطط مواجهتها عملياً في تخطيط ثرواتنا الوطنية والتسابق في سوق العلم.
29- في المجال النظري: هناك نقاط التقاء ونقاط افتراق بين الإسلام والعولمة نوجزها بما يلي، نقاط الافتراق:
آ- الإسلام دين رباني والعولمة فكر بشري قاصر.
ب- فلسفة العولمة الحرية المطلقة وفلسفة الإسلام العدل المطلق.
جـ- أساس العولمة الربا الحرام، وفي الإسلام الله ورسوله حرب عليه.
د- العولمة تكديس للثروة بيد حفنة ضئيلة والإسلام يسعى لكي لا تكون الثروة دولة بيد الأغنياء.
هـ- العولمة رفض للقومية والوطنية، والإسلام يحافظ عليهما ضمن مبادئه.
و- الإسلام حرَّر البشرية والعولمة استعبدتها.
ز- العولمة حرية مطلقة والإسلام حرية مقيدة.
ح- في الإسلام المال مال الله والبشر مستخلفون فيه، وفي العولمة المال للأقوى.
ط- الإسلام دين الأخلاق والعولمة دين الحرية والإباحية.
ي- الإسلام يوازن بين القطاعين العام والخاص، وتقوم العولمة على الخصخصة.
30- ما دون ذلك فوسائل العولمة تدخل ضمن إطار المباح والمصلحة الإسلاميين مع المحافظة على مبادئ الإسلام وقيمه.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:45 pm

المبحث الخامس
نحن و الحضارة الغربية


مخطط البحث
أولاً: التعريفات:
• الحضارة –المدنية
• الحضارة والمدنية في الفكر الإسلامي
• اتجاه ترجمة مفهوم "Civilization" إلى اللفظ "مدنية"
• اتجاه ترجمة "Civilization" إلى اللفظ العربي "حضارة"
• الثقافة
• بين الحضارة والثقافة
ثانياً: تأثر الثقافة والحضارة بالدين
ثالثاً: تبادل الثقافات وحوار الحضارات
أ- تبادل الثقافات
ب- نبذة في عالم الأفكار
ج- حوار الحضارات شروطه ونطاقه
رابعا: نظرية صدام الحضارات
1-: الترغيب بالعولمة وأدلجة الفكر الغربي
2-: الترهيب بصدام الحضارات!
خامسا: موقفنا من الحضارة الغربية
1- خلفيتنا الحضارية
2- أزمة الحضارة الغربية
3- موقفنا من أدوات الحضارة الغربية:
أ – الأدوات الاتصالية ب – الأدوات الاقتصادية
جـ - الأدوات الاجتماعية د ـ الأدوات المعلوماتية
* استكبار الغرب وقابليتنا للاستلاب!
* موقفنا من الفكر الغربي (تأصيل قرآني)
* التعايش الحضاري
سادسا: الإسلام هو البديل
- معايير التقوى في الحضارات
- الحضارة النموذج
- حضارتنا في عيون الغربيين
- الإنسان ركيزة الحضارتين -الإسلامية والغربية-كيف تنظران إليه؟
- الغرب: مادية وفردية
- الهوية الحضارية
- أبعاد الهوية الحضارية
- واجب أمتنا الحضاري.

نحن والحضارة الغربية
أولاً: التعريفات
• الحضارة -المدنية
لعل من أوائل من استخدم هذا المصطلح في العربية ابن خلدون حيث أطلقه في مقابل البداوة، ووصفها بأنها: » تفنُّن في التّرف وإحكام الصنائع «.
وقد استخدم في مقابلها بالإنجليزية كلمة "Civilization"، والتي يعود أصلها إلى عدة جذور في اللغة اللاتينية؛ "Civiltiصلى الله عليه وسلم s" بمعنى مدنية، و"Civis" أي ساكن المدينة، و"Citiصلى الله عليه وسلم s" وهو ما يُعرف به المواطن الروماني المتعالي على البربري. وهو قريب من الاشتقاق العربي للكلمة. جاء في تعريف مجمع اللغة العربية بالقاهرة: (الحضارة: الإقامة في الحضر، قال القطامي: ومن تكن الحضارة أعجبته......فأي رجال بادية ترانا؟!
و: ضد البداوة، وهي مرحلة سامية من مراحل التطور الإنساني، و: مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي في الحضر[279].)
ولم يُتداول الاشتقاق "Civilization" حتى القرن الثامن عشر، حين عرفه دي ميرابو في كتابه "مقال في الحضارة" باعتباره رقة طباع شعب ما وعمرانه ومعارفه المنتشرة بحيث يراعي الفائدة العلمية العامة.
ويبدو أن ما عناه غالبية من استخدموا الكلمة لأول مرة هو مزيج من الصفات الروحية والخلقية التي تحققت على الأقل بصورة جزئية في حياة البشر في المجتمع الأوربي.
وفي الواقع فإن اشتقاق لفظ "Civilization" من مفهوم "Citiصلى الله عليه وسلم s" بمعنى مدينة قد طرح ظلاله على دلالات اللفظ الأول؛ فاستنادًا إلى تقسيم لامبادر مرت المدينة بثلاث مراحل في أوروبا:
1- مرحلة المدينة ما قبل الصناعية: ظهرت المدينة في أوروبا منذ عهد الإغريق، وكانت عبارة عن وحدة سياسية متكاملة لها حكومة مستقلة ونظام سياسي خاص، ومع دخول المسيحية في أوروبا تمركزت المدينة الأوروبية حول الكاتدرائية، خصوصًا في ظل تدهور وظيفة المدينة في الإدارة المدنية، ومع بداية الحروب الإسلامية المسيحية اتخذت المدن الأوروبية الطابع العسكري التجاري بجانب الطابع الديني، ولاحقًا تراجع دور المدينة وتدنى مستوى المعيشة بها لتدخل العصور المظلمة.
2- مرحلة المدينة الصناعية: كنتاج لظهور الثورة الصناعية اتسعت المدن الأوروبية، وتمركز حولها عدد كبير من العمال والمنظمين بعد انتقالهم من الريف، وتحولت المدينة إلى موطن لاقتصاد السوق والسلطة السياسية متجهة نحو بلورة تاريخ العالم في تاريخ المدينة.
3-مرحلة المتروبوليتان: هي مرحلة التطور للمدينة بعد التوسع الرأسمالي والتطور التكنولوجي وظهور شركات عابرة القارات والمنظمات الدولية، حيث ظهرت مراكز عالمية تمثل بؤرًا تتشابك حولها مدن مختلفة ومتباعدة المكان، غير أنها ترتبط "بالمدينة - الأم" برباط وثيق.
وقياسًا على ذلك تجيء التعريفات لمفهوم "Civilization"، فمثلا يعرفه وول ديورانت بأنه "نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، ويتألف من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون". وقريباً منه عرفها دي ميرابو في كتابه "مقال في الحضارة" بأنها: " رقّة طباع شعب ما وعمرانه ومعارفه المنتشرة بحيث يراعي الفائدة العلمية العامة". فرقة الطباع من عناصر الثقافة، لكن التعريف منصب بالجملة على الجانب المادي. ولم يمنع ذلك حدوث تداخل كبير في تناول الفكر الأوروبي لمفهوم "Civilization"، فهناك من جعل المفهوم مرادفًا لمفهوم الثقافة، وهناك من جعله قاصرًا على نواحي التقدم المادي مثل أصحاب الفكر الألماني، وهناك من جعله شاملاً لكل أبعاد التقدم مثل المفكرين الفرنسيين.
والملاحظ أن جوهر المفهوم اتجه نحو تلخيص تطور نمط الحياة الأوروبي بكل أبعاده باعتباره المجتمع الأكثر رقيًا أو هو قمة التطور البشري، وقد انعكس ذلك على التقسيمات المقترحة لمراحل التطور البشري التي غالبًا ما تسير في حركة أحادية للتاريخ متجهة نحو النموذج الأوروبي في التطور الصناعي.[280]
• الحضارة والمدنية في الفكر الإسلامي
اهتم المفكرون المعاصرون قاطبة بإبراز هذه المصطلحات التي لم تكن شائعة الاستخدام، ولعل سر اكتساب هذا المصطلح لقيمته باعتباره الهدف الأسمى في تطور المجتمعات الإنسانية، حتى بدا المقابل الوصفي للهمجية والتخلف والبدائية! وكنا قدمنا أن العلامة ابن خلدون -مؤسس علم العمران البشري- من أوائل من استخدم كلمة "الحضارة" في الثقافة العربية، غير أن هذا الاصطلاح لم يكن متداولا في الأوساط العربية والإسلامية. إلى بدايات القرن العشرين، ومع دخول الاستعمار الأوروبي إلى الدول العربية، انتقل لفظ "Civilization" إلى القاموس العربي، وقد حدث اضطراب واضح في المفاهيم لعدم وضوح تعريفات ألفاظ: "ثقافة" و"حضارة" و"مدنية" خاصة مع وجود المفاهيم الثلاثة في اللغة العربية على حين لا يوجد سوى مفهومين في اللغة الإنجليزية، مما أدى إلى انقسام اتجاهات ترجمة المصطلح إلى اتجاهين:
اتجاه ترجمة مفهوم "Civilization" إلى اللفظ "مدنية":
على الرغم من عدم شيوع هذه الترجمة لمفهوم "Civilization" إلا أنها أكثر دقة في اختيار اللفظ العربي، وقد بدأ هذا الاتجاه منذ أوائل القرن التاسع عشر، حيث تُرجم في عهد محمد علي باشا كتاب "إتحاف الملوك الألباب بسلوك التمدن في أوروبا"، كما استخدم رفاعة الطهطاوي في كتابه "مناهج الألباب المصرية" مفهوم التمدن في التعبير عن مضمون المفهوم الأوروبي ومشيرًا لوجود بُعد التمدن في الدين والشريعة.
وظل هذا الاستخدام لمفهوم المدنية سائدًا حتى وقت قريب وبالدلالات والمعاني نفسها التي تمثل بها مفهوم "Civilization"، فقد استخدم المفهوم عام 1936م على أنه "حالة من الثقافة الاجتماعية تمتاز بارتقاء نسبي في الفنون والعلوم وتدبير الملك"، وكذلك أطلق عام 1957م على الظواهر المادية في حياة المجتمع مقابل إطلاق لفظ الحضارة على "Cultuصلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم "، قاصدًا الظواهر الثقافية والمعنوية في هذه الحياة، حيث المدنية تنقل وتورث، بينما الحضارة "Cultuصلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم " إنتاج مستقل يصعب اقتباسها ونشرها.
ويختلف الباحثون حول تحديد الجذر اللغوي لكلمة "المدنية" فيرجعها البعض إلى "مدن" بمعنى أقام في المكان، ويرجعها آخرون إلى "دان" وهي جذر مفهوم الدين وتعني خضع وأطاع، و أيًّا كان مصدرها فقد اقترن اللفظ بتأسيس الدولة الإسلامية، وارتبط بمفهوم الدين بما يعنيه من دلالات الطاعة والخضوع والسياسة، ولقد ارتبطت المدينة في عهد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بنظام مجتمعي حياتي وتنظيمي جديد في الجزيرة العربية ارتكز على القيم الإسلامية والمبادئ التنظيمية المنبثقة عنها. وعلى خلاف التجربة الغربية، فالمدينة في الخبرة الإسلامية هي نتيجة لوجود قيم التهذيب والعلاقات الاجتماعية والسياسية في الدين الإسلامي، وليست سببًا فيها. ومن ناحية ثانية، فقد بدأت المدينة في الخبرة الإسلامية مما انتهت عليه المدينة في التجربة الأوروبية "مرحلة المتروبوليتان"، أي المدينة التي تتبعها مدن أخرى وترتبط بها) فقد كانت المدن الإسلامية جميعها حواضر راقية تتبعها مئات المدن الأخرى المنتشرة في الإمبراطورية الإسلامية، على سبيل المثال: كانت المدينة المنورة ثم الكوفة وقرطبة والآستانة مراكز للإمبراطورية الإسلامية على مر تاريخها.
ومن ناحية ثالثة، إذا كان تطور المدينة الأوروبية المعاصرة يعد دليلاً على الرقي الإنساني -طبقًا للفكر الغربي- فإن ابن خلدون اعتبر ذات الصورة من رفاهية العيش والاستهلاك طورًا تحدث فيه اختلالات في تطبيق منظومة القيم الإسلامية والضوابط التي تحدد حدود الإنسان، ومنهج تفاعله في الكون، وبالتالي تنافي مفهوم استخلاف الإنسان في الأرض، واعتبر أن مؤشر ذلك هو سكنى الحضر والمدن -مرحلة الحضارة-، وبالتالي فهي لديه نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير.
• اتجاه ترجمة "Civilization" إلى اللفظ العربي "حضارة":
يُعد هذا الاتجاه هو الأكثر شيوعًا في الكتابات العربية ابتداء من الربع الثاني من القرن العشرين، وبملاحظة التعريفات المقدمة لمفهوم "الحضارة" نلحظ أنها هي نفسها التعريفات التي وضعت إزاء "المدنية"، فالخلاف لفظي والمحتوى واحد وهو المضمون الأوروبي. فعادة، يربط مفهوم الحضارة إما بالوسائل التكنولوجية الحديثة، أو بالعلوم والمعارف والفنون السائدة في أوروبا، أي خلاصة التطور الأوروبي الحالي. وينطلق هؤلاء من أن الحضارة هي جملة الظواهر الاجتماعية ذات الطابع المادي والعلمي والفني الموجود في المجتمع، وأنها تمثل المرحلة الراقية في التطور الإنساني. بالنظر إلى تطور المفهوم في الكتابات العربية في العلوم الاجتماعية لوحظ أنها تخرج عن ذات الدلالات للمفهوم في الفكر الأوروبي؛ الذي يوحي بعالمية العلم والمنهج والمفاهيم وبالتالي الحضارة.
• الثقافة
الثقافة لغة من الثقافة لفظة (ثقف) يُطلق على الحذق و الفهم و الإدراك فيُقالSad ثقف الشيء ثقفاً ) أي فهمه و حذقه، و يُقال: ( هو غلام ثقف) أي ذو فطنة و ذكاء. كما يطلق على معنى تسوية الشيء، وتقويم اعوجاجه، تقول: ثقفتَ الرُّمح، أو القوس أو أي شيء معوج، إذا قوّمتَه، وسويته من اعوجاجه، فيغدو مثقّفًا مُقوّمًا.
ولا علاقة للمعاني اللغوية السابقة بالمعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة، إذ استخدمت كمرادف لمصطلح شاع في أوربا، وهو "Cultuصلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم "، وقد اشتق من حرث الأرض وزراعتها، وقد ظلت اللفظة مقترنة بهذا المعنى طوال العصرين اليوناني والروماني. وفي فترة لاحقة استخدمها المفكر اليوناني "شيشرون" مجازًا بالدلالات نفسها، حين أطلق على الفلسفة "Mصلى الله عليه وسلم ntis Cultuصلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم " أي زراعة العقل وتنميته. وقد نقل هذا المصطلح إلى العربية سلامة موسى -في مصر- فكان أول من أفشى لفظ (ثقافة) مقابل "Cultuصلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ". وعرف الثقافة بأنها: " المعارف والعلوم والآداب والفنون التي يتعلَّمها الناس ويتثقفون بها" (أي الذهنيات)، وتأثر بالمدرسة الألمانية، فميَّز بين الثقافة والحضارة، فجعل الثقافة "Cultuصلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم " متعلقة بالأمور الذهنية، بينما الحضارة "Civilization" تتعلق بالأمور المادية.
وهذا الفهم لكلمة الثقافة مقتبس باقتضاب من تعريف الغربيين لمرادفها "Cultuصلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم "، حيث عرفها إدوارد تيلور (1871م) في كتابه "Pصلى الله عليه وسلم imitivصلى الله عليه وسلم cultuصلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم "، بأنها "ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في مجتمع".
وعرّفها كلايد كلوكهون بأنها: "مجموعة طرائق الحياة لدى شعب معيّن في الميراث الاجتماعي التي يحصل عليها الفرد من مجموعته التي يعيش فيها"، فاقتصر على بعض التطبيقات الاجتماعية.
وأخيرا عرفها رينيه دوبو في كتابه "إنسانية الإنسان" بأنها: "كل شيء مكتسب بالتجربة، وينتقل من جيل إلى آخر، وهي ردود فعل الإنسان على البيئة المادية والبشرية على شكل نماذج سلوكية وعلاقات عاطفية وتنمية حاجات نافعة"
ونسجل هنا ملحوظتين: الأولى أن هذا المصطلح يتحدث عن إبداع إنساني، ويجعل الدين أحد مكوناته، وهذا ينسجم مع مأثور الفكر الغربي الذي يجعل الأديان من صنع الإنسان.
والأخرى أن هذا المصطلح تطور منه مصطلح (مثقف) العصري الذي ينظر للمستقبل ويتابع علوم الواقع، في مقابل الفقيه أو الأثري الذي يقبع في زوايا التاريخ والتراث.
وهكذا أضحى مصطلح الثقافة دالاً على مكونات التالية: (الدين والفلسفة – اللغة والآداب – العادات والتقاليد – التاريخ – الفنون – العلوم الإنسانية بعامة).
• بين الحضارة والثقافة:
مثلما رأينا أن ثمة اختلاف بين الحضارة والمدنية فهناك اختلافات اصطلاحية أيضا بين الحضارة والثقافة، ولأن هذه الكلمات العربية أصبحت في استعمالنا الحديث رموزاً تدل على المعاني والمفهومات نفسها التي تدل عليها الكلمات الغربية التي جعلناها ترجمة لها. فلننظر في تلك المعاني والمفهومات كما هي عند أهلها. وأنسب ما نبدأ به هو الأمريكي هنتنجتون أول من أشاع تعبير صراع الحضارات في مقال مشهور نشر في صيف عام 1993م في مجلة Foصلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ign Affaiصلى الله عليه وسلم s بهذا العنوان، ثم نُشر موسعاً في كتاب بالعنوان نفسه. ينقل هنتنجتون عن عدد كبير من العلماء الغربيين تعريفهم لما أطلقنا عليه كلمة الحضارةcivilization، والفرق بينها وبين ما نسميه ثقافة cultuصلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ؛ فما الحضارة أو المدنية وما الثقافة؟ يمكن أن نلخِّص مجمل أقوال من نقل عنهم هنتنجتون في مفهوم الحضارة والثقافة فيما يلي:
يضع المفكرون الألمان حداً فاصلاً بين الحضارة والثقافة، فالحضارة عندهم تشمل التقنية وسائر العوامل المادية، أما الثقافة فتشمل قيم المجتمع ومُثُله العليا وخاصياته الفكرية والفنية والخلقية الكبرى. لكن سائر المفكرين الغربيين خالفوا الألمان في هذا؛ فهم يرون أن الحضارة والثقافة كليهما تشيران إلى منهاج حياة أمة من الناس، وأن الحضارة إنما هي الثقافة مكبرة، وأن كليهما يشمل القيم والمعايير والمؤسسات وطرائق التفكير السائدة في أمة من الناس، وأن الدين هو أهم العناصر المكونة للحضارة، وأن الحضارة ليست متطابقة مع العِرْق؛ فأصحاب العرق الواحد قد ينتمون إلى حضارات مختلفة، كما أن الحضارة الواحدة - كالحضارة الإسلامية ـ قد تضم مجتمعات مختلفة الأعراق والألوان والأشكال. والحضارة هي أوسع وحدة ثقافية؛ فأهل قريةٍ إيطاليّةٍ مثلاً قد يتميزون ثقافياً عن قرية إيطالية أخرى، لكنهم يشتركون في ثقافةٍ إيطاليةٍ تميزهم عن أهل القرى الألمانية. والألمان والإيطاليون ينتمون إلى ثقافة أوروبية تميزهم عن الجماعات الصينية والهندية. هذا الذي يجمع الأوروبيين هو حضارتهم التي تميزهم عن الحضارات الصينية والهندية. فالحضارة هي أعلى تجمُّع ثقافي للناس، وأوسع مستوى للهوية الثقافية لهم. وليس فوق الانتماء الحضاري للناس إلا انتماؤهم إلى الجنس البشري[281].
في إطار الفكر الإسلامي وجدنا قريبا من هذا التباين في تحديد المصطلحات أيضا، فأستاذنا الدكتور مصطفى السباعي يستخدم الحضارة بمعناها الشمولي فيرى أن كل جهد إنساني تقدمي يضيف للإنسانية فهو حضارة، سواء كان جهدا ماديا أو فكريا وأخلاقيا أو غير ذلك من ألوان النشاط، حيث يقول: " الحضارة - بكل بساطة - بذل المجهود من أجل تكميل النوع الإنساني وتحقيق التقدم، من أي نوع كان، في أحوال الإنسان، وأحوال العالم الواقعي". وكذا عرفها الدكتور محمد بن عبد الكريم بأنها: » ظاهرة اجتماعية، تتبلور في نظم محكمة، وآثار ماثلة « (أي معمارية). ومثله محمد المبارك في كتابه "الفكر الإسلامي الحديث"، حيث يقول: "الحضارة مجموعة المعارف العلمية والتشاريع والنظم والعادات والآداب التي تمثل الحالة الفكرية والاقتصادية والخلقية والسياسية والفنية وسائر مظاهر الحياة المادية والمعنوية". ومنه تعريف محمد فريد عبد الخالق: "الحضارة حصيلة ديناميكية للجهد الدائب لمجتمع بشري، لبناء مستقبل أفضل، يحقق ما ينشده المجتمع من مُثل أعلى".
وأما المودودي فإنه يجعل الحضارة بمعنى الثقافة فيقول: "الحضارة نظام متكامل يشمل كل ما للإنسان من أفكار وآراء وأعمال وأخلاق في حياته الفردية أو العائلية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية". وهؤلاء جميعا رأوا أن اللفظ يستغرق كل الحضارات الإنسانية، فالحضارة عندهم تقبل الوصف بالشر والخير.
لكن بعض المفكرين المسلمين رأوا أن اسم الحضارة لا يصح أن يطلق إلا على حضارة الإسلام، ومنهم مالك بن نبي، حيث يقول: "الحضارة لا تظهر في أمة إلا في صورة وحي يهبط من السماء، ويكون للناس شرعة ومنهاجاً". لكنه تراجع عن هذا المعنى لاحقا، واعتبر المدنية الغربية بنتاجها الثقافي السيء حضارة، وكتب سلسلة كتبه تحت عنوان "مشكلات الحضارة".
وهناك من يستخدم مصطلح (مدنية) في مقابل (ثقافة) ويرى أن المدنية مختصة بالإنتاج المادي الذي تقدمه الأمم على الصعيد الإنساني، أما الثقافة فتعني الجانب الآخر، من تصورات وأفكار وسلوك وآداب وفنون وتقاليد وكل المعاني التي لا تدخل في الجانب المادي. كما يرى أن جناحي المدنية والثقافة يشكلان (الحضارة)، ومن هؤلاء سيد قطب الذي اعتبر أن الإسلام فقط هو الحضارة، والمجتمع الإسلامي فقط هو المجتمع المتحضر،كما في "المعالم " و"نحو مجتمع إسلامي"، وأما ما عداه فإنها مدنية فحسب، بل هي صورة من صور الجاهلية. وأكد هذا المعنى من بعده محمد قطب وسعيد حوى، ومثّل له سعيد حوى بجماعة من اللصوص أقاموا مدنية علمية عالية في إحدى المدائن، لكنها عارية عن الأخلاق والمقومات الثقافية، فكيف لمثل هذا المجتمع اللصوصي أن يوصف بأنه حضارة. فالحضارة في اصطلاح الشيخ سعيد حوى هي اجتماع الثقافة مع المدنية ضمن شروط معينة وظروف معينة[282]. وقد تبلور هذا التعريف في النصف الثاني من القرن العشرين.
ثانياً: تأثر الثقافة والحضارة بالدين
إذا كان الدين في المفهوم الكنسي يشكل عاملا يسهل فصله عن الحياة، بحيث يستطيع المتدين المسيحي أن يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وإذا كان مع تلك القابلية للفصل العلماني غير أنه يشكل أهم مكون من مكونات الحضارة كما يقول هنتجتون، فكيف يكون دور دين أراده الله منهج حياة، وشرعه شاملا لكل مناحيها، وأمر عباده بأن يدخلوا في سلمه كافة، وجعله حاكما على حياتهم العقدية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ونهاهم عن أن يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض، فما عسى تأثيره على الثقافة يكون؟!
لا ريب أن جميع مكونات الثقافة تنعكس فيها خصائص الدين الذي يسري فيها، فأهمية الدين بالنسبة للثقافة كأهميته بالنسبة للإنسان.ونعرض فيما يلي لصور تبرز أثر الدين في الثقافة والحضارة
- قضية الخلق الأولى كما وردت في القرآن والكتاب المقدس أثرت في معطياتها المختلفة على الحضارتين الإسلامية والغربية (قديما وحديثا)!
فالسبب الذي أبعد فيه آدم وحواء من الجنة كان أكلهما من شجرة المعرفة، فبقي هاجس العداء بين العلم والدين قائما بينهم على تلك الخلفية حتى أثمر علمانية أصلها من أصلها منهم بناء على وصية المسيح في إحدى رسائله: (دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر)، فانظر أثر الدين في هذه الحضارة وما أفرز، وانظر إلى مقابله الإسلامي وكيف كان الدين سببا في انسجام واتساق، حيث أنه ورد في قصة الخلق نفسها أن الذي كرم لأجله آدم عليه السلام، حتى سجد له الملائكة، أنه تعلم! (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون. وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا..)، ومن هنا كان فقهاء الأمة في عصر نهضتها هم مفكريها وصناع الحياة فيها، حتى أن أستاذ الفلاسفة المسلمين هو هو الفقيه المجتهد المالكي صاحب مدونة بداية المجتهد والأصولي الأريب والقاضي الفطن.
لم تسمح البيئة الإسلامية في عصر نهضتها ببروز المفكرين والمبدعين إلا وهم أكثر فقها ويقينا في شؤون الدين منهم في شؤون الفلسفة، لأن رسالة (إقرأ) و (قل ربي زدني علما) لم تكن تحول بين التدين والعلم تحت أي ذريعة.
في قصة الخلق أيضا فلسفة مختلفة باختلاف الكتابين لدى المسلمين والغرب المسيحي، وتتعلق يعصيان آدم وزوجه وأكلهما من الشجرة المحرمة! ففي الكتاب المقدس أن حواء هي التي زينت لآدم معصيته، فكان من أثر ذلك أن اتخذها الفكر المسيحي الأول شيطانا رجيما، وبعد أن تملكت الحسرة آدم أن فقد ما فقد بسبب هذه المرأة المشؤومة كان لا بد من علاقة متوترة قائمة على الصراع، تغذى بقيمة البحث عن الحقوق وأخذها تأثرا بالفلسفة الغربية القائمة على فردانية الإنسان ابتداء!
أما القصة في القرآن فتجعل الهبوط أمر قدري أزلي لأن الله سبحانه خلقهما للأرض ابتداء: (قال إني جاعل في الأرض خليفة)، وإهباطهما كان بخطيئة ارتكباها معا، ويتحملان إثمها معا، ثم يتوبا معا، فيهبطا معا، لا إثم لواحد منهما على الآخر ولا مبرر لكل ذلك الصراع أن يستمر بينهما! (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وقاسمهما إني لكما من الناصحين. فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين. قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين). ومن هنا فما ثمة صراع حقوقي بين الرجل والمرأة متأصل في طرحنا الفكري.
بون شاسع بين ثقافة: (ادخلوا في السلم كافة) وبين ثقافة الصراع الشامل، صراع بين السلطة والمعارضة على الحقوق السياسية، وصراع بين الرجل والمرأة على الحقوق الزوجية، وصراع بين الدين والعلم في الحياة العامة! إن ثقافة الصراع والتدمير والفتك ضربة لازب للثقافة الغربية التي نشأت في شقها الثقافي مؤسسة على الفكر الهلليني اليوناني الوثني ثم التوراتي فالإنجيلي الذين يكرسان حياة الصراع، الصراع بين الآلهة الرومانية والبشر (على النار المقدسة الذي سرقه احد آلهة اليونان من رب الأرباب، ثم تحدته)، ثم الصراع بين الإله وآدم على شجرة معرفة الخير والشر، وكذا مصارعة يعقوب والإله (كما في التوراة)، ثم يستمر الصراع في العهد الجديد، ويزعم الفكر النصراني المحرف أنهم هزموا الإله بصلبه.
ثم يستمر تكريس الصراع مع المخلوقات من البشر والحيوانات في نصوص كتابية كثيرة تدعو لقتل النساء والأطفال والحيوان، لذا لا عجب لهذه الحضارة أن تقيم حربين عالميتين، وتعد لثالثة، وفيما بينهما تفتك بكل من تقدر عليه...
قارن هذا بثقافة السلم الإسلامية، سلم مع الكون فلا عدوان على البيئة ولا تعد على الطبيعة، ولا أذى لبهيمة الأنعام وذر الحشرات وأخضر النبات، (لا تقتلوا امرأة ولا طفلا، لا تقطعوا شجرة)، (دخلت امرأة النار في هرة عذبتها)، وسلم مع قوانين الفطرة فلا شذوذ ولا مجاهرة، وسلم اجتماعي داخل الأسرة، فلهن مثل الذي عليهن، والنساء شقائق الرجال، ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن، وبعضكم من بعض. وسلم مع الطوائف الدينية الأخرى في إطار التعايش الوطني، صوامعهم وكنائسهم وأديرتهم محترمة، ورهبانهم مرعيون، وهم آمنون على أنفسهم بأمان الله ورسوله، ومن آذاهم فقد آذاه صلى الله عليه وآله وسلم، أين هذا مما جرى في محاكم التفتيش القديمة والحديثة -في البوسنة وكوسوفا-؟!
سلم الإسلام مع الحاكم فلا صراع للصراع، ولا معارضة للمعارضة، بل دعوة للأمة أن تسمع وتطيع لمن تولى أمرها دون خروج ولا فتنة ما التزم بعقده مع الله والأمة.
سلم الإسلام مع العقل فهو مناط التكليف ومستودع الفقه ولا تعارض بين صريح المنقول وصحيح المعقول.
وسلمه للأمة كلها: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)
فهذا هو سلام الله على المسلم يتبادله في صلواته وجلواته وخلواته عشرات المرات كل يوم وليلة.. وهذا هو سلم الإسلام الذي دعى إليه سبحانه: (ادخلوا في السلم كافة)
- الفن في الحضارة الإسلامية أثمر فناً معمارياً راقياً ظهر في مساجد المسلمين وزخرفتها، بينما الفن الغربي بموروثاته اليونانية أبدع في صناعة التماثيل والصلبان بأنواعها.
كذلك الشعر في مجتمعاتنا الإسلامية أثمر أغراضا حضارية لم تكن معهودة في الحقبة الجاهلية، ولا هي معهودة في شعر التشكيك والبعثرة والضياع المعاصر.
- أيضا (موضات) الملابس التي انتشرت في بلاد المسلمين تأثرت بالمفهوم الديني، مثلاً الكوفية الباكستانية مفتوحة من الأمام تلبية لحكم السجود على الجبهة عند الحنفية، البنطال الكردي والتركي العريض هو انعكاس للفهم الإسلامي للملابس. بينما أثمر الفهم المنحرف للدين المسيحي الذي ضمن الغفران للمن آمن إيمانا باهتا بالمسيح المخلص الذي صلب تكفيراً للخطاة عن خطاياهم، أثمر هذا التسطيح والاستخفاف بالمعصية إباحية منفلتة تستمد من قصص الكتاب المقدس وبعض ما جرى مع أكارم الأنبياء ضلالا فوق ضلال حتى وصلنا للفلسفات الليبرالية المطورة والوجودية البهيمية!الغربية أثر من آثار.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:47 pm

ثالثاً: تبادل الثقافات وحوار الحضارات
أ- تبادل الثقافات:
المعايشة بين الشعوب والترجمة كانت الوسيلتان التي تنتقل فيهما الحضارات وتتسرب إلى الشعوب الأخرى، وفي هذا الصدد تأثر المسلمون بدخول الفرس والروم بالإسلام، سلباً وإيجاباً، (الدواوين – الخندق – اللحن في اللغة واستعمال المولد من الألفاظ – حياة القصور والترف). ونذكر هنا بإنكار عمر على أبي عبيدة ما رآه عليه من ثياب رغيدة يتصنع فيها للروم. وعن طريق المعايشة انتقل الإسلام للمعمورة حين عاش المسلمون بين ظهراني تلك الأمم فدخلت في الإسلام. وحين احتل التتار المشرق الإسلامي تأثروا بثقافة المسلمين، فدخلوا في الإسلام نتيجة لهذه المعايشة.
وكان أكبر تبادل ثقافي هو ذاك الذي جرى بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، حيث نقل المسلمون العلم التجريبي للغرب، فكان المعلم الأكبر للحضارة الغربية. كما تأثرت قوانينهم بالفقه الإسلامي، والمالكي خصوصاً، بحكم التقارب بين الغرب الإسلامي المالكي وأوربا. وكان المسلمون قد أفادوا من حركة الترجمة للكتب اليونانية العلمية التي انتشرت في العصر الأموي ثم العباسي،كما تأثروا سلباً بما ترجموه معها من كتب الفلسفة اليونانية.
ثم بدأ نقل الثقافة بالاتجاه الآخر، يقول لوبون في كتابه "حضارة العرب": "إن أوربا مدينة للعرب بحضارتها، وقد ظلت كتب العرب المترجمة إلى اللغات الأوربية، ولا سيما الكتب العلمية مصدراً وحيداً للتدريس في جامعات أوربا خمسة قرون". ومن ذلك أن كتاب "الحاوي" للرازي (20 مجلداً) يجمع موسوعة من المعلومات الطبية، وبقي المرجع الوحيد في جامعات أوربا حتى القرن السابع عشر. وقد نقلت آلاف الكتب الإسلامية إلى الغرب خلال الحروب الصليبية أو من الأندلس أو من جزيرة صقلية التي حكمها المسلمون قرابة قرنين من الزمان (من 878م – 1092 م،484هـ)، فكانت هذه الثلاثة الجسور التي عبرت عليها الحضارة الإسلامية إلى الغرب.
نمثل كنموذج لتبادل الثقافة بتأثر المفكر الغربي جان روسو بابن خلدون في نظريته العقد الاجتماعي، وكذا تأثره بالغزالي في كتابه "أيها الولد"، والذي تأثر به روسو تأثراً بالغاً في كتابه إلى ابنه، والذي أسماه باسمه "إميل".
وفيما يلي بعض أقوال المؤرخين بهذا الصدد:
يقول روجر هوفيدن: "يظهر أن أخلاق صلاح الدين في عصره وحياته التي انطوت على البطولة قد أحدثت في أذهان المسيحيين في عصره تأثيراً سحرياً خاصاً، حتى أن نفراً من الفرسان المسيحيين قد بلغ من قوى انجذابهم إليه أن هجروا ديانتهم المسيحية وهجروا أقوامهم، وانضموا للمسلمين".
يقول الدكتور تارا في كتابه "تأثير الإسلام على حضارة الهند": "إن للعقلية الإسلامية والشريعة الإسلامية تأثيراً في أخلاق الأمم، اجتماعياً وتشريعياً في أوربا النصرانية، وفي الهند الوثنية بعد الفتح الإسلامي، تراه ونلمسه في الاتجاه إلى التوحيد ونزعات الاحترام للمرأة وحقوقها، والاعتراف بمبدأ المساواة بين طبقات البشر".
يقول العالم الإيطالي ألدوملي في كتابه "العلم عند العرب وأثره في تطوير العلم العالمي": "إذا كان سلطان المسلمين في صقلية قد اتسم بالتسامح إلى حد بعيد، كما هي العادة، فإن سلطان الملوك النورمانديين (أي في صقلية) لم يكن أقل من ذلك، على عكس ما جرت به عادة المسيحيين، ولقد كان هؤلاء الملوك الذين احتفظ قسم كبير من الأهلين في ظلهم بعقيدة الإسلام، ولاسيما روجر الثاني".
ب- نبذة في تاريخ الأفكار
لماذا يزعمون دائما أن البداية في (اليونان)، والنهاية مع عصر النهضة ومتتالياته في حضارة الغرب (الأور ـ يكي)؟! لماذا دوما يكون الأوائل:سقراط وأفلاطون وأرسطو وشيشرون ومن ثم أوغستين وتوما الاكويني ومونتيسكيو وروسو وهوبز وجون لوك وبودان؟
أحقا كانت في اليونان البداية، ومن ثم في الغرب كانت النهاية؟ ولم يكن في تاريخ الفكر والحضارة غير هؤلاء!! تاريخ للحضارة أو للأفكار يخطه القوي باستبداده أو باعتداده، ويتابعه عليه الضعيف ببهره وعجزه، فإذا كل شيء بدأ وانتهى هناك.
في تاريخ السياسة أو الدولة أو السلطة أو المشاركة لم تكن البداية في محاورات سقراط (469 ـ 399 ) ق.م، ولا في جمهورية أفلاطون (427-347) ق.م، ولا في (السياسة) لأرسطو (384-321) ق.م، وتقريرنا هذا لا يعني أن نغمط هؤلاء الرواد في تاريخ الفكر الإنساني حقهم، وأن نصغر من شأنهم، وإنما يعني أن قراءتنا لتاريخ الحضارة الإنسانية أرحب وأشمل، وأن من واجبنا في عصر حوار أو صراع الحضارات أن نجد بالبحث عن إسهامات أمتنا في حضارة إنسانية تراكمية، ليس من حق أحد أن يستأثر بها، أو يصادرها لمصلحة جنس أو عرق.
أيفيدنا أن نشير هنا إلى أن جملة من المصطلحات الفكرية والحضارية كانت عاريّة لدى القوم، استفادوها فيما استفادوا مع (ألف بائنا..) الذي لا يجحده إلا مكابر عنود، وأن لفظة (Nomos) التي تعني القوانين، والتي كانت المحط الأساسي لوصف أرسطو للدولة، إنما كانت بعض كلماتنا التي ثقفوها عندما جلسوا على موائدنا، فكلمة (الناموس) بجذرها السامي الواضح لتلمع دليلاً على مورد القوم ومصدرهم. قبل (أثينا) و(اسبرطة) ونتحدث هنا عن (500) عام قبل الميلاد، كانت مدنيات ودول وحكومات وشرائع خُطت على الألواح، ونُقشت على الحجر.
قبل اليونان، كانت هناك مصر أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، وكان هناك الكنعانيون والفينيقيون والألفباء، وحضارة بلاد الرافدين، و(حمورابي) الذي ترك خمساً وخمسين رسالة منقوشة على الحجر، مع(282) مادة قانونية متوجة بحرص الملك على العدل بين الناس وذاك في (2100) ق.م. وإذا عدنا إلى ألف سنة قبل الميلاد أي قبل المدرسة اليونانية بخمس مائة عام سمعنا ملكة سبأ تنادي (يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون.)
وبعد (أثينا) و(اسبرطة) و(روما) كانت هناك مكة والمدينة ثم كانت دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة وكان هناك أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، والجاحظ والماوردي والجويني وابن سينا والفارابي والطرطوشي وابن تيمية وابن أبي الربيع وابن جماعة، وغيرهم كثير؛ كتبوا وأصّلوا وفصّلوا وكانوا في كل ما قدموه بين الأجر والأجرين، ولكنهم خلفوا رؤية تضاهي وتباهي لمن أراد أن يسترشد أو يستبين..
إن منصفا شدا قليلاً أو كثيراً من تاريخ الفكر أو تاريخ الحضارة، لا يستطيع أن يجحد علاقة رواد عصر النهضة الأوروبي، بالفكر العربي الإسلامي، وفي جميع الميادين. كما أن أحداً لا يستطيع أن يتحدث عن جسر (أثيري) موهوم انتقلت عليه معطيات حضارة اليونان مع ما كان فيها من قصور البدايات، لتنجز للعالم حضارة يشار إليها اليوم بالبنان.
وهكذا فقد تعلم (بيكون) في مدارس الأندلس، واقتبس (دانتي) من الإسراء والمعراج كما من أبي العلاء المعري، وحذا (مكيافيللي) حذو (المرادي) (في الإشارة إلى أدب الإمارة)، وتعلق جان جاك روسو بالغزالي فحول (أيها الولد) إلى (إميل) وترجم نظرية (العقد السياسي) الإسلامية إلى العقد الاجتماعي.
إن الذي نريد أن نخلص إليه من هذه المقدمة جملة من الحقائق الأساسية:
ـ التأكيد على عالمية (الفكر) و(الحضارة) بشقيها المادي والمعنوي. وأن لكل أمة من الأمم إسهامها في بناء الحضارة الإنسانية. وبالتالي التمييز المطلق بين الاستفادة من المعطى (الحضاري) أو (الفكري) العام، وبين التبعية أو الانزلاق.
ج- حوار الحضارات شروطه ونطاقه[283]: تردد لفظ الحوار في العقود الأخيرة من هذا القرن الميلادي, في محافل شتى, وصفت به أنواع من العلاقات متباينة, كان بعضها نافعا وبعضها الآخر محاولة من القوي لفرض رأيه وثقافته, ونظرته إلى الكون والناس والأشياء,.
ودعت منظمات عديدة " لحوار الثقافات " في الثمانينات من هذا القرن ثم انتهى هذا الحوار إلى أوراق في كتب نشرت عن لقاءاته, لكنها لم تثمر تغييراً ثقافياً حقيقاً ملموساً حتى الآن. وحين ترددت في أرجاء الكون الثقافية والسياسية صيحة الكاتب الأميركي صاموئيل هنتنغتون عن"صراع الحضارات"أو" صدامها " كان البديل, العاقل المحتمل, لها هو الحديث عن حوار الحضارات, والدعوة إليه, والعمل على إنجاحه, لتجنب البشرية ويلات الصراع, وللتحاشي أثار الصدام المؤلمة أو المدمرة.
وحوار الحضارات مطلب إسلامي عبّر عنه كثير من المفكرين الإسلاميين, بل ردوا به على تحليلات صاموئيل هنتنغتون الخطيرة والمخيفة. وكان من أبرز هؤلاء رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران السيد محمد خاتمي في مقالاته الشهيرة عن هذا الموضوع.
شروط الحوار الحضاري
أولاً _ الإعتراف بالآخر:
وبحقه في هذا الوجود , وبخصوصيته التي لا يجوز لأحد أن يسعى إلى تغيرها, وبمقومات استمرار بقائه مغايراً ومتميزاً, وبحقه في المحافظة على هذه المقومات وتوريثها في أجياله المتعاقبة جيلاً بعد جيل.

فإذا كانت الحضارة مبنية على الدين, كأن يقال الحضارة المسيحية أو الحضارة اليهودية فإن اعترافنا بهذا الدين نفسه وبرسوله, وبما أنزل عليه من كتاب, يتضمن اعترافنا بالحضارة المنسوبة إليه, أو القائمة عليه, ولو كانت هذه النسبة إدعاءً محضاً. فإن التبعة في المخالفة للهدى الموحي أو تحريفه إنما تقع على المخالفين
أو المنحرفين, وما علينا من حسابهم من شيء. وإذا كانت الحضارة مبنية على أصل لا يستمد من الدين شرعيته أو وجوده, فإن المسلمين مأمورون بالتعرف عليها والنظر في أحوالها والاعتبار بما يقع لأصحابها من خير وشر: (قل سيورا في الأرض فانظروا كيف بدا الخلق, ثم الله ينشىء النشأة الآخرة, إن الله على كل شيء قدير), وفي القرآن الكريم جاء الأمر بالسير في الأرض مقروناً دائماً بالأمر بالنظر فيه للتدبر والإعتبار. قال تعالى: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)., وفي القرآن الكريم الأمر الصريح بأن سبب اختلاف الخلق _ شعوباً وقبائل _ هو تيسير التعارف بينهم (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله
عليم خبير ). والتعارف يقتضي تقارباً بين المتعارفين، وتسليماً متبادلاً باختلاف كل منهما عن الآخر، ولا يستمر الأمر بالتعارف مطاعاً إلاّ إذا استمر التغاير والإختلاف بين الناس المخاطبين بهذه الآية الكريمة _جميعاً _ قائماً. فأبناء الحضارة الإسلامية، والداعون إلى مشروعها الإجتماعي في عصرنا، يسلمون بمقتضى هذا الشرط الأول من شروط نجاح حوار الحضارات، ولا يطلبون من أبناء الحضارات الأخرى إلاّ الآن يكون لهم الموقف نفسه، وإلاّ فإن الحوار سيصبح حديثاً من طرف واحد، أو محاولة كل طرف غزو الطرف الآخر ودحره، وهكذا يعيش العالم صراعاً وصداماً، ولا يعش حواراً ولا تعارفاً.
ثانياً _ التبادل الحضاري
وتحقيق ذلك بأن يكون لكل طرف من أطرافه حق قول رأيه وبيان موقفه من القضايا التي يجري الحوار حولها، مهما كان هذا الرأي أو الموقف مخالفاً لما يعتقده أو يفعله، أو يدعو إليه ويدافع عنه الآخرون.
والحضارات المتباينة الحية، تملك كل منها مقومات خاصة بها، ويراها أصحابها صواباً نافعاً، وقيمة الحوار بينها تبدو في تعرف أبناء كل منها على الأخرى كما يراها أصحابها، لا كما تراها أعين الغرباء عنها، رضاءً كان ما تظهره هذه العين أم سخطاً، نقصاً كان أم كمالاً، جزئياً كان قاصراً كان أم كلياً شاملاً.
ثالثاً _ الثقافة
أن يكون محوره الثقافة التي تعبر عنها الحضارات المختلفة، والنشاط البشري الذي تتمثل فيه هذه الثقافة.
ومن معاني هذا الشرط وضروراته أن تستبعد من الحوار بين الحضارات موضوعات العلاقات السياسية, والتبادل الاقتصادي، والاختلاف الديني.
الدين والحوار الحضاري:
والحوار بين أهل الأديان المختلفة _ عندي _ له هدف واحد هو أن ييسر للناس العيش معاً في مجتمعات مختلف الأديان، عيشاً تسود فيه الأخوة الإنسانية، ويجري على قاعدة المشاركة المتساوية في المواطنة، ويرمي إلى أن لا يظلم أحد حقاً هو له بسبب تميزه الديني عن الآخرين، ولا يأخذ أحد حق غيره بسبب انتمائه الديني إلى عقيدة الحاكمين، أو الكثرة من المواطنين.
ثم أن الحوار بين الأديان _ حين تختلف الأوطان _ يجب أن يتجه إلى هذه الغاية نفسها: كيف يعيش الناس معاً في عالم يتسع للجميع، على الرغم من اختلاف العقائد والشعائر والملل والنحل.
بهذه الصورة للحوار، وبهذا النطاق له، يمكن أن يستمر الحوار بين الحضارات وينجح. أما إذا أريد بالحوار بين الحضارات خضوع الناس جميعاً لنمط واحد من أنماط الحياة البشرية، وفرض"العولمة" التي لا تحترم خصوصية ثقافية، ولا تعتبر أي شأن من الشؤون وقفاً على أصحابه، وتتدخل حتى بين المرء وزوجه، فتغير التشريعات وأنماط السلوك والعلاقات لتتحول الثقافات كلها إلى مسوخ تابعة لحضارة مسيطرة، فإن هذا له لا يقبل ولا يعقل ولا يكتب له أن يستمر.
رابعا: نظرية صدام الحضارات
عملت نظريتي فوكاياما وهنتجتون على محورين رئيسيين في الدفع نحو الحضارة الغربية، فأسلوب الترغيب بالعولمة ونشر النموذج الثقافي الغربي وما فيه من قيم ومفاهيم علمانية وليبرالية وديمقراطية ورأسمالية عبر نظرية الشرق الأوسط الكبير وفردوس العولمة وأشباهها، وهذا ما اصطلح له البعض مصطلح (طريقة الجزرة)!
والأسلوب الآخر هو الأسلوب الذي اصطلحوا له أسلوب (العصا) الذي تساق له الشعوب كارهة، ويفرض عليها التغيير فرضا، عبر الترهيب من صدام الحضارات ونهاية التاريخ والتصدي للتوتاليتارية والإرهاب!
أولا: الترغيب بالعولمة وأدلجة الفكر الغربي
الأيديولوجية هي صيغة الفكر عند محاولة تلميعه وإكسابه بريق ودعاية تدعمانه في الذهن وفي أوان المناظرة، وهكذا فإن أيديولوجية الغرب هي ما يروجه لنا الغرب من قيم ومفاهيم وأفكار ومناهج، مما يتحمس لها التيار الليبرالي في منطقتنا أكثر من غيره من التيارات الأخرى التي قد تأخذ من الغرب وتدع..
ومن هذه الأيديولوجيات نجد البعض يقدم الانفتاح على الغرب وتقبل العولمة على أنه عصر المعلومات وانتشارها وثورتها، وأن هذا الانتشار المعلوماتي سيؤدي إلى إقامة إنسانية موحدة، وهذا الرأي يرى أننا نعيش عصر الإنسانية الواحدة بعد أن كنا نعيش عصر القوميات المتعددة والأمم المتناحرة المنغلقة الثقافات، والسبب في حالة الإنسانية الواحدة يرجع لثورة الاتصالات التي ضاعفت الاحتكاك والتفاعل العالمي عشرات المرات ليصلا إلى هذه الحالة من سيولة التفاعلات وزيادتها، لدرجة أن ما يحدث في أي بقعة من العالم ينقل إلى كل بقاع العالم، ويكون له تأثيره الاقتصادي والسياسي والثقافي في أنحاء كثيرة من العالم، وأصحاب هذا المذهب يرون: أننا نعيش عصر الإنسانية المنفتحة، هذا من خلال الاتجاه إلى تذويب الفوارق والحدود بين الدول، وزيادة معدلات التشابك بين الجماعات والمؤسسات الخ.
ومثال آخر على الترويج للحضارة الغربية من خلال مجموعة من الأساطير نجد من يقول إن العولمة جاءت نتيجة لازدياد معدلات الاعتماد والتبادل بين دول العالم، وهذا الشكل الاقتصادي أحد أشكالها، حيث أدى ذلك الاعتماد المتبادل إلى نمو وعي جمعي بمجموعة من المشاكل المشتركة، فأصبح هناك وعي أكبر بمشكلة البيئة ومشكلة الأمن النووي على سبيل المثال … الخ، والاعتماد المتبادل هذا نشأ مع نشأة الرأسمالية وازداد مع زيادة الإنتاج وازدياد حركة التجارة الدولية، وأصحاب هذا التعريف ومناصروه في العالم النامي فاتهم إن المقصود ليس الاعتماد المتبادل بالمعنى المشار إليه الآن، بل المقصود ذلك الاعتماد المتبادل في ظل سيطرة الشمال على الجنوب مثل العلاقة بين أوروبا وأفريقيا وقد فات أصحاب هذه الوجهة من التعريف أن ما يحدث اليوم في ظل العولمة ليس علاقة اعتماد متبادل، بل علاقة سيطرة، فالعولمة لا يمكن أن تتم في جو التكافؤ.
وهناك تصور أيديولوجي آخر يرى: أنه مع استمرار التطور التكنولوجي تضاءل دور المواد الأولية في النشاط الاقتصادي، وأصبحت المعرفة العلمية والتنظيمية هي المكون الرئيسي للثروة، فأغلى عناصر الإنتاج وأندرها اليوم هي براءات الاختراع وأساليب البحث والتطوير، والحديث عن المعرفة العلمية والتنظيمية هو حديث عن المعلومات، وقد أدى تصارع التطوير التكنولوجي إلى غلبة المعلومات على أشكال الثروة الأخرى، وتراجعت الأهمية النسبية للموارد الطبيعية.
وعندما ننظر في العالم الأول وأحواله نجد أن المعلومات هي أهم جزء من المشروع الرأسمالي، وهي أهم بكثير من المنتج النهائي، ومن المواد الأولية، فعند حساب قيمة السلعة ونفقاتها نجد أن الشق التكنولوجي والمعلوماتي هو صاحب أكبر وزن نسبي في تكلفتها، ونجد أن البحث والتطوير يأخذان جزءاً كبيراً من قيمة المنتج.
كل هذه المقولات أيديولوجيات لا تعبر عن حقيقة ما يراد لنا من انفتاح – أو إن شئتم ارتماء في أحضان الغرب-، فهي ظواهر ارتبطت بعملية التفاعل مع الغرب عموما وأمريكا خصوصا، قد تكون جزءاً من التفاعل الإيجابي في منظوره المثالي أو هي عملية الترويج للغرب كما يتم تقديمها لنا، أو هي أيديولوجية الحضارة الغربية! ومن عجيب أن عددا من المبهورين أخذوا بهذه الأدلجات الزائفة فراحوا ينادون بضرورة أخذ كل ما لدى الغرب من خير وشر وعجر وبجر على حد تعبير الطتورالدكتور طه حسين في كتابه: (مستقبل الثقافة بمصر)!
شك أن الحديث السابق عن الحضارة الغربية قد يوحي بمضامين سلبية إذا أخذناه بمفهوم المخالفة، وقد يعطي انطباعاً بالتحيز ضد الغرب جملة بما يثير الريبة في صدقية ما نعرضه، غير أن إدراك بعض مخاطر هذه الحضارة لا يعني دفعنا باتجاه الصراع معها ابتداء، وفي هذا الإطار لا بد أن نبين بأننا لسنا وحدنا من يسعى للتميز الحضاري، ولا وحدنا من يقف في وجه فرض نموذج ثقافي على العالم، كما أننا نؤكد على أننا لسنا بصدد الدعوة لمواجهة مع أحد ما دامت خصوصياتنا محترمة، وهوياتنا محفوظة.
هناك في العالم منظمات كبرى وحركات ومؤتمرات ومظاهرات مليونية ودموية أحيانا تناهض العولمة، ماذا يرفض هؤلاء ؟ بالطبع هؤلاء لا يرفضون أدوات العولمة وواقعها الفعلي على الأرض من الاعتماد المتبادل والثورة المعلوماتية وثورة الاتصال، فهذه حقائق لا يمكن إنكارها، ولكنهم يرفضون محاولة تسويق النموذج الغربي وفرضه باسم العولمة والعالم الواحد، وما يستتبع ذلك من إهدار المصالح الخاصة لدول الجنوب ومنها الدول العربية والإسلامية، ومن جملة ما يرفضونه عملية تزيين العولمة، أو أدلجتها، ونحن يمكننا أن نلتمس معرفة من يقود حركة العولمة ووجهة هذه الحركة، فمعرفتنا بمن يمتلك شبكات المعلومات الكبرى يعني معرفتنا لطبيعة وفلسفة المحتوى الأيديولوجي الذي يتم بثه من خلال هذه الشبكات، ومعرفتنا بمن يدير شبكات التجارة العالمية وبمدى قوة الشركات متعدية الجنسية وقدرتها، وتأثيراتها على الدول التي تعمل على أرضها، فسنعرف تبعاً ماهية الفلسفة التي تدار بها حركة التجارة العالمية، ولصالح من تدار ؟ وهذا يرتبط سلفاً بضرورة تحديد ماهية الجهة أو الوجهة التي تقود حركة العولمة.
فالذي يميز حالة العولمة كلحظة تاريخية في مجال العلاقات الدولية عن غيرها أن هناك قناعة سائدة بأن هذه العملية الجارية من التفاعل بين أرجاء العالم إنما تتم تحت إدارة نموذج حضاري واحد، وبفاعلية قيادة قوة واحدة من قوى هذا النموذج، ونقصد بهذا النموذج الرأسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي لم يتوافر من قبل، حيث ساد التنافس من قبل داخل الشمال بين المعسكرين الغربي (الولايات المتحدة وأوروبا)، والشرقي (الاتحاد السوفييت سابقاً وكتلته الاشتراكية).
من خلال هذا الوضع نوقن أن للعولمة وجهة فكرية يسعى للتبشير بها من يملك ناصيتها، وهذه الوجهة بطبيعة الحال لها دلالاتها على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بمعنى أن ثمة ولع دائم لدى الغالب لبسط قيمه ونموذج حياته، كما أن ثمة ولع من قبل المغلوب دائماً بتقليد الغالب وهو ما يسمى "قانون الانكسار الحضاري" الذي صاغ مضمونه ابن خلدون، وفي هذا الإطار تتوجه العولمة لبسط قيم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان كما هي في المنظومة الغربية على الصعيد السياسي، وعلى الصعيد الاقتصادي تسعى لبسط قيم مثل عالمية الاستثمار، وعالمية انتقال رؤوس الأموال، وتحرير التجارة، وحرية انتقال العمالة … الخ، وهناك –ثالثاً- البعد الثقافي الاجتماعي الذي أضحى الآن المحور، والقيم والسلوكيات الشائعة والمنتشرة والمتبناة بلا منازع، وهذه الأبعاد الثلاثة تعبر عن مضمون العولمة أو تجيب على سؤال: ما الذي يتم عولمته ؟
ثانيا: الترهيب بصدام الحضارات:
هل من الممكن لسكان هذه القرية الأرضية المنقسمين بين أديان وأعراق وأحزاب وأفكار وألوان وأجناس وأوطان أن يعيشوا مع ذلك متسالمين آمنين متعاونين على تحقيق مصالحهم؟ أم أن الصراع بين ثقافاتهم على المستوى المحلي وبين حضاراتهم على المستوى العالمي ضربة لازب لا مفر منها؟ يمكن رصد أربعة آراء عالمية بصدد الإجابة على هذه الأسئلة:
فهنتجتون يرى أن الصدام بين الحضارت آت لا محالة، و ينصح قومه بإعداد العدة للدفاع عن الحضارة الغربية[284]. أما كورث فيرى أن الصراع الثقافي قد بدأ في داخل الحضارة الغربية نفسها فلم تعد الحضارة التي كانت قبل[285].بينما فوكوياما يرى أن الحضارة الغربية في شكلها الأمريكي المتفوق، والمتمثل في الليرالية السياسية، واقتصاد السوق هي مطمح أنظار الأمم، والغاية التي يتسابقون إليها، وحين يصلونها فتلك نهاية التاريخ في هذا المضمار[286]. وهناك من يرى أن التعايش السلمي بين الثقافات والحضارات ممكن إذا اتخذ الناس سبيل الديمقراطية العلمانية التعددية[287].
خامسا: موقفنا من الحضارة الغربية
خلفيتنا الحضارية
كانت بلاد الشام مع كل من مصر والعراق المسرح الأول للحضارة القديمة، ولنقل بأسلوب أكثر تواضعاً لحضارة (البحر الأبيض المتوسط) بشواطئه الشرقية والغربية.
وكانت حضارة مصر بأدوارها المختلفة إلى جانب حضارات الفينيقيين والكنعانيين والآراميين في الشام، وحضارات السومريين والبابليين والأكاديين والأشوريين في العراق، تشكل الركيزة الأساسية للحضارة الإنسانية التي انتقلت إلى اليونان.
فالأبجدية، كما المعطيات الدينية، كما تاريخ الأفكار، كما التطور التقني والعمراني، تشهد جميعاً على أن المعطى الحضاري اليوناني، الذي يركز البعض على إبرازه مصدراً أساسياً للمعرفة الإنسانية عامة، لم يكن إلا صدى للحضارة العربية في تجلياتها المختلفة.
في هذا السياق نستطيع أن نقتبس إشارة واحدة من حشود الحقائق المتواترة، التي تؤكد حقيقة هذا التاريخ الحضاري، من المؤرخ الفرنسي (بير روسي) في كتابه (التاريخ الحقيقي للعرب): يقول (إننا نقرأ بريشة كاتب حسن الطوية ما يلي: (.. لو لم يترجم ابن سينا أرسطو لما وجد القديس توما الأكويني ولكن الحقيقة شأن آخر إنها التالية: لو لم يتأدب الإغريق في ظل الثقافة العربية لما وجد أرسطو بالتأكيد).
إن الحديث عن الخلفية الحضارية لقطرنا أرضاً وإنساناً ذو شجون، وليس المقام مقام بسط وقائع التاريخ، وإنما الهدف التركيز على جملة من الحقائق.
الأولى: هي الرد على ادعاءات هوجاء، تصدر من أناس لم يروا في (الحضارة) إلا القوة المادية، والغنى الطاغي، فاستبد بهم البطر والغرور، وامتلأوا بالقسوة والعنجهية، وظنوا أنهم بقدرتهم على التأثير في (اللحظة)، قادرون على تغيير الماضي والحاضر والمستقبل، وأن بإمكانهم أن يصنفوا بني الإنسان، إلى متحضر ومتخلف، وخيّر وشرير، حسب ما تقتضيه مصالحهم، وتستدعيه أهواؤهم. إن هذه الادعاءات التي تختلط بالصخب العالمي اليوم، حول عناوين مثل (حوار الحضارات) أو (صراع الحضارات)؛ تدفعنا إلى التأكيد على أن سهمنا في الإرث الحضاري الإنساني هو السهم الأول، وأن حظنا فيه هو الحظ الأوفر. ونؤكد في الوقت ذاته أن الإرث الحضاري إرث إنساني تراكمي عام، لا يمكن أن يكون عنصرياً، أو فوقياً، أو متبجحاً؛ إذ أن جوهر الحضارة الإنسانية يكمن في (إنسانيتها).
والحقيقة الثانية:
هي الرد على ادعاءات أخرى يرددها بعض بني جلدتنا، وممن يتكلمون بألسنتنا، ممن أبهظهم ثقل الواقع العربي بسلبياته المتراكبة كظلمات بحر لجي، فوصلوا إلى قرارة اليأس، وحوصروا في مربع الإحباط، فارتدوا على أنفسهم (يخربون بيوتهم بأيديهم) فإذا هم يلقون باللوم والتثريب على (العقل العربي) و(اللسان العربي) و(التاريخ العربي) في حركة مريبة، (والله يعلم المفسد من المصلح). وفي هذا الذي نشير إليه جواب التاريخ القاطع على أن العقل العربي المظلوم والمتهم حتى من بعض أبنائه هو الذي وضع أسس الحضارة الإنسانية العامة، وهو الذي كان قبل ذلك وبعده موضع الخطاب الرباني المباشر، فتلقى الرسالة رسالة السماء، وتحمل الأمانة أمانة البلاغ، وهو الذي سيبقى شهيداً على الناس.
ثم إن طرحنا للأولية الحضارية لأمتنا بشكل عام، ولشعب قطرنا العربي السوري بشكل خاص، لا يجوز أن يفهم منه أي بعد عنصري، أو ادعاء إقليمي، ومن هنا يأتي تركيزنا على بعدي المرجعية (الإسلامي) و(العربي) في الدعوة إلى بناء دولتنا الحديثة.
إن الحديث عن أمة (سورية)، وأخرى (مصرية) وثالثة (عراقية) يغدو لغواً لا مكان له في السياق الحضاري العام، أو ضرباً من الخداع يقصد منه تزوير التاريخ لتمزيق حاضر الأمة ووأد مستقبلها. وإنه لمماّ يثير القلق ارتفاع نبرة الخطاب الوطني في أقطار عربية تجري وراء خصوصية موهومة خارج إطارها القومي العام!
إن الحقيقة الأساسية التي نسعى إلى تأكيدها في هذا السياق هي جدارة إنسان قطرنا العربي السوري بتحمل مسئوليته التاريخية (حاضره ومستقبله) لخوض مضامير التنافس الحضاري.
إن شعبنا الذي يعيش منذ ما يزيد على النصف قرن في مناخ يكرس كل أنواع التخلف والتمزق في أطر من الوصاية: السياسية والفكرية والاقتصادية، لحقيق أن ينال فرصته ليثبت ذاته فاعلاً ومبدعاً، وليتجاوز بالوطن ما هو فيه من ضعف وتخلف وهوان.
أزمة الحضارة الغربية
تؤكد دراسات عدة وأقوال لفلاسفة غربيين وغيرهم أن الحضارة الغربية تعاني من أزمة حادة يمكن لها أن تقوض هذه الحضارة،فقد ذهب اشبنجلر الى أن هذه الحضارة وصلت الى طور الشيخوخة وأنها غير قادرة على تجديد شبابها فهي كالعجوز التي تنتظر لحظة الوفاة،ويقول اشفستر إنها حضارة تفتقد المبرر الأخلاقي لاستمرارها،أما تونبي فيقول إنها حضارة من دون رسالة،وان تقوقعها على ذاتها وفي قومياتها سر اندفاعها نحو الهاوية،والغريب أن بريق هذه الحضارة الخارجي لا يزال قويا،بينما عجلة الأفول تتسارع في داخلها. إن سر ذلك يكمن في الفكرة التي قامت عليها هذه الحضارة،فهي قد قامت على المادة،تراكم الثروة وترعرعت بترعرع المادة،وستنهار سريعا حين تتداعى المادة،وهذا واضح في التغيرات الكبرى التي تحدث في المجتمعات الغربية حين تغير الأوضاع الاقتصادية،فتحاول الاستعانة بالقوة لتدارك التراجع الاقتصادي،ولا يبدو أن في كل مرة ستنجح في ذلك.
موقفنا من أدوات الحضارة الغربية
أ – الأدوات الاتصالية:
يقصد بهذه الأدوات الاتصالية ما نعرفه باسم وسائل الإعلام أولاً، ووسائل الاتصال ثانياً، فوسائل الإعلام من أهم أدوات الاتصال الثقافي المسبب، لما يسمى بعملية التغريب، حيث تحمل هذه الأدوات القيم والمفاهيم وأنماط السلوك الحضاري الغربي، من خلال ما تقدمه هذه الوسائل من نمطين إيجابيين من المواد الإعلامية ومن نمط سلبي أيضاً.
النمطان الإيجابيان اللذان تقدمهما وسائل الإعلام يتمثلان أولاً: في المواد الإعلامية والدرامية الغربية الأصل التي تعرضها هذه الوسائل على قنواتها وموجاتها، وثانياً: يتمثل في المواد الإعلامية والدرامية العربية الأصل الغربية الطابع، وهي تلك المواد التي تشربت القيم والمفاهيم وأنماط السلوك الغربية، وتسعى لإسقاطها على الواقع العربي والإسلامي مستغلة في ذلك ملامح التغريب التي استشرت في المجتمع منذ عهد الاستعمار، ثم ما استشرى فيها من فترات التغريب الوطنية أو عهود ما بعد الاستقلال.
أما النمط السلبي فيتمثل فيما يتعلق بتقديم المواد المستمدة من قيم المجتمع العربي والإسلامي الأصيلة، حيث يتسم عرض هذا النمط من القيم بالتجزئة وسوء التقديم أو الامتناع عنه.
الأداة الثانية التي نتحدث عنها هي شبكات الاتصال الدولية، وهذه الشبكات لها وظيفتان هما: الوظيفة المعلوماتية، والوظيفة الاتصالية، وهذه الأخيرة هي التي تعنينا إذ يتم بموجبها استخدام الإمكانيات الاتصالية، لتسهيل التواصل والتعارف ونقل القيم والمواد الإعلامية والقيمية والمفاهيمية عبر ما تقدمه من مواد درامية وما تعرضه من كتب وتقارير، هذا فضلاً عما تحويه هذه الشبكات من مواد درامية وإباحية تستهدف التغيير القيمي لبلاد العالم الإسلامي والعربي.
ب – الأدوات الاقتصادية:
تنقسم هذه الأدوات إلى قسمين: أولهما حكومية، وثانيهما غير حكومية، أما الأدوات غير الحكومية فتتمثل في الشركات متعددة الجنسيات أساساً، وهذه الشركات تتسم بالضخامة الهائلة حتى إن ميزانية إحداها تفوق ميزانية عشرات الدول، كما أنها تتسم بتنوع النشاط الاقتصادي والانتشار الجغرافي، والاعتماد على الكفاءات البشرية التي تجتذبها من دول العالم أجمع وتكسب ولاءها بما يخالف ولاء هذه الكفاءات للدول التي يحملون جنسياتها، وتضغط هذه الشركات على حكومات دول العالم – المتقدمة منها والنامية – كي تتبنى القيم والمعايير التي تسهل عملها ونشاطها، أو لكي تحملها على التدخل في بعض دول الجنوب كي تمنح هذه الشركات بعض التسهيلات الأساسية التي تحتاجها، بل إنها تتدخل سياسياً في بعض دول العالم: تغتال الزعماء، وتساند مرشحين في الانتخابات، وتقصي مرشحين آخرين، ولا يقتصر نشاطها السياسي هذا على الدول النامية وحسب، بل يمتد إلى بعض الدول المتقدمة أيضاً وذلك وفق ما يخدم مصالحها.
أما القسم الحكومي فيتمثل في الدبلوماسية الاقتصادية التي توسعت ونمت وباتت تشكل أضخم وأقوى الإدارات في وزارات الخارجية في كل دول العالم، بعدما نجحت وسائل الإعلام في فرض "خيار التنمية" باعتباره الخيار المصيري لدول العالم الثالث، أولاً، فضلاً عن كونه الخيار الأساسي لكل دول العالم المتقدمة، وفي هذا الإطار تنشط الحكومات الغربية في الضغط على حكومات العالم بصورة جماعية من خلال المؤتمرات الاقتصادية مثل مؤتمرات الجات ومنظمة التجارة العالمية، ومن خلال المنتديات الاقتصادية العالمية، وأبرزها "منتدى دافوس".. الخ، مستهدفة بذلك تذليل العقبات أمام القوى الاقتصادية الكبرى لتعمل دون عوائق من الحكومات الوطنية التي تمثل السلاح الأساسي للدفاع عن مصالح الدول النامية في مواجهة القوى الاقتصادية العالمية.
جـ- الأدوات الاجتماعية:
إذا كان للوظيفة الاتصالية دور يخص السعي لتغيير القيم عبر وسائل الإعلام والاتصال فإن الجهات أو المؤسسات التي تتولى إدارة الوظائف الاجتماعية تتمثل في المنظمات غير الحكومية، التي تتعدد أنشطتها بصورة كبيرة، فمنها ما يختص بقضايا المرأة، ومنها ما يختص بقضايا الفقر، ومنها ما يختص بقضايا حقوق الإنسان، ومنها ما يختص بقضايا الأطفال، ومنها ما يختص بقضايا البيئة، بل ومنها ما يدخل إلى ساحة السياسة من مداخل اجتماعية وهي حركات السلام والحركات الداعية لنزع أسلحة الدمار الشامل.
وتستهدف هذه المنظمات اختراق الحدود السياسية وتعطيل مبادئ السيادة من خلال ربط العالم بداخل الدول النامية، وتمثل القضايا التي تعالجها أهم أساليب اختراقها للدول النامية، ولعل الجدل الذي سبق وأشرنا إليه فيما يخص المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان، ومؤتمرات المرأة والسكان يمثل أحد أهم الصور المعبرة عن محاولات اختراق السيادة، كما أنها لا تستهدف ذلك الاختراق وحسب، بل إن أحد أهم أهدافها الأخرى إحلال القيم الغربية محل القيم المحلية، ولعل أهم الأمثلة على ذلك في العالم الإسلامي والعربي، ذلك الجدل الذي أزكته هذه المنظمات فيما يخص قضية –ما يسمى- بحرية الإبداع فيما يخص قضايا مثل قضية سلمان رشدي وتسليمة نسرين ونصر أبو زيد وحيدر حيدر وغيرهم، حيث تمحور الصراع حول قيم المجتمع وعقائده قبل ن تكون متمحورة حول أية قضية أخرى.
د ـ الأدوات المعلوماتية:
من أهم الأدوات التي يستخدمها الممتلكون لناصية "الحضارة الغربية" ما يمكن تسميته بالأداة المعلوماتية، وهذه الأداة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول يتمثل في شبكات المعلومات الدولية، والقسم الثاني يتمثل في مراكز وهيئات البحوث والدراسات.
أما القسم الخاص بشبكات المعلومات الدولية فنجد أبرزها شبكة إنترنت والطريق السريع للمعلومات، وغيرها من الشبكات، وكثير من هذه الشبكات يتصل بإنترنت ويصل للعالم من خلالها، وتستهدف هذه الشبكات تدويل كل المعلومات وتسهيل وصولها إلى كل راغبي الوصول إليها، وذلك باستثناء المعلومات التي تعد من قبيل معلومات الأمن القومي، وأهمها براءات الاختراع لدى الدول المتقدمة، وأنظمة التسليح لدى الدول النامية، ولا شك أن هذا التحكم بوضع المعلومات على الشبكة يفيد من يقومون بهذه العملية أساساً، إلا أن وسائل وضع المعلومات على الشبكة مفتوحة ومتاحة لمن يريد الاستفادة بالإعلام والإعلان عن نفسه، وهي الفرصة الذهبية للعالم العربي والإسلامي.
أما القسم الثاني فيتمثل في مراكز البحوث والدراسات التي تتعامل مع جهات أجنبية، بل وفروع ومكاتب وهيئات ومؤسسات البحوث العالمية التي تتولى جمع المعلومات وتصنيفها وتدقيقها وتوظيفها بحثياً، ولذلك تخضع هذه المكاتب والمراكز لرقابة أمنية، وإن كانت لا تتعامل أمنياً بصورة جافة مع المراكز الأجنبية أو المتصلة بالخارج بقدر ما تتعامل بهذه الجفوة مع المراكز البحثية الوطنية.
استكبار الغرب وقابليتنا للاستلاب!
منذ أن هيمنت الحضارة الغربية على العالم والقرارات والوثائق التي تصدرها المؤتمرات الدولية تستقي توجهاتها من قيم العالم الغربي وتوجهاته التي تستمد روحها من ثقافتهم فهي تخترق الجدار الوطني لقيم الشعوب وثقافتها، ويتضح ذلك من موقفهم من الميراث، التربية الدينية للطفل، الذبائح، الحرية، العفة، الربا، تفسير الأصولية، الإرهاب مما يراد فرضه عبر المواثيق وفرض شيئا منه في المواثيق الحقوقية العالمية!
وفضلا عن اختراق القيم نجد أن الغرب عموما يسعى منذ استعمر منطقتنا في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى إعادة صياغة قهرية للمجتمعات في اتجاه نموذجه المسيطر!
إن تأثير الحضارة الغربية لا ينحصر في التطورات التقنية والمعلوماتية والاتصالية المتسارعة فتأثيرها الحقيقي هو فيما يلحق بنفوس الأفراد وسلوكهم النفسي والاجتماعي والاقتصادي أي في نهج حياتهم وممارستهم مما سماه شيخنا علي الطنطاوي رحمه الله يوما بزلزال ما بعد الحرب العالمية الأولى! فهو زلزال حقيقي خلخل الكثير من قيمنا الأصيلة وتقاليدنا المرعية، كما بلبل الانتماء لهويتنا الحضارية ومزقنا سياسيا وجغرافيا وفكريا كل ممزق!
لقد تركزت الحضارة الغربية منذ وقت مبكر في البحث في (الكون) و(المادة) و(الأشياء)، أكثر من انصرافها إلى البحث في (الإنسان)، وفهم تطلعاته وأشواقه، لذا فقد برعت هذه الحضارة، في اكتشاف قوانين المادة، وتوظيفها في منظومة حضارية تقنية قادتها إلى القوة ومن ثم إلى الثروة.
وبقي الإنسان، بالنسبة إليها، ذلك المجهول، الذي لم تستطع أن تسبر أغوار نفسه، أو أن تحلق مع آفاق روحه، بل لقد كان من طغيانها في موقفها منه، أن ضمته إلى عالم الأشياء، الذي برعت فيه، لتجعل منه مادة للبحث، فكان: (فرويد) و (ماركس) و(دوركايم)، وكانت النظرية الرأسمالية، التي لم تر في الإنسان إلا (وسيلة إنتاج) أو (مصرف استهلاك)، وبين قيم الإنتاج والاستهلاك حوصر هذا (الشيء) الذي اسمه الإنسان.
إن من الأخطاء القاتلة التي يرتكبها بعض بني جلدتنا، أن يفترضوا أن نجاح القوم في ميدان من ميادين الحضارة، يستتبع بالضرورة نجاحهم في الميادين الأخرى‍‍‍!! إن أي تأمل منهجي أولي في هذه الحقيقة، يردنا إلى حقيقة أن براعة الإنسان في فن أو فنين، لا يعني بالضرورة أن يكون بارعاً في بقية الفنون، وأن الرسام الماهر نادراً ما يكون شاعراً مجيداً أيضاً !!
لقد انغمست الحضارة الغربية ابتداء في دراسة الكون وقوانينه، حتى ليمكن أن نطلق عليها بحق اسم (حضارة الأشياء)، وجعلت قضايا الإنسان الكبرى وراءها ظهريا. ثم عندما حاولت أن تتعامل مع هذا الإنسان، رسمت مناهجها أيضاً على أسس مادية، معلية شأن الإنتاج والاستهلاك، فكان من ذلك هذه النظرية الغربية القائمة على الفرد والفوضى المغلفة باسم الحرية.
في البعد الإنساني للحضارة الغربية، كان الفرد بمصالحه وغرائزه وأهوائه وشهواته، هو سيد الموقف، ولما كان (التسامي) و(الالتزام) و(التضحية) من القيم التي تكلف جهداً بنيوياً، فقد دُفع الإنسان من المكانة التي خلق فيها (في أحسن تقويم)، إلى حضيض الانسياق وراء الرغبات، والسعي إلى الإنجاز لامتلاك القدرة على الإشباع، في دائرة مغلقة بلا بداية ولا نهاية، فكان بحق (أسفل سافلين). تنصل الفرد من مسئوليته الإنسانية والاجتماعية، بل الأسرية أيضاً، أودع أمه وأباه في المؤسسات الاجتماعية، توقف عن الإنجاب لأن (الولد) سيقف حائلاً في وجه رغبته في (الإشباع)، أو سيكون شريكاً في قدرته عليه، وإذا ما أنجب طلب من الدولة، أو لنقل بأسلوب أدق المؤسسة الراعية لعملية الإنتاج والاستهلاك، أن تتحمل مسئولية الولد، باعتباره أداة للإنتاج المستقبلي أيضاً..!!
وحين تتم مقاربة: المجتمع والجماعة والأسرة، فباعتبار هؤلاء وسيلة لإسعاد الفرد وإشباع رغباته، ومن هنا كان وجودهم، باعتبار آخر، معيقاً لحركة الفرد، ومحدداً لحريته، مشاركاً له في دائرة الاستحواذ، الذي لا يريد أن يرى له فيها شريكاً، فكان هؤلاء الآخرون هم جهنم الحقيقية، التي هرب منها الفرد الغربي المعاصر، حسب تعبير جان بول ساتر أحد كبار فلاسفتهم في القرن العشرين: (جهنم هي الآخرون).
وهكذا غدت كل (القيم) و(الفضائل) المتعارف عليها، والتي بشر بها الأنبياء والمصلحون، خرافةً من صنع الإنسان، أو من صنع المجتمع، ليستغل الفرد، وليوظفه في خدمته. حيث يريد (الكَلُّ) أن يفرض نفسه على (المنتج)، و(الضعيف) على (القوي)، و(البليد) على (الألمعي)، باسم قيم اجتماعية، أو دعاوى إنسانية، على الفرد أن يتحرر منها، وأن يلقي عبئها على المؤسسة الراعية للإنتاج التي اسمها الدولة.
من منظور الفردية هذا، انبثقت (قيم) حضارة مادية استهلاكية بعيداً عن (الدين) و(القيم) و(الإنسانية) و(المجتمع) و(الأسرة) فهذه البنى، في مفهوم الحضارة المادية، ليست إلا وسائل لمخادعة الفرد، ليتنازل عن حقوقه لأوهام لا وزن حسياً لها، بل هي من صنع المستفيدين من الضعفاء.
هذه النزعة الفردية التي ترفض التضحية من اجل طرف آخر، حتى لو كان هذا الآخر: والداً أو ولداً، في نزوع أناني يرى في الحياة فرصة عابرة، من حق صاحبها أن يستغلها في الاستمتاع بأقصى ما يستطيع من اللذات.
ولقد كان لهذه المدرسة الفردية جذورها الفلسفية التاريخية التي تضرب بعيداً في المدرسة (الأبيقورية) و(الهيرونية)، التي دعت إلى أقصى حد من اللذة بأدنى قدر من الجهد.
قد تبدو الماركسية، وهي من مدارس الفكر الغربي الحديث، قد ناقضت الروح الفردية التي أشاعتها الرأسمالية، ودعت إلى إذابة الفرد في المجتمع، والدولة في الطبقة، إلا أن الخلاف (الرأسمالي ـ الماركسي) لم يكن إلا خلافاً ظاهرياً، إذ أعلى كلا المذهبين شأنَ (الإشباع الحسي) رآه الرأسماليون نشاطاً فردياً محضاً، بينما دعا الماركسيون إلى تحقيقه من خلال الفرد الملتحم بالمجتمع. لقد أهدرت الماركسية كل عناصر (الفرادة الإنسانية)، ووأدت طموحات الفرد وتطلعاته، وتجاوزت حدود كينونته الخاصة، وحقه في أن يستمتع ببعض ثمرات جهده وكده، وقادت بالتالي إلى قيام أنظمة شمولية ذات طبيعة قمعية، سحقت إرادة الإنسان، وسيطر الأفراد الحزبيون على كل شيء باسم الجماعية، مما أدى إلى انهيار النظام الماركسي من القواعد.
ومع إقرارنا بتفوق الحضارة الغربية في جانبها المادي، مما أدى إلى امتلاكها توأمي القوة والثروة. إلا أننا لا نعتبر الحضارة الغربية بكل أبعادها أنموذجاً نسعى إلى تقليده، لنصير إلى ما صار القوم إليه. وإذا كنا نفتقد بالحقيقة هذين العنصرين من عناصر العمران البشري (القوة والثروة)، فإن هذا لا يعني تضخيم هذين البعدين، واعتبارهما كل شيء في بناء الحضارة. إن مشروعنا الحضاري يرتكز على رؤية متكاملة، ترعى شؤون الإنسان كما شؤون الكون والحياة، بلا تفريط ولا إفراط.
موقفنا من الفكر الغربي[288] (تأصيل قرآني):
إن الناس يهتدون في اتخاذهم لمواقفهم بما عندهم من علم وبما وهبهم الله من عقل. لكن المسلمين يهتدون إلى جانب ذلك بما حباهم الله تعالى به من هداية القرآن الكريم: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) [الإسراء:9] وهداية القرآن ليست هداية دينية بالمعنى المحدود الشائع في عصرنا لهذه الكلمة. إنها هداية تشمل كل ما يحتاج إليه الناس أفراداً وجماعات في أمورهم الروحية والجسدية، في حياتهم الدنيوية والأخروية. من أنواع هداية القرآن المتصلة بموضوعنا هذا أن يعطينا حقائق عامة عن المجتمعات البشرية من النوع الذي يحاول علماء الاجتماع أن يصلوا إليه بدراساتهم التجريبية. يهتدي المسلمون بهذه الحقائق في نظرتهم للكون البشري، وفي تفسيرهم لما يحدث فيه، وفي تعاملهم معه. لا أقول إنهم يستغنون بهذه التوجيهات القرآنية عن دراسة الواقع واستخلاص الحقائق منه، لكن الهداية القرآنية تعطيهم في هذا الصدد حقائق كلية مهمة قد لا يستطيعون الوصول إليها بجهدهم البشري. من هذه الحقائق الاجتماعية:
أولاً: أن كل جماعة من البشر ترى أن ما هي عليه من المعتقد والقيم والعمل أفضل مما عليه غيرها، مهما كان ما هي عليه باطلاً بمقياس الشرع الحق:
(كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبؤهم بما كانوا يعملون) [الأنعام: 108]
ثانياً: أنه كلما كان غيرهم أقرب إليهم كان أحب إليهم:
قال تعالى: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً) [الإسراء:73]
ثالثاً: أنهم لا يرضون رضىً كاملاً إلا عن من كان على شاكلتهم:
قال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) [البقرة: 120]
رابعاً: أن حرصهم على أن يكون غيرهم معهم يدفعهم للضغط على المخالف –ولا سيما مخالفاً يُساكنهم- بأنواع من الضغوط تصل أحياناً حد الضرب أو السجن أو النفي أو حتى القتل:
قال تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) [الأنفال: 30]
(قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنُخرجنَّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودُنَّ في ملتنا. قال أو لو كنا كارهين) [الأعراف: 88]




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:48 pm

خامساً: أن من أهل الأديان والحضارات من يَعدُ دينه أو حضارته من خصائص قوميته أو عرقه فلا يريد للآخرين أن يشركوه فيها، بل لا يراهم مساوين له حتى من الناحية الإنسانية فلذلك لا يرى نفسه مُلزماً بأن يلتزم في تعامله معهم بالقيم الخُلقية:
قال تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً، ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيلٌ، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) [آل عمران:75]
سادساً: لكن أولئك وهؤلاء جميعاً يريدون لمعتقداتهم أو لحضارتهم أن تكون هي المسيطرة وأن يكون أصحاب الحضارات الأخرى خداماً لمصالحهم. (لئن اتبعت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين) ]الشعراء:29[، هذه الرغبة في السيادة والسيطرة تدفعهم لأن يعدوا العدة لضمان بقاء حضارتهم وللدفاع عنها في حال وجود خطر يهددها، وللعمل لإخضاع الآخرين لها. وهم يستعملون في ذلك كل إمكاناتهم التي يرونها مساعدة لتحقيق هذه الأهداف بما في ذلك اللجوء إلى الحرب.
أوضح مثال في عصرنا على هذه الرغبة الجامحة في السيطرة، وفي الحرص على ضمان دوامها، هو حال الغرب ممثلاً في دولته الكبرى، الولايات المتحدة الأمريكية. أنهم لا يخفون شيئاً من هذا الذي ذكرناه، بل يعلنون عنه في صراحة، ويفصلون الأمر فيه تفصيلاً تظنه حين تقرؤه كلاماً لخصومهم أو لأعدائهم. وهذا نفسه إنما هو من فرط ثقتهم بأنفسهم. فهنتجتون مثلاً يقرر في مقاله الذي طبقت شهرته الآفاق أن الغرب هو المسيطر الآن على المؤسسات العالمية السياسية والاقتصادية، وأن القرارات التي تتخذها الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو صندوق النقد الدولي والتي تعبر عن مصالح الغرب تبرز للعالم على أنها المعبرة عن مصالح المجتمع الدولي. بل إن عبارة المجتمع الدولي (التي حلت محل عبارة العالم الحر) صارت هي نفسها الاسم الملطف الذي يمنح الشرعية لكل الأعمال المعبرة عن مصالح الولايات المتحدة وسائر القوى الغربية. فعن طريق مؤسسة النقد وسائر المؤسسات الاقتصادية الدولية يسعى الغرب لخدمة مصالحه ويفرض على الأمم الأخرى السياسات الاقتصادية التي يراها مناسبة.
ويقول: إن الهدف من الحد من انتشار الأسلحة إبان الحرب الباردة كان تحقيق توازن عسكري مستقر بين الولايات المتحدة وحلفائها والاتحاد السوفيتي وحلفائه. أما في عالم ما بعد الحرب الباردة فقد صار الهدف الأول من الحد من انتشار الأسلحة هو منع الدول غير الغربية من تطوير قدرات عسكرية قادرة على تهديد المصالح الغربية. يحاول الغرب أن يحقق هذا عن طريق الاتفاقات الدولية، والضغوط الاقتصادية، والحد من نقل تقنية السلاح والعتاد.
التعايش الحضاري:
إن التعايش السلمي بين أهل الأديان والحضارات كلها يُيسر عليهم تبادل المنافع المادية والفكرية، كما ييسر عليهم التعاون على حل المشكلات التي يبتلون بها جميعاً. إن ضمور العالم من حيث الاتصالات والمواصلات لم يخل من كثير من الآثار السيئة. فالأمراض تنتقل بسرعة من بلد إلى آخر، وتنتقل كذلك المخدرات والمجرمون، وأفلام الرذيلة والضلال. ثم هناك مشكلة تلوث البيئة وما نتج عنها من خرق لطبقة الأوزون، وما يُقال إنه سيترتب على ذلك من مشكلات على مستوى الكرة الأرضية كلها. كل هذه المصائب المشتركة تستدعي تعاوناً بين الناس في المجتمع الدولي.
لكن التعاون لا يقتصر على مواجهة هذه المصائب المشتركة، بل إن التعايش السلمي يساعد كل أمة على أن تتعاون مع من شاءت من الأمم التي ترى في تعاونها معها تحقيقاً لمصلحة الطرفين.
غير أنه من البديهي أن هذه الصورة المثالية للتعاون لن تتحقق إذا ظل أهل الحضارة الغربية على خوف دائم من أن تضعف أو تزول سيطرتهم، وعلى حرص دائم لذلك بأن لا يتطور غيرهم. إن هنتنجتن يرى أن الصدام القادم سيكون بين الحضارة الغربية من جهة والحضارتين الإسلامية والكنفشيوسية من جهة أخرى، أي أن الحضارتين الإسلامية والكنفشيوسية ستتعاونان على مواجهة الحضارة الغربية. لماذا تتعاون هاتان الحضارتان؟ ألأن الصلة بينهما أقوى من صلة كل منهما بالحضارة الغربية؟ إن هنتنجتن يُخبرنا بأن أهم مكون للحضارة هو الدين. فهل يقول إن الكنفشيوسية أقرب إلى الإسلام من النصرانية؟ ما أظن أحداً يعرف الديانتين، ويعرف مكانة النصرانية واليهودية في الإسلام بالنسبة إلى غيرهما من الأديان، يمكن أن يقول هذا. وإذن فإن السبب الحقيقي لهذا التعاون إن حدث لن يكون نابعاً من طبيعة الحضارتين، بل من معاملة الحضارة الغربية لهما. أريد أن أقول إن الحضارة الغربية هي التي تدفع الآخرين لمعاداتها حين تعمل على الوقوف في طريق التطور الطبيعي لغيرها، وحين تعد كل ما عداها خطراً عليها فتتحدث عن الغرب والآخر Thصلى الله عليه وسلم Wصلى الله عليه وسلم st and thصلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم st تماماً كما كان بعضهم ولعله لا يزال يصف كل من ليس على دينه بالأميين ولا يرى أنه مُلزم في التعامل معهم بخلق ولا دين.
سادسا: الإسلام هو البديل
معايير التقوى في الحضارات
هنالك ثلاثة معايير يرسمها القرآن الكريم للحضارة التي تريد أن تكون حضارة عالمية تستوعب البشرية كافة، وتدفع كافة المنضوين تحتها للتنافس الإيجابي في البناء الحضاري الخلاق.نجد هذه المعايير في سورة البقرة في الآية177.
في هذه الآية المباركة يبين القرآن،أن البر وهو التوسع من الخير والإحسان،ويمكن لنا اعتباره هنا بالفعل الحضاري،يتمثل في مجموعة من القيم في المعيار الأول وهو المعيار الاعتقادي الذي يشكل المرجعية الفكرية لأية حضارة،وفي المعيار الثاني يبين الالتزامات العملية التي تلتزمها الحضارة كلها،وهي دلائل التزام بالمرجعية الفكرية،وهذه المعايير نسميها بالمعايير العملية،وفي المعيار الثالث يوضح القرآن الكريم القيم الأخلاقية الضابطة لحضارة الإيمان،والدالة على صدقها في التزاماتها،الداخلية والخارجية.
يقول تعالى: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين واتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة واتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون"البقرة/177.
فتحت المعيار العقائدي تندرج العقائد التالية:
1/الإيمان بالله.
2/الإيمان باليوم الآخر.
3/الإيمان بالملائكة.
4/الإيمان بالوحي السماوي المركز في الكتب السماوية و أوثقها القرآن الكريم.
5/الإيمان بكافة الأنبياء والمرسلين، وخاتمهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وتحت المعيار العملي تندرج الالتزامات التالية:
1/الإنفاق على الحلقات الضعيفة،في المجال الحيوي الحضاري.
2/إقامة الصلاة.كتعبير لالتزام الحضارة في خضوعها لله سبحانه وتعالى.
3/أداء الضرائب المحددة.
وتحت المعيار الأخلاقي تندرج الأخلاقيات التالية:
1/الوفاء بالعهود والمواثيق.
2/الصبر في مختلف الضر وف التي تمر بها الحضارة.
وحسب بعض المفسرين،فان الالتزام بهذين الخلقين يكفيان لدفع أي مجموعة للالتزام بأية أخلاقيات أخرى،فهما أصلان للكثير من السلوكيات الفاضلة.
الحضارة النموذج
من اجل هذه المعايير التي التزمتما المجموعة البشرية التي عاشت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم استحقت أن يخلدها القرآن الكريم ويعتبرها النموذج الحضاري للبشرية.
يقول تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس"آل عمران/110.
ويقول تعالى عن الحضارة النموذج: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا …"البقرة/143.
قال صاحب المعين:الوسط من كل شيء أعدله أفضله،ووسطية الأمة إشارة الى نموذجيتها،وجدارتها بالاقتداء. وبذلك فان الحضارة الإسلامية تمثل الوسط النموذجي،وهذه الوسطية تعني النظرة المتوازنة بين المادة والروح،وحق الفرد وحق الأمة،والاعتزاز بالذات والانفتاح على الآخر.
وكما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نموذج لأبناء الأمة الإسلامية للاقتداء،كذلك الأمة الإسلامية نموذج للحضارات الأخرى.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للالتزام بالتقوى حتى نكون نماذج إيجابية،نعكس التحضر الإيماني ونحن نعيش في وسط الحضارة الغربية المنافسة اليوم لحضارة السماء.
حضارتنا في عيون الغربيين

"لا يمكن أن نجد ديناً يحتل العلم والمعرفة فيه محلاً بارزاً كما كان الأمـر في الإسلام( كونستان جيورجيو)
تميزت الحضارة العربية الإسلامية بغايتها الربانية، ورؤيتها الإنسانية ونزعتها العالمية، ونظرتها الشمولية، وفكرتها الوسطية، وصبغتها الأخلاقية. وهذه الحضارة هي الوحيدة في التاريخ التي وصلت الدنيا بالآخرة، وربطت السماء بالأرض، وآخت بين العقل والقلب، ومزجت المادة بالروح، وأرضت الفرد والمجتمع، ووازنت بين الحقوق والواجبات، وجمعت بين الواقع والمثال.. لقد وحّدت بحق بين الثنائيات، وأخرجت منها شراباً خالصاً سائغاً للشاربين.
فيما يلي أنقل شهادات غربية منصفة في حضارتنا انتُزعت من أقلام مفكرين غربيين درسوا الإسلام فراعهم جماله، وأعجبتهم مبادئه، ولكنهم لم يُنزلوا قناعاتهم من سماء العقل إلى أرض القلب، ولم يسقوها بماء الوجدان، فلم تنمُ غراسها ولم تثمر!
وفشلوا في أن يحوّلوا الاقتناع بالحق إلى اعتناق له، والإعجاب بالإسلام إلى عقيدة تجري في العروق، نعم لم يبقَ أمامهم إلا ضربة معول واحدة كي يصلوا إلى النبع الثّر الزلال، فلم يفعلوا..
حاموا وهم الظّماء حول الماء ولم ينهلوا !!
وإنما نعرض أقوالهم لأولئك المهزومين أمام الغرب، الذين لا يشربون الكأس الرويّة إلا إذا كانت بيد غربية ! ولا يجرعون الدواء إلا من تلك الصيدلية !!
على أن بعض هذه العبارات كانت في سياقها شَرَكاً نُصب للعقل المسلم، ولا حرج علينا – أظن – إن لقطنا الحبة، ومزقنا الشبكة، وطرنا بسلام.
يقول المؤرخ الإنجليزي (ويلز): "كل دين لا يسير مع المدنية في كل أطوارها فاضرب به عرض الحائط، وإن الدين الحق الذي وجدته يسير مع المدنية أينما سارت هو الإسلام … ومن أراد الدليل فليقرأ القرآن وما فيه من نظرات ومناهج علمية، وقوانين اجتماعية، فهو كتاب دين وعلم واجتماع وخلق وتاريخ، وإذا طُلبَ مني أن أحدّد معنى الإسلام فإني أحدده بهذه العبارة " الإسلام هو المدنية[289]".
وتقول المستشرقة زيغريد هونكه في كتابها القيم: (شمس الله تسطع على الغرب): "إن هذه القفزة السريعة المدهشة في سلم الحضارة التي قفزها أبناء الصحراء، والتي بدأت من اللا شيء لهي جديرة بالاعتبار في تاريخ الفكر الإنساني… وإن انتصاراتهم العلمية المتلاحقة التي جعلت منهم سادة للشعوب المتحضرة لفريدة من نوعها، لدرجة تجعلها أعظم من أن تُقارَن بغيرها، وتدعونا أن نقف متأملين: كيف حدث هذا ؟! إنه الإسلام الذي جعل من القبائل المتفككة شعباً عظيماً، آخت بينه العقيدة، وبهذا الروح القوي الفتي شق العرب طريقهم بعزيمة قوية تحت قيادة حكيمة وضع أساسها الرسول بنفسه … أو ليس في هذا الإيمان تفسير لذلك البعث الجديد ؟! والواقع أن روجر بيكون أو جاليليو أو دافنشي ليسوا هم الذين أسسوا البحث العلمي.. إنما السباقون في هذا المضمار كانوا من العرب الذين لجؤوا – بعكس زملائهم المسيحيين – في بحثهم إلى العقل والملاحظة والتحقيق والبحث المستقيم، لقد قدّم المسلمون أثمن هدية وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة وتسلطه عليها اليوم … وإن كل مستشفى وكل مركز علمي في أيامنا هذه إنما هي في حقيقة الأمر نُصب تذكارية للعبقرية العربية … وقد بقي الطب الغربي قروناً عديدة نسخة ممسوخة عن الطب العربي، وعلى الرغم من إحراق كتب ابن سينا في مدينة بازل بحركة مسيحية عدائية، فإن كتب التراث العربي لم تختف من رفوف المكتبات وجيوب الأطباء، بل ظلت محفوظة يسرق منها السارقون ما شاء لهم أن يسرقوا[290]" وعلى مدى الكتاب كانت المؤلفة تعقد المقارنات بين منهج العرب المسلمين في البحث العلمي وبين ما كان عليه العقل الغربي من تسطّح فتقول: "اتسعت الهوة بين الحضارة العربية الشامخة والمعرفة السطحية في أوربة التي كانت ترى أن من الكفر والضلال القول بأن الأرض كروية، فمعلم الكنيسة لاكتانتيوس يتساءل مستنكراً: أيعقل أن يُجنّ الناس إلى هذا الحد، فيدخل في عقولهم أن البلدان والأشجار تتدلى من الجانب الآخر من الأرض، وأن أقدام الناس تعلو رؤوسهم؟!![291]".
قلت: منذ ألف عام توصل فقيه الأندلس الإمام ابن حزم إلى الجزم بكروية الأرض منطلقاً من القرآن الكريم ومن التنظيم المطّرد لمواقيت الصلاة في محيط الأرض… وقد بسط ذلك في كتابه الموسوم (الفصل بين المِلل والنِّحَل.
ويقول العلامة بريفولت: "ما من ناحية من نواحي الازدهار الأوربي إلا يمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، وإن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه لنا من كشوف مدهشة ونظريات مبتكرة، بل إنه مدين بوجوده ذاته … ولم يكن بيكون إلا رسولاً من رسل العلم والمنهج الإسلامي إلى أوربة المسيحية، وهو لم يَملّ قط من التصريح بأن اللغة العربية وعلوم العرب هما الطريق الوحيد لمعرفة الحق[292].. ولقد انبعثت الحضارة الإسلامية انبعاثاً طبيعياً من القرآن، وتميزت عن الحضارات البشرية المختلفة بطابع العدل والأخلاق والتوحيد، كما اتسمت بالسماحة والإنسانية والأخوّة العالمية[293]".
ويقول المفكر ليوبولد فايس: "لسنا نبالغ إذ قلنا إن العصر العلمي الحديث الذي نعيش فيه، لم يُدشّن في مدن أوربة، ولكن في المراكز الإسلامية في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة[294]".
"نحن مدينون للمسلمين بكل محامد حضارتنا في العلم والفن والصناعة، وحسب المسلمين أنهم كانوا مثالاً للكمال البشري، بينما كنا مثالاً للهمجية[295]".
ويقول الكاتب الفرنسي أناتول فرانس في كتابه (الحياة الجميلة): "أسوأ يوم في التاريخ هو يوم معركة (بواتييه) عندما تراجع العلم والفن والحضارة العربية أمام بربرية الفرنجة، ألا ليت شارل مارتل قطعت يده ولم ينتصر على القائد الإسلامي عبد الرحمن الغافقي"
"حين نتذكر كم كان العرب بدائيين في جاهليتهم يصبح مدى التقدم الثقافي الذي أحرزوه خلال مئتي سنة، وعمق ذلك التقدم، أمراً يدعو إلى الذهول حقاً، ذلك بأن علينا أن نتذكر أيضاً أن النصرانية احتاجت إلى نحو من ألف وخمسمائة سنة لكي تنشئ ما يمكن أن يدعى حضارة مسيحية، وفي الإسلام لم يُولّ كل من العلم والدين ظهره للآخر، بل كان الدين باعثاً على العلم، وإن الحضارة الغربية مدينة للحضارة الإسلامية بشيء كثير إلى درجة نعجز معها عن فهم الأولى إذا لم تتم معرفة الثانية"[296]
ويقول المسيو سيديو: "لم يشهد المجتمع الإسلامي ما شهدته أوربة من تحجر العقل، وشل التفكير، وجدب الروح ومحاربة العلم والعلماء، ويذكر التاريخ أن اثنين وثلاثين ألف عالم قد أُحرقوا أحياء ! ولا جدال في أن تاريخ الإسلام لم يعرف هذا الاضطهاد الشنيع لحرية الفكر، بل كان المسلمون منفردين بالعلم في تلك العصور المظلمة، ولم يحدث أن انفرد دين بالسلطة، ومنح مخالفيه في العقيدة كل أسباب الحرية كما فعل الإسلام[297]".
"لقد ديست بالأقدام تلك المدنية العظيمة في الأندلس! ولماذا ؟ لأنها نشأت من أصول رفيعة، ومن طباع شريفة، نعم من رجال الإسلام. إن المدنية الإسلامية لم تتنكر يوماً للحياة[298]".
ويقول جورج سارتون:"المسلمون عباقرة الشرق، لهم مأثرة عظمى على الإنسانية، تتمثل في أنهم تولّوا كتابة أعظم الدراسات قيمة، وأكثرها أصالة وعمقاً، مستخدمين اللغة العربية التي كانت بلا مراء لغة العلم للجنس البشري[299]… لقد بلغ المسلمون ما يجوز تسميته (معجزة العلم العربي. (
وتقول الدكتورة لويجي رينالدي: ".. لما شعرنا بالحاجة إلى دفع الجهل الذي كان يثقل كاهلنا، تقدمنا إلى العرب ومددنا إليهم أيدينا لأنهم كانوا الأساتذة الوحيدين في العالم[300]"
ويقول البروفسور غريسيب، مدير جامعة برلين: "أيها المسلمون ما دام كتابكم المقدس عنوان نهضتكم موجوداً بينكم، وتعاليم نبيكم محفوظة عندكم، فارجعوا إلى الماضي لتؤسسوا المستقبل[301]"
ويقول المستشرق درايبر: "ينبغي أن أنعي على الطريقة التي تحايل بها الأدب الأوربي ليخفي عن الأنظار مآثر المسلمين العلمية علينا ! إن الجور المبنّي على الحقد الديني، والغرور الوطني لا يمكن أن يستمر إلى الأبد[302]".
ويقول روم رولان: "تفرد العلم الإسلامي بأنه لم ينفصل عن الدين قط، والواقع أن الدين كان ملهمه وقوته الدافعة الرئيسة، ففي الإسلام ظهر العلم لإقامة الدليل على الألوهية".

ويقول رينان: "ما يدرينا أن يعود العقل الإسلامي الوَلود إلى إبداع المدنية من جديد؟ إن فترات الازدهار والانحدار مرت على جميع الأمم بما فيها أوربة المتعجرفة[303]".
ونختم بنقول من كتاب (حضارة العرب) لغوستاف لوبون يقول: "إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوربية الوحشية في عالم الإنسانية، فلقد كان العرب أساتذتنا … وإن جامعات الغرب لم تعرف لها مورداً علمياً سوى مؤلفات العرب، فهم الذين مدّنوا أوربة مادة وعقلاً وأخلاقاً، والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه … إن أوربة مَدينة للعرب بحضارتها … والحق إن أتباع محمد كانوا يذلّوننا بأفضلية حضارتهم السابقة، وإننا لم نتحرر من عقدتنا إلا بالأمس ! وإن العرب هم أول من علّم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين … فهم الذين علّموا الشعوب النصرانية وإن شئت فقل حاولوا أن يعلموها التسامح الذي هو أثمن صفات الإنسان … ولقد كانت أخلاق المسلمين في أدوار الإسلام الأولى أرقى كثيراً من أخلاق أمم الأرض قاطبة … [304]".
إن القفزة الحضارية الهائلة التي سجّلتها أمتنا الإسلامية، يمكنها أن تعود، وأن تتكرر من جديد، بشرط واحد هو أن نريد بإذن الله، فالإمكان الحضاري الذي تهبنا إياه القيم المعصومة في الكتاب والسنة والسيرة، ليس ببعيد على من يريده ويسعى إليه، وقد بدأت تتفتح أزهار الانتصار العاطفي للإسلام في ضمير الأمة، ولم يبقَ إلا أن تتعمق جذور الوعي كي تثمر هذه الأزهار. ويقع عبء التوعية أولاً على كاهل النخبة المخلصة المتخصصة المؤتَمنة على إيصال صوت نبيها إلى العالم … وهؤلاء هم (أولو الألباب) الذين مزجوا الحق بالصواب، والذين باعوا أعمارهم وجهودهم وطاقاتِهم لله تعالى، فربحوا مرتين إذ البضاعة منه والثمن ! "إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم بأنّ لهم الجنة[305]".
وإن الحضارة في صعود، إذ كانت النخبة المبدعة المؤمنة هي التي تقود، ومن بعد النخبة يأتي دور الأمة، ليقوم كل مسلم بدوره في عملية النهوض الحضاري وإن أول عمل حضاري في تاريخ الإسلام وهو بناء المسجد، قد شاركت فيه عزائم كل المسلمين، بقيادة نبيهم الأمين، وكذلك الأمر في حفر الخندق إذ كان الصحابة كلهم على أمرٍٍ جامع، وإن الحضارة لن تنجم إلا عن تجمع آلاف الجهود الصغيرة النافعة، والنهر المتدفق هو قطرات ماء تآخت ثم وجدت طريقها.
إن على كل مسلم أن يقوم بدوره في عملية البناء الحضاري للأمة، وإن كل مسلم مدعوّ إلى نزهة القمم، فعليه أن يُنَزِّه نفسه عن وهدة السفوح. فأمام المسلم اليوم خياران: إما أن يسعى إلى تغيير نفسه ليتغيّر العالم، وإما أن يُغيّر اسمه[306]
* الإنسان ركيزة الحضارتين -الإسلامية والغربية-كيف تنظران إليه؟
في مشروعنا الحضاري يحتل الإنسان، الفرد والمجتمع، المكانة الأولى في رؤيتنا الحضارية، ولقد كان الإنسان على مرّ التاريخ، هو العنصر الأول الفعال المؤثر في مسيرة الحضارة، ولم تكن الحضارة إلا سعي الإنسان لتحسين ظروف وجوده، والارتقاء بأساليب عيشه، وأنماط علاقاته بالآخرين. لقد كان الإنسان دائماً هدف الحضارة وأداتها، فهو في سعي دائب نحو الأكمل والأرقى. وهو في الوقت نفسه القائم بأمر هذه الحضارة، والحامل لعبئها.
ومع أن الإسلام قد أكد في كثير من نصوصه الربانية، على الدور الإيجابي الفاعل والمبدع للإنسان (الفرد)، من خلال انتظامه عضواً في جماعة، كما سنشير إلى ذلك بعد قليل. إلا أن حالة من (الوهن) و(السلبية) و(التواكلية) قد رانت على شخصية الإنسان المسلم، بفعل عوامل سياسية وثقافية بعيدة عن روح الإسلام ومنهجه، فدفعت بالأمة من خلال إنسانها إلى هامش الحياة، وانحدرت بها من يفاع (العلم) و(السيادة) إلى حضيض الجهل والتبعية.
فقد الإنسان (العربي) هويته، وأضاع ذاته، وسعى منذ منتصف القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، إلى أن يعيد طرح مشروع نهضوي عربي، إلا أن الجهود في هذا المجال قد منيت بالإخفاق، ولعل من الأسباب الرئيسية لذلك العجزَ عن إعادة التأهيل الحضاري (للفرد) و(للجماعة)؛ وفق معطيات التصور الإسلامي، والبناء التاريخي والنفسي للإنسان العربي. وخلال ما يزيد على القرن كانت هناك العديد من المحاولات الضالة لإلحاق الإنسان العربي، بحضارات أخرى، قصارى ما يمكن أن يحققه من خلالها من نجاح، أن يكون تابعاً جيداً للآخرين!!
الغرب: مادية وفردية
لا يقوم الإنسان، مع ضخامة فرديته، وحده، ولا يستطيع أن يعيش بعيداً عن الآخرين من بني جنسه، فهو محتاج إليهم في كل مرحلة من مراحل حياته احتياج له خصوصيته، يحتاجهم منذ ولادته احتياج عجز وضعف، فإذا بلغ أشده احتاجهم احتياج نقصان لتبادل المنافع وتكاملها، فإذا مارُد إلى أرذل العمر عاد إليه العجز والضعف.
ولذا فقد تأسست الحضارة الإنسانية في مختلف أدوارها وأقطارها، على الإنسان المنتظم في جماعة، وكانت الأسرة الراعية الكافلة، في تطوراتها المتعاقبة، هي أصغر وحدة للاجتماع الإنساني.
إن النظرية الإسلامية في الخلافة والاستخلاف، ركيزة أساسية في بناء التصور الإسلامي للإنسان الفرد، المنتظم في إطار وحدات جماعية: من الأسرة، والحي، والعشيرة، والقوم، والمجتمع والإنسانية. وفي كل دائرة من دوائر الوجود هذه تتقابل الحقوق والواجبات، في توازن رباني مطلق، يحفظ على الفرد خصوصيته، كما يحفظ له بحفظه للجماعة وجوده.
أما النظرية الغربية، -ولا سيما في عصر العولمة-، فقد اشتطت في إطلاق العنان للفرد، تحت مسمى الحرية، وجعلت من تلبية متطلباته في (الإشباع) و(المنفعة) هدفاً لسيرورة الحضارة الإنسانية، فكل ما يشتهيه الفرد مباح، ورغباته في أطرها المختلفة هي المشروع الحضاري لنظام العولمة الاستهلاكي، دون النظر إلى أي قيمة أخلاقية، فكل ما يروج في السوق، سوق الفردية هو الأجمل والأقوم، مادام يُكسب مالاً أو يُدر ربحاً. و(الفرد) (القادر) أو (المالك) هو الذي يضع قانون الحياة وناموسها، ولو على حساب: كدح الآخرين، أو جوعهم، أو عريهم، أو كرامتهم !!
الهوية الحضارية
يفقد الإنسان في صيرورة الحضارة الغربية (المادية)، التي تطغى على العالم المعاصر، جوهر إنسانيته، وحقائق انتمائه: العقائدي والقومي والوطني، ليتحول إلى (رقم) معبر عن كمٍ سلعي، في عالم لا يأبه كثيراً لمعاني الحق والخير والجمال، ولا يؤمن بغير (المنفعة) عقيدة تستقر في وعي الإنسان، وتحدد مواقفه، وتوجه سلوكه.
وكما أن (الرقم) لا لون ولا جنس ولا انتماء له، وإنما هو قيمة اعتبارية مجردة، كذا ينبغي أن يكون الإنسان في مبدأ حضارة (الأشياء). والإنسان الرقم ذو القيمة الاعتبارية المجردة، التي ترمز إلى (الكم السلعي)، والذي يستمد قيمته المطلقة من موقعه في متتالية الأرقام؛ هو الغول الذي يتهدد إنسانية الإنسان: جوهره وانتماءه، وغاية وجوده، وعلاقاته وأنماط سلوكه. والخطير في هذا (الغول) أنه ليس عدواُ خارجياً، ولا هو متحيزاً في جهة، ولا قادماً منها، إنما هو استجابة لنهمة غريزية غافية في أعماق الإنسان، طالما قيدها الدين، وهذبتها الحضارة. ونهمة غريزية كهذه، لا تتغول على أمة دون أمة، ولا على شعب دون آخر، إنما تتغول على إنسانية الإنسان حيثما كان، تتغول على أشواق الروح، وسمو النفس، كما على كل خيّر وجميل في حياة الناس.
في مشروعنا الحضاري، نحمل (الهوية الحضارية)، بعيداً عن روح التقوقع (القومي) أو (العرقي) أو (العقائدي) بالمعنى الضيق المحدود، ونتقدم بها حصناً ونقطة إسناد إنساني لحماية إنسانية الإنسان، المهدَّد الأول في صراع الحضارات.
(هويتنا الحضارية) ليست قميصاً ورثناه عن آبائنا نحرص عليه، مهما ضاق أو قصر، وإنما هي حصن مفتوح الأبواب ليأوي إليه كل الخيرين من أبناء البشر، ولينطلق منه أيضاً كل المبدعين، نحو عالم يؤمن بالله وبالقيم، يؤمن بالرحمة والحب والشعر، يؤمن بما وراء الحس، وما فوق المادة، عالم لا يهدر قيمة السلعة، ولا يتجافى عنها، ولكنه لا يرفعها حقيقة وحيدة ومطلقة فوق رقاب العالمين.
هويتنا الحضارية، نقطة إسناد متقدمة، في معركة الإنسانية، ضد غول (رأس المال) وقيمه التي تدور حول (أنا) تكرس فيها كل فجور النفس الإنسانية، وغاب عنها تقواها. إن مشروعنا الحضاري القائم أصلاً على إحياء (البعد الرسالي) في نفس الإنسان الفرد، لينطلق من موقف إنساني منفتح، يرفع بين يديه شعار (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). ومع ذلك، مع هذا الانفتاح على العالمين ليلجوا الحصن الإنساني، ولينطلقوا من نقطة الإسناد المتقدمة، يبقى للأمة التي حملت الرسالة جيلاً بعد جيل. خصوصيتها، في رص الصف، وبناء الموقف، والذود عن إنسانية الإنسان، وكرامته، وجوهر وجوده.
وفي ميدان معركة مكشوف، يتركز الجهد الحضاري في أعماق الذات، ويمتد إلى آفاق قرية صغيرة، كان يطلق عليها (العالم). في هذا السياق لا بد من خوض معركة داخلية، تعيد تقويم منظومة القيم الإنسانية السائدة في مجتمعاتنا، والمتسربة إلينا من عصور الوهن والضعف، تحت تأثير عوامل: سياسية وثقافية منحرفة أو مغلوطة، والمتسربلة بسرابيل الدين تارة، وبالفضائل القومية أو الوطنية تارات أخرى.
وبالعودة المباشرة إلى منظومة القيم السائدة في مجتمعاتنا، والتي تمثلها المواقف وأنماط السلوك، كما يمثلها محفوظ التراث الشعبي، سنجد مجموعة من القيم السلبية المدمرة، التي شاركت في صنع حاضرنا بكل آلامه ومآسيه.
إن الروح السلبية وتزيين العزلة، والانصراف عن الاهتمام بالشأن العام، والقناعة التي عنت الرضى بالدون، والتواكل الذي شوه معنى التوكل، و(القدرية)(1) التي تُرجمت إلى حالات من العجز والاستسلام لأمر لم يأت به الإسلام، والتعصب والانغلاق واحتكار الصواب، وإغلاق أبواب التفكير والاجتهاد، والخنوع والسكوت على الضيم، والخضوع لأشكال الاستبداد، وممارسته على الآخرين، وغمط المرأة الكثير من حقوقها الشرعية، والتجاوز على كينونتها الإنسانية؛ إن تتبع كل أولئك بالعلاج؛ سيكون أول الطريق إلى بناء الشخصية (الرسالية) الحاملة لعبء المشروع الحضاري، في بعديه: الوطني والإنساني.
لقد كانت هذه الرؤية التأسيسية في إطارها العام، واضحة أمام حملة المشروع الحضاري الإسلامي منذ وقت مبكر، فلقد ركز الإمام البنا ـ رحمه الله تعالى ـ مشروعه الإصلاحي في دوائره اللولبية المتتالية: (الفرد المسلم) (الأسرة المسلمة) (المجتمع المسلم) (الدولة المسلمة)، وأخذ على عاتقه هو وإخوانه، أن يعملوا في قاع المجتمع. فكان جزاؤه وجزاء إخوانه ما هو معروف. وظلت الأمة في تيه البحث عن الذات، بين واقع موروث اختلط حابله بنابله، ومستورد غير موثوق يثير الحفيظة والريبة، ويدفع مع البهر إلى الانزلاق، ومع الخوف إلى الانغلاق.
أبعاد الهوية الحضارية
1- الاعتزاز بالانتماء، وهو شعور نفسي ينشأ، لا عن كبر أو بطر أو غمط للآخرين، وإنما عن إدراك حقيقي لأبعاد الدور الذي رشح له إنسان أمتنا، بمفهومه العقائدي والفكري، وطبيعة (المنهج) أو (الرسالة) التي تتقدم بها للعالمين. إن حالة التخلف، والهزائم المتتابعة، وإصرار الكثير من المفكرين على جلد الذات، تحت عناوين (الموضوعية) و(المنهجية) قد أورثت أبناء الأمة، ولاسيما جيل الشباب فيها، ذلة وانكساراً وإحباطاً ووهناً، حتى غدت الأمة عند كثير من أبنائها (مَثَلَ السَّوء)، دعاوى يؤيدها واقع زور شهوده، فهؤلاء الذين صنعوا ويصنعون هوان الأمة وهزائمها، ويستديمون ليل نكبتها ليسوا منها إلا في (جلد. ولسان).
2- البعد (الرسالي) العام، الذي نصر من خلاله، على أن نجعل للإنسان من بني أمتنا، وجوداً خارج الوجود البيولوجي، واهتماماً فوق اهتمامات الوظائف الفيزيولوجية.
3- الشعور بالتميز، شعورا لا يصاحبه كبر أو استعلاء، وإنما تضحية وإشفاق وإيثار، إذ أن كمال الوجود الإنساني إنما يتحقق في عطف كبير على صغير، وعون قوي لضعيف، وسعي قادر على كَلّ، ورعاية صاحب فضل وسؤدد لسواد الناس.
وفي إطار هذه الأبعاد الثلاثة تتحدد المعالم العامة للهوية الحضارية للفرد الذي يُركن عليه في حمل عبء مشروع حضاري في إطاره الإنساني العام أيضاً.
وفي ثنايا هذا الإطار، ستكون هناك جملة من مفردات الهوية الحضارية لإنسان أمتنا ووطننا، نذكر بعضاً منها في هذا السياق، وسيكون أعلاها الإيمان بالله، رب العالمين، الرحمن الرحيم، وسيكون (موضوع الرسالة) عنواناً لأمة الرسالة، ولكل فرد من أبنائها، ومن هذا الإيمان الصافي والصادق بكل أركانه تنبع كل الفضائل، وتتساقط تلقائياً جميع العيوب والنقائص.
وسيردف الإيمانَ (العملُ الصالح) ببعديه المعنوي والمادي: الإحسان والإتقان، والعلمُ القائم على أسس ومناهج مما ينفع الناس. فكم عانت أمتنا من التهويم في المجردات، ومن الجدل فيما لا ينبني عليه عمل.
ومن المفردات الأساسية، في الهوية الحضارية لإنسان أمتنا، الحرية المرتبطة بالمسئولية، والمستندة على إرادة قوية، تعصم من الانجرار وراء شهوات النفس وأهواء أهل الباطل. كما تمثل الإرادة الحازمة المعبر الأساسي للإنجاز، وذلك لإخراج الأماني والأحلام بالإرادة والتصميم إلى عالم الواقع ليستفيد منها صاحبها ويفيد.
إن الانفتاح (النفسي) و(العقلي)، وتتبع الحكمة من حيث جاءت، سيكون الدواء الشافي لكثير من حالات الجهل والانغلاق والتعصب، التي أورثت استبداداً في عالم الفكر والشعور، لا تقل سلبية عن الاستبداد في عالم (السياسية)، وفي قول سلفنا (رأيي صواب يحتمل الخطأ) نوافذ للتربية العملية التي تترك في نفسية الفرد فسحة للاستماع للآخر، واستعداداً للحوار الإيجابي، الذي يبحث دائماً عن الحق ويدور في فلكه، دون أن يفكر في الانتصار للذات.
وسيأخذ الحرص على (الإبداع) والإصرار عليه، مكانته في مفردات الهوية الحضارية لإنسان أمتنا، الإبداع في ميادين الفكر والفن والأدب كما في ميادين المادة والعلوم الطبيعية. إن منهجية التقليد المباشر، سواء لمن سلف من أجيال الأمة، أو لما يأتي من وراء البحار، هو الذي أصاب الأمة بالشلل العام، وجعل أبناءها مرتهنين، إما لرؤى تاريخية يُطلَب إنجاز ما يضاهيها، لا مجرد تأملها والانفعال بها، أو اللهاث وراء ما ينجزه الآخرون بخيره وشره، بما يحمد منه أو يعاب.
ستشكل (الأخلاق الجماعية)، وهذا عنوان جامع لكثير من الخلال، بعداً أساسياً من أبعاد الهوية الحضارية لإنسان مشروعنا الحضاري، فلطالما أدت الروح الفردية بأبعادها كافة، إلى حرمان الأمة من ثمرات التعاون وبركته. إن التأسيس لهذا البعد في حياة الفرد، ينبغي أن يبدأ منذ فترة التربية الأولى، إعداد الفرد ليكون عضواً في فريق، وفي المركب الجماعي الواحد تبرز كل معاني: التعاون، والإصرار على الإنجاز، والاتحاد في وجه العواصف، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والأخذ على يد المسيء، واحتمال ضعف الضعيف، والتعويض عن تقصير المقصر.
هذه رؤوس المفردات العامة، التي ينبغي التأكيد عليها، في رسم ملامح الهوية الحضارية لإنسان الأمة، وهي ليست مفردات خصوصية، وإنما متطلبات عامة لمرحلة خاصة من تاريخنا، يعتبر بناء الفرد فيها، وأخذه بها، مدخلاً أساسياً لميادين الإنجاز الحضاري.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التحديات الدولية في الإسلام Empty رد: التحديات الدولية في الإسلام

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الجمعة أغسطس 26, 2011 12:51 pm

واجب أمتنا الحضاري:
• الاستفادة من التطورات التقنية من أجل تبليغ رسالتنا الإسلامية الحضارية الخالدة.
• إعداد مشروع ثقافي للدول الإسلامية يقوم على تعميق الصلة بين الواقع المعاصر وتراث الأمة الحضاري.
• العناية بالقرآن الكريم والثقافة الإسلامية للحفاظ على الهوية الإسلامية.
• صياغة مشروع إعلامي إيماني.
• استثمار المنجزات العلمية وشبكة الاتصال العالمي أحسن استثمار.
• تحديث وسائل التعليم للاستفادة من الطاقة البشرية.
• العمل لتصحيح مفهوم عالمية الإسلام وأنه دعوة موجهة لكافة البشر.
• الاهتمام بالأسرة لأنها المصنع الأساسي للأجيال وتكوينها الثقافي.
• توظيف الأموال والثروات في مؤسسات إنتاجية.
• تحقق الاستقلال الاقتصادي.
• إنشاء سوق عربية مشتركة.
• الوعي التام للقيم الوافدة المرفوضة شرعاً والعمل على تدارك أخطارها.
• الوعي التام بالتطور التكنولوجي لتتبع نوافذ الاختراق لأمننا الثقافي.
• التعاون التام بين مؤسسات المجتمع المدني والحكومات لمواجهة الصعوبات.
• وضع استراتيجية وخطط واقعية لوحدة المسلمين في ظل راية واحدة.
• الحفاظ على مبادئنا ومقاصد شريعتنا وأصولها وثوابتها والعض عليها بالنواجذ.
• الأخذ بكل ما هو نافع لنا نفعاً حقيقياً ولا يتعارض مع ديننا الحنيف.
• العناية بثرواتنا واقتصادنا.
• العناية التامة بالعلوم الدينية والدنيوية.
• إبراز معالم الهوية الإسلامية.
• اكتساب الأسس والأدوات اللازمة لممارسة التحديث ودخول عصر العلم والثقافة (دخول الذوات الفاعلة المستقلة) وليس دخول الموضوعات المنفعلة المسيرة.
• تعزيز الاجتهاد والتجديد في القصة لنتمكن من استيعاب المستجدات.
• إقامة المشروعات المشتركة والعمل على زيادة التكامل الإنتاجي فيما بينها.
• التوسع في إنشاء الشركات المشتركة في مجالات النقل البري والبحري والجوي.
• التعاون النقدي الإقليمي.
• التعاون في مجالات البحث العلمي والتعليم وتبادل المعرفة.
• التشاور والتعاون لتوحيد الصفوف والوصول لمواقف مشتركة تجاه المشكلات الاقتصادية العالمية وتجاه عمليات التفاوض في المحافل والمنتديات الدولية.
• ترشيد الإنفاق وزيادة موارد الدولة.
• مكافحة التضخم المحلي من خلال السياسات النقدية والمالية المناسبة.
• مواجهة أزمة المديونية الخارجية.
• دعم الإصلاحات الاقتصادية في الأقطار الإسلامية وتأهيل الاقتصاد الإسلامي للدخول في القرن الحادي والعشرين ضمن التكتلات الاقتصادية العالمية العملاقة.
• قيام سوق إسلامي لرأس المال وحركته في إطار الأقطار الإسلامية، وضع إطار قانوني وتشريعات جديدة تتلاءم مع المتغيرات الحاصلة في الأسواق العالمية.
• حرية انتقال عناصر الإنتاج وقوة العمل والأشخاص ورأس المال فيما بين الأقطار الإسلامية إضافة إلى حرية التملك والإرث.
• توحيد السياسات النقدية والمالية والجمركية والنقل والترانزيت والتجارة الخارجية.
• خلق مرصد إسلامي اقتصادي اجتماعي مهمته تقييم واقتراح السياسات الاقتصادية الإسلامية، وتحديد الاختلافات وعوامل تلافيها، وهذا يتطلب لجان استشارية تضم الخبراء الإسلاميين وتكلف بالتفكير في السياسات الاقتصادية الإسلامية في ظل المتغيرات الدولية.
• لا بد من استشراف آفاق المستقبل ووضع تصور مستقبلي لموقع الأقطار الإسلامية في المحيط الإقليمي والدولي وتصور مفهوم محدد للأمن الإسلامي وتوقع مدى إمكانية قيام السوق الإسلامية المشتركة وما يرتبط بها من قضايا الحماية والدعم والمنافسة والحرية الاقتصادية.
• وضع استراتيجية بناء القدرة التنافسية والتي تعد من أهم عناصر الإستراتيجية العليا للتنمية الشاملة في الأقطار الإسلامية.
• تنمية الموارد البشرية على مستوى الأقطار الإسلامية والاكتفاء الذاتي بها.

إعداد: أحمد سعود
____________________________________________________
([1]) القاموس المحيط: مادة حّوَر.
([2]) الحوار: آدابه وضوابطه لـ يحيى الزمزمي، دار التربية والتراث، مكة المكرمة، ط1 / 22.
([3]) أصول الحوار، إصدار الندوة العالمي للشباب / ص 6.
([4]) سورة الكهف / 34.
([5]) سورة الكهف / 37.
([6]) سورة المجادلة / الآية 1.
([7]) صحيح البخاري / 884، ح 4640.
([8]) صحيح البخاري / 21 / ح 3.
([9]) سورة المائدة / من الآية 3.
([10]) صحيح البخاري / 832 / ح 4406.
([11]) السيرة النبوية لابن هشام 2 / 604.
([12]) صحيح البخاري / 832 / ح 446.
([13]) سورة العنكبوت ت / الآيات 48 – 51.
([14]) سورة الأنبياء / 10.
([15]) سورة النمل /92.
([16]) سورة يونس / الآيات 15، 16.
([17]) سورة النحل / من الآية 125.
([18]) سورة العنكبوت / من الآية 46.
([19]) سورة إبراهيم / من الآية 13.
([20]) سورة هود / الآية 91.
([21]) سورة غافر / من الآية 5.
([22]) سورة طه / من الآية 71.
([23]) في ظلال القرآن لسيد قطب / 1 / 291.
([24]) سورة الكهف / من الآية 29.
([25]) سورة الأحزاب / من الآية 46.
([26]) سورة المؤمنون / من الآية 73.
([27]) سورة الأنفال / من الآية 24.
([28]) سورة إبراهيم / الآية 9، 10.
([29]) سورة آل عمران / 104.
([30]) سورة فصلت / 33.
([31]) سورة يوسف / من الآية 108.
([32]) سورة يونس / من الآية 99.
([33]) سورة الأنعام / الآية 35.
([34]) سورة الغاشية / 21 – 24.
([35]) سورة القصص / من الآية 56.
([36]) سورة فصلت / من الآية 34.
([37]) تفسير الطبري ج2 / 116.
([38]) أحكام القرآن لبن العربي 3 / 1285.
([39]) المصدر السابق نفسه / 1285، 1286.
([40]) النص مأخوذ من الجهاد والقتال في السياسة الشرعية للدكتور محمد خير هيكل 1 / 456.
([41]) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية للدكتور محمد خير هيكل 1 / 458، 459 مقتطفات.
([42]) سنن النسائي جـ 6 /3 وقال الألباني، صحيح الإسناد.
([43]) صحيح البخاري 690 / ح 3612.
([44]) المصدر نفسه / 429/ ح 2297.
([45]) السيرة النبوية لابن هشام 1 / 296.
([46]) سورة البقرة / 135 - 136.
([47]) سورة البقرة / 87.
([48]) سورة البقرة / 91.
([49] ) سورة آل عمران 64.
([50]) سورة آل عمران / 59.
([51]) سورة المائدة / الآيات 17- 20.
([52]) السيرة النبوية لابن هشام 2/ 47.
([53]) المصدر نفسه / 47.
([54]) المصدر السابق / 2 / 190.
([55]) انظر غزوة الأحزاب وبني قريظة في السيرة النبوية لابن هشام 2 / 221.
([56]) المصدر السابق، 222.
([57]) المصدر السابق 240.
([58]) سورة الأحزاب / الآيات 26، 27.
([59]) صحيح مسلم 3 ح / 1731 / 1356.
([60]) هو قائد مقدمة جيش الروم في اليرموك.
([61]) تاريخ الطبري 2 / 237 – 238، دار الكتب العلمية.
([62]) السير الكبير وشرحه للإمامين الشيباني والسرخسي
([63]) تفسير ابن كثير 2 / 322، 323.
([64]) تفسير الكشاف للزمخشري 2 / 182.
([65]) سورة الأنفال / 61.
([66]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر / 6/ 275 – 276.
([67]) الاختيارات العلمية لابن تيمية، الفتاوي الكبرى 4/613.
([68]) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية 1 / 807 – 808.
([69]) أضواء على الأنباء، السنة الرابعة عشرة، عدد 8، ص 16، 17 أيار 1999.
([70]) سورة الأنفال / 61 – 62.
([71]) بدائع الصنائع للكاساني 7 / 135.
([72]) المغني 10 / 77.
([73]) البخاري.
([74]) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية 1 / 57، 58.
([75]) الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة / محمد حميد الله 348، 349.
([76]) الأنفال / 60.
([77]) الحشر / 13.
([78]) أضواء على الأنباء العدد 4 السنة 11، 11 / 3 / 1996.
([79]) المعجم الوسيط هو الذي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
([80]) المصدر المذكور 1 / 376.
([81]) عن الموسوعة السياسية المعاصرة لنبيلة داود ص 110.
([82]) تشريعات مكافحة الإرهاب في الوطن العربي / أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية / الندوة العلمية الخمسون.
([83]) أضواء على الأنباء العدد 12 / السنة 13 / 4 / 5 / 1998.
([84]) أضواء على الأنباء / العدد 12 / ص 44 السنة 13 / 4 / 5 / 1998.
([85]) المصدر السابق / 48.
([86]) هو أنطوني ليك مستشار كلينتون لشؤون الأمن القومي.
([87]) وذلك من عام 1996.
([88]) أضواء على الأنباء / العدد 9 / السنة 11 / 11 / 3 / 1996.
([89]) المقال مقتبس من خطاب ألقاه في النادي الديمقراطي القومي النسائي في وقت سابق من هذا العام ( 1996 ) بواشنطن.
([90]) أضواء على الأنباء، العدد 11، السنة 11 / 21 / 5 / 1996، ص 14.
([91]) المصدر نفسه / 15.
([92]) المصدر نفسه / ص 16.
([93]) المصدر نفسه / ص 16.
([94]) المصدر السابق / ص 17.
([95]) المصدر السابق / ص 18.
([96]) أضواء على الأنباء، العدد 26 / السنة 12 / 16 / 9 / 1997، الصفحات 6 – 7.
([97]) أضواء على الأنباء، العدد 5، السنة 11 / 24 / 3 / 1996، الصفحات 25، 26 من خطاب ألقاه الرئيس كلينتون في 15 آذار في حشد من الطلاب اليهود.
([98]) واقعنا المعاصر للأستاذ محمد قطب / 386، 387، ط الأولى.
([99]) المصدر نفسه / 391.
([100]) المصدر السابق / مقتطفات 393، 394، 396.
([101]) من كتاب الأمم وعبد الناصر – محمد الطويل 94، 96 بتصرف.
([102]) الأيام الحاسمة وتاريخها لحسن العشماوي / 121 – 122، من محادثات ظهر 5 مايو 1953.
([103]) الأيام الحاسمة وحصادها لحسن العشماوي / الصفحات / 125 – 126.
([104]) واقعنا المعاصر للأستاذ محمد قطب، مقتطفات من 394 – 400.
([105]) سورة النساء.
([106]) الإخوان وعبد الناصر، القصة الكاملة لتنظيم 1965 لأحمد عبد المجيد، الزهراء للإعلام العربي ط أولى 1412 هـ.
([107]) المصدر السابق / 99.
([108]) الإخوان وعبد الناصر لأحمد عبد المجيد / 175 و 181.
([109]) المصدر نفسه 196.
([110]) من كليمة بيليترو أمام مجلس العلاقات الخارجية في 8 / 5 / 96.
([111]) المجتمع الكويتية، العدد 1368، 11- 17 جمادى الآخر / 1420، 21 – 29 سبتمبر / 1999، السنة 3.
([112]) من المادة السابعة من ميثاق حماس ص / 120، كتاب الجذور التاريخية والميثاق لعبد الله عزام رحمه الله.
([113]) من المادة الحادية عشر لميثاق حماس / 123.
([114]) الإخوان المسلمون: سبعون عاماً من الدعوة والتربية والجهاد، للدكتور يوسف القرضاوي / 279، 280.
([115]) وخاصة حادثة المدفعية التي كانت شرارة العنف الكبرى، وأصدر الإخوان المسلمون بياناً في استنكارها.
([116]) من خطاب مساعد وزير الخارجية الأمريكي بيليترو وفي مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية بنيويورك عن الإسلام ص10.
([117]) المصدر نفسه / ص 6.
([118]) أضواء على الأنباء، العدد 13 / 10 / 6 / 96، / 7.
([119]) المصدر نفسه / ص 7، 8.
([120]) المصدر نفسه / ص 8.
([121]) الخطاب نفسه، أضواء على الأنباء / 9.
([122]) المصدر نفسه / 9.
([123]) المصدر نفسه / 9.
([124]) الأضواء / ص 10، وشيء مريب وعجيب حقاً أن ينتقي الخطاب هؤلاء المفكرين الأربعة على امتداد العالم الإسلامي، في الوقت الذي لا يطبع كتاب في الأرض إلا ويصل منه أربع نسخ إلى مكتبة الكونغرس، والمفكرون الإسلامييون والكتاب المصلحون بالمئات والكتاب العاديون بالآلاف، وهؤلاء جميعاً يرفضون منهج هؤلاء الأربعة الذي يشكك في القرآن والإسلام ويدعو إلى طرح تفسيرات جديدة له، فأركون مثلاً يشكك بسلامة القرآن حيث يقول: لم يجمع المصحف بالشكل النهائي الذي لا يقبل الإضافة ولا النقص إلا في عهد عثمان، وإذا كان المسلمون لا يقبلون أي بحث نقدي حول سلامة النص، فإن البحث التاريخي الحديث لا يسلم بذلك، حيث أن جميع القرآن تم في مناخ سياسي شديد الهيجان ) من كتاب الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، وهو رد على السؤال السابع / 27.
([125]) المصدر السابق / 15.
([126]) الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد لـ محمد آركون ترجمة هاشم صالح، دار الساقي 1990، لندن، وهذا الكتاب لم يقم المؤلف بتأليفه بالمعنى المعروف، وإنما هو أجوبة المؤلف على مجموعة من الأسئلة طرحها صحفيان فرنسيان وهذه الأجوبة تغطي ثلثي الكتاب، وبعد ذلك توجد ثلاث حوارات مطولة بين هاشم صالح وبين محمد آركون، والصفحات الأخيرة هي عبارة عن محاضرة ألقاها محمد آركون في معهد فرنس وهو أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسة، وعنوان هذه المحاضرة: الأصول الإسلامية لحقوق الإنسان، وهاشم صالح سوري نذر نفسه لخدمة فكر آركون وتقديمه إلى قراء العربية، وإجابات هذه الأسئلة من عرض تفصيلي للكتاب.
([127]) تهافت القراءة المعاصرة للدكتور محمد طاهر الشواف وهي مناقشة لكتاب ( الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، للدكتور المهندس محمد بن ديب شحرور، الصفحات 17 – 26، مقتطفات.
([128]) السياسة الشرعية لابن تيمية / ص 132 – 133.
([129]) آثار الحرب في الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي / ص 480.
([130]) سنن أبي داود / ح 2669.
([131]) شرح النووي على صحيح مسلم / 6 / 148.
([132]) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية للدكتور محمد خير هيكل 2 / 1264.
([133]) المصدر نفسه، 3 / 1693.
([134]) مغني المحتاج 4 / 219.
([135]) المصدر نفسه 4 / 225.
([136]) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية للدكتور محمد خير هيكل 3 / 1694.
([137]) سورة النساء / 93.
([138]) المغني لابن قدامة 10 / 623.
([139]) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية 1 / 696.
([140]) المصدر نفسه / 700.
([141]) المصدر نفسه / 701.
([142]) الجهاد والاجتهاد، تأملات في المنهج لـ عمر بن محمود أبو عمر / 98، 99 , ط دار البيارق 1419 هـ / 1999.
([143]) المصدر نفسه / الصفحات 72 و 73 و75.
([144]) المجتمع 12 شعبان / 1419 هـ 1 / 12 / 1998 م / 21.
([145]) المصدر نفسه / 21.
([146]) الحياة، العدد 13699 / 13 أيلول 2000.
([147]) المجتمع العدد 1328 / 12 شعبان / 1419.
([148]) المجتمع (الكويتية ) من خلال حوار مع د. ستيفن بيللتري، العدد 1263 / 19 / 8 / 1997.
([149]) المصدر نفسه العدد 1328 / 1 / 12 / 98.
([150]) المجتمع، العدد 1370 / 25 جمادى الآخرة / 1420 هـ.
([151]) المجتمع، العدد 1263 / 19 / 8 / 1997، 15 ربيع الآخر / 1418 هـ / 42، 43.
([152]) المصدر نفسه / 44
([153]) المجتمع، العدد 1417، 14 جمادى الآخر / 1421، 12 / 6 / 2000.
([154]) المجتمع / 1417، جمادى الآخر / 1421 / 12 / 6 / 2000.
([155]) الجمعيات السرية / المافيا، ديفيد أنان / 233.
([156]) المصدر نفسه / 245.
([157]) تشريعات مكافحة الإرهاب في الوطن العربي. د. محي الدين عوض.
([158]) المجلة، العدد 1015 / 25 / 7 / 1999.
([159]) واقع الإرهاب في الوطن العربي لواء د. محمد فتحي عيد.
([160]) التعاون الأمني العربي والتحديات الأمنية د. محسن عبد الحميد أحمد.
([161]) القاموس المحيط / 351.
([162]) سورة العنكبوت / 6.
([163]) تفسير ابن كثير 3 / 446.
([164]) جامع البيان للطبري / 84 / 20 – 23.
([165]) الجامع لأحكام القرآن القرطبي / 13 / 364 – 365.
([166]) سورة الفرقان / 52.
([167]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي / 7 / 13 / 58.
([168]) جامع البيان للطبري 9 / 19 / 15.
([169]) زاد المعاد لابن القيم الجوزية، 3 / 160.
([170]) الحرابة: هنا بمعنى حربهم للدولة الإسلامية وعدوانهم عليها.
([171]) الجهاد للدكتور البوطي / 93 – 94.
([172]) الغياثي للإمام الجويني، ت: د. عبد العظيم ديب / 207، 208.
([173]) الاختيار 2 / 119.
([174]) الكافي لابن عبد البر / 1 / 1 / 401 – 402.
([175]) المغني لابن قدامة 9 / 212.
([176]) سورة التوبة / 29.
([177]) الهداية في تخريج أحاديث البداية ( لابن رشد ) لأحمد بن صديق الغماري ( 8 – 9 ) و ( 20 – 25 ).
([178]) المصدر السابق.
([179]) المصدر السابق.
([180]) الجهاد للدكتور البوطي / 95 – 96.
([181]) سنن أبي داود 2 / 3 / 37 ح 2613 باب في دعاء المشركين.
([182]) ح 2612، ومسلم 3 / 1356 ح 1 – 1730.
([183]) كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار 2 / 128.
([184]) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية للدكتور محمد خير هيكل 1 / 300 – 301، وهو خير من عالج هذا البحث فجزاه الله عنا وعن المسلمين خير جزاء.
([185]) البداية والنهاية لابن كثير 7 / 14 / 25.
([186]) هو غير إمام الحرمين.
([187]) البداية والنهاية 7 / 13 / 128.
([188]) سورة النساء / 65.
([189]) البداية والنهاية لابن كثير 7 / 13 / 128.
([190]) تفسير ابن كثير / 2 / 77.
([191]) الغياثي للجويني / 391.
([192]) كاعين: ممتنعين.
([193]) أخرجه أحمد 2 / 161 ومسلم 6 / 18 و 19.
([194]) المصدر نفسه.
([195]) مصنف عبد الرزاق 11 / 322 ح 20688.
([196]) سورة البقرة / 120.
([197]) سورة البقرة / 217.
([198]) سورة النساء / 104.
([199]) سورة آل عمران / 120.
([200]) سورة الروم: 4 - 7.
([201]) الكتاب لمحمد سعيد ابن سهو أبو زعرور، عرض، إحسان السيد، انظر، حصاد الفكر، العدد 85 / مارس 99 / ص10.
([202]) المسلمون والعولمة للدكتور يوسف القرضاوي / 9 – 11.
([203]) ندوة العولمة وتأثيرها على الدول النامية للدكتور سامي عفيفي حاتم.
([204]) المصدر السابق.
([205]) العالمية والعولمة / السيد ياسين، دراسة للدكتورة عزة بدر / المجلة / العدد 7079 / 21 / 10 / 2000.
([206]) الخصخصة، النظرية والواقع لـ د. محمد رياض الأبرش / في كتاب الخصخصة، آفاقها وأبعادها / 34 – 37.
([207]) ندوة العولمة، مكة، د. سامي عفيفي حاتم.
([208]) ندوة العولمة وتأثيرها على الدول النامية، د. سامي عفيفي حاتم.
([209]) المصدر نفسه / 9، 10 ملاحق.
([210]) الخصخصة وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية، د. نبيل مرزوق / حوارات / 194 – 165.
([211]) الخصخصة للدكتور مرزوق / 186.
([212]) المسلمون والعولمة / 16.
([213]) ندوة العولمة، مكة، سامي عفيفي حاتم.
([214]) إشكالية الأصولية في الوطن العربي لـ حيدر ابراهيم / 333.
([215]) استثنى تركيا بصفتها دولة علمانية صرفة ضد الإسلام، وأجزاء من آسيا الوسطى لأنها ضمن الشيوعية العالمية.
([216]) وهل وجود الحركة الإسلامية على رأس المثقفين في المجتمعات الإسلامية وبيدها كل النقابات العلمية والأطباء، والمهندسون، الصيادلة، المعلمون، المحامون، دليل على أنها للقادمين من الريف ؟؟ ولكنه الحقد الأسود.
([217]) أي الدين.
([218]) إشكالية الأصولية / مقتطفات / 340 – 343.
([219]) إشكالية الصراع / مقتطفات / 343- 347.
([220]) ويتجاهل بوقاحة إلغاء الربا الذي هو عماد الرأسمالية والعولمة.
([221]) إشكالية الحركة الأصولية / مقتطفات / 347 – 351.
([222]) إشكالية الأصولية في الوطن العربي / 335.
([223]) التسوية في زمن العولمة / لـ حسين معلوم / 132 – 141، مقتطفات.
([224]) المصدر نفسه / 158.
([225]) وفي هذا إدانة كاملة للاشتراكية العلمية التي تبناها الحزب اقتصادياً منذ ثلث قرن ونيف.
([226]) هذا ما تطرحه العولمة وتريد أن تجبر العالم الثالث عليه.
([227]) وهذا من أسس النظام الاقتصادي الإسلامي.
([228]) وهي من أهم أدوات العولمة.
([229]) الأموال، السنة الرابعة، يوليو، سبتمبر / 200 / ص / 56 – 58، العدد السادس عشر.
([230]) الزمان / 6 / 7 / 21.
([231]) وهذا هو ما تريده العولمة بالضبط.
([232]) سورة آل عمران / 75.
([233]) سورة المائدة / الآيتان 62 و 63.
([234]) سورة النساء / الآيتان 160 / 161.
([235]) سورة التوبة / الآيتان 33- 34.
([236]) مجلة المعرفة العدد 66 / نصان / 21، ص 64.
([237]) مقابلة مع الدكتور فؤاد نهرا، مدرس الفلسفة والعلوم الاجتماعية بجامعة ليل بفرنسا وباحث في مركز الدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية وضع عدداً من المؤلفات منها " الشرق الأوسط الجديد في الفكر السياسي الأمريكي " الذي صدر مؤخراً، وقد أجرت مجلة المعرفة السعودية هذه المقابلة / واستعرضت أهم محتويات الكتاب، العدد 66 رمضان 1421، ديسمبر 2000 / ص 63 – 678، مقتطفات.
([238]) العالم السياسي، الرياض 8 / 1421 الموافق 11 / 2000.
([239]) فخ العولمة / 259، 260.
([240]) وإن كانت قد تعرضت لأمة عنيفة قبل سنتين كان يمكن أن تحطم اقتصادها لكنها استطاعت أن تتجاوز هذه المحنة ضد اليهودي سايروس لص المصارف العالمية.
([241]) قام بالترجمة: صهيب جاسم.
([242]) من مقدمة مجلة المجتمع الكويتية العدد 1409 ربيع الآخر / 1421 هـ، 18 / 7 / 2000.
([243]) وقام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت بطبعه في سلسلة عالم المعرفة رقم ( 238 جمادى الآخرة 1419 هـ، أكتوبر / تشرين الأول 1998 م.
([244]) فخ العولمة، المقدمة لـ د. رمزي زكي / 8 / 9.
([245]) فخ العولمة، الفصل الأول / 25 – 39، مقتطفات.
([246]) الفصل الثاني / 46.
([247]) هذا رأي علماء الاقتصاد الغربيين في الإسلام، وشهدنا رأي المستغربين في الحقد عليه.
([248]) الفصل الثاني / 41 – 86، مقتطفات.
([249]) من هذه الحالات إعلان الإفلاس لإحدى مدن كاليفورنيا، فهناك ما يزيد عن ثلاثة آلاف مليار دولار كانت قد ذهبت بين ليلة وضحاها تقريباً أدراج الرياح ولم يبق لها أي أثر، والعجيب أنه لم يكن أحد يدري بما حدث أصلاً.
([250]) من هذه الأزمات أزمة المكسيك حين غدت بلاده على حافة الهاوية وأنها استنفذت آخر احتياطها من الدولار، وقام مدير صندوق النقد الدولي على مسؤوليته الشخصية مع كلينتون في تأمين قرض بحوالي 20 مليون دولار، ومن مجموعة أخرى عددهم أقل من أصابع اليدين تم تأمين ثلاثين مليار دولار، وكان هذا كله خلال أقل من 24 ساعة لحفظ السوق العالمي من الانهيار / 95.
([251]) المقدمة للدكتور زكي / 12، 13، ( وفي الواقع ليس هذا من عمل قطاع المال فقط، إذ يشاركه في تقويض هذه الإمكانات أولئك الذين نصبوا أنفسهم حديثاً موجهين للعالم في خضم العولمة، إنهم قادة الشركات الأممية بمختلف أنواعها، فهم قد حققوا انتصاراً غيَّر العالم تغييراً لم تحققه أية امبراطيورية أو حركة في السابق من حيث السرعة والجذرية، ومه هذا ينطوي هذا الانتصار على مذاق مر / 180.
([252]) المقدمة / 13 – 15، ومن أمثلة البطالة ما ذكره المؤلفان عن أوضاع البطالة في الدول المنضوية تحت راية منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي حيث زاد عدد السكان الذين يبحثون عن فرصة عمل حوالي 40 مليون مواطن، ومن الولايات المتحدة شمالاً وحتى استراليا جنوباً ومن بريطانيا العظمى غرباً وحتى اليابان شرقاً ينخفض على نحو سريع المستوى المعيشي الذي تمتع به الجمهور العام في الأمم الرائدة في الاقتصاد العالمي، فملايين الضحايا قرابين للسوق العالمية / الكتاب / 192.
([253]) الكتاب / 293، مقتطفات.
([254]) الكتاب " فخ العولمة " 347 – 376، مقتطفات.
([255]) الملاحظ أن النظام الإسلامي يلغي الفائدة نهائياً.
([256]) فخ العولمة / 377 – 402.
([257]) وفي هذه الحلول تشابه مع فقرات الحل الإسلامي الذي سبقناه آنفاً في هذا الكتاب لموضوع التنمية.
([258]) هذه الأرقام المسددة هي فوائد الديون المتراكمة، أما الديون فتبقى ثابتة وتزداد عن طريق البنك الدولي الديون الجديدة، إنه مصداق قول الله عز وجل: } يمحق الله الربا ويربي الصدقات {
([259]) فهد دياب، صحيفة الثورة السورية العدد 11394 / في 1 / 2 / 2001، بتصرف.
([260]) جهاد الخازن / الحياة، الاثنين 5 شباط / فبراير / 2001 / 11 ذو القعدة / 1421 العدد 13841.
([261]) فهد دياب، تتمة المقال السابق.
([262]) سورة البقرة / 275.
([263]) سورة البقرة / 278، 279.
([264]) سورة الحشر / 7.
([265]) الأموال لأبي عبيد / ص 784 ونقله المنذري مرفوعاً عن علي 1 / 583.
([266]) البخاري في الأدب المفرد / 52 / 112.
([267]) العولمة والتحولات المجتمعية / التسوية 128.
([268]) سورة الحجرات / 13.
([269]) فخ العولمة / 64.
([270]) يحاول الدكتور الأبرش بخبث أن يربط فكرة العدالة بالصحراء والتخلف، وفكرة الحرية بالتقدم والحداثة، متناسياً أن ما وصلت له الحضارة الإسلامية في كل دول الأرض لم يصل لها أحد قبلها ولا بعده، والتي مثلها خطاب الرشيد للسحابة: اذهبي حيث شئت فسيأتيني خراجك، وأن ازدهار الحضارة الإسلامية على قرابة ثلثي أمم الأرض لم يدفع إلى القضاء على الفقراء وصار الحرص على العدالة عيباً يعير به العرب والمسلمون، وأصبح استعمار الشعوب وإفقار الأمم ميزة يُتباهى فيها على البشر.
([271]) الخصخصة النظرية والواقع لـ د. رياض الأبرش / 62 – 79، مقتطفات.
([272]) سورة الإسراء / الآيات: 26 – 30.
([273]) العولمة والتحولات المجتمعية / فصل التسوية في زمن العولمة لـ. حسين معلوم، مقتطفات 128 – 130.
([274]) المجتمع العدد 1409.
([275]) فخ العولمة / 49، 50.
([276]) الخصخصة وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية. د. نبيل مرزوق / 164، 165.
([277]) هي قضية خلافية، فهناك من يمنع ( الربح الفاحش ).
([278]) إشكالية الحركة الأصولية في الوطن العربي لـ حيدر ابراهيم علي.
[279] المعجم الوسيط 1/181
[280] الحضارة... المدنية (اختلاف الدلالات باختلاف الحضارات) د. نصر محمد عارف
[281][Samuel P. Hintington, The Clash of Civilizations, Simon & Schuster, 1997, pp. 41- 43]
[282] منطلقات إسلامية لحضارة عالمية جديدة للشيخ سعيد حوى ضمن بحوث الإسلام والحضارة ودور الشباب المسلم 2/671
[283] للدكتور محمد سليم العوا اقتباسا من الموسوعة الإسلامية (الإنترنت) –مختصرا-.
[284] مقال صراع الحضارات، صامويل هنتجتون Samuel Hintington, Clash of Civilizations? Foreign Affairs, Summer 1993
[285] أنظر مثلاً: James Kurth, The Real Clash, The National Interest, No. 34, Fall 1994
[286] هذا هو رأي فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ، الذي أثار جدلاً كثيراً في الغرب حين صدوره.
Ftancis Fukuyama, The End of History and the Last Man, The Free Press, New York. 1992
[287] هنتجتون ص 39، مرجع سابق
[288] موقف الإسلام من الأديان والحضارات الأخرى:د. جعفر شيخ إدريس. رمضان 1416 هـ الموافق فبراير 1996م (منشور على موقعه بالإنترنت)
[289] عن )الإسلام والمبادئ المستوردة) د. عبد المنعم النمر (84).
[290] شمس الله تسطع على الغرب ص (148 – 269 – 315 – 354 )
[291] نفسه ص (370(
[292] (بناء الإنسانية) رويلت بريفولت نقلاً عن (مقدمات العلوم والمناهج) أنور الجندي، مجلد4 ص(710(
[293] عن (أخطر ما تواصى به المسلمون عبر الأجيال) أنور الجندي (16(
[294] الإسلام على مفترق الطرق ) محمد أسد (40(
[295] هنري شامبون عن(الإسلام والمبادئ المستوردة) د.عبد المنعم النمر (84(
[296] المستشرق روم لاندو في (الإسلام والعرب) ص(9-246(
[297] نقلاً عن كتاب (هكذا كانوا … يوم كنا) د. حسان شمسي باشا (83(
[298] الفيلسوف نيتشه عن ( ظلام من الغرب) للعلامة محمد الغزالي (140).
[299] نقلاً عن (هكذا كانوا يوم كنا) د. حسان شمسي باشا ص
[300] عن (مقدمات العلوم والمناهج) أنور الجندي – مجلد 7 ص(14).
[301] عن (هكذا كانوا يوم كنا) د. حسان شمسي باشا (9)
[302] عن (تشكيل العقل المسلم) د. عماد الدين خليل (94(
[303] عن (مقدمات العلوم والمناهج) أنور الجندي ( 8 / 173)
[304] )حضارة العرب) غوستاف لوبون ص(26 – 276 – 430 – 566(.
[305] سورة التوبة:111
[306] من كتاب " ربحت محمدا ولم أخسر المسيح"
(1) لا نستخدم القدرية بالمعنى الكلامي الذي يعني نفي القدر.

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

التحديات الدولية في الإسلام Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى