شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

تأويل سورة النّساء

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

جديد تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:17 pm


تأويل سورة النّساء Attachment

نقدّم لكم مختصرا لتأويل سورة النساء بحسب تفسير الإمام الطبري متبنين نقل عبارته فقط--راجين أن يمدّ الله في عمرنا لإتمامه

*********************************************

قال تعالى

{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }


قال أبو جعفر رحمه الله :
يعنـي بقوله تعالـى ذكره: { يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ }: احذروا أيها الناس ربكم فـي أن تـخالفوه فـيـما أمركم، وفـيـما نهاكم، فـيحلّ بكم من عقوبته ما لا قِبَل لكم به. ثم وصف تعالـى ذكره نفسه بأنه الـمتوحد بخـلق جميع الأنام من شخص واحد، وعرّف عبـاده كيف كان مبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة، ومنبههم بذلك علـى أن جميعهم بنو رجل واحد وأمّ واحدة، وأن بعضهم من بعض، وأن حقّ بعضهم علـى بعض واجب وجوب حقّ الأخ علـى أخيه، لاجتـماعهم فـي النسب إلـى أب واحد وأم واحدة. وأن الذي يـلزمهم من رعاية بعضهم حقّ بعض، وإن بعد التلاقـي فـي النسب إلـى الأب الـجامع بـينهم، مثل الذي يـلزمهم من ذلك فـي النسب الأدنى. وعاطفـاً بذلك بعضهم علـى بعض، لـيتناصفوا، ولا يتظالـموا، ولـيبذل القويّ من نفسه للضعيف حقه بـالـمعروف، علـى ما ألزمه الله له، فقال: { ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } يعنـي من آدم.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
قال أبو جعفر رحمه الله


ونظير قوله: { مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } والـمعنـيّ به رجل، قول الشاعر:
أبوكَ خـلـيفَةٌ وَلَدتْهُ أُخْرَىوأنتَ خـلـيفةٌ ذاكَ الكَمالُ
فقال: «ولدته أخرى»، وهو يريد الرجل، فأنث للفظ الـخـلـيفة. وقال تعالـى ذكره: { مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } لتأنـيث «النفس» والـمعنى. «من رجل واحد» ولو قـيـل: «من نفس واحد»، وأخرج اللفظ علـى التذكير للـمعنى كان صوابـاً.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

قال أبو جعفر رحمه الله


القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء }.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } وخـلق من النفس الواحدة زوجها؛ يعنـي بـ «الزوج» الثانـي لها وهو فـيـما قال أهل التأويـل: امرأته، حوّاء.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

قال أبو جعفر رحمه الله



وأما قوله: { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء } فإنه يعنـي ونشر منهما يعنـي من آدم وحواء { رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً } قد رآهم، كما قال جلّ ثناؤه:
{ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ }
يقال منه: بثّ الله الـخـلق وأبثهم.


@@@@@@@@@@@@@@@@@@

قال أبو جعفر رحمه الله


القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ }.

اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء أهل الـمدينة والبصرة: «تَسَّاءَلُونَ» بـالتشديد، بـمعنى: تتساءلون، ثم أدغم إحدى التاءين فـي السين، فجعلهما سيناً مشددة. وقرأه بعض قراء الكوفة: { تَسَاءلُونَ } بـالتـخفـيف علـى مثال «تَفَـاعَلُونَ»، وهما قراءتان معروفتان، ولغتان فصيحتان، أعنـي التـخفـيف والتشديد فـي قوله: { تَسَاءلُونَ بِهِ } ، وبأيّ ذلك قرأ القارىء أصاب الصواب فـيه، لأن معنى ذلك بأيّ وجهيه قرىء غير مختلف.


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

قال أبو جعفر رحمه الله

وأما تأويـله: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أيها الناس، الذي إذا سأل بعضكم بعضاً سأل به، فقال السائل للـمسؤول: أسألك بـالله، وأنشدك بـالله، وأعزم علـيك بـالله، وما أشبه ذلك. يقول تعالـى ذكره: فكما تعظّمون أيها الناس ربكم بألسنتكم، حتـى تروا أن من أعطاكم عهده فأخفركموه، فقد أتـى عظيـماً، فكذلك فعظموه بطاعتكم إياه فـيـما أمركم، واجتنابكم ما نهاكم عنه، واحذروا عقابه من مخالفتكم إياه فـيـما أمركم به أو نهاكم عنه.


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


قال أبو جعفر رحمه الله


وأما قوله: { وَٱلأَرْحَامَ } فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله،

فقال بعضهم: معناه: واتقوا الله الذي إذا سألتـم بـينكم، قال السائل للـمسؤول: أسألك به وبـالرحم.




قال أبو جعفر رحمه الله

وعلـى هذا التأويـل قول بعض من قرأ قوله: «والأرْحامِ» بـالـخفض عطفـاً بـالأرحام علـى الهاء التـي فـي قوله «به»، كأنه أراد: واتقوا الله الذي تساءلون به وبـالأرحام، فعطف بظاهر علـى مكنـيّ مخفوض. وذلك غير فصيح من الكلام عند العرب لأنها لا تنسق بظاهر علـى مكنـي فـي الـخفض إلا فـي ضرورة شعر، وذلك لضيق الشعر؛ وأما الكلام فلا شيء يضطرّ الـمتكلـم إلـى اختـيار الـمكروه من الـمنطق والرديء فـي الإعراب منه. ومـما جاء فـي الشعر من ردّ ظاهر علـى مكنـيّ فـي حال الـخفض قول الشاعر:
نُعَلِّقُ فِـي مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفَناوَما بـينها وَالكَعْبِ غُوطٌ نَفـانِفُ
فعطف «الكعب» وهو ظاهر علـى الهاء والألف فـي قوله «بـينها» وهي مكنـية.

وقال آخرون: تأويـل ذلك: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ } واتقوا الأرحام أن تقطعوها.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

قال أبو جعفر رحمه الله


قال أبو جعفر: وعلـى هذا التأويـل قرأ ذلك من قرأه نصبـاً، بـمعنى: واتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، عطفـاً بـالأرحام فـي إعرابها بـالنصب علـى اسم الله تعالـى ذكره. قال: والقراءة التـي لا نستـجيز للقارىء أن يقرأ غيرها فـي ذلك النصب: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } بـمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، لـما قد بـينا أن العرب لا تعطف بظاهر من الأسماء علـى مكنـيّ فـي حال الـخفض، إلا فـي ضرورة شعر، علـى ما قد وصفت قبل.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

قال أبو جعفر رحمه الله


القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }.
: يعنـي بذلك تعالـى ذكره: إن الله لـم يزل علـيكم رقـيبـاً. ويعنـي بقوله: { عَلَيْكُمْ }: علـى الناس الذين قال لهم جلّ ثناؤه: يا أيها الناس اتقوا ربكم والـمخاطب والغائب إذا اجتـمعا فـي الـخبر، فإن العرب تـخرج الكلام علـى الـخطاب، فتقول إذا خاطبت رجلاً واحداً أو جماعة فعلتْ هي وآخرون غيّب معهم فعلاً: فعلتـم كذا، وصنعتـم. كذا ويعنـي بقوله: { رَقِيباً }: حفـيظاً، مـحصياً علـيكم أعمالكم، متفقداً رعايتكم حرمة أرحامكم وصلتكم إياها، وقطعكموها وتضيـيعكم حرمتها.

ومنه قول أبـي دؤاد الإيادي:
كمَقاعِدِ الرُّقَبـاءِللضُّرَبـاءِ أيدِيهِمْ نَوَاهِدْ
@@@@@@@@@@@@@@@@@@








صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:17 pm

تأويل سورة النّساء Attachment

قال تعالى


( وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً }
قال أبو جعفر رحمه الله :
يعنـي بذلك تعالـى ذكره أوصياء الـيتامى، يقول لهم: وأعطوا يا معشر أوصياء الـيتامى أموالهم، إذا هم بلغوا الـحلـم وأونس منهم الرشد. { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ } يقول: ولا تستبدلوا الـحرام علـيكم من أموالهم بأموالكم الـحلال لكم.


****************************
وقال آخرون
: معنى ذلك: لا تستعجل الرزق الـحرام فتأكله قبل أن يأتـيك الذي قدّر لك من الـحلال.

*****************
وقال آخرون: معنى ذلك كالذي:

: قال ابن زيد فـي قوله: { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ } قال: كان أهل الـجاهلـية لا يورّثون النساء، ولا يورّثون الصغار يأخذه الأكبر. وقرأ:
{ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ }
قال: إذا لـم يكن لهم شيء،
{ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ }
لا يورثوهم، قال، فنصيبه من الـميراث طيب، وهذا الذي أخذه خبـيث.

****************

قال أبو جعفر:
وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: تأويـل ذلك: ولا تتبدّلوا أموال أيتامكم أيها الأوصياء الـحرام علـيكم الـخبـيث لكم، فتأخذوا رفـائعها وخيارها وجيادها «بـالطيب الـحلال لكم من أموالكم» { وتـجعلوا } الرديء الـخسيس بدلاً منه
وذلك أن تَبَدّل الشيء بـالشيء فـي كلام العرب أخذ شيء مكان آخر غيره، يعطيه الـمأخوذ منه، أو يجعله مكان الذي أخذ.


فإذا كان ذلك معنى التبديـل والاستبدال، فمعلوم أن الذي قاله ابن زيد من أن معنى ذلك: هو أخذ أكبر ولد الـميت جميع مال ميته ووالده دون صغارهم إلـى ماله، قول لا معنى له، لأنه إذا أخذ الأكبر من ولده جميع ماله دون الأصاغر منهم، فلـم يستبدل مـما أخذ شيئاً. فما التبدّل الذي قال جلّ ثناؤه: { أَمْوٰلَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ } ولـم يبدّل الآخذ مكان الـمأخوذ بدلاً؟

****************************

قال أبو جعفر

وأما الذي قاله مـجاهد وأبو صالـح من أن معنى ذلك لا تتعجل الرزق الـحرام قبل مـجيء الـحلال، فإنهما أيضاً إن لـم يكونا أرادا بذلك نـحو القول الذي روي عن ابن مسعود أنه قال: إن الرجل لـيحرم الرزق بـالـمعصية يأتـيها، ففساده نظير فساد قول ابن زيد، لأن من استعجل الـحرام فأكله، ثم آتاه الله رزقه الـحلال فلـم يبدّل شيئاً مكان شيء، وإن كانا أرادا بذلك أن الله جلّ ثناؤه نهى عبـاده أن يستعجلوا الـحرام فـيأكلوه قبل مـجيء الـحلال، فـيكون أكلهم ذلك سببـاً لـحرمان الطيب منه، فذلك وجه معروف، ومذهب معقول يحتـمله التأويـل، غير أن الأشبه فـي ذلك بتأويـل الآية ما قلنا، لأن ذلك هو الأظهر من معانـيه، لأن الله جلّ ثناؤه إنـما ذكر ذلك فـي قصة أموال الـيتامى وأحكامها، فلا يكون ذلك من جنس حكم أوّل الآية، فأخرجها من أن يكون من غير جنسه.

********************************

قال أبو جعفر رحمه الله :
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ }.

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: ولا تـخـلطوا أموالهم ـ يعنـي: أموال الـيتامى بأموالكم ـ فتأكلوها مع أموالكم.

**********************


القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً }.
قال أبو جعفر:

يعنـي تعالـى ذكره (بقوله): { إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } إن أكلكم أموال أيتامكم مع أموالكم حوب كبـير. والهاء فـي قوله «إنَّهُ» دالة علـى اسم الفعل، أعنـي الأكل.
وأما الـحُوب: فإنه الإثم، يقال منه: حاب الرجل يحوب حَوْبـاً وَحُوبـاً وحيابة، ويقال منه: قد تـحوّب الرجل من كذا، إذا تأثم منه. ومنه قول أمية بن الأسكر الليثي


:وإنَّ مُهاجِرَيْنِ تَكَنَّفـاهُ غَدَاة ئِذٍ لقَدْ خَطِئا وَحابـا


ومنه قـيـل: نزلنا بَحوْبة من الأرض وبحيبة من الأرض: إذا نزلوا بـموضع سَوء منها. والكبـير: العظيـم، فمعنى ذلك: إن أكلكم أموال الـيتامى مع أموالكم، إثم عند الله عظيـم.

**************************




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:18 pm

تأويل سورة النّساء Attachment

قال تعالى

{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ }3 النساء


قال أبو جعفر رحمه الله

: اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وإن خفتـم يا معشر أولـياء الـيتامى ألا تقسطوا فـي صداقهنّ فتعدلوا فـيه، وتبلغوا بصداقهنّ صدقات أمثالهنّ، فلا تنكحوهنّ، ولكن انكحوا غيرهنّ من الغرائب اللواتـي أحلهنّ الله لكم وطيبهنّ من واحدة إلـى أربع. وإن خفتـم أن تـجوروا إذا نكحتـم من الغرائب أكثر من واحدة، فلا تعدلوا، فـانكحوا منهنّ واحدة، أو ما ملكت أيـمانكم.

********************************
قال أبو جعفر رحمه الله

قال أبو جعفر: فعلـى هذا التأويـل جواب قوله: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ } قوله: { فَٱنكِحُواْ }.

************************

وقال آخرون: بل معنى ذلك: النهي عن نكاح ما فوق الأربع، حذراً علـى أموال الـيتامى أن يتلفها أولـياؤهم، وذلك أن قريشاً، كان الرجل منهم يتزوّج العشر من النساء، والأكثر، والأقلّ، فإذا صار معدماً، مال علـى مال يتـيـمه الذي فـي حجره، فأنفقه، أو تزوّج به، فنهوا عن ذلك؛ وقـيـل لهم: إن أنتـم خفتـم علـى أموال أيتامكم أن تنفقوها، فلا تعدلوا فـيها من أجل حاجتكم إلـيها، لـما يـلزمكم من مؤن نسائكم، فلا تـجاوزوا فـيـما تنكحون من عدد النساء علـى أربع، وإن خفتـم أيضاً من الأربع ألا تعدلوا فـي أموالهم فـاقتصروا علـى الواحدة، أو علـى ما ملكت أيـمانكم.

*********************************


وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن القوم كانوا يتـحوّبون فـي أموال الـيتامى ألا يعدلوا فـيها، ولا يتـحوّبون فـي النساء ألا يعدلوا فـيهنّ، فقـيـل لهم: كما خفتـم أن لا تعدلوا فـي الـيتامى، فكذلك فخافوا فـي النساء أن لا تعدلوا فـيهنّ، ولا تنكحوا منهنّ إلا من واحدة إلـى الأربع، ولا تزيدوا علـى ذلك، وأن خفتـم ألا تعدلوا أيضاً فـي الزيادة علـى الواحدة، فلا تنكحوا إلا ما لا تـخافون أن تـجوروا فـيهنّ من واحدة أو ما ملكت أيـمانكم.


****************************
*****************************
وقال آخرون: معنى ذلك: فكما خفتـم فـي الـيتامى، فكذلك فتـخوفوا فـي النساء أن تزنوا بهنّ، ولكن انكحوا ما طاب لكم من النساء.

***********************************
قال أبو جعفر:
وأولـى الأقوال التـي ذكرناها فـي ذلك بتأويـل الآية قول من قال: تأويـلها: وإن خفتـم ألا تقسطوا فـي الـيتامى، فكذلك فخافوا فـي النساء، فلا تنكحوا منهنّ إلا ما لا تـخافون أن تـجوروا فـيه منهنّ من واحدة إلا الأربع، فإن خفتـم الـجور فـي الواحدة أيضاً فلا تنكحوها، ولكن علـيكم بـما ملكت أيـمانكم، فإنه أحرى أن لا تـجوروا علـيهنّ.

وإنـما قلنا: إن ذلك أولـى بتأويـل الآية، لأن الله جلّ ثناؤه افتتـح الآية التـي قبلها بـالنهي عن أكل أموال الـيتامى بغير حقها، وخـلطها بغيرها من الأموال، فقال تعالـى ذكره:
{ وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً }
ثم أعلـمهم أنهم إن اتقوا الله فـي ذلك فتـحرّجوا فـيه، فـالواجب علـيهم من اتقاء الله، والتـحرّج فـي أمر النساء مثل الذي علـيهم من التـحرّج فـي أمر الـيتامى، وأعلـمهم كيف التـخـلص لهم من الـجور فـيهنّ، كما عرّفهم الـمخـلص من الـجور فـي أموال الـيتامى، فقال: انكحوا إن أمنتـم الـجور فـي النساء علـى أنفسكم، ما أبحت لكم منهنّ وحللته، مثنى وثلاث وربـاع، فإن خفتـم أيضاً الـجور علـى أنفسكم فـي أمر الواحدة بأن تقدروا علـى إنصافها، فلا تنكحوها، ولكن تسرّوا من الـمـمالـيك، فإنكم أحرى أن لا تـجوروا علـيهنّ، لأنهنّ أملاككم وأموالكم، ولا يـلزمكم لهنّ من الـحقوق كالذي يـلزمكم للـحرائر، فـيكون ذلك أقرب لكم إلـى السلامة من الإثم والـجور، ففـي الكلام إذ كان الـمعنى ما قلنا، متروك استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره. وذلك أن معنى الكلام: وإن خفتـم ألا تقسطوا فـي أموال الـيتامى فتعدّلوا فـيها، فكذلك فخافوا ألا تقسطوا فـي حقوق النساء التـي أوجبها الله علـيكم، فلا تتزّوّجوا منهنّ إلا ما أمنتـم معه الـجور، مثنى وثلاث وربـاع، وإن خفتـم أيضاً فـي ذلك فواحدة، وإن خفتـم فـي الواحدة فما ملكت أيـمانكم فترك ذكر قوله فكذلك فخافوا أن تقسطوا فـي حقوق النساء بدلالة ما ظهر من قوله تعالـى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ }.

***************************
قال أبو جعفر رحمه الله
فإن قال قائل: فأين جواب قوله: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ }؟ قـيـل: قوله: { فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ } غير أن الـمعنى الذي يدلّ علـى أن الـمراد بذلك ما قلنا: قوله: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ }.

وقد بـينا فـيـما مضى قبل أن معنى الإقساط فـي كلام العرب: العدل والإنصاف، وأن القسط: الـجور والـحيف، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وأما الـيتامى، فإنها جمع لذكران الأيتام وإناثهم فـي هذا الـموضع. وأما قوله: { فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَاءِ } فإنه يعنـي: فـانكحوا ما حلّ لكم منهنّ دون ما حرّم علـيكم منهنّ.

********************************
قال أبو جعفر رحمه الله
فإن قال قائل: وكيف قـيـل: { فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنِّسَاء } ولـم يقل: فـانكحوا من طاب لكم، وإنـما يقال ما فـي غير الناس؟ قـيـل: معنى ذلك علـى غير الوجه الذي ذهبت إلـيه، وإنـما معناه: فـانكحوا نكاحاً طيبـاً.


فـالـمعنـيّ بقوله: { مَا طَابَ لَكُمْ } الفعل دون أعيان النساء وأشخاصهنّ، فلذلك قـيـل «ما» ولـم يقل «من»، كما يقال: خذ من رقـيقـي ما أردت إذا عنـيت، خذ منهم إرادتك، ولو أردت خذ الذي تريد منهم لقلت: خذ من رقـيقـي من أردت منهم. وكذلك قوله: { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } بـمعنى: أو ملك أيـمانكم. وإنـما معنى قوله: { فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنِّسَاء مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } فلـينكح كل واحد منكم مثنى وثلاث وربـاع، كما قـيـل:
{ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً }

*********************************




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:19 pm


القول في تأويل قوله ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً )
قال أبو جعفر رحمه الله :

يعني بذلك تعالى ذكره: وأعطوا النساء مهورهن عطيّة واجبة، وفريضة لازمة.
* * *
يقال منه: " نَحَل فلان فلانًا كذا فهو يَنْحَله نِحْلة ونُحْلا "، .
* * *
وقال آخرون: بل عنى بقوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "، أولياء النساء، وذلك أنهم كانوا يأخذون صَدقاتهن.
.
* * *
وقال آخرون: بل كان ذلك من أولياء النساء، بأن يعطى الرجل أخته لرجل، على أن يعطيه الآخر أخته، على أن لا كثير مهر بينهما، فنهوا عن ذلك.
* * *
قال أبو جعفر:

وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك، التأويل الذي قلناه. وذلك أن الله تبارك وتعالى ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساءَ، ونهاهم عن ظلمهنّ والجور عليهن، وعرّفهم سبيلَ النجاة من ظلمهنّ. ولا دلالة في الآية على أن الخطاب قد صُرِف عنهم إلى غيرهم. فإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين قيل لهم: ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ )، هم الذين قيل لهم: " وآتوا النساء صدقاتهن "= وأن معناه: وآتوا من نكحتم من النساء صدقاتهن نحلة، لأنه قال في أوّل [الآية]Sad فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) ، ولم يقل: " فأنكحوا "، فيكون قوله: " وآتوا النساء صدقاتهن "، مصروفًا إلى أنه معنيّ به أولياء النساء دون أزواجهن.

وهذا أمرٌ من الله أزواجَ النساء المدخول بهن والمسمَّى لهن الصداق، أن يؤتوهن صدُقاتهن، دون المطلقات قبل الدخول ممن لم يسمّ لها في عقد النكاح صداق.
* * *
القول في تأويل قوله Sad فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا )(4)
قال أبو جعفر:

يعني بذلك جل ثناؤه: فإن وهب لكم، أيها الرجال، نساؤكم شيئًا من صدقاتهن، طيبة بذلك أنفسهن، فكلوه هنيئًا مريئًا،

* * *
وقال آخرون: بل عنى بهذا القول أولياء النساء، فقيل لهم: إن طابت أنفس النساء اللواتي إليكم عصمة نكاحهن، بصدقاتهن نفسًا، فكلوه هنيئًا مريئًا.
*مريئًا ".
* * *
قال أبو جعفر

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، التأويلُ الذي قلنا= وأن الآية مخاطب بها الأزواج. لأن افتتاح الآية مبتدأ بذكرهم، وقوله: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا " في سياقه.
* * *

وإن قال قائل: فكيف قيل: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا "، وقد علمت أنّ معنى الكلام: فإن طابت لكم أنفسهن بشيء؟ وكيف وُحِّدت " النفس "، والمعنى للجميع؟ وذلك أنه تعالى ذكره قالSad وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً .)

قيل: أما نقل فعل النفوس إلى أصحاب النفوس، فإن ذلك المستفيض في كلام العرب. من كلامها المعروف:
" ضِقت بهذا الأمر ذراعًا وذرعًا "=" وقررت بهذا الأمر عينًا
والمعنى! ضاق به ذرعي، وقرّت به عيني، كما قال الشاعر:
إِذَا التَيَّــازُ ذُو العَضَــلاتِ قُلْنَــا:

إلَيْـكَ إلَيْـكَ ! ضَـاقَ بِهـا ذِرَاعَـا


فنقل صفة " الذراع " إلى " رب الذراع "، ثم أخرج " الذراع " مفسِّرة لموقع الفعل.
وكذلك وحد " النفس " في قوله: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا " إذ كانت " النفس " مفسِّرة لموقع الخبر.
* * *
قال أبو جعفر"

وأما توحيد " النفس " من النفوس، لأنه إنما أراد " الهوى "، و " الهوى " يكون جماعة، كما قال الشاعر:
بهَـا جِـيَفُ الحَسْـرَى، فَأَمَّـا عِظَامُهَا

فَبِيــضٌ، وأمّــا جِلْدُهَـا فَصَلِيـب

وكما قال الآخر:
فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شَجِينَا

* * *

قال أبو جعفر رحمه الله "
وقال بعض نحويي الكوفة: جائز في" النفس " في هذا الموضع الجمع والتوحيد،" فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا " و " أنفسًا "، و " ضقت به ذراعًا " و " ذَرْعًا " و " أذْرُعًا "، لأنه منسوب إليك وإلى من تخبر عنه، فاكتفى بالواحد عن الجمع لذلك، ولم يذهب الوهم إلى أنه ليس بمعنى جمع، لأن قبله جمعًا.
* * *
قال أبو جعفر

: والصواب من القول في ذلك عندنا، أن " النفس " وقع موقع الأسماء التي تأتي بلفظ الواحد، مؤدِّيةً معناه إذا ذكر بلفظ الواحد، وأنه بمعنى الجمع عن الجميع.
* * *
وأما قوله: " هنيئًا "، فإنه مأخوذ من: " هنأت البعير بالقَطِران "، إذا جَرِب فعُولج به، كما قال الشاعر:
مُتَبَــــذِّلا تَبْـــدُو مَحَاسِـــنُهُ

يَضَــعُ الهِنَــاء مَــوَاضِعَ النُّقْـبِ

* * *
فكأنّ معنى قوله: " فكلوه هنيئًا مريئًا "، فكلوه دواء شافيًا.
* * *
قال أبو جعفر"
يقال منه: " هنأني الطعام ومرَأني"، أي صار لي دواء وعلاجًا شافيًا،" وهنِئني ومرِئني" بالكسر، وهي قليلة. والذين يقولون هذا القول، يقولون: " يهنَأني ويمرَأني"، والذين يقولون: " هَنَأني" يقولون: " يَهْنِيني وَيمْريني". فإذا أفردوا قالوا: " قد أمرأني هذا الطعام إمراء ". ويقال: " هَنَأت القوم " إذا عُلتهم، سمع من العرب من يقول: " إنما سميت هانئًا لتهنأ "، بمعنى: لتعول وتكفي.
* * *
القول في تأويل قوله : ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ )

قال أبو جعفر:

اختلف أهل التأويل في" السفهاء " الذين نهى الله جل ثناؤه عباده أن يؤتوهم أموالهم.
فقال بعضهم: هم النساء والصبيان.
*. وقد ذكر أن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 قال: " اتقوا الله في الضعيفين، اليتيم والمرأة ".
.
* * *
وقال آخرون: بل " السفهاء "، الصبيان خاصة.

** * *
وقال آخرون: بل عنى بذلك: السفهاء من ولد الرجل.
* * *
وقال آخرون: بل " السفهاء " في هذا الموضع، النساء خاصة دون غيره.

* * *
وقال أبو جعفر:

والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا، أن الله جل ثناؤه عم بقوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، فلم يخصص سفيهًا دون سفيه. فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهًا ماله، صبيًا صغيرًا كان أو رجلا كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى.
و " السفيه " الذي لا يجوز لوليه أن يؤتِّيه ماله، هو المستحقُّ الحجرَ بتضييعه مالَه وفسادِه وإفسادِه وسوء تدبيره ذلك.
وإنما قلنا ما قلنا، من أن المعنيَّ بقوله: " ولا تؤتوا السفهاء " هو من وصفنا دون غيره، لأن الله جل ثناؤه قال في الآية التي تتلوها: ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ،)

فأمر أولياء اليتامى بدفع أموالهم إليهم إذا بلغوا النكاح وأونس منهم الرشد، وقد يدخل في" اليتامى " الذكور والإناث، فلم يخصص بالأمر بدفع ما لَهُم من الأموال، الذكورَ دون الإناث، ولا الإناث دون الذكور.
وإذْ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذين أمر أولياؤهم بدفعهم أموالهم، إليهم، وأجيز للمسلمين مبايعتهم ومعاملتهم، غير الذين أمر أولياؤهم بمنعهم أموالهم، وحُظِر على المسلمين مداينتهم ومعاملتهم.
فإذْ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن " السفهاء " الذين نهى الله المؤمنين أن يؤتوهم أموالهم، هم المستحقون الحجرَ والمستوجبون أن يُولى عليهم أموالهم، وهم من وصفنا صفتهم قبل، وأن من عدا ذلك فغير سفيه، لأن الحجر لا يستحقه من قد بلغ وأونس رشده.
* * *
وأما قول من قال: " عنى بالسفهاء النساء خاصة "، فإنه جعل اللغة على غير وجهها. وذلك أن العرب لا تكاد تجمع " فعيلا " على " فُعَلاء " إلا في جمع الذكور، أو الذكور والإناث. وأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهم، جمعوه على: " فعائل " و " فعيلات "، مثل: " غريبة "، تجمع " غرائب " و " غريبات "، فأما " الغُرَباء "، فجمع " غريب ".
* * *

قال أبو جعفر
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا وارْزُقوهم فيها واكسوهم
فقال بعضهم: عنى بذلك: لا تؤتوا السفهاء من النساء والصبيان= على ما ذكرنا من اختلاف من حكينا قوله قبل= أيها الرشداء، أموالكم التي تملكونها، فتسلِّطوهم عليها فيفسدوها ويضيعوها، ولكن ارزقوهم أنتم منها إن كانوا ممن تلزمكم نفقته، واكسوهم، وقولوا لهم قولا معروفًا.
وقد ذكرنا الرواية عن جماعة ممن قال ذلك، منهم: أبو موسى الأشعري، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وحضرمي، وسنذكر قول الآخرين الذين لم يذكر قولهم فيما مضى قبل.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: " ولا تؤتوا السفهاء أموالهم "، ولكنه أضيف إلى الولاة، لأنهم قُوَّامها ومدبِّروها.
* * *
*
* * *
قال أبو جعفر:

وقد يدخل في قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، أموالُ المنهيِّين عن أن يؤتوهم ذلك، وأموال " السفهاء ". لأن قوله: " أموالكم " غير مخصوص منها بعض الأموال دون بعض. ولا تمنع العرب أن تخاطب قومًا خِطابًا، فيخرج الكلام بعضه خبر عنهم، وبعضه عن غُيَّب، وذلك نحو أن يقولوا: " أكلتم يا فلان أموالكم بالباطل "، فيخاطب الواحد خطاب الجمع، بمعنى: أنك وأصحابك أو وقومك أكلتم أموالكم. فكذلك قوله: " ولا تؤتوا السفهاء "، معناه: لا تؤتوا أيها الناس، سفهاءكم أموالكم التي بعضها لكم وبعضها لهم، فيضيعوها.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد عم بالنهي عن إيتاء السفهاء الأموال كلَّها، ولم يخصص منها شيئا دون شيء، كان بيِّنًا بذلك أن معنى قوله: " التي جعل الله لكم قيامًا "، إنما هو التي جعل الله لكم ولهم قيامًا، ولكن السفهاء دخل ذكرهم في ذكر المخاطبين بقوله: " لكم ".
* * *
قال أبو جعفر "

وأما قوله: " التي جعل الله لكم قيامًا "، فإن " قيامًا " و " قِيَمًا " و " قِوَامًا " في معنى واحد. وإنما " القيام " أصله " القوام "، غير أن " القاف " التي قبل " الواو " لما كانت مكسورة، جعلت " الواو "" ياء " لكسرة ما قبلها، كما يقال: " صُمْت صيامًا "،" وصُلْت صِيالا "، ويقال منه: " فلان قوام أهل بيته " و " قيام أهل بيته ".
* * *

قال أبو جعفر
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأ بعضهم: ( التي جعل الله لكم قِيَمًا ) بكسر " القاف " وفتح " الياء " بغير " ألف ".
وقرأه آخرون: " قِيَامًا " بألف.
* * *
قال محمد: والقراءة التي نختارها: " قِيَامًا " بالألف، لأنها القراءة المعروفة في قراءة أمصار الإسلام، وإن كانت الأخرى غير خطأ ولا فاسد. وإنما اخترنا ما اخترنا من ذلك، لأن القراآت إذا اختلفت في الألفاظ واتفقت في المعاني، فأعجبها إلينا ما كان أظهر وأشهر في قَرَأة أمصار الإسلام.
* * *

* * *
قال أبو جعفر
وأما قوله: " وارزقوهم فيها واكسوهم "، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فأما الذين قالوا: إنما عنى الله جل ثناؤه بقوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، [أموالَ] أولياء السفهاء، لا أموال السفهاء، = فإنهم قالوا: " معنى ذلك: وارزقوا، أيها الناس، سفهاءكم من نسائكم وأولادكم، من أموالكم طعامهم، وما لا بد لهم منه من مُؤَنهم وكسوتهم ".

* * *

قال أبو جعفر رحمه الله
وأما الذين قالوا: إنما عنى بقوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، أموالَ السفهاء أن لا يؤتيهموها أولياؤهم "، فإنهم قالوا: " معنى قوله: " وارزقوهم فيها واكسوهم "، وارزقوا، أيها الولاة ولاةَ أموال السفهاء، سفهاءكم من أموالهم، طعامهم وما لا بد لهم من مؤنهم وكسوتهم. وقد مضى ذكر ذلك.
* * *
.
* * *
قال أبو جعفر
فتأويل قوله: " وارزقوهم فيها واكسوهم "، على التأويل الذي قلنا في قوله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "= وأنفقوا على سفهائكم من أولادكم ونسائكم الذين تجب عليكم نفقتهم من طعامهم وكسوتهم في أموالكم، ولا تسلِّطوهم على أموالكم فيهلكوها= وعلى سفهائكم منهم، ممن لا تجب عليكم نفقته، ومن غيرهم الذين تَلُون أنتم أمورهم، من أموالهم فيما لا بد لهم من مؤنهم في طعامهم وشرابهم وكسوتهم. لأن ذلك هو الواجب من الحكم في قول جميع الحجة، لا خلاف بينهم في ذلك، مع دلالة ظاهر التنـزيل على ما قلنا في ذلك.
* * *




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:22 pm


تأويل سورة النّساء Attachment

__________________________________________________ ______

القول في تأويل قوله : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ( 5 )
قال أبو جعفر:
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:
فقال بعضهم: معنى ذلك: عِدْهم عِدَة جميلة من البرِّ والصلة.
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ادعوا لهم.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصحة، ما قاله ابن جريج. وهو أن معنى قوله: « وقولوا لهم قولا معروفًا » ، أي: قولوا، يا معشر ولاة السفهاء، قولا معروفًا للسفهاء: « إن صَلحتم ورشدتم سلَّمنا إليكم أموالكم، وخلَّينا بينكم وبينها، فاتقوا الله في أنفسكم وأموالكم » ، وما أشبه ذلك من القول الذي فيه حث على طاعة الله، ونهي عن معصيته.

__________________________________________________ ______

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ
قال أبو جعفر:
يعني تعالى ذكره بقوله: « وابتلوا اليتامى » ، واختبروا عقول يتاماكم في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم،
__________________________________________________ ______
قال أبو جعفر: وقد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى « الابتلاء » الاختبار، بما فيه الكفاية عن إعادته.

__________________________________________________ ______

وأمّا قوله: « إذا بلغوا النكاح » ، فإنه يعني: إذا بلغوا الحلم:
__________________________________________________ ______

القول في تأويل قوله : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا
قال أبو جعفر: يعني قوله: « فإن آنستم منهم رُشدًا » ، فإن وجدتم منهم وعرفتم،
_________
يقال: « آنست من فلان خيرًا- وبِرًا » بمد الألف « إيناسًا » ، و « أنست به آنَسُ أُنْسًا » ، بقصر ألفها، إذا ألِفه.
وقد ذكر أنها في قراءة عبدالله: ( فإن أحسيتم منهم رشدا ) ، بمعنى: أحسستم، أي: وجدتم.

__________________________________________________ ______
واختلف أهل التأويل في معنى: « الرشد » الذي ذكره الله في هذه الآية.
فقال بعضهم: معنى « الرشد » في هذا الموضع، العقل والصلاح في الدين.

وقال آخرون: معنى ذلك: صلاحًا في دينهم، وإصلاحًا لأموالهم.

وقال آخرون: بل ذلك العقلُ، خاصة.


وقال آخرون: بل هو الصلاح والعلم بما يصلحه.

__________________________________________________ ______
.
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بمعنى « الرشد » في هذا الموضع، العقل وإصلاح المال لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك، لم يكن ممن يستحق الحجرَ عليه في ماله، وحَوْزَ ما في يده عنه، وإن كان فاجرًا في دينه. وإذْ كان ذلك إجماعًا من الجميع، فكذلك حكمه إذا بلغ وله مال في يَدي وصيِّ أبيه، أو في يد حاكم قد وَلي ماله لطفولته واجبٌ عليه تسليم ماله إليه، إذا كان عاقلا بالغًا، مصلحًا لماله غير مفسد، لأن المعنى الذي به يستحق أن يولَّى على ماله الذي هو في يده، هو المعنى الذي به يستحق أن يمنع يده من ماله الذي هو في يد وليّ، فإنه لا فرق بين ذلك.
وفي إجماعهم على أنه غير جائز حيازة ما في يده في حال صحة عقله وإصلاح ما في يده، الدليلُ الواضح على أنه غير جائز منْع يده مما هو له في مثل ذلك الحال، وإن كان قبل ذلك في يد غيره، لا فرْق بينهما. ومن فرَّق بين ذلك، عُكِس عليه القول في ذلك، وسئل الفرق بينهما من أصل أو نظير، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
فإذ كان ما وصفنا من الجميع إجماعًا، فبيُّنٌ أن « الرشد » الذي به يستحق اليتيم، إذا بلغ فأونس منه، دَفْعَ ماله إليه، ما قلنا من صحة عقله وإصلاح ماله.

__________________________________________________ ______

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا
قال أبو جعفر:
يعني بذلك تعالى ذكره ولاةَ أموال اليتامى. يقول الله لهم: فإذا بلغ أيتامكم الحلم، فآنستم منهم عقلا وإصلاحًا لأموالهم، فادفعوا إليهم أموالهم، ولا تحبسوها عنهم.
وأما قوله: « فلا تأكلوها إسرافًا » ، يعني: بغير ما أباحه الله لك،
_________________
وأصل « الإسراف » : تجاوز الحد المباح إلى ما لم يُبَحْ. وربما كان ذلك في الإفراط، وربما كان في التقصير. غير أنه إذا كان في الإفراط، فاللغة المستعملة فيه أن يقال: « أسْرف يُسرف إسرافًا » وإذا كان كذلك في التقصير، فالكلام منه: « سَرِف يَسْرَفُ سَرَفًا » ، يقال: « مررت بكم فسَرَفْتكم » ، يراد منه: فسهوت عنكم وأخطأتكم، كما قال الشاعر:
أَعْطَــوْا هُنَيْــدَةَ يَحْدُوهَـا ثَمَانِيَـةٌ مَـا فِـي عَطَـائِهِمُ مَـنٌّ وَلا سَـرَفُ
يعني بقوله: « ولا سرف » ، لا خطأ فيه، يراد به: أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطئونها.

__________________________________________________ ______

القول في تأويل قوله : وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا
قال أبو جعفر:
يعني جل ثناؤه بقوله: « وبدارًا » ، ومبادرة. وهو مصدر من قول القائل: « بادرت هذا الأمر مبادرة وبِدارًا » .
وإنما يعني بذلك جل ثناؤه ولاةَ أموال اليتامى. يقول لهم: لا تأكلوا أموالهم إسرافًا - يعني ما أباح الله لكم أكله- ولا مبادرة منكم بلوغَهم وإيناسَ الرشد منهم، حذرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمه إليهم، كما:-
.
___________
وموضع « أن » في قوله: « أن يكبروا » نصبٌ بـ « المبادرة » ، لأن معنى الكلام: لا تأكلوها مبادرة كِبرهم.

__________________________________________________ ______

القول في تأويل قوله : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « ومن كان غنيًّا » ، من ولاة أموال اليتامى على أموالهم، فليستعفف بماله عن أكلها - بغير الإسراف والبدار أن يكبروا- بما أباح الله له أكلها به، كما:-
حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش وابن أبي ليلى، عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس في قوله: « ومن كان غنيًّا فليستعفف » ، قال: بغناه من ماله، حتى يستغنى عن مال اليتيم.
وبه قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: « ومن كان غنيًّا فليستعفف » بغناه.

__________________________________________________ ______
قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في « المعروف » الذي أذن الله جل ثناؤه لولاة أموالهم أكلها به، إذا كانوا أهل فقر وحاجة إليها.
فقال بعضهم: ذلك هو القرضُ يستقرضه من ماله ثم يقضيه.

__________________________________________________ ______

واختلف قائلو هذا القول في معنى: « أكل ذلك بالمعروف » .
فقال بعضهم: أن يأكل من طعامه بأطراف الأصابع، ولا يلبس منه.
.
وقال آخرون: بل « المعروف » في ذلك: أن يأكل ما يسدُّ جوعه، ويلبس ما وارَى العورة.
.
وقال آخرون: بل ذلك « المعروف » ، أكل تمْره، وشرب رِسْل ماشيته، بقيامه على ذلك، فأما الذهب والفضة، فليس له أخذ شيء منهما إلا على وجه القرض.

وقال آخرون منهم: له أن يأكل من جميع المال، إذا كان يلي ذلك، وإن أتى على المال، ولا قضاء عليه.

قال أبو جعفر:
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: « المعروف » الذي عناه الله تبارك وتعالى في قوله: « ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف » ، أكل مال اليتيم عند الضرورة والحاجة إليه، على وجه الاستقراض منه فأما على غير ذلك الوجه، فغير جائز له أكله.

وذلك أن الجميع مجمعون على أن والي اليتيم لا يملك من مال يتيمه إلا القيام بمصلحته. فلما كان إجماعًا منهم أنه غير مالكه، وكان غيرَ جائز لأحد أن يستهلك مال أحد غيره، يتيمًا كان ربُّ المال أو مدركًا رشيدًا وكان عليه إن تعدَّى فاستهلكه بأكل أو غيره، ضمانه لمن استهلكه عليه، بإجماع من الجميع وكان والي اليتيم سبيلُه سبيل غيره في أنه لا يملك مال يتيمه كان كذلك حكمه فيما يلزمه من قضائه إذا أكل منه، سبيلُه سبيلُ غيره، وإن فارقه في أنّ له الاستقراضَ منه عند الحاجة إليه، كما له الاستقراض عليه عند حاجته إلى ما يستقرض عليه، إذا كان قيِّمًا بما فيه مصلحته.
ولا معنى لقول من قال: « إنما عنى بالمعروف في هذا الموضع، أكل والي اليتيم من مال اليتيم، لقيامه عليه على وجه الاعتياض على عَمله وسعيه » . لأنّ لوالي اليتيم أن يؤاجر نفسه منه للقيام بأموره، إذا كان اليتيم محتاجًا إلى ذلك بأجرة معلومة، كما يستأجر له غيره من الأجَراء، وكما يشتري له مَن يعينه، غنيًّا كان الوالي أو فقيرًا.

وإذ كان ذلك كذلك وكان الله تعالى ذكره قد دل بقوله: « ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف » ، على أن أكل مال اليتيم إنما أذن لمن أذن له من وُلاته في حال الفقر والحاجة وكانت الحالُ التي للولاة أن يُؤجروا أنفسهم من الأيتام مع حاجة الأيتام إلى الأجراء، غير مخصوص بها حال غِنًى ولا حال فقر كان معلومًا أن المعنى الذي أبيح لهم من أموال أيتامهم في كل أحوالهم، غير المعنى الذي أبيح لهم ذلك فيه في حال دون حال.

__________________________________________________ ______

ومن أبى ما قلنا، ممن زعم أن لولي اليتيم أكل مال يتيمه عند حاجته إليه على غير وجه القرض، استدلالا بهذه الآية قيل له: أمجمَعٌ على أن الذي قلت تأويل قوله: « ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف » ؟
فإن قال: لا!
قيل له: فما برهانك على أن ذلك تأويله، وقد علمت أنه غيرُ مالك مالَ يتيمه؟
فإن قال: لأن الله أذن له بأكله!
قيل له: أذن له بأكله مطلقًا أم بشرط؟
فإن قال: بشرطٍ، وهو أن يأكله بالمعروف.
قيل له: وما ذلك « المعروف » ؟ وقد علمت القائلين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين أن ذلك هو أكله قرضًا وسلَفًا؟
ويقال لهم أيضًا مع ذلك: أرأيت المولَّى عليهم في أموالهم من المجانين والمعاتيه، ألولاة أموالهم أن يأكلوا من أموالهم عند حاجتهم إليه على غير وجه القرض لا الاعتياض من قيامهم بها، كما قلتم ذلك في أموال اليتامى فأبحتموها لهم؟ فإن قالوا: ذلك لهم خرجوا من قول جميع الحجة.
وإن قالوا: ليس ذلك لهم.
قيل لهم: فما الفرق بين أموالهم وأموال اليتامى، وحكمُ ولاتهم واحدٌ: في أنهم ولاة أموال غيرهم؟
فلن يقولوا في أحدهما شيئًا إلا ألزموا في الآخر مثله.
ويُسألون كذلك عن المحجور عليه: هل لمن يلي ماله أن يأكل ماله عند حاجته إليه؟ نحو سؤالِنَاهُمْ عن أموال المجانين والمعاتيه.

__________________________________________________ ______

القول في تأويل قوله عز وجل : فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ
قال أبو جعفر:
يعني بذلك جل ثناؤه: وإذا دفعتم، يا معشرَ ولاة أموال اليتامى، إلى اليتامى أموالهم « فأشهدوا عليهم » ، يقول: فأشهدوا على الأيتام باستيفائهم ذلك منكم، ودفعكموه إليهم، كما:-
حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم » ، يقول: إذا دفع إلى اليتيم ماله، فليدفعه إليه بالشهود، كما أمره الله تعالى.

__________________________________________________ ______

القول في تأويل قوله : وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ( 6 )
قال أبو جعفر:
يقول تعالى ذكره: وكفى بالله كافيًا من الشهود الذين يشهدهم والي اليتيم على دفعه مال يتيمه إليه،
_____
يقال منه: « قد أحسبني الذي عندي » ، يراد به: كفاني. وسمع من العرب: « لأحْسِبَنَّكم من الأسودين » يعني به: من الماء والتمر « والمُحْسِب » من الرجال: المرتفع الحسب، « والمُحْسَب » ، المكفِيُّ.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:22 pm


القول في تأويل قوله : لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ( 7 )
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: للذكور من أولاد الرجل الميِّت حصة من ميراثه، وللإناث منهم حصة منه، من قليل ما خلَّف بعده وكثيره، حصة مفروضة، واجبةٌ معلومة مؤقتة.
وذكر أن هذه الآية نـزلت من أجل أن أهل الجاهلية كانوا يُورِّثون الذكور دون الإناث،

# عن عكرمة قال: نـزلت في أم كحلة وابنة كَحْلة، وثعلبة وأوس بن سويد، وهم من الأنصار. كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها، فقالت: يا رسول الله، توفي زوجي وتركني وابنته، فلم نورَّث! فقال عم ولدها: يا رسول الله، لا تركب فرسًا، ولا تحمل كلا ولا تنكى عدوًّا، يكسب عليها ولا تكتسب! فنـزلت: « للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلَّ منه أو كثر نصيبًا مفروضًا » .

________________________

قال أبو جعفر:
ونصب قوله: « نصيبًا مفروضًا » ، وهو نعت للنكرة، لخروجه مخرجَ المصدر، كقول القائل: « لك عليّ حقّ واجبًا » . ولو كان مكان قوله: « نصيبًا مفروضًا » اسم صحيح، لم يجز نصبه. لا يقال: « لك عندي حق درهمًا » فقوله: « نصيبًا مفروضًا » ، كقوله: نصيبًا فريضة وفرضًا، كما يقال: « عندي درهم هبةً مقبوضة » .

_______________________________

تم الجزء السابع من تفسير الطبري
ويليه الجزء الثامن، وأوّله
________________________________________________


القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ( 8 )
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في حكم هذه الآية، هل هو محكم أو منسوخ؟
فقال بعضهم: هو محكم.


________________________________________________

وقال آخرون: منسوخة.

وقال آخرون: هي محكمة وليست بمنسوخة، غير أن معنى ذلك: « وإذا حضر القسمة » ، يعني بها قسمة الميت ماله بوصيته لمن كان يوصي له به . قالوا: وأمر بأن يجعل وصيته في ماله لمن سماه الله تعالى في هذه الآية.
ذكر من قال ذلك:


________________________________________________

قال أبو جعفر:
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: هذه الآية محكمة غير منسوخة، وإنما عنى بها الوصية لأولي قربى الموصي وعنى باليتامى والمساكين: أن يقال لهم قول معروف.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة من غيره، لما قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره، أن شيئا من أحكام الله تبارك وتعالى التي أثبتها في كتابه أو بيَّنها على لسان رسوله تأويل سورة النّساء Salla2، غير جائز فيه أن يقال له ناسخ لحكم آخر، أو منسوخ بحكم آخر، إلا والحكمان اللذان قضى لأحدهما بأنه ناسخ والآخر بأنه منسوخ ناف كل واحد منهما صاحبه، غيرُ جائز اجتماع الحكم بهما في وقت واحد بوجه من الوجوه، وإن كان جائزًا صرفه إلى غير النسخ أو تقولَ بأن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ، حجة يجب التسليم لها.

________________________________________________

وإذْ كان ذلك كذلك، لما قد دللنا في غير موضع وكان قوله تعالى ذكره: « وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه » ، محتملا أن يكون مرادا به: وإذا حضر قسمة مال قاسمٍ مالَه بوصيةٍ، أولو قرابته واليتامى والمساكين، فارزقوهم منه - يراد: فأوصوا لأولي قرابتكم الذين لا يرثونكم منه، وقولوا لليتامى والمساكين قولا معروفًا، كما قال في موضع آخر: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ] سورة البقرة: 180 ] ، ولا يكون منسوخا بآية الميراث لم يكن لأحد صرفه إلى أنه منسوخ بآية الميراث، إذ كان لا دلالة على أنه منسوخ بها من كتاب أو سنة ثابتة، وهو محتمل من التأويل ما بينَّا. وإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل قوله: « وإذا حضر القسمة » ، قسمة الموصي ماله بالوصية، أولو قرابته « واليتامى والمساكين فارزقوهم منه » ، يقول: فاقسموا لهم منه بالوصية، يعني: فأوصوا لأولي القربى من أموالكم « وقولوا لهم » ، يعني الآخرين، وهم اليتامى والمساكين « قولا معروفًا » ، يعني: يدعى لهم بخير، كما قال ابن عباس وسائر من ذكرنا قوله قبلُ.

________________________________________________

وأما الذين قالوا: « إنّ الآية منسوخة بآية المواريث » ، والذين قالوا: « هي محكمة، والمأمور بها ورثة الميت » فإنهم وَجّهوا قوله: « وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه » ، يقول: فأعطوهم منه « وقولوا لهم قولا معروفًا » ، وقد ذكرنا بعضَ من قال ذلك، وسنذكر بقية من قال ذلك ممن لم نذكره:

________________________________________________

ثم اختلف الذين قالوا: « هذه الآية محكمة، وأن القسمة لأولي القربى واليتامى والمساكين واجبة على أهل الميراث، إن كان بعض أهل الميراث صغيرًا فقسم عليه الميراث وليُّ ماله » .
فقال بعضهم: ليس لوليّ ماله أن يقسم من ماله ووصيته شيئًا، لأنه لا يملك من المال شيئا، ولكنه يقول لهم قولا معروفًا. قالوا: والذي أمرَه الله بأن يقول لهم معروفًا، هو ولي مال اليتيم إذا قسم مالَ اليتيم بينه وبين شركاء اليتيم، إلا أن يكون ولي ماله أحد الورثة، فيعطيهم من نصيبه، ويعطيهم من يجوز أمره في ماله من أنصبائهم. قالوا: فأما من مال الصغير، فالذي يولَّى عليه ماله، لا يجوز لوليّ ماله أن يعطيهم منه شيئًا.


وقال آخرون منهم: ذلك واجب في أموال الصغار والكبار لأولي القربى واليتامى والمساكين، فإن كان الورثة كبارًا تولَّوا عند القسمة إعطاءهم ذلك، وإن كانوا صغارًا تولّى إعطاء ذلك منهم وليُّ مالهم.
________________________________________________

قال الطبري

فكأن من ذهب من القائلين القولَ الذي ذكرناه عن ابن عباس وسعيد بن جبير، ومن قال، « يرضخ عند قسمة الميراث لأولي القربى واليتامى والمساكين » ، تأول قوله: « فارزقوهم منه » ، فأعطوهم منه وكأن الذين ذهبوا إلى ما قال عبيدة وابن سيرين، تأولوا قوله: « فارزقوهم منه » ، فأطعموهم منه.

________________________________________________

واختلفوا في تأويل قوله: « وقولوا لهم قولا معروفًا » .
فقال بعضهم: هو أمر من الله تعالى ذكره ولاةَ اليتامى أن يقولوا لأولي قرابتهم ولليتامى والمساكين إذا حضروا قسمتهم مالَ من وَلُوا عليه ماله من الأموال بينهم وبين شركائهم من الورثة فيها، أن يعتذروا إليهم، على نحو ما قد ذكرناه فيما مضى من الاعتذار، كما:-

________________________________________________

وقال آخرون: بل المأمور بالقول المعروف الذي أمر جل ثناؤه أن يقال له، هو الرجل الذي يوصي في ماله و « القول المعروف » ، هو الدعاء لهم بالرزق والغنى وما أشبه ذلك من قول الخير، وقد ذكرنا قائلي ذلك أيضًا فيما مضى. .





صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:23 pm




تأويل سورة النّساء Attachment


______________________________________________

القول في تأويل قوله تعالى : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا ( 9 )
قال أبو جعفر:

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك: فقال بعضهم: « وليخش » ، ليخف الذين يحضرون موصيًا يوصي في ماله أن يأمره بتفريق ماله وصيةً منه فيمن لا يرثه، ولكن ليأمره أن يبقي ماله لولده، كما لو كان هو الموصي، يسره أن يحثَّه من يحضره على حفظ ماله لولده، وأن لا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم عن التصرف والاحتيال. .

.
وقال آخرون:

بل معنى ذلك: وليخش الذين يحضرون الموصي وهو يوصي الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا فخافوا عليهم الضيعة من ضعفهم وطفولتهم أن ينهوه عن الوصية لأقربائه، وأن يأمروه بإمساك ماله والتحفظ به لولده، وهم لو كانوا من أقرباء الموصي، لسرَّهم أن يوصي لهم.

.
وقال آخرون: بل معنى ذلك، أمرٌ من الله ولاةَ اليتامى أن يلُوهم بالإحسان إليهم في أنفسهم وأموالهم، ولا يأكلوا أموالهم إسرافًا وبدارًا أن يكبروا، وأن يكونوا لهم كما يحبون أن يكون ولاة ولده الصِّغار بعدهم لهم بالإحسان إليهم، لو كانوا هم الذين ماتوا وتركوا أولادهم يتامى صغارًا.


وقال آخرون: معنى ذلك: « وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا » ، يكفهم الله أمر ذريتهم بعدهم.
ذكر من قال ذلك:
____________

قال أبو جعفر:
وأولى التأويلات بالآية، قول من قال، تأويل ذلك: وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم العَيْلة لو كانوا فرقوا أموالهم في حياتهم، أو قسموها وصية منهم بها لأولي قرابتهم وأهل اليُتم والمسكنة، فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العَيْلة عليهم بعدهم، مع ضعفهم وعجزهم عن المطالب، فليأمروا من حضروه وهو يوصي لذوي قرابته - وفي اليتامى والمساكين وفي غير ذلك - بماله بالعدل وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا، وهو أن يعرّفوه ما أباح الله له من الوصية، وما اختاره للموصين من أهل الإيمان بالله وبكتابه وسنته. .

وإنما قلنا ذلك بتأويل الآية أولى من غيره من التأويلات، لما قد ذكرنا فيما مضى قبل: من أن معنى قوله: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فأوصوا لهم - بما قد دللنا عليه من الأدلة.
فإذا كان ذلك تأويل قوله: « : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ الآية، فالواجب أن يكون قوله تعالى ذكره: » وليخش الذين لو تركوا من خلفهم « ، تأديبًا منه عبادَه في أمر الوصية بما أذِنهم فيه، إذ كان ذلك عَقِيب الآية التي قبلها في حكم الوصية، وكان أظهرَ معانيه ما قلنا، فإلحاق حكمه بحكم ما قبله أولى، مع اشتباه معانيهما، من صرف حكمه إلى غيره بما هو له غير مشبه. »
وبمعنى ما قلنا في تأويل قوله: « وليقولوا قولا سديدًا » ، قال من ذكرنا قوله في مبتدأ تأويل هذه الآية، وبه كان ابن زيد يقول.

و « السديد » من الكلام، هو العدل والصواب.

____________________

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ( 10 )
قال أبو جعفر:

يعني بقوله جل ثناؤه: « إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا » ، يقول: بغير حق، « إنما يأكلون في بطونهم نارًا » يوم القيامة، بأكلهم أموال اليتامى ظلمًا في الدنيا، نارَ جهنم « وسيصلون » بأكلهم « سعيرًا » ،
_______________________.
وأما قوله: « وسيصلون سعيرًا » ، فإنه مأخوذ من « الصَّلا » و « الصلا » الاصطلاء بالنار، وذلك التسخن بها، كما قال الفرزدق:
وَقَـاتَلَ كَـلْبُ الْحَـيِّ عَـنْ نَـارِ أهْلِهِ لِــيَرْبِضَ فِيهَــا وَالصَّـلا مُتَكـنَّفُ
وكما قال العجاج:
وَصَالِيَاتٌ لِلصَّلا صُلِيُّ
ثم استعمل ذلك في كل من باشر بيده أمرًا من الأمور، من حرب أو قتال أو خصومة أو غير ذلك، كما قال الشاعر:
لَـمْ أَكُـنْ مِـنْ جُنَاتِهَـا, عَلِـمَ اللّـهُ وَإِنِّــي بِحَرِّهَــا اليَــوْمَ صَــالِي
فجعل ما باشر من شدة الحرب وأذى القتال، بمنـزلة مباشرة أذى النار وحرِّها.
________________________________

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة المدينة والعراق: ( وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) بفتح « الياء » على التأويل الذي قلناه. .
وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض الكوفيين: « وَسَيُصْلَوْنَ » بضم « الياء » بمعنى: يحرقون.
من قولهم: « شاة مَصْلية » ، يعني: مشوية.

قال أبو جعفر: والفتح بذلك أولى من الضم، لإجماع جميع القرأة على فتح « الياء » في قوله: لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى ] سورة الليل: 15 ] ، ولدلالة قوله: إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ] سورة الصافات: 163 ] ، على أن الفتح بها أولى من الضم.

__________________________
وأما « السعير » : فإنه شدة حر جهنم، ومنه قيل: « استعرت الحرب » إذا اشتدت، وإنما هو « مَسعور » ، ثم صرف إلى « سعير » ، كما قيل: « كفّ خَضِيب » ، و « لِحية دهين » ، وإنما هي « مخضوبة » ، صرفت إلى « فعيل » .
فتأويل الكلام إذًا: وسيصلون نارًا مسعَّرة، أي: موقودة مشعلة شديدًا حرُّها.
وإنما قلنا إنّ ذلك كذلك، لأن الله جل ثناؤه قال، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ، ] سورة التكوير: 12 ] ، فوصفها بأنها مسعورة.
ثم أخبر جل ثناؤه أن أكلة أموال اليتامى يصلونها وهي كذلك. فـ « السعير » إذًا في هذا الموضع، صفة للجحيم على ما وصفنا.

____________________________________








صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:23 pm


القول في تأويل قوله تعالى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ
قال أبو جعفر:
يعني جل ثناؤه بقوله: « يوصيكم الله » ، يعهد الله إليكم، « في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين » ، يقول: يعهد إليكم ربكم إذا مات الميت منكم وخلَّف أولادًا ذكورًا وإناثًا، فلولده الذكور والإناث ميراثه أجمع بينهم، للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، إذا لم يكن له وارث غيرهم، سواء فيه صغار ولده وكبارهم وإناثهم، في أن جميع ذلك بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين.
ورفع قوله: « مثل » بالصفة، وهي « اللام » التي في قوله: « للذكر » ، ولم ينصب بقوله: « يوصيكم الله » ، لأن « الوصية » في هذا الموضع عهد وإعلامٌ بمعنى القول، و « القول » لا يقع على الأسماء المخبر عنها. فكأنه قيل: يقول الله تعالى ذكره لكم: في أولادكم للذكر منهم مثل حظ الأنثيين.
قال أبو جعفر: وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت على النبي تأويل سورة النّساء Salla2، تبيينًا من الله الواجبَ من الحكم في ميراث من مات وخلّف ورثة، على ما بيَّن. لأن أهل الجاهلية كانوا لا يقسمون من ميراث الميت لأحد من ورثته بعده، ممن كان لا يلاقي العدوَّ ولا يقاتل في الحروب من صغار ولده، ولا للنساء منهم. وكانوا يخصون بذلك المقاتلة دون الذرية. فأخبر الله جل ثناؤه أن ما خلفه الميت بين من سَمَّى وفرض له ميراثًا في هذه الآية، وفي آخر هذه السورة، فقال في صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم: لهم ميراث أبيهم، إذا لم يكن له وارث غيرهم، للذكر مثل حظ الأنثيين.
.
وقال آخرون
: بل نـزل ذلك من أجل أنّ المال كان للولد قبل نـزوله، وللوالدين الوصية، فنسخ الله تبارك وتعالى ذلك بهذه الآية.
__________________________________________________ _
القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ
قال أبو جعفر:
يعني بقوله: « فإن كن » ، فإن كان المتروكات « نساء فوق اثنتين » ، ويعني بقوله: « نساءً » ، بنات الميت، « فوق اثنتين » ، يقول: أكثر في العدد من اثنتين « فلهن ثلثا ما ترك » ، يقول: فلبناته الثلثان مما ترك بعده من ميراثه، دون سائر ورثته، إذا لم يكن الميت خلّف ولدًا ذكرًا معهن. واختلف أهل العربية في المعنى بقوله: « فإن كنّ نساء » .
فقال بعض نحوييّ البصرة بنحو الذي قلنا: فإن كان المتروكات نساء وهو أيضًا قول بعض نحوييّ الكوفة.
وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك، فإن كان الأولاد نساء، وقال، إنما ذكر الله الأولاد فقال، يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ، ثم قسمَ الوصية فقال، « فإن كنّ نساء » ، وإن كان الأولاد ] نساءً، وإن كان الأولاد واحدة ] ، ترجمة منه بذلك عن « الأولاد » .
قال أبو جعفر:
والقول الأول الذي حكيناه عمن حكيناه عنه من البصريين، أولى بالصواب في ذلك عندي. لأن قوله: « وإن كُنّ » ، لو كان معنيًّا به « الأولاد » لقيل: « وإن كانوا » ، لأن « الأولاد » تجمع الذكور والإناث. وإذا كان كذلك، فإنما يقال، « كانوا » ، لا « كُنّ » .
__________________________________________________ _
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ
قال أبو جعفر:
يعني بقوله: « وإن كانت » ، ] وإن كانت ] المتروكة ابنة واحدة « فلها النصف » ، يقول: فلتلك الواحدة نصف ما ترك الميت من ميراثه، إذا لم يكن معها غيرها من ولد الميت ذكرٌ ولا أنثى.
فإن قال قائل: فهذا فرضُ الواحدة من النساء وما فوق الاثنتين، فأين فريضة الاثنتين؟
قيل: فريضتهم بالسنة المنقولة نقل الوراثة التي لا يجوز فيها الشك.
وأما قوله: « ولأبويه » ، فإنه يعني: ولأبوي الميت « لكل واحد منهما السدس » ، من تَرِكته وما خلَّف من ماله، سواءٌ فيه الوالدة والوالد، لا يزداد واحد منهما على السدس « إن كان له ولد » ، ذكرًا كان الولد أو أنثى، واحدًا كان أو جماعة.
فإن قال قائل: فإن كان كذلك التأويل، فقد يجب أن لا يزاد الوالدُ مع الابنة الواحدة على السدس من ميراثه عن ولده الميت. وذلك إن قلته، قولٌ خلاف لما عليه الأمة مجمعة، من تصييرهم باقي تركة الميت مع الابنة الواحدة بعد أخذها نصيبها منها لوالده أجمع!
قيل: ليس الأمر في ذلك كالذي ظننتَ، وإنما لكل واحد من أبوي الميت السدس من تركته مع ولده، ذكرًا كان الولد أو أنثى، واحدًا كان أو جماعة، فريضة من الله له مسماة. فإمَّا زيد على ذلك من بقية النصف مع الابنة الواحدة إذا لم يكن غيره وغير ابنة للميت واحدة، فإنما زيدها ثانيًا بقرب عصبة الميت إليه، إذ كان حكم كل ما أبقته سهام الفرائض، فلأولي عصبَة الميت وأقربهم إليه، بحكم ذلك لها على لسان رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2، وكان الأب أقرب عصبَة ابنه وأولاها به، إذا لم يكن لابنه الميت ابن.
__________________________________________________ _
القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ
قال أبو جعفر:
يعني جل ثناؤه بقوله: « فإن لم يكن له » ، فإن لم يكن للميت « ولد » ذكر ولا أنثى « وورثه أبواه » ، دون غيرهما من ولد وارث « فلأمه الثلث » ، يقول: فلأمه من تركته وما خلف بعده، ثلث جميع ذلك.
فإن قال قائل: فمن الذي له الثلثان الآخران.
قيل له الأب.
فإن قال، بماذا؟ قلت: بأنه أقرب أهل الميت إليه، ولذلك ترك ذكر تسمية من له الثلثان الباقيان، إذ كان قد بيَّن على لسان رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 لعباده أن كل ميِّت فأقربُ عصبته به، أولى بميراثه، بعد إعطاء ذوي السهام المفروضة سهامهم من ميراثه.
وهذه العلة، هي العلة التي من أجلها سُميّ للأمّ ما سُمىَ لها، إذا لم يكن الميت خلًف وارثًا غير أبويه، لأن الأم ليست بعصبة في حالٍ للميت. فبيّن الله جل ثناؤه لعباده ما فرض لها من ميراث ولدها الميت، وترك ذكرَ مَن له الثلثان الباقيان منه معه، إذ كان قد عرّفهم في جملة بيانه لهم مَنْ له بقايا تركة الأموال بعد أخذ أهل السهام سهامهم وفرائضهم، وكان بيانه ذلك، مغنيًا لهم على تكرير حكمه مع كل من قَسَم له حقًّا من ميراث ميت، وسمي له منه سهمًا.
__________________________________________________ _

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ
قال أبو جعفر: إن قال قائل: وما المعنى الذي من أجله ذكر حكم الأبوين مع الإخوة، وترك ذكر حكمهما مع الأخ الواحد؟
قلت اختلاف حكمهما مع الإخوة الجماعة والأخ الواحد، فكان في إبانة الله جل ثناؤه لعباده حكمهما فيما يرثان من وَلدهما الميت مع إخوته، غنًّى وكفاية عن أن حكمهما فيما ورثا منه غيرَ متغيِّر عما كان لهما، ولا أخ للميت ولا وارث غيرهما. إذ كان معلومًا عندهم أن كل مستحق حقًّا بقضاء الله ذلك له، لا ينتقل حقُّه الذي قضى به له ربه جل ثناؤه عما قَضى به له إلى غيره، إلا بنقل الله ذلك عنه إلى من نقله إليه من خلقه. فكان في فرضه تعالى ذكره للأم ما فرض، إذا لم يكن لولدها الميت وارث غيرها وغير والده، ولا أخ الدلالة الواضحة للخلق أن ذلك المفروضَ - وهو ثلث مال ولدها الميت - حق لها واجب، حتى يغيِّر ذلك الفرض من فَرَض لها. فلما غيَّر تعالى ذكره ما فرض لها من ذلك مع الإخوة الجماعة، وترك تغييره مع الأخ الواحد، عُلم بذلك أن فرضها غير متغيِّر عما فرض لها إلا في الحال التي غيَّره فيها مَن لزم العبادَ طاعتُه، دون غيرها من الأحوال.
ثم اختلف أهل التأويل في عدد الإخوة الذين عناهم الله تعالى ذكره بقوله: « فإن كان له إخوة » .
فقال جماعة أصحاب رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 والتابعين لهم بإحسان، ومن بعدهم من علماء أهل الإسلام في كل زمان: عنى الله جل ثناؤه بقوله: « فإن كان له إخوة فلأمه السدس » اثنين كان الإخوة أو أكثر منهما، أنثيين كانتا أو كن إناثًا، أو ذكرين كانا أو كانوا ذكورًا، أو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى. واعتل كثيرٌ ممن قال ذلك، بأن ذلك قالته الأمة عن بيان الله جل ثناؤه على لسان رسوله تأويل سورة النّساء Salla2، فنقلته أمة نبيه نقلا مستفيضًا قطع العذر مجيئه، ودفع الشك فيه عن قلوب الخلق وروده.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: بل عنى الله جل ثناؤه بقوله: « فإن كان له إخوة » ، جماعة أقلها ثلاثة. وكان ينكر أن يكون الله جل ثناؤه حجَب الأم عن ثلثها مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة. فكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث، وما بقي فللأب، كما قال أهل العلم في أبوين وأخ واحد.
__________________________________________________ _
قال أبو جعفر:
والصواب من القول في ذلك عندي، أن المعنيَّ بقوله: « فإن كان له إخوة » ، اثنان من إخوة الميت فصاعدًا، على ما قاله أصحابُ رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2، دون ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما، لنقل الأمة وراثةً صحةَ ما قالوه من ذلك عن الحجة، وإنكارهم ما قاله ابن عباس في ذلك.
فإن قال قائل: وكيف قيل في الأخوين « إخوة » ، وقد علمت أن لـ « الأخوين » في منطق العرب مثالا لا يشبه مثالَ « الإخوة » ، في منطقها؟
قيل: إنّ ذلك وإن كان كذلك، فإن من شأنها التأليف بين الكلامين يتقارب معنياهما، وإن اختلفا في بعض وجوههما. فلما كان ذلك كذلك، وكان مستفيضًا في منطقها منتشرًا مستعملا في كلامها: « ضربت من عبد الله وعمرو رؤوسهما، وأوجعتُ منهما ظهورهما » ، وكان ذلك أشد استفاضة في منطقها من أن يقال، « أوجعت منهما ظهريهما » ، وإن كان مقولا « أوجعت ظهْريهما » ، كما قال الفرزدق:
بِمَـا فِـي فُؤَادَيْنَـا مِنَ الشَّوْقِ وَالْهَوَى فَيَــبْرَأُ مُنْهَـاضُ الفُـؤَادِ الْمُشَـعَّفُ
غير أن ذلك وإن كان مقولا فأفصح منه: « بما في أفئدتنا » ، كما قال جل ثناؤه: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ] سورة التحريم: 4 ] .
فلما كان ما وصفت من إخراج كل ما كان في الإنسان واحدًا إذا ضم إلى الواحد منه آخر من إنسان آخر فصارا اثنين من اثنين، بلفظ الجميع، أفصحَ في منطقها وأشهرَ في كلامها وكان « الأخوان » شخصين كل واحد منهما غير صاحبه، من نفسين مختلفين، أشبه معنياهما معنى ما كان في الإنسان من أعضائه واحدًا لا ثاني له، فأخرج اثناهما بلفظ اثنى العضوين اللذين وصفت، فقيل « إخوة » في معنى « الأخوين » ، كما قيل « ظهور » في معنى « الظهرين » ، و « أفواه » في معنى « فموين » ، و « قلوب » في معنى « قلبين » .
وقد قال بعض النحويين: إنما قيل « إخوة » ، لأن أقل الجمع اثنان. وذلك أن ذلك ضم شيء إلى شيء صارا جميعًا بعد أن كانا فردين، فجمعا ليعلم أن الاثنين جمع.

قال أبو جعفر: وهذا وإن كان كذلك في المعنى، فليس بعلة تنبئ عن جواز إخراج ما قد جرى الكلام مستعملا مستفيضًا على ألسن العرب لاثنيه بمثال وصورةٍ غير مثال ثلاثة فصاعدًا منه وصورتها. لأن من قال، « أخواك قاما » ، فلا شك أنه قد علم أنّ كل واحد من « الأخوين » فردٌ ضم أحدهما إلى الآخر فصارا جميعًا بعد أن كانا شتى. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فلا تستجيز العرب في كلامها أن يقال، « أخواك قاموا » ، فيخرج قولهم « قاموا » ، وهو لفظ للخبر عن الجميع، خبرًا عن « الأخوين » وهما بلفظ الاثنين. لأن كل ما جرى به الكلام على ألسنتهم معروفًا عندهم بمثال وصورة، إذا غيَّر مغيِّر عما قد عرفوه فيهم، نَكِروه. فكذلك « الأخوان » وإن كان مجموعين ضُمَّ أحدهما إلى صاحبه، فلهما مثالٌ في المنطق وصورة، غير مثال الثلاثة منهم فصاعدًا وصورتهم. فغير جائز أن يغيَّر أحدهما إلى الآخر إلا بمعنى مفهوم. وإذا كان ذلك كذلك، فلا قول أولى بالصحة مما قلنا قبل.

قال أبو جعفر:
فإن قال قائل: ولم نُقصت الأم عن ثلثها بمصير إخوة الميت معها اثنين فصاعدًا؟
قيل: اختلفت العلماء في ذلك.
فقال بعضهم: نُقصت الأم عن ذلك دون الأب، لأن على الأب مُؤَنهم دون أمهم.

. وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث لأن أباهم يلي نكاحهم والنفقة عليهم دون أمهم.
وقال آخرون: بل نُقصت الأم السدس، وقُصِر بها على سدس واحد، معونةً لإخوة الميت بالسدس الذي حَجَبوا أمهم عنه.

وقد روي عن ابن عباس خلاف هذا القول، وذلك وهو : -
# الكلالة من لا ولد له ولا والِد.

قال أبو جعفر، وأولى ذلك بالصواب أن يقال في ذلك: إن الله تعالى ذكره فرض للأم مع الإخوة السدس، لما هو أعلم به من مصلحة خلقه وقد يجوز أن يكون ذلك كان لما ألزم الآباء لأولادهم وقد يجوز أن يكون ذلك لغير ذلك. وليس ذلك مما كلَّفنا علمه، وإنما أمرنا بالعمل بما علمنا.
وأما الذي روي عن طاوس عن ابن عباس، فقول لما عليه الأمة مخالف. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع: أنْ لا ميراث لأخي ميت مع والده. فكفى إجماعهم على خلافه شاهدًا على فساده.
__________________________________________________ _
القول في تأويل قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « من بعد وصية يوصي بها أو دين » ، أنّ الذي قسم الله تبارك وتعالى لولد الميت الذكور منهم والإناث ولأبويه من تركته من بعد وفاته، إنما يقسمه لهم على ما قسمه لهم في هذه الآية من بعد قضاء دين الميت الذي مات وهو عليه من تركته، ومن بعد تنفيذ وصيته في بابها بعد قضاء دينه كله. فلم يجعل تعالى ذكره لأحد من ورثة الميت، ولا لأحد ممن أوصى له بشيء، إلا من بعد قضاء دينه من جميع تركته، وإن أحاط بجميع ذلك. ثم جعل أهل الوصايا بعد قضاء دينه شركاء ورثته فيما بقي لما أوصى لهم به، ما لم يجاوز ذلك ثلثه. فإن جاوز ذلك ثلثه، جعل الخيار في إجازة ما زاد على الثلث من ذلك أو ردِّه إلى ورثته: إن أحبوا أجازوا الزيادة على ثلث ذلك، وإن شاءوا ردوه. فأما ما كان من ذلك إلى الثلث، فهو ماضٍ عليهم.
وعلى كل ما قلنا من ذلك، الأمة مجمعة. وقد روي عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 بذلك خبرٌ، وهو ما: -
حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن عليّ رضي الله عنه قال، إنكم تقرأون هذه الآية: « من بعد وصية يُوصي بها أو دين » ، وإنّ رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 قضى بالدين قبل الوصية.

__________________________________________________ _
قال أبو جعفر:
واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والعراق: ( يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) .
وقرأه بعض أهل مكة والشأم والكوفة، ( يُوصَى بِهَا ) ، على معنى ما لم يسمَّ فاعله.
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك: ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) على مذهب ما قد سُمِّي فاعله، لأن الآية كلها خبر عمن قد سمي فاعله. ألا ترى أنه يقول: وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ؟ فكذلك الذي هو أولى بقوله: « يوصي بها أو دين » ، أن يكون خبرًا عمن قد سمي فاعله، لأن تأويل الكلام: ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد من بعد وصية يوصي بها أو دين يُقضى عنه.

__________________________________________________ _
القول في تأويل قوله تعالى : آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « آباؤكم وأبناؤكم » ، هؤلاء الذين أوصاكم الله به فيهم - من قسمة ميراث ميِّتكم فيهم على ما سمي لكم وبيَّنه في هذه الآية - « آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا آباؤكم : أعطوهم حقوقهم من ميراث ميتهم الذي أوصيتُكم أن تعطوهموها، فإنكم لا تعلمون أيهم أدنى وأشد نفعًا لكم في عاجل دنياكم وآجل أخراكم. »
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا » .
فقال بعضهم: يعني بذلك أيهم أقرب لكم نفعًا في الآخرة.

وقال آخرون: معنى ذلك، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا في الدنيا.
وقال بعضهم: في نفع الدنيا.
وقال آخرون في ذلك بما قلنا.

__________________________________________________ _
القول في تأويل قوله تعالى : فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 11 )
قال أبو جعفر:

يعني بقوله جل ثناؤه: « فريضة من الله » ، « وإن كان له إخوة فلأمه السدس » ، فريضةً، يقول: سهامًا معلومة موقتة بيَّنها الله لهم.
ونصب قوله: « فريضة » على المصدر من قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ « فريضة » ، فأخرج « فريضة » من معنى الكلام، إذ كان معناه ما وصفت.
وقد يجوز أن يكون نصبه على الخروج من قوله: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ « فريضة » ، فتكون « الفريضة » منصوبة على الخروج من قوله: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ ، كما تقول: « هو لك هبة، وهو لك صدقة مني عليك » .
وأما قوله: « إن الله كان عليمًا حكيمًا » ، فإنه يعني جل ثناؤه: إنّ الله لم يزل ذا علم بما يصلح خلقه، أيها الناس، فانتهوا إلى ما يأمركم، يصلح لكم أموركم. « حكيما » ، يقول: لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض، وفيما يقضي بينكم من الأحكام، لا يدخل حكمه خَلَل ولا زلل، لأنه قضاء من لا تخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة.

__________________________________________________ _






صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:24 pm

القول في تأويل قوله : وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ
قال أبو جعفر:
يعني بذلك جل ثناؤه، « ولكم » أيها الناس « نصف ما ترك أزواجكم » ، بعد وفاتهن من مال وميراث « إن لم يكن لهن ولد » ، يوم يحدث بهن الموت، لا ذكر ولا أنثى « فإن كان لهن ولد » ، أي: فإن كان لأزواجكم يوم يحدث لهن الموت، ولد ذكر أو أنثى « فلكم الربع مما تركن » ، من مال وميراث، ميراثًا لكم عنهن « من بعد وصية يوصين بها أو دين » ، يقول: ذلكم لكم ميراثًا عنهن، مما يبقى من تركاتهن وأموالهن، من بعد قضاء ديونهن التي يمتن وهي عليهن، ومن بعد إنفاذ وصاياهن الجائزة إن كن أوصين بها.
_________________________
القول في تأويل قوله : وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ
قال أبو جعفر:

يعني جل ثناؤه بقوله: « ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد » ولأزواجكم، أيها الناس، ربع ما تركتم بعد وفاتكم من مال وميراث، إن حدث بأحدكم حَدَثُ الوفاة ولا ولد له ذكر ولا أنثى « فإن كان لكم ولد » ، يقول: فإن حدث بأحدكم حدث الموت وله ولد ذكر أو أنثى، واحدًا كان الولد أو جماعة « فلهن الثمن مما تركتم » ، يقول: فلأزواجكم حينئذ من أموالكم وتركتكم التي تخلفونها بعد وفاتكم، الثمن من بعد قضاء ديونكم التي حدث بكم حدث الوفاة وهي عليكم، ومن بعد إنفاذ وصاياكم الجائزة التي توصون بها.
وإنما قيل: « من بعد وصية توصون بها أو دين » ، فقدم ذكر الوصية على ذكر الدين، لأن معنى الكلام: إن الذي فرضتُ لمن فرضتُ له منكم في هذه الآيات، إنما هو له من بعد إخراج أيِّ هذين كان في مال الميت منكم، من وصية أو دين. فلذلك كان سواءً تقديم ذكر الوصية قبل ذكر الدين، وتقديم ذكر الدين قبل ذكر الوصية، لأنه لم يرد من معنى ذلك إخراج الشيئين: « الدين والوصية » من ماله، فيكون ذكر الدين أولى أن يُبدأ به من ذكر الوصية.
_________________________
القول في تأويل قوله : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ
قال أبو جعفر:

يعني بذلك جل ثناؤه: وإن كان رجلٌ أو امرأة يورث كلالةً.
ثم اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل الإسلام: ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً ) ، يعني: وإن كان رجل يورث متكلًّل النسب.
ف « الكلالة » على هذا القول، مصدر من قولهم: « تكلَّله النسب تكلُّلا وكلالة » ، بمعنى: تعطف عليه النسب.
وقرأه بعضهم: ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً ) ، بمعنى: وإن كان رجل يورِث من يتكلَّله، بمعنى: من يتعطف عليه بنسبه من أخ أو أخت.
_________________________

واختلف أهل التأويل في « الكلالة » .
فقال بعضهم: هي ما خلا الوالد والولد.

وقال آخرون: « الكلالة ما دون الولد » ، وهذا قول عن ابن عباس، وهو الخبر الذي ذكرناه قبل من رواية طاوس عنه: أنه ورَّث الإخوة من الأم السدس مع الأبوين.
وقال آخرون: الكلالة ما خلا الوالد.
_________________________

واختلف أهل العربية في الناصب للكلالة.
فقال بعض البصريين: إن شئت نصبت « كلالة » على خبر « كان » ، وجعلت « يورث » من صفة « الرجل » . وإن شئت جعلت « كان » تستغني عن الخبر نحو « وقع » ، وجعلت نصب « كلالة » على الحال، أي: يورث كلالة، كما يقال: « يضرب قائمًا » .
وقال بعضهم قوله: « كلالة » ، خبر « كان » ، لا يكون الموروث كلالة، وإنما الوارث الكلالةُ.
قال أبو جعفر
والصواب من القول في ذلك عندي أن « الكلالة » منصوب على الخروج من قوله: « يورث » ، وخبر « كان » « يورث » . و « الكلالة » وإن كانت منصوبة بالخروج من « يورث » ، فليست منصوبة على الحال، ولكن على المصدر من معنى الكلام. لأن معنى الكلام: وإن كان رجل يورَث متكلِّله النسب كلالةً ثم ترك ذكر « متكلِّله » اكتفاء بدلالة قوله: « يورث » عليه.
_________________________

واختلف أهل العلم في المسمَّى « كلالة » .
فقال بعضهم: « الكلالة » الموروث، وهو الميت نفسه، يسمى بذلك إذا ورثه غير والده وولده.

وقال آخرون: « الكلالة » ، هي الورثة الذين يرثون الميت، إذا كانوا إخوة أو أخوات أو غيرهم، إذا لم يكونوا ولدًا ولا والدًا، على ما قد ذكرنا من اختلافهم في ذلك.
وقال آخرون: بل « الكلالة » الميت والحي جميعًا.

.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله هؤلاء، وهو أن « الكلالة » الذين يرثون الميت، من عَدا ولده ووالده، وذلك لصحة الخبر الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أنه قال: قلت يا رسول الله؟ إنما يرثني كلالة، فكيف بالميراث وبما: -
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد قال، كنا مع حميد بن عبد الرحمن في سوق الرقيق، قال: فقام من عندنا ثم رجع، فقال: هذا آخر ثلاثة من بني سعد حدَّثوني هذا الحديث، قالوا: مرض سعد بمكة مرضًا شديدًا، قال: فأتاه رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 يعوده. فقال: يا رسول الله، لي مال كثير، وليس لي وارثٌ إلا كلالة، فأوصي بمالي كله؟ فقال: لا.
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا إسحاق بن سويد، عن العلاء بن زياد قال: جاء شيخٌ إلى عمر رضي الله عنه فقال: إنِّي شيخ، وليس لي وارث إلا كلالةُ أعراب مُتراخٍ نسبُهم، أفأوصي بثلث مالي؟ قال: لا.
فقد أنبأت هذه الأخبار عن صحة ما قلنا في معنى « الكلالة » ، وأنها ورثة الميت دون الميت، ممن عدا والده وولده.
_________________________

القول في تأويل قوله : وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ
قال أبو جعفر:

يعني بقوله جل ثناؤه: « وله أخ أو أخت » ، وللرجل الذي يورث كلالة أخ أو أخت، يعني: أخًا أو أختًا من أمه، كما:-
حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم، عن سعد أنه كان يقرأ: « وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت » قال، سعد: لأمه.

. _________________________

قال أبو جعفر:
وقوله: « فلكل واحد منهما السدس » ، إذا انفرد الأخ وحده أو الأخت وحدها، ولم يكن أخ غيره أو غيرها من أمه، فله السدس من ميراث أخيه لأمه. فإن اجتمع أخ وأخت، أو أخوان لا ثالث معهما لأمهما، أو أختان كذلك، أو أخ وأخت ليس معهما غيرهما من أمهما فلكل واحد منهما من ميراث أخيهما لأمهما السدس « فإن كانوا أكثر من ذلك » ، يعني: فإن كان الإخوة والأخوات لأم الميت الموروث كلالة أكثرَ من اثنين « فهم شركاء في الثلث » ، يقول: فالثُّلث الذي فرضت لاثنيهم إذا لم يكن غيرهما من أمهما ميراثًا لهما من أخيهما الميت الموروث كلالة، شركة بينهم، إذا كانوا أكثر من اثنين إلى ما بلغ عددهم على عدد رؤوسهم، لا يفضل ذكر منهم على أنثى في ذلك، ولكنه بينهم بالسويَّة.
فإن قال قائل: وكيف قيل: « وله أخ أو أخت » ، ولم يُقَل: « لهما أخ أو أخت » ، وقد ذكر قبل ذلك « رجل أو امرأة » ، فقيل: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ ؟ قيل: إن من شأن العرب إذا قدمت ذكر اسمين قبل الخبر، فعطفت أحدهما على الآخر بـ « أو » ، ثم أتت بالخبر، أضافت الخبر إليهما أحيانًا، وأحيانًا إلى أحدهما، وإذا أضافت إلى أحدهما، كان سواء عندها إضافة ذلك إلى أيّ الاسمين اللذين ذكرتهما إضافَته، فتقول: « من كان عنده غلام أو جارية فليحسن إليه » ، يعني: فليحسن إلى الغلام - و « فليحسن إليها » ، يعني: فليحسن إلى الجارية - و « فليحسن إليهما » .
وأما قوله: « فلكل واحد منهما السدس » ، وقد تقدم ذكر الأخ والأخت بعطف أحدهما على الآخر، والدلالة على أن المراد بمعنى الكلام أحدهما في قوله: « وله أخ أو أخت » ، فإن ذلك إنما جاز، لأن معنى الكلام، فلكل واحد من المذكورين السدس.
_________________________
القول في تأويل قوله : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( 12 )
قال أبو جعفر:

يعني جل ثناؤه بقوله: « من بعد وصيه يوصي بها » ، أي: هذا الذي فرضت لأخي الميت الموروث كلالة وأخته أو إخوته وأخواته من ميراثه وتركته، إنما هو لهم من بعد قضاء دين الميت الذي كان عليه يوم حدث به حَدَثُ الموت من تركته، وبعد إنفاذ وصاياه الجائزة التي يوصي بها في حياته لمن أوصى له بها بعد وفاته،
_________________________
وأما قوله: « غير مضارّ » ، فإنه يعني تعالى ذكره: من بعد وصية يوصي بها، غيرَ مضَارّ ورثته في ميراثهم عنه، كما:-
_________________________
ونصبت « غيرَ مضارّ » على الخروج من قوله: « يوصَى بها » .
_________________________
وأما قوله: « وصية » فإن نصبه من قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ، وسائر ما أوصى به في الاثنين، ثم قال: « وصية من الله » ، مصدرًا من قوله: يُوصِيكُمُ .
وقد قال بعض أهل العربية: ذلك منصوب من قوله: فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ « وصية من الله » ، وقال: هو مثل قولك: « لك درهمان نفقةً إلى أهلك » .
قال أبو جعفر: والذي قلناه بالصواب أولى، لأن الله جل ثناؤه افتتح ذكر قسمةِ المواريث في هاتين الآيتين بقوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ ، ثم ختم ذلك بقوله: « وصية من الله » ، أخبر أن جميع ذلك وصية منه به عباده، فنصْبُ قوله: « وصية » على المصدر من قوله: يُوصِيكُمُ ، أولى من نصبه على التفسير من قوله: فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ، لما ذكرنا.
_________________________
ويعني بقوله تعالى ذكره: « وصية من الله » ، عهدًا من الله إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم « والله عليم » ، يقول: والله ذو علم بمصالح خلقه ومضارِّهم، ومن يستحق أن يعطى من أقرباء من مات منكم وأنسبائه من ميراثه، ومن يحرم ذلك منهم، ومبلغ ما يستحق به كل من استحق منهم قسمًا، وغير ذلك من أمور عباده ومصالحهم « حليم » ، يقول: ذو حلم على خلقه، وذو أناة في تركه معاجلتهم بالعقوبة على ظلم بعضهم بعضًا، في إعطائهم الميراث لأهل الجلد والقوة من ولد الميت، وأهل الغناء والبأس منهم، دون أهل الضعف والعجز من صغار ولده وإناثهم.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:24 pm

القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 13 )
قال أبو جعفر:

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « تلك حدود الله » . فقال بعضهم: يعني به: تلك شروط الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تلك طاعة الله.
وقال آخرون: معنى ذلك: تلك سنة الله وأمره.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: تلك فرائض الله.

وقال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما نحن مبيِّنوه، وهو أن « حدّ » كل شيء: ما فصَل بينه وبين غيره، ولذلك قيل لحدود الدار وحدود الأرضين: « حدود » ، لفصلها بين ما حُدَّ بها وبين غيره.
فكذلك قوله: « تلك حدود الله » ، معناه: هذه القسمة التي قسمها لكم ربكم، والفرائض التي فرضها لأحيائكم من موتاكم في هذه الآية على ما فرض وبيَّن في هاتين الآيتين، « حدود الله » ، يعني: فصول ما بين طاعة الله ومعصيته في قسمكم مواريث موتاكم، كما قال ابن عباس. وإنما ترك « طاعة الله » ، والمعنى بذلك: حدود طاعة الله، اكتفاء بمعرفة المخاطبين بذلك بمعنى الكلام من ذكرها. والدليل على صحة ما قلنا في ذلك قوله: « ومن يطع الله ورسوله » ، والآية التي بعدها: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .
فتأويل الآية إذًا: هذه القسمة التي قسم بينكم، أيها الناس، عليها ربكم مواريثَ موتاكم، فصولٌ فصَل بها لكم بين طاعته ومعصيته، وحدود لكم تنتهون إليها فلا تتعدَّوها، ليعلم منكم أهلَ طاعته من أهل معصيته، فيما أمركم به من قسمة مواريث موتاكم بينكم، وفيما نهاكم عنه منها.
ثم أخبر جل ثناؤه عما أعدَّ لكل فريق منهم فقال لفريق أهل طاعته في ذلك: « ومن يطع الله ورسوله » في العمل بما أمره به، والانتهاء إلى ما حدَّه له في قسمة المواريث وغيرها، ويجتنبْ ما نهاه عنه في ذلك وغيره « يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار » .
فقوله: « يدخله جنات » ، يعني: بساتين تجري من تحت غروسها وأشجارها الأنهار « خالدين فيها » ، يقول: باقين فيها أبدًا لا يموتون فيها ولا يفنون، ولا يُخْرجون منها « وذلك الفوز العظيم » .
يقول: وإدخال الله إياهم الجنانَ التي وصفها على ما وصف من ذلك « الفوز العظيم » ، يعني: الفَلَح العظيم.

________________________________________________
القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ( 14 )
قال أبو جعفر:

يعني بذلك جل ثناؤه: « ومن يعص الله ورسوله » في العمل بما أمراه به من قسمة المواريث على ما أمراه بقسمة ذلك بينهم وغير ذلك من فرائض الله، مخالفًا أمرهما إلى ما نهياه عنه « ويتعدَّ حدوده » ، يقول: ويتجاوز فصُول طاعته التي جعلها تعالى فاصلة بينها وبين معصيته، إلى ما نهاه عنه من قسمة تركات موتاهم بين ورثتهم وغير ذلك من حدوده « يدخله نارًا خالدًا فيها » ، يقول: باقيًا فيها أبدًا لا يموت ولا يخرج منها أبدًا « وله عذاب مهين » ، يعني: وله عذاب مذِلٌّ من عُذِّب به مُخزٍ له.

________________________________________________
.
فإن قال قائل: أوَ مُخَلَّدٌ في النار من عصى الله ورسوله في قسمة المواريث؟


قيل: نعم، إذا جمع إلى معصيتهما في ذلك شكًّا في أن الله فرض عليه ما فرض على عباده في هاتين الآيتين، أو علم ذلك فحادَّ الله ورسوله في أمرهما على ما ذكر ابن عباس من قول من قالَ حين نـزل على رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 قول الله تبارك وتعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ إلى تمام الآيتين: أيُورَّث من لا يركب الفرس ولا يقاتل العدوَّ ولا يحوز الغنيمة، نصفَ المال أو جميع المال؟ استنكارًا منهم قسمةَ الله ما قسم لصغار ولد الميت ونسائه وإناث ولده ممن خالف قسمةَ الله ما قسم من ميراث أهل الميراث بينهم على ما قسمه في كتابه، وخالف حكمه في ذلك وحكم رسوله، استنكارًا منه حكمهما، كما استنكره الذين ذكر أمرَهم ابن عباس ممن كان بين أظهُر أصحاب رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 من المنافقين الذين فيهم نـزلت وفي أشكالهم هذه الآية فهو من أهل الخلود في النار، لأنه باستنكاره حكمَ الله في تلك، يصير بالله كافرًا، ومن ملة الإسلام خارجًا.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:26 pm

القول في تأويل قوله : وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا ( 15 )
قال أبو جعفر:


يعني بقوله جل ثناؤه: « واللاتي يأتين الفاحشة » والنساء اللاتي يأتين بالزنا، أي يزنين « من نسائكم » ، وهن محصنات ذوات أزواج أو غير ذوات أزواج « فاستشهدوا عليهن أربعة منكم » ، يقول: فاستشهدوا عليهن بما أتين به من الفاحشة أربعة رجال من رجالكم، يعني: من المسلمين « فإن شهدوا » عليهن « فامسكوهن في البيوت » ، يقول: فاحبسوهن في البيوت « حتى يتوفاهن الموت » ، يقول: حتى يمتن « أو يجعل الله لهن سبيلا » ، يعني: أو يجعل الله لهن مخرجًا وطريقًا إلى النجاة مما أتين به من الفاحشة.


#عن عبادة بن الصامت: أنّ رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 كان إذا نـزل عليه الوحي كُرِب لذلك وتربَّد له وجهه، فأنـزل الله عليه ذات يوم، فلقي ذلك. فلما سُرِّي عنه قال: « خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب، جلد مئة ثم رجم بالحجارة، والبكر بالبكر، جلد مئة ثم نفي سنة » .

_________________________

قال أبو جعفر:
وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: « أو يجعل الله لهن سبيلا » ، قول من قال: السبيلُ التي جعلها الله جل ثناؤه للثيبين المحصَنَيْن، الرجم بالحجارة، وللبكرين جلد مئة ونفي سنة لصحة الخبر عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 أنه رَجم ولم يجلد وإجماعِ الحجة التي لا يجوز عليها فيما نقلته مجمعةً عليه، الخطأ والسهو والكذب وصحةِ الخبر عنه أنه قضى في البكرين بجلد مئة ونفي سنة. فكان في الذي صح عنه من تركه جلدَ من رُجم من الزناة في عصره، دليلٌ واضح على وهَاء الخبر الذي روي عن الحسن، عن حطان، عن عبادة، عن النبي تأويل سورة النّساء Salla2 أنه قال: السبيل للثيب المحصن الجلدَ والرجم.
وقد ذكر أن هذه الآية في قراءة عبد الله: ( واللاتي يأتين بالفاحشة من نسائكم ) . والعرب تقول: « أتيت أمرًا عظيمًا، وبأمر عظيم » و « تكلمت بكلام قبيح، وكلامًا قبيحًا » .
__________________________________________


القول في تأويل قوله : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ
قال أبو جعفر:


يعني جل ثناؤه بقوله: « واللذان يأتيانها منكم » ، والرجل والمرأة اللذان يأتيانها، يقول: يأتيان الفاحشة. و « الهاء » و « الألف » في قوله: « يأتيانها » عائدة على « الفاحشة » التي في قوله: وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ . والمعنى: واللذان يأتيان منكم الفاحشة فآذوهما.
ثم اختلف أهل التأويل في المعنِّي بقوله: « واللذان يأتيانها منكم فآذوهما » .
فقال بعضهم: هما البكران اللذان لم يُحْصنا، وهما غير اللاتي عُنين بالآية قبلها. وقالوا: قوله: وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ ، معنيٌّ به الثيِّبات المحصنات بالأزواج - وقوله: « واللذان يأتيانها منكم » ، يعني به البكران غير المحصنين.

وقال آخرون: بل عُني بقوله: « واللذان يأتيانها منكم » ، الرجلان الزانيان.

وقال آخرون: بل عني بذلك الرجلُ والمرأة، إلا أنه لم يُقصَد به بكر دون ثيِّب.

قال أبو جعفر:

وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: « واللذان يأتيانها منكم » ، قول من قال: « عُني به البكران غير المحصنين إذا زنيا، وكان أحدهما رجلا والآخر امرأة » ، لأنه لو كان مقصودًا بذلك قصد البيان عن حكم الزناة من الرجال، كما كان مقصودًا بقوله: وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ قصد البيان عن حكم الزواني، لقيل: « والذين يأتونها منكم فآذوهم » ، أو قيل: « والذي يأتيها منكم » ، كما قيل في التي قبلها: وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ ، فأخرج ذكرهن على الجميع، ولم يقل: « واللتان يأتيان الفاحشة » .
وكذلك تفعل العرب إذا أرادت البيان على الوعيد على فعل أو الوعد عليه، أخرجت أسماءَ أهله بذكر الجميع أو الواحد وذلك أن الواحد يدل على جنسه ولا تخرجها بذكر اثنين. فتقول: « الذين يفعلون كذا فلهم كذا » ، « والذي يفعل كذا فله كذا » ، ولا تقول: « اللذان يفعلان كذا فلهما كذا » ، إلا أن يكون فعلا لا يكون إلا من شخصين مختلفين، كالزنا لا يكون إلا من زانٍ وزانية. فإذا كان ذلك كذلك قيل بذكر الاثنين، يراد بذلك الفاعل والمفعول به. فأما أن يذكر بذكر الاثنين، والمراد بذلك شخصان في فعل قد ينفرد كل واحد منهما به، أو في فعل لا يكونان فيه مشتركين، فذلك ما لا يُعْرف في كلامها.
وإذا كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ فسادُ قول من قال: عني بقوله: « واللذان يأتيانها منكم الرجلان » وصحةُ قول من قال: عني به الرجل والمرأة.
وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنهما غير اللواتي تقدم بيان حكمهن في قوله: وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ ، لأن هذين اثنان، وأولئك جماعة.
وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الحبس كان للثيّبات عقوبة حتى يتوفَّين من قبل أن يجعل لهن سبيلا لأنه أغلظ في العقوبة من الأذى الذي هو تعنيف وتوبيخ أو سب وتعيير، كما كان السبيل التي جعلت لهن من الرجم، أغلظ من السبيل التي جعلت للأبكار من جلد المئة ونفي السنة.


_________________________

القول في تأويل قوله تعالى: فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ( 16 )
قال أبو جعفر:


اختلف أهل التأويل في « الأذى » الذي كان الله تعالى ذكره جعله عقوبة للذين يأتيان الفاحشة، من قبل أن يجعل لهما سبيلا منه.
فقال بعضهم: ذلك الأذى، أذًى بالقول واللسان، كالتعيير والتوبيخ على ما أتيا من الفاحشة.

.
وقال آخرون: كان ذلك الأذى، أذًى اللسان، غير أنه كان سبًّا.
وقال آخرون: بل كان ذلك الأذى باللسان واليد.

__________________
قال أبو جعفر:

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره كان أمر المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين، إذا أتيا ذلك وهما من أهل الإسلام. و « الأذى » قد يقع لكل مكروه نال الإنسان، من قول سيئ باللسان أو فعل. وليس في الآية بيان أيّ ذلك كان أمر به المؤمنون يومئذ، ولا خبر به عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 من نقل الواحد ولا نقل الجماعة الموجب مجيئهما قطعَ العذر.
وأهل التأويل في ذلك مختلفون، وجائز أن يكون ذلك أذى باللسان أو اليد، وجائز أن يكون كان أذى بهما. وليس في العلم بأيِّ ذلك كان من أيٍّ نفعٌ في دين ولا دنيا، ولا في الجهل به مضرة، إذْ كان الله جل ثناؤه قد نسخ ذلك من مُحكمه بما أوجب من الحكم على عباده فيهما وفي اللاتي قبلهما. فأما الذي أوجب من الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في « سورة النور: 2 » بقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ . وأما الذي أوجب في اللاتي قبلهما، فالرجم الذي قضى به رسول الله فيهما. وأجمع أهل التأويل جميعًا على أن الله تعالى ذكره قد جعل لأهل الفاحشة من الزناة والزواني سبيلا بالحدود التي حكم بها فيهم.

وقال جماعة من أهل التأويل: إن الله سبحانه نسخ بقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ] سورة النور: 2 ] ، قوله: « واللذان يأتيانها منكم فآذوهما » .
_______________________________


وأما قوله: « فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما » فإنه يعني به جل ثناؤه: فإن تابا من الفاحشة التي أتيا فراجعا طاعة الله بينهما « وأصلحا » ، يقول: وأصلحا دينهما بمراجعة التوبة من فاحشتهما، والعمل بما يرضي الله « فأعرضوا عنهما » ، يقول: فاصفحوا عنهما، وكفوا عنهما الأذى الذي كنت أمرتكم أن تؤذوهما به عقوبة لهما على ما أتيا من الفاحشة، ولا تؤذوهما بعد توبتهما.
_____________________________


وأما قوله: « إن الله كان توابًا رحيما » ، فإنه يعني: إن الله لم يزل راجعًا لعبيده إلى ما يحبون إذا هم راجعوا ما يحب منهم من طاعته « رحيما » بهم، يعني: ذا رحمة ورأفة.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:27 pm


تأويل سورة النّساء Attachment


القول في تأويل قوله : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة » ، ما التوبة على الله لأحد من خلقه، إلا للذين يعملون السوء من المؤمنين بجهالة ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ، يقول: ما الله براجع لأحد من خلقه إلى ما يحبه من العفو عنه والصفح عن ذنوبه التي سلفت منه، إلا للذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون، ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلى ما أمرهم الله به من الندم عليه والاستغفار وترك العود إلى مثله من قبل نـزول الموت بهم. وذلك هو « القريب » الذي ذكره الله تعالى ذكره فقال: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ .
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. غير أنهم اختلفوا في معنى قوله: « بجهالة » .
فقال بعضهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه، وذهب إلى أنّ عمله السوء، هو « الجهالة » التي عناها.

وقال آخرون: معنى قوله: « للذين يعملون السوء بجهالة » ، يعملون ذلك على عمد منهم له.

وقال آخرون: معنى ذلك: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء في الدنيا.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قولُ من قال: تأويلها: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء، وعملهم السوء هو الجهالة التي جهلوها، عامدين كانوا للإثم، أو جاهلين بما أعدّ الله لأهلها.
وذلك أنه غير موجود في كلام العرب تسمية العامد للشيء: « الجاهل به » ، إلا أن يكون معنيًّا به أنه جاهل بقدر منفعته ومضرّته، فيقال: « هو به جاهل » ، على معنى جهله بمعنى نفعه وضُرّه. فأما إذا كان عالمًا بقدر مبلغ نفعه وضرّه، قاصدًا إليه، فغيرُ جائز من أجل قصده إليه أن يقال « هو به جاهل » ، لأن « الجاهل بالشيء » ، هو الذي لا يعلمه ولا يعرفه عند التقدم عليه أو ] الذي ] يعلمه، فيشبَّه فاعله، إذ كان خطًأ ما فعله، بالجاهل الذي يأتي الأمر وهو به جاهل، فيخطئ موضع الإصابة منه، فيقال: « إنه لجاهل به » ، وإن كان به عالمًا، لإتيانه الأمر الذي لا يأتي مثله إلا أهل الجهل به.
وكذلك معنى قوله: « يعملون السوء بجهالة » ، قيل فيهم: « يعملون السوء بجهالة » وإن أتوه على علم منهم بمبلغ عقاب الله أهله، عامدين إتيانه، مع معرفتهم بأنه عليهم حرام لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التي لا يأتي مثله إلا من جَهِل عظيمَ عقاب الله عليه أهلَه في عاجل الدنيا وآجل الآخرة، فقيل لمن أتاه وهو به عالم: « أتاه بجهالة » ، بمعنى أنه فعل فعل الجهَّال به، لا أنه كان جاهلا.
وقد زعم بعض أهل العربية أن معناه: أنهم جهلوا كُنْه ما فيه من العقاب، فلم يعلموه كعلم العالم، وإن علموه ذنبًا، فلذلك قيل: « يعملون السوء بجهالة » .

قال أبو جعفر: ولو كان الأمر على ما قال صاحب هذا القول، لوجب أن لا تكون توبة لمن علم كُنْه ما فيه. وذلك أنه جل ثناؤه قال: « إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب » دون غيرهم. فالواجب على صاحب هذا القول أن لا يكون للعالم الذي عمل سوءًا على علم منه بكنه ما فيه، ثم تاب من قريب توبة، وذلك خلاف الثابت عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2: من أن كل تائب عسى الله أن يتوب عليه وقوله: « باب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشمس من مغربها » وخلاف قول الله عز وجل: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ] سورة الفرقان: 70 ] .

__________________________________________________ ___

القول في تأويل قوله : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى: « القريب » في هذا الموضع.
فقال بعضهم: معنى ذلك: ثم يتوبون في صحتهم قبل مرضهم وقبل موتهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل معاينة مَلَك الموت.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل الموت.

# عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 قال: إن إبليس لما رأى آدم أجْوفَ قال: وعزتك لا أخرج من جوفه ما دام فيه الروح! فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي لا أحُول بينه وبين التوبة ما دام فيه الروح.

# عن أبي أيوب بُشَيْر بن كعب: أن نبيّ الله تأويل سورة النّساء Salla2 قال: « إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغر » .
حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 قال، فذكر مثله. .

# عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 قال: إن الله تبارك وتعالى يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ.

قال أبو جعفر:

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: تأويله: ثم يتوبون قبل مماتهم، في الحال التي يفهمون فيها أمر الله تبارك وتعالى ونهيَه، وقبل أن يُغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحَشْرجة وغمّ الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه، ولا يعقلوا التوبة، لأن التوبة لا تكون توبة إلا ممن ندمٍ على ما سلف منه، وعزمٍ منه على ترك المعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك المعاودة: فأما إذا كان بكرب الموت مشغولا وبغمّ الحشرجة مغمورًا، فلا إخالُه إلا عن الندم على ذنوبه مغلوبًا. ولذلك قال من قال: « إن التوية مقبولة، ما لم يغرغر العبد بنفسه » ، فإن كان المرء في تلك الحال يعقل عقلَ الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأريب، فأحدث إنابة من ذنوبه، ورجعةً من شروده عن رَبه إلى طاعته، كان إن شاء الله ممن دخل في وعد الله الذي وعد التائبين إليه من إجرامهم من قريب بقوله: « إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب » .

__________________________________________________ ___

القول في تأويل قوله : فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 17 )
قال أبو جعفر:


يعني بقوله جل ثناؤه: « فأولئك » ، فهؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب « يتوب الله عليهم » ، دون من لم يتب حتى غُلب على عقله، وغمرته حشرجة ميتته، فقال وهو لا يفقه ما يقول: « إني تبت الآن » ، خداعًا لربه، ونفاقًا في دينه.
ومعنى قوله: « يتوب الله عليهم » ، يرزقهم إنابة إلى طاعته، ويتقبل منهم أوبتهم إليه وتوبتهم التي أحدثوها من ذنوبهم.
وأما قوله: « وكان الله عليما حكيما » ، فإنه يعني: ولم يزل الله جل ثناؤه « عليما » بالناس من عباده المنيبين إليه بالطاعة، بعد إدبارهم عنه، المقبلين إليه بعد التولية، وبغير ذلك من أمور خلقه « حكيمًا » ، في توبته على من تاب منهم من معصيته، وفي غير ذلك من تدبيره وتقديره، ولا يدخل أفعاله خلل، ولا يُخالطه خطأ ولا زلل.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:27 pm



تأويل سورة النّساء Attachment


القول في تأويل قوله: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا
قال أبو جعفر:


يعني جل ثناؤه بقوله: « وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج » ، وإن أردتم، أيها المؤمنون، نكاح امرأة مكان امرأة لكم تطلقونها « وآتيتم إحداهن » ، يقول: وقد أعطيتم التي تريدون طلاقها من المهر « قنطارًا » .
و « القنطار » المال الكثير. وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف أهل التأويل في مبلغه، والصوابَ من القول في ذلك عندنا.
« فلا تأخذوا منه شيئًا » ، يقول: فلا تضرُّوا بهن إذا أردتم طلاقهن ليفتدين منكم بما آتيتموهن،

_________________________________________

القول في تأويل قوله: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ( 20 )
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: « أتأخذونه » ، أتأخذون ما آتيتموهن من مهورهن « بهتانا » ، يقول: ظلمًا بغير حق « وإثما مبينًا » ، يعني: وإثمًا قد أبان أمرُ آخذه أنه بأخذه إياه لمن أخذَه منه ظالم.


_________________________________________

القول في تأويل قوله: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « وكيف تأخذونه » ، وعلى أي وجه تأخذون من نسائكم ما آتيتموهن من صدقاتهن، إذا أردتم طلاقهن واستبدال غيرهن بهن أزواجًا « وقد أفضى بعضكم إلى بعض » ، فتباشرتم وتلامستم.
وهذا كلام وإن كان مخرجه مخرج الاستفهام، فإنه في معنى النكير والتغليظ، كما يقول الرجل لآخر: « كيف تفعل كذا وكذا، وأنا غير راضٍ به؟ » ، على معنى التهديد والوعيد.
وأما « الإفضاء » إلى الشيء، فإنه الوصول إليه بالمباشرة له، كما قال الشاعر:
] بَلِينَ ] بِـلًى أَفْضَـى إلَـى ] كُلِّ ] كُتْبَـةٍ بَـدَا سَـيْرُهَا مِـنْ بَـاطِنٍ بَعْدَ ظَاهِرِ
يعني بذلك أن الفساد والبلى وصل إلى الخُرَز. والذي عُني به « الإفضاء » في هذا الموضع، الجماعُ في الفرج.
فتأويل الكلام إذ كان ذلك معناه: وكيف تأخذون ما آتيتموهن، وقد أفضى بعضكم إلى بعض بالجماع.
_________________________________________


القول في تأويل قوله : وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ( 21 )
قال أبو جعفر: أيْ: ما وثَّقتم به لهنَّ على أنفسكم، من عهد وإقرار منكم بما أقررتم به على أنفسكم، من إمساكهن بمعروف، أو تسريحهنّ بإحسان.
وكان في عقد المسلمين النكاحَ قديمًا فيما بلغنا - أن يقال لناكح: « آلله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرِّحن بإحسان » !

. _________________________________________
واختلف أهل التأويل في « الميثاق » الذي عنى الله جل ثناؤه بقوله: « وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا » .
فقال بعضهم:
هو إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
_________________________________________


وقال آخرون: هو كلمة النكاح التي استحلَّ بها الفرجَ.
_________________________________________


وقال آخرون: بل عنى قول النبي تأويل سورة النّساء Salla2: « أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله » .
_________________________________________


قال أبو جعفر:

وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك، قولُ من قال: الميثاق الذي عُني به في هذه الآية: هو ما أخذ للمرأة على زوجها عند عُقْدة النكاح من عهدٍ على إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان، فأقرَّ به الرجل. لأن الله جل ثناؤه بذلك أوصى الرجالَ في نسائهم.
وقد بينا معنى « الميثاق » فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
_________________________________________


واختلف في حكم هذه الآية، أمحكمٌ أم منسوخ؟
فقال بعضهم: محكم، وغير جائز للرجل أخذُ شيء مما آتاها، إذا أراد طلاقها، إلا أن تكون هي المريدةَ الطلاقَ.
وقال آخرون: هي محكمة، غير جائز له أخذ شيء مما آتاها منها بحال، كانت هي المريدةَ للطلاق أو هو. وممن حُكي عنه هذا القول، بكر بن عبد الله بن المزني.


قال آخرون: بل هي منسوخة، نسخها قوله: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ] سورة البقرة: 229 ] .

_________________________________________

قال أبو جعفر:
وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: « إنها محكمة غير منسوخة » ، وغير جائز للرجل أخذ شيء مما آتاها، إذا أراد طلاقها من غير نشوز كان منها، ولا ريبة أتت بها.

وذلك أن الناسخ من الأحكام، ما نَفَى خلافه من الأحكام، على ما قد بيَّنا في سائر كتبنا. وليس في قوله: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ ، نَفْي حكمِ قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ] سورة البقرة: 229 ] . لأن الذي حرَّم الله على الرجل بقوله: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ، أخذُ ما آتاها منها إذا كان هو المريدَ طلاقَها. وأما الذي أباح له أخذَه منها بقوله: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ، فهو إذا كانت هي المريدةَ طلاقَه وهو له كاره، ببعض المعاني التي قد ذكرنا في غير هذا الموضع. وليس في حكم إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى.
وإذ كان ذلك كذلك، لم يجز أن يُحكم لإحداهما بأنها ناسخة، وللأخرى بأنها منسوخة، إلا بحجة يجبُ التسليم لها.
وأما ما قاله بكر بن عبد الله المزني : من أنه ليس لزوج المختلعة أخذُ ما أعطته على فراقه إياها، إذا كانت هي الطالبةَ الفرقةَ، وهو الكاره فليس بصواب، لصحة الخبَرِ عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 بأنه أمرَ ثابت بن قيس بن شماس بأخذ ما كان ساق إلى زوجته وفراقِها إذ طلبت فراقه، وكان النشوز من قِبَلها.


_________________________________________

القول في تأويل قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا ( 22 )
قال أبو جعفر:

قد ذكر أن هذه الآية نـزلت في قوم كانوا يَخْلُفُون على حلائل آبائهم، فجاء الإسلام وهم على ذلك، فحرّم الله تبارك وتعالى عليهم المُقام عليهن، وعفا لهم عما كان سلف منهم في جاهليتهم وشِرْكهم من فعل ذلك، لم يؤاخذهم به، إن هم اتقوا الله في إسلامهم وأطاعوه فيه.
ذكر الأخبار التي رويت في ذلك:

_________________________________________

واختلف في معنى قوله: « إلا ما قد سلف » .

فقال بعضهم: معناه: لكن ما قد سلف فدعوه. وقالوا: هو من الاستثناء المنقطع.


وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تنكحوا نكاح آبائكم بمعنى: ولا تنكحوا كنكاحهم، كما نكحوا على الوجوه الفاسدة التي لا يجوز مثلها في الإسلام « إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا » ، يعني: أن نكاح آبائكم الذي كانوا ينكحونه في جاهليتهم، كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا - إلا ما قد سلف منكم في جاهليتكم من نكاح، لا يجوز ابتداء مثله في الإسلام، فإنه معفوٌّ لكم عنه.

وقالوا: قوله: « ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء » ، كقول القائل للرجل: « لا تفعل ما فعلتُ » ، و « لا تأكل كما أكلت » ، بمعنى: ولا تأكل كما أكلت، ولا تفعل كما فعلتُ.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بالنكاح الجائز كان عقده بينهم، إلا ما قد سلف منهم من وجوه الزنا عندهم، فإنّ نكاحهن لكم حلال، لأنهن لم يكن لهم حلائل، وإنما كان ما كان من آبائكم ومنهن من ذلك، فاحشة ومقتًا وساء سبيلا.
_________________________________________


قال أبو جعفر:

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، على ما قاله أهل التأويل في تأويله، أن يكون معناه: ولا تنكحوا من النساء نكاحَ آبائكم، إلا ما قد سلف منكم فَمَضى في الجاهلية، فإنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا فيكون قوله: « من النساء » من صلة قوله: « ولا تنكحوا » ، ويكون قوله: « ما نكح آباؤكم » بمعنى المصدر، ويكون قوله: « إلا ما قد سلف » بمعنى الاستثناء المنقطع، لأنه يحسن في موضعه: « لكن ما قد سلف فمضى » « إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا » .
_________________________________________


فإن قال قائل: وكيف يكون هذا القول موافقًا قولَ من ذكرت قولَه من أهل التأويل، وقد علمتَ أن الذين ذكرتَ قولهم في ذلك، إنما قالوا: أنـزلت هذه الآية في النَّهي عن نكاح حلائل الآباء، وأنت تذكر أنهم إنما نهوا أن ينكحوا نكاحَهم؟
قيل له: إنما قلنا إن ذلك هو التأويل الموافق لظاهر التنـزيل، إذ كانت « ما » في كلام العرب لغير بني آدم، وأنه لو كان المقصودَ بذلك النهيُ عن حلائل الآباء، دون سائر ما كان من مَناكح آبائِهم حرامًا ابتداءُ مثله في الإسلام بِنَهْي الله جل ثناؤه عنه، لقيل: « ولا تنكحوا مَنْ نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف » ، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، إذ كان « مَنْ » لبني آدم، و « ما » لغيرهم ولم يُقَلْ: « ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء » .

_________________________________________

] وأما قوله تعالى ذكره: « ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء » ] ، فإنه يدخل في « ما » ، ما كان من مناكح آبائهم التي كانوا يتناكحونها في جاهليتهم. فحرَّم عليهم في الإسلام بهذه الآية، نكاحَ حلائل الآباء وكلَّ نكاح سواه نهى الله تعالى ذكره ] عن ] ابتداء مثله في الإسلام، مما كان أهل الجاهلية يتناكحونه في شِرْكهم.
ومعنى قوله: « إلا ما قد سلف » ، إلا ما قد مضى « إنه كان فاحشة » ، يقول: إن نكاحكم الذي سلف منكم كنكاح آبائكم المحرَّم عليكم ابتداءُ مثله في الإسلام بعد تحريمي ذلك عليكم « فاحشة » ، يقول: معصية « ومقتًا وساء سبيلا » ، أي: بئس طريقًا ومنهجًا، ما كنتم تفعلون في جاهليتكم من المناكح التي كنتم تناكحونها.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:28 pm





تأويل سورة النّساء Attachment

_______________________________________

القول في تأويل قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ( 23 )
قال أبو جعفر:


يعني بذلك تعالى ذكره: حُرّم عليكم نكاح أمهاتكم فترك ذكر « النكاح » ، اكتفاءً بدلالة الكلام عليه.
وكان ابن عباس يقول في ذلك :-
(: حُرّم من النسب سبعٌ، ومن الصِّهر سبعٌ. ثم قرأ: « حُرّمت عليكم أمهاتكم » حتى بلغ: « وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف » ، قال: والسابعة: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ . )
.
قال أبو جعفر:


فكل هؤلاء اللواتي سَمَّاهن الله تعالى وبيَّن تحريمَهن في هذه الآية، مُحَرَّمات، غيرُ جائز نكاحُهن لمن حَرَّم الله ذلك عليه من الرجال، بإجماع جميع الأمة، لا اختلاف بينهم في ذلك: إلا في أمهات نسائِنا اللواتي لم يدخُلْ بهن أزواجُهن، فإن في نكاحهن اختلافًا بين بعض المتقدِّمين من الصحابة: إذا بانت الابنة قبلَ الدخول بها من زوجها، هل هُنّ من المُبْهمات، أم هنّ من المشروط فيهن الدخول ببناتهنّ؟
فقال جميع أهل العلم متقدمهم ومتأخرهم: من المُبهمات، وحرام على من تزوَّج امرأةً أمُّها، دخل بامرأته التي نكحها أو لم يدخل بها. وقالوا: شرطُ الدخول في الرَّبيبة دون الأم، فأما أمُّ المرأة فمُطْلقة بالتحريم. قالوا: ولو جاز أن يكون شرطُ الدخول في قوله: « وربائبكم اللاتي في حُجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن » ، يرجع موصولا به قوله: « وأمهات نسائكم » ، جاز أن يكون الاستثناء في قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ من جميع المحرّمات بقوله: « حرّمت عليكم » ، الآية. قالوا: وفي إجماع الجميع على أنّ الاستثناء في ذلك إنما هو مما وَلِيَه من قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ ، أبينُ الدِّلالة على أن الشرط في قوله: « من نسائكم اللاتي دخلتم بهن » ، مما وَليه من قوله: « وربائبكم اللاتي في حجوركم من نِسَائكم اللاتي دخلتم بهن » ، دون أمَّهات نسائنا.
وروي عن بعض المتقدِّمين أنه كان يقول: حلالٌ نكاح أمَّهات نسائنا اللواتي لم ندخل بهن، وأنّ حكمهن في ذلك حكم الربائب.

قال أبو جعفر:

والقول الأول أولى بالصواب، أعني قولَ من قال: « الأمّ من المبهمات » . لأن الله لم يشرط معهن الدخول ببناتهن، كما شرط ذلك مع أمهات الرَّبائب، مع أن ذلك أيضًا إجماعٌ من الحجة التي لا يجوز خِلافُها فيما جاءت به متفقة عليه. وقد روي بذلك أيضًا عن النبي تأويل سورة النّساء Salla2 خبرٌ، غيرَ أنَّ في إسناده نظرًا،
# عن النبي تأويل سورة النّساء Salla2 قال: إذا نكح الرجلُ المرأة، فلا يحل له أن يتزوج أمَّها، دخل بالابنة أم لم يدخل. وإذا تزوج الأمَّ فلم يدخل بها ثم طلقها، فإن شاء تزوَّج الابنة.

قال أبو جعفر:

وهذا خبر، وإن كان في إسناده ما فيه، فان في إجماع الحجة على صحة القول به، مستغنًى عن الاستشهاد على صِحَّته بغيره.
حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال لعطاء: الرجل ينكح المرأة لم يَرَها ولم يجامعها حتى يطلقها، أيحل له أمها؟ قال: لا هي مُرسلة. قلت لعطاء: أكان ابن عباس يقرأ: « وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن » ؟ قال: « لا » ، تترى قال حجاج، قلت لابن جريج: ما « تترى » ؟ قال: كأنه قال: لا! لا!
وأما « الربائب » فإنه جمع « ربيبة » ، وهي ابنة امرأة الرجل. قيل لها « ربيبة » لتربيته إياها، وإنما هي « مربوبة » صرفت إلى « ربيبة » ، كما يقال: « هي قتيلة » من « مقتولة » . وقد يقال لزوج المرأة: « هو ربيب ابن امرأته » ، يعني به: « هو رَابُّه » ، كما يقال: « هو خابر، وخبير » و « شاهد، وشهيد » .
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: « من نسائكم اللاتي دخلتم بهن » .
فقال بعضهم: معنى « الدخول » في هذا الموضع، الجماعُ.
ذكر من قال ذلك:
حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « من نسائكم اللاتي دخلتم بهن » ، والدخول النكاح.
وقال آخرون: « الدخول » في هذا الموضع: هو التَّجريد.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قلت لعطاء: قوله: « اللاتي دخلتم بهن » ، ما « الدّخول بهن » ؟ قال: أن تُهْدَى إليه فيكشف ويَعْتسَّ، ويجلس بين رجليها. قلت: أرأيت إن فعل ذلك في بيتِ أهلها؟ قال: هو سواءٌ، وَحسْبُه! قد حرَّم ذلك عليه ابنتَها. قلت: تحرم الربيبة مِمَّن يصنع هذا بأمها؟ ألا يحرُم عليَّ من أمَتي إن صنعته بأمها؟ قال: نعم، سواء. قال عطاء: إذا كشف الرجل أَمته وجلس بين رجليها، أنهاه عن أمِّها وابنتها.
قال أبو جعفر: وأولى القولين عندي بالصواب في تأويل ذلك، ما قاله ابن عباس، من أنّ معنى: « الدخول » الجماع والنكاح. لأن ذلك لا يخلو معناه من أحد أمرين: إما أن يكون على الظاهر المتعارَف من معاني « الدخول » في الناس، وهو الوصول إليها بالخلوة بها أو يكون بمعنى الجماع. وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يحرِّم عليه ابنتها إذا طلِّقها قبل مَسِيسها ومُباشرتها، أو قبل النَّظر إلى فرجها بالشهوة، ما يدلُّ على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع.
وإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الصحيح من التأويل في ذلك ما قلناه.
وأما قوله: « فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم » ، فإنه يقول: فإن لم تكونوا، أيها الناس، دخلتم بأمهات ربائبكم اللاتي في حجوركم فجامعتموهن حتى طلقتموهن « فلا جناح عليكم » ، يقول: فلا حرج عليكم في نكاح من كان من ربائبكم كذلك.
_______________________________________



وأما قوله: « وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم » ، فإنه يعني: وأزواج أبنائكم الذين من أصلابكم.
وهي جمع « حليلة » وهي امرأته. وقيل: سميت امرأة الرجل « حليلته » ، لأنها تحلُّ معه في فراش واحد.
ولا خلاف بين جميع أهل العلم أن حليلة ابن الرجل، حرامٌ عليه نكاحها بعقد ابنه عليها النكاح، دخل بها أو لم يدخل بها.
فإن قال قائل: فما أنت قائلٌ في حلائل الأبناء من الرضاع، فإن الله تعالى إنما حرم حلائل أبنائِنا من أصلابنا؟
قيل: إن حلائل الأبناء من الرضاع، وحلائل الأبناء من الأصلاب، سواء في التحريم. وإنما قال: « وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم » ، لأن معناه: وحلائل أبنائكم الذين ولدتموهم، دون حلائل أبنائكم الذين تبنيتموهم،

_______________________________________

وأما قوله: « وأن تجمعوا بين الأختين » فإن معناه: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين عندكم بنكاح ف « أن » في موضع رفع، كأنه قيل: والجمع بين الأختين.
« إلا ما قد سلف » لكن ما قد مضى منكم « إن الله كان غفورًا » لذنوب عباده إذا تابوا إليه منها « رحيما » بهم فيما كلَّفهم من الفرائض، وخفَّف عنهم فلم يحمِّلهم فوق طاقتهم.
يخبر بذلك جل ثناؤه: أنه غفور لمن كان جمع بين الأختين بنكاح في جاهليته، وقبلَ تحريمه ذلك، إذا اتقى الله تبارك وتعالى بعدَ تحريمه ذلك عليه، فأطاعه باجتنابه رحيمٌ به وبغيره من أهل طاعته من خَلْقِه.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:28 pm




تأويل سورة النّساء Attachment

__________________________________________________

القول في تأويل قوله : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ


قال أبو جعفر:

يعني بذلك جل ثناؤه: حرمت عليكم المحصناتُ من النساءِ، إلا ما ملكت أيمانكم.
واختلف أهل التأويل في « المحصنات » التي عناهن الله في هذه الآية.
فقال بعضهم: هن ذواتُ الأزواج غير المسبيَّات منهن، و « ملكُ اليمين » : السَّبايا اللواتي فرَّق بينهن وبين أزواجهن السِّبَاء، فحللن لمن صِرْن له بملك اليمين، من غير طلاق كان من زوجها الحرْبيّ لها.
.
واعتلّ قائلو هذه المقالة، بالأخبار التي رويت أن هذه الآية نـزلت فيمن سُبي من أَوْطاس.

# عن أبي سعيد الخدري: أن نبيَّ الله تأويل سورة النّساء Salla2 يوم حنين بعثَ جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوًّا، فأصابوا سبايَا لهن أزواجٌ من المشركين، فكان المسلمون يتأثَّمون من غشيانهن، فأنـزل الله تبارك وتعالى هذه الآية: « والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم » ، أي: هُنّ حلال لكم إذا ما انقضت عِدَدهن.
حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل: أن أبا علقمة الهاشمي حدَّث، أنّ أبا سعيد الخدري حدث: أن نبيّ الله تأويل سورة النّساء Salla2 بعث يوم حُنين سريَّة، فأصابوا حيًّا من أحياء العرب يومَ أوطاس، فهزموهم وأصابوا لهم سبايَا، فكان ناسٌ من أصحاب رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 يتأثَّمون من غشيانهن من أجل أزواجهن، فأنـزل الله تبارك وتعالى: « والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم » منهن، فحلالٌ لكم ذلك.

# عن أبي سعيد الخدري قال: لما سبىَ رسولُ الله تأويل سورة النّساء Salla2 أهلَ أوطاس، قلنا: يا رسول الله، كيف نقَعُ على نساء قد عرفنا أنسابَهنَّ وأزواجَهن؟ قال: فنـزلت هذه الآية: « والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم » .

______
وقال آخرون ممن قال: « المحصنات ذوات الأزواج في هذا الموضع » : بل هُنَّ كل ذات زوج من النساء، حرامٌ على غير أزواجهن، إلا أن تكون مملوكة اشتراها مشترٍ من مولاها، فتحلُّ لمشتريها، ويُبْطِل بيعُ سيِّدها إياها النكاحَ بينها وبين زوجها.

وقال آخرون: بل معنى « المحصنات » في هذا الموضع: العفائف. قالوا: وتأويل الآية: والعفائف من النساء حرام أيضًا عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم منهن بنكاح وصداق وسُنّة وشُهودٍ، من واحدةٍ إلى أربع.


ثمّ ذكر من قال: « عنى بالمحصنات في هذا الموضع، العفائفَ من المسلمين وأهل الكتاب » .


وقال آخرون: « المحصنات » في هذا الموضع، ذوات الأزواج، غير أن الذي حرَّم الله منهن في هذه الآية، الزنا بهنّ، وأباحهن بقوله: « إلا ما ملكت أيمانكم » بالنكاح أو الملك.


وقال آخرون: بل هن نساءُ أهل الكتاب.

وقال آخرون: بل هن الحرائر.
\
وقال آخرون: « المحصنات » هن العفائف وذوات الأزواج، وحرام كُلُّ من الصنفين إلا بنكاحٍ أو ملك يمين.

.
وقال آخرون: نـزلت هذه الآية في نساء كنَّ يهاجرن إلى رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 ولهن أزواج، فيتزوّجُهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجُهن مهاجرين، فنهى المسلمون عن نكاحهن.
.
وقد ذكر ابن عباس وجماعة غيره أنه كان ملتبسًا عليهم تأويل ذلك.


_____________


قال أبو جعفر: فأما « المحصنات » ، فإنَّهن جمع « مُحْصَنة » ، وهي التي قد مُنع فرجها بزوج. يقال منه: « أحْصَن الرجلُ امرأته فهو يُحْصنها إحصانًا » ، « وحَصُنت هي فهي تَحْصُن حَصَانة » ، إذا عفَّت « وهي حاصِنٌ من النساء » ، عفيفة، كما قال العجاج:
وَحَــاصِنٍ مِــنْ حَاصِنَــاتٍ مُلْسٍ عَــنِ الأذَى وَعَـنْ قِـرَافِ الْـوَقْسِ

ويقال أيضًا، إذا هي عَفَّت وحفِظت فرجها من الفجور: « قد أحصَنَتْ فرجها فهي مُحْصِنة » ، كما قال جل ثناؤه: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ] سورة التحريم: 12 ] ، بمعنى: حفظته من الريبة، ومنعته من الفجور. وإنما قيل لحصون المدائن والقرى: « حُصُون » ، لمنعها من أرادَها وأهلَها، وحفظِها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها. ولذلك قيل للدرع: « درع حَصِينة » .

فإذا كان أصل « الإحصان » ما ذكرنا من المنع والحفظ، فبيِّنٌ أنّ معنى قوله: « والمحصنات من النساء » ، والممنوعات من النساء حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم.

وإذ كان ذلك معناه، وكان الإحصان قد يكون بالحرّية، كما قال جل ثناؤه: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ] سورة المائدة: 5 ] ويكون بالإسلام، كما قال تعالى ذكره: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ] سورة النساء: 25 ] ويكون بالعفة، كما قال جل ثناؤه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ] سورة النور: 4 ] ويكون بالزوج ولم يكن تبارك وتعالى خصّ محصَنة دون محصنة في قوله: « والمحصنات من النساء » فواجبٌ أن تكون كلُّ مُحْصنة بأيّ معاني الإحصان كان إحصانها، حرامًا علينا سفاحًا أو نكاحًا إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء، كما أباحه لنا كتابُ الله جل ثناؤه، أو نكاح على ما أطلقه لنا تنـزيل الله.


فالذي أباحه الله تبارك وتعالى لنا نكاحًا من الحرائر: الأربعُ، سوى اللَّواتي حُرِّمن علينا بالنسب والصهر ومن الإماء: ما سبينا من العدوِّ، سوى اللواتي وافق معناهن معنى ما حُرِّم علينا من الحرائر بالنسب والصهر، فإنهن والحرائر فيما يحل ويحرُم بذلك المعنى، متفقاتُ المعاني وسوى اللّواتي سبيناهنّ من أهل الكتابين ولهن أزواج، فإن السبِّاء يحلُّهن لمن سبَاهن بعد الاستبراء، وبعد إخراج حق الله تبارك وتعالى الذي جعله لأهل الخُمس منهنّ. فأما السِّفاح، فإن الله تبارك وتعالى حرّمه من جميعهن، فلم يحلّه من حُرّة ولا أمة، ولا مسلمة، ولا كافرةٍ مشركة.

وأما الأمة التي لها زوج، فإنها لا تحلّ لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها، أو وفاته وانقضاء عدتها منه. فأمَّا بيع سيدها إياها، فغيرُ موجب بينها وبين زوجها فراقًا ولا تحليلا لمشتريها، لصحة الخبر عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2: أنه خَيَّرَ بَرِيرة إذ أعتقتها عائشة، بين المُقام مع زوجها الذي كان سادَتُها زوَّجوها منه في حال رِقِّها، وبين فراقه ولم يجعل تأويل سورة النّساء Salla2 عِتْق عائشة إيّاها لها طلاقًا. ولو كان عتقُها وزوالُ مِلك عائشة إياها لها طلاقًا، لم يكن لتخيير النبيِّ تأويل سورة النّساء Salla2 إياها بين المقام مع زوجها والفراق، معنًى ولوجب بالعتق الفراق، وبزوال ملك عائشة عنها الطلاق. فلما خيَّرها النبي تأويل سورة النّساء Salla2 بين الذي ذكرنا وبين المقام مع زوجها والفراق، كان معلومًا أنه لم يخير بين ذلك إلا والنكاح عقدُه ثابت كما كان قبل زوال ملك عائشة عنها. فكان نظيرًا للعتق الذي هو زوال مِلك مالك المملوكة ذات الزوج عنها البيعُ، الذي هو زوال ملك مالكها عنها، إذ كان أحدهما زوالا ببيع، والآخر بعتق في أن الفُرْقة لا تجب بينها وبين زوجها بهما ولا بواحد منهما، ] ولا يجب بهما ولا بواحدٍ منهما طلاقٌ ] ، وإن اختلفا في معانٍ أُخر: من أن لها في العتق الخيارُ في المقام مع زوجها والفراق، لعلة مفارقةٍ معنى البيع، وليس ذلك لها في البَيْع.
____________

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف يكون معنيًّا بالاستثناء من قوله: « والمحصنات من النساء » ، ما وراء الأربع، من الخمس إلى ما فوقهن بالنكاح، والمنكوحات به غير مملوكات؟.
قيل له: إن الله تعالى لم يخصّ بقوله: « إلا ما ملكت أيمانكم » ، المملوكات الرقابَ، دون المملوك عليها بعقد النكاح أمرُها، بل عمَّ بقوله: « إلا ما ملكت أيمانكم » ، كلا المعنيين أعني ملك الرقبة، وملك الاستمتاع بالنكاح لأن جميع ذلك ملكته أيماننا. أما هذه فملك استمتاع، وأما هذه فملك استخدام واستمتاع وتصريف فيما أبيح لمالكها منها. ومن ادَّعى أن الله تبارك وتعالى عني بقوله: « والمحصنات من النساء » محصنة وغير محصنة سوى من ذكرنا أولا بالاستثناء بقوله: « إلا ما ملكت أيمانكم » ، بعضَ أملاك أيماننا دون بعض غيرَ الذي دللنا على أنه غير معنيٍّ به سئل البرهان على دعواه من أصل أو نظير. فلن يقول في ذلك قولا إلا أُلزم في الآخر مثله.
________

فإن اعتلّ معتلُّ منهم بحديث أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نـزلت في سبايا أوطاس
قيل له: إن سبايا أوْطاس لم يُوطأن بالملك والسبِّاء دون الإسلام. وذلك أنهن كن مشركاتٍ من عَبَدة الأوثان، وقد قامت الحجة بأن نساء عبدة الأوثان لا يحللن بالملك دون الإسلام، وأنهن إذا أسلمن فرَّق الإسلام بينهن وبين الأزواج، سبايا كنَّ أو مهاجرات. غير أنّهن إذا كُن سبايا، حللنَ إذا هُنَّ أسلمنَ بالاستبراء. فلا حجة لمحتجّ في أن المحصنات اللاتي عناهن بقوله: « والمحصنات من النساء » ، ذوات الأزواج من السبايا دون غيرهن، بخبر أبي سعيد الخدري أنّ ذلك نـزل في سبايا أوطاس. لأنه وإن كان فيهن نـزل، فلم ينـزل في إباحة وطئهن بالسبِّاء خاصة، دون غيره من المعاني التي ذكرنا. مع أنّ الآية تنـزل في معنًى، فتعمُّ ما نـزلت به فيه وغيرَه، فيلزم حكمها جميع ما عمَّته، لما قد بيَّنا من القول في العموم والخصوص في كتابنا « كتاب البيان عن أصول الأحكام » .
__________________________________________________
القول في تأويل قوله : كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ

قال أبو جعفر:
يعني تعالى ذكره: كتابًا من الله عليكم، فأخرج « الكتاب » مُصَدَّرًا من غير لفظه. وإنما جاز ذلك لأن قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ، إلى قوله: « كتابَ الله عليكم » ، بمعنى: كَتب الله تحريم ما حرَّم من ذلك وتحليلَ ما حلل من ذلك عليكم، كتابًا.
__________________________________________________


وقد كان بعض أهل العربية يزعم أنّ قوله: « كتاب الله عليكم » ، منصوب على وجه الإغراء، بمعنى: عليكم كتابَ الله، الزموا كتابَ الله.
والذي قال من ذلك غير مستفيض في كلام العرب. وذلك أنها لا ] تكاد ] تَنصب بالحرف الذي تغرِي به، ] إذا أخَّرت الإغراء، وقدمت المغرَى به ] . لا تكاد تقول: « أخاك عليك، وأباك دونك » ، وإن كان جائزًا.
والذي هو أولى بكتاب الله: أن يكون محمولا على المعروف من لسان من نـزل بلسانه. هذا، مع ما ذكرنا من تأويل أهل التأويل ذلك بمعنى ما قلنا، وخلافِ ما وجَّهه إليه من زعم أنه نُصب على وجه الإغراء.
__________________________________________________
القول في تأويل قوله : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ

قال أبو جعفر:
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: وأحل لكم ما دون الخمس، أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأحل لكم ما وراء ذلكم: مَن سَمَّى لكم تحريمه من أقاربكم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: « وأحل لكم ما وراء ذلكم: عددَ ما أحل لكم من المحصنات من النّساء الحرائر ومن الإماء » .

_________.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، ما نحن مبيِّنوه. وهو أن الله جل ثناؤه بيَّن لعباده المحرَّمات بالنسب والصهر، ثم المحرمات من المحصنات من النساء، ثم أخبرهم جل ثناؤه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرَّمات المبيَّنات في هاتين الآيتين، أن نَبْتغيه بأموالنا نكاحًا وملك يمين، لا سفاحًا.
فإن قال قائل: عرفنا المحلَّلات اللواتي هن وراء المحرَّمات بالأنساب والأصهار، فما المحلَّلات من المحصَنات والمحرمات منهن؟
قيل: هو ما دون الخمس من واحدة إلى أربع - على ما ذكرنا عن عبيدة والسدي - من الحرائر. فأما ما عدا ذوات الأزواج، فغير عدد محصور بملك اليمين. وإنما قلنا إنّ ذلك كذلك، لأن قوله: « وأحل لكم ما وراء ذلكم » ، عامّ في كل محلَّل لنا من النساء أن نبتغيها بأموالنا. فليس توجيه معنى ذلك إلى بعض منهن بأولى من بعض، إلا أن تقوم بأن ذلك كذلك حجَّة يجب التسليم لها. ولا حُجة بأن ذلك كذلك.

__________________________________________________

واختلف القرأة في قراءة قوله: « وأحل لكم ما وراء ذلكم » .
فقرأ ذلك بعضهم: « وَأَحَلَّ لَكُمْ » بفتح « الألف » من « أحل » بمعنى: كتب الله عليكم، وأحل لكم ما وراء ذلكم.

وقرأه آخرون: ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ) ، اعتبارًا بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ، « وأحل لكم ما وراء ذلكم » .


قال أبو جعفر: والذي نقول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة الإسلام، غير مختلفتي المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ الحقَّ.
وأما معنى قوله: « ما وراء ذلكم » ، فإنه يعني: ما عدا هؤلاء اللواتي حرَّمتهن عليكم « أن تبتغوا بأموالكم » يقول: أن تطلبوا وتلتمسوا بأموالكم، إما شراءً بها، وإما نكاحًا بصداق معلوم، كما قال جل ثناؤه: وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ] سورة البقرة: 91 ] ، يعني: بما عداه وبما سواه.
وأما موضع: « أن » من قوله: « أن تبتغوا بأموالكم » فرفعٌ، ترجمةً عن « ما » التي في قوله: « وأحل لكم ما وراء ذلكم » في قراءة من قرأ « وأحِلَّ » بضم « الألف » ونصبٌ على ذلك في قراءة من قرأ ذلك: « وأحَل » بفتح « الألف » .
وقد يحتمل النصب في ذلك في القراءتين، على معنى: وأحلّ لكم ما وراء ذلكم لأن تبتغوا. فلما حذفت « اللام » الخافضة، اتصلت بالفعل قبلها فنصبت. وقد يحتمل أن تكون في موضع خفض، بهذا المعنى، إذ كانت « اللام » في هذا الموضع معلومًا أن بالكلام إليها الحاجة.
__________________________________________________

القول في تأويل قوله : مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ
قال أبو جعفر:

يعني بقوله جل ثناؤه: « محصِنين » ، أعفَّاء بابتغائكم ما وراء ما حرَّم عليكم من النساء بأموالكم « غير مسافحين » ، يقول: غير مُزَانين،




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:29 pm

القول في تأويل قوله : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ
قال أبو جعفر:
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: وأحل لكم ما دون الخمس، أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح.

.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأحل لكم ما وراء ذلكم: مَن سَمَّى لكم تحريمه من أقاربكم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: « وأحل لكم ما وراء ذلكم: عددَ ما أحل لكم من المحصنات من النّساء الحرائر ومن الإماء » .

_____________.

قال أبو جعفر:
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، ما نحن مبيِّنوه. وهو أن الله جل ثناؤه بيَّن لعباده المحرَّمات بالنسب والصهر، ثم المحرمات من المحصنات من النساء، ثم أخبرهم جل ثناؤه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرَّمات المبيَّنات في هاتين الآيتين، أن نَبْتغيه بأموالنا نكاحًا وملك يمين، لا سفاحًا.
فإن قال قائل: عرفنا المحلَّلات اللواتي هن وراء المحرَّمات بالأنساب والأصهار، فما المحلَّلات من المحصَنات والمحرمات منهن؟
قيل: هو ما دون الخمس من واحدة إلى أربع - على ما ذكرنا عن عبيدة والسدي - من الحرائر. فأما ما عدا ذوات الأزواج، فغير عدد محصور بملك اليمين. وإنما قلنا إنّ ذلك كذلك، لأن قوله: « وأحل لكم ما وراء ذلكم » ، عامّ في كل محلَّل لنا من النساء أن نبتغيها بأموالنا. فليس توجيه معنى ذلك إلى بعض منهن بأولى من بعض، إلا أن تقوم بأن ذلك كذلك حجَّة يجب التسليم لها. ولا حُجة بأن ذلك كذلك.
___________________________

واختلف القرأة في قراءة قوله: « وأحل لكم ما وراء ذلكم » .
فقرأ ذلك بعضهم: « وَأَحَلَّ لَكُمْ » بفتح « الألف » من « أحل » بمعنى: كتب الله عليكم، وأحل لكم ما وراء ذلكم.
وقرأه آخرون: ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ) ، اعتبارًا بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ، « وأحل لكم ما وراء ذلكم » .
قال أبو جعفر: والذي نقول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة الإسلام، غير مختلفتي المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ الحقَّ.
وأما معنى قوله: « ما وراء ذلكم » ، فإنه يعني: ما عدا هؤلاء اللواتي حرَّمتهن عليكم « أن تبتغوا بأموالكم » يقول: أن تطلبوا وتلتمسوا بأموالكم، إما شراءً بها، وإما نكاحًا بصداق معلوم، كما قال جل ثناؤه: وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ] سورة البقرة: 91 ] ، يعني: بما عداه وبما سواه.

____________________
وأما موضع: « أن » من قوله: « أن تبتغوا بأموالكم » فرفعٌ، ترجمةً عن « ما » التي في قوله: « وأحل لكم ما وراء ذلكم » في قراءة من قرأ « وأحِلَّ » بضم « الألف » ونصبٌ على ذلك في قراءة من قرأ ذلك: « وأحَل » بفتح « الألف » .
وقد يحتمل النصب في ذلك في القراءتين، على معنى: وأحلّ لكم ما وراء ذلكم لأن تبتغوا. فلما حذفت « اللام » الخافضة، اتصلت بالفعل قبلها فنصبت. وقد يحتمل أن تكون في موضع خفض، بهذا المعنى، إذ كانت « اللام » في هذا الموضع معلومًا أن بالكلام إليها الحاجة.
___________________________

القول في تأويل قوله : مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ
قال أبو جعفر:
يعني بقوله جل ثناؤه: « محصِنين » ، أعفَّاء بابتغائكم ما وراء ما حرَّم عليكم من النساء بأموالكم « غير مسافحين » ، يقول: غير مُزَانين، كما:-
حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: « محصنين » ، قال: متناكحين « غير مسافحين » ، قال: زانين بكل زانية.
حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: « محصنين » متناكحين « غير مسافحين » ، السفاحُ الزِّنا.
حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « محصنين غير مسافحين » ، يقول: محصنين غير زُنَاة.
___________________________
القول في تأويل قوله : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً
قال أبو جعفر:
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « فما استمتعتم به منهن » . فقال بعضهم: معناه: فما نكحتم منهن فجامعتموهن - يعني: من النساء « فآتوهن أجورهن فريضة » يعني: صدقاتهن، فريضة معلومة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما تمتَّعتم به منهن بأجرٍ تمتُّعَ اللذة، لا بنكاح مطلق على وجه النكاح الذي يكون بولِيٍّ وشهود ومهر.
___________________________
قال أبو جعفر:
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوَّله: فما نكحتموه منهن فجامعتموه، فآتوهن أجورهن لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله تأويل سورة النّساء Salla2.

# الرَّبيع بن سبرة الجهني، عن أبيه: أن النبي تأويل سورة النّساء Salla2 قال: استمتعوا من هذه النساء والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج.
وقد دللنا على أن المتعة على غير النكاح الصحيح حرام، في غير هذا الموضع من كتبنا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وأما ما روي عن أبيّ بن كعب وابن عباس من قراءتهما: ( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ) ، فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين. وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئًا لم يأت به الخبرُ القاطعُ العذرَ عمن لا يجوز خلافه.

_____________________________________

القول في تأويل قوله : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 24 )
قال أبو جعفر:

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك لا حرَج عليكم، أيها الأزواج، إن أدركتكم عُسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورَهن فريضة، فيما تراضيتم به من حطٍّ وبراءة، بعد الفرض الذي سَلَف منكم لهن ما كنتم فرضتم.

.
وقال آخرون: معنى ذلك: ولا جناح عليكم، أيها الناس، فيما تراضيتم أنتم والنساء اللواتي استمتعتم بهن إلى أجل مسمى، إذا انقضى الأجل الذي أجَّلتموه بينكم وبينهن في الفراق، أن يزدنكم في الأجل، وتزيدوا من الأجر والفريضة، قبل أن يستبرئن أرحامهن.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولا جناح عليكم، أيها الناس، فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم بعد أن تؤتوهن أجورهن على استمتاعكم بهنّ من مُقام وفراق.
.
وقال آخرون: بل معنى ذلك ولا جناح عليكم فيما وضَعتْ عنكم نساؤكم من صَدُقاتهن من بعد الفريضة.

___________________________
قال أبو جعفر:
وأولى هذه الأقوال بالصواب، قولُ من قال: معنى ذلك: ولا حرج عليكم، أيها الناس، فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم من بعد إعطائهن أجورهن على النكاح الذي جرى بينكم وبينهن، من حطِّ ما وجب لهنَّ عليكم، أو إبراء، أو تأخير ووضع. وذلك نظير قوله جل ثناؤه: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ] سورة النساء: 4 ] .
فأما الذي قاله السدي: فقولٌ لا معنى له، لفساد القول بإحلال جماع امرأة بغير نكاح ولا ملك يمين.

___________________________

وأما قوله: « إن الله كان عليمًا حكيمًا » ، فإنه يعني: إن الله كان ذا علم بما يُصلحكم، أيها الناس، في مناكحكم وغيرها من أموركم وأمور سائر خلقه، « حكيما » فيما يدبر لكم ولهم من التدبير، وفيما يأمركم وينهاكم، لا يدخل حكمته خلل ولا زلل.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:54 pm


تأويل سورة النّساء Attachment

_____________________________

القول في تأويل قوله : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا
قال أبو جعفر:

اختلف أهل التأويل في معنى: « الطول » الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية.
فقال بعضهم: هو الفضل والمال والسَّعة.

وقال آخرون: معنى « الطول » ، في هذا الموضع: الهَوَى.
_____________________________

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معنى « الطَّوْل » في هذا الموضع، السعة والغنى من المال، لإجماع الجميع على أن الله تبارك وتعالى لم يحرِّم شيئًا من الأشياء سوى نكاح الإماء لواجد الطول إلى الحرة فأحلَّ ما حرم من ذلك عند غلبة المحرَّم عليه له، لقضاء لذة. فإذْ كان ذلك إجماعًا من الجميع فيما عدا نكاح الإماء لواجد الطول، فمثله في التحريم نكاح الإماء لواجد الطول: لا يُحَلُّ له من أجل غلبة هوًى عنده فيها، لأن ذلك مع وجوده الطولَ إلى الحرة منه قضاء لذة وشهوة، وليس بموضع ضرورة ترفع برخصة، كالميتة للمضطر الذي يخاف هلاك نفسه، فيترخص في أكلها ليحيي بها نفسَه، وما أشبه ذلك من المحرمات اللواتي رخص الله لعباده في حال الضرورة والخوف على أنفسهم الهلاكَ منه، ما حرم عليهم منها في غيرها من الأحوال. ولم يرخص الله تبارك وتعالى لعبدٍ في حرام لقضاء لذة. وفي إجماع الجميع على أن رجلا لو غلبَه هوى امرأة حرّة أو أمة، أنها لا تحل له إلا بنكاح أو شراء على ما أذن الله به، ما يوضّح فساد قول من قال: « معنى الطول، في هذا الموضع: الهوى » ، وأجاز لواجد الطول لحرة نكاحَ الإماء.

فتأويل الآية إذ كان الأمر على ما وصفنا : ومن لم يجد منكم سعة من مالٍ لنكاح الحرائر، فلينكح مما ملكت أيمانكم.
وأصل « الطول » الإفضال: يقال منه: « طال عليه يطول طَوْلا » ، في الإفضال و « طال يطول طُولا » في الطَول الذي هو خلاف القِصَر.
_____________________________


القول في تأويل قوله : أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ
قال أبو جعفر:

يعني بذلك: ومن لم يستطع منكم، أيها الناس، طولا يعني من الأحرار « أن ينكح المحصنات » ، وهن الحرائر « المؤمنات » اللواتي قد صدَّقن بتوحيد الله وبما جاء به رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 من الحق.
_____________________________

قال أبو جعفر:

واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأته جماعة من قرأة الكوفيين والمكيين: ( أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصِنَاتِ ) بكسر « الصاد » مع سائر ما في القرآن من نظائر ذلك، سوى قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ] سورة النساء: 24 ] ، فإنهم فتحوا « الصاد » منها، ووجهوا تأويله إلى أنهن محصنات بأزواجهن، وأن أزواجهن هم أحصنوهنّ. وأما سائر ما في القرآن، فإنهم تأوّلوا في كسرهم « الصاد » منه، إلى أن النساء هنَّ أحصنّ أنفسهنّ بالعفة.
وقرأت عامة قرأة المدينة والعراق ذلك كلَّه بالفتح، بمعنى أن بعضهن أحصنهن أزواجُهن، وبعضهن أحصنهنّ حريتهن أو إسلامهن.
وقرأ بعض المتقدمين كل ذلك بالكسر، بمعنى أنهن عففن وأحصنَّ أنفسهن. وذكرت هذه القراءة - أعني بكسر الجميع - عن علقمة، على الاختلاف في الرواية عنه.

والصواب عندنا من القول في ذلك، أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، مع اتفاق ذلك في المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ، إلا في الحرف الأول ] من سورة النساء: 24 ] وهو قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، فإني لا أستجيز الكسر في صاده، لاتفاق قراءة الأمصار على فتحها. ولو كانت القراءة بكسرها مستفيضة استفاضَتها بفتحها، كان صوابًا القراءةُ بها كذلك، لما ذكرنا من تصرف « الإحصان » في المعاني التي بيّناها، فيكون معنى ذلك لو كسر: والعفائف من النساء حرامٌ عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم، بمعنى أنهن أحصنَّ أنفسهن بالعفة.
_____________________________
وأما « الفتيات » ، فإنهن جمع « فتاة » ، وهن الشوابّ من النساء. ثم يقال لكل مملوكة ذاتِ سنّ أو شابة: « فتاة » ، والعبد: « فتى » .
_____________________________

ثم اختلف أهل العلم في نكاح الفتيات غير المؤمنات، وهل عنى الله بقوله: « من فتياتكم المؤمنات » ، تحريم ما عدا المؤمنات منهن، أم ذلك من الله تأديب للمؤمنين؟
فقال بعضهم: ذلك من الله تعالى ذكره دلالة على تحريم نكاح إماء المشركين.

وقال آخرون: ذلك من الله على الإرشاد والندب، لا على التحريم. وممن قال ذلك جماعة من أهل العراق.
.
ومنهم أبو حنيفة وأصحابه، واعتلوا لقولهم بقول الله: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ] سورة المائدة: 5 ] . قالوا: فقد أحل الله محصنات أهل الكتاب عامًّا، فليس لأحد أن يخُص منهن أمة ولا حرة. قالوا: ومعنى
_____________________________

قوله: « فتياتكم المؤمنات » ، غير المشركات من عبدة الأوثان.
_____________________________

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: هو دلالة على تحريم نكاح إماء أهل الكتاب، فإنهن لا يحللن إلا بملك اليمين. وذلك أن الله جل ثناؤه أحلّ نكاح الإماء بشروط، فما لم تجتمع الشروط التي سماهن فيهن، فغير جائز لمسلم نكاحهن.
_____________________________

فإن قال قائل: فإنّ الآية التي في « المائدة » تدل على إباحتهن بالنكاح؟
قيل: إن التي في « المائدة » ، قد أبان أن حكمها في خاص من محصناتهم، وأنها معنيٌّ بها حرائرهم دون إمائهم، قولُه: « من فتياتكم المؤمنات » . وليست إحدى الآيتين دافعًا حكمها حكمَ الأخرى، بل إحداهما مبينة حكم الأخرى، وإنما تكون إحداهما دافعة حكم الأخرى، لو لم يكن جائزًا اجتماع حكميهما على صحة. فغير جائز أن يحكم لإحداهما بأنها دافعة حكم الأخرى، إلا بحجة التسليم لها من خبر أو قياس. ولا خبر بذلك ولا قياس. والآية محتملة ما قلنا: والمحصنات من حرائر الذين أوتوا الكتاب من قبلكم دون إمائهم.
_____________________________

القول في تأويل قوله تعالى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
قال أبو جعفر:

وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم.
وتأويل ذلك: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ، فلينكح بعضكم من بعض بمعنى: فلينكح هذا فتاة هذا.
ف « البعض » مرفوع بتأويل الكلام، ومعناه، إذ كان قوله: فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، في تأويل: فلينكح مما ملكت أيمانكم، ثم رد « بعضكم » على ذلك المعنى، فرفع.
_____________________________

ثم قال جل ثناؤه: « والله أعلم بإيمانكم » ، أي: والله أعلم بإيمان من آمن منكم بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، فصدق بذلك كله منكم.
يقول: فلينكح من لم يستطع منكم طولا لحرة من فتياتكم المؤمنات. لينكح هذا المقتر الذي لا يجد طولا لحرة، من هذا الموسر، فتاتَه المؤمنة التي قد أبدت الإيمان فأظهرته، وكلوا سرائرهن إلى الله، فإن علم ذلك إلى الله دونكم، والله أعلم بسرائركم وسرائرهن.
_____________________________
القول في تأويل قوله : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
قال أبو جعفر:

يعني بقوله جل ثناؤه: « فانكحوهن » ، فتزوجوهن وبقوله: « بإذن أهلهن » ، بإذن أربابهن وأمرهم إيّاكم بنكاحهن ورضاهم ويعني بقوله: « وآتوهن أجورهن » ، وأعطوهن مهورهن، كما:-
حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « وآتوهن أجورهن » قال: الصداق.
ويعني بقوله: « بالمعروف » على ما تراضيتم به، مما أحلَّ الله لكم، وأباحه لكم أن تجعلوه مهورًا لهن.
_____________________________
القول في تأويل قوله : مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ
قال أبو جعفر:

يعني بقوله: « محصنات » ، عفيفات « غير مسافحات » ، غير مزانيات « ولا متخذات أخدان » ، يقول: ولا متخذات أصدقاء على السفاح.
وذكر أن ذلك قيل كذلك، لأن « الزواني » كنّ في الجاهلية، في العرب: المعلنات بالزنا، و « المتخذات الأخدان » : اللواتي قد حبسن أنفسَهن على الخليل والصديق، للفجور بها سرًّا دون الإعلان بذلك.

# عن ابن عباس قوله: « غير مسافحات » ، المسافحات المعالنات بالزنا « ولا متخذات أخدان » ، ذات الخليل الواحد قال: كان أهل الجاهلية يحرِّمون ما ظهر من الزنا، ويستحلون ما خفي، يقولون: « أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك » ، فأنـزل الله تبارك وتعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ] سورة الأنعام: 151 ] .
_____________________________

القول في تأويل قوله : فَإِذَا أُحْصِنَّ
قال أبو جعفر:
اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه بعضهم: ( فَإِذَا أَحْصَنَّ ) بفتح « الألف » ، بمعنى: إذا أسلمن، فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالإسلام.
وقرأه آخرون: ( فَإِذَا أُحْصِنَّ ) بمعنى: فإذا تزوّجن، فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج.
والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ في قراءته الصوابَ.
فإن ظن ظانٌّ أنّ ما قلنا في ذلك غيرُ جائز، إذ كانتا مختلفتي المعنى، وإنما تجوز القراءةُ بالوجهين فيما اتفقت عليه المعاني فقد أغفل
وذلك أن معنيي ذلك وإن اختلفا، فغير دافع أحدُهما صاحبه. لأن الله قد أوجب على الأمَة ذات الإسلام وغير ذات الإسلام على لسان رسوله تأويل سورة النّساء Salla2، الحدَّ.

فقال تأويل سورة النّساء Salla2: « إذا زَنت أمَةُ أحدكم فَليجلدها، كتابَ الله، ولا يُثَرِّبْ عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّبْ عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّب عليها. ثم إن زَنت الرابعة فليضربها، كتابَ الله، وليبعها ولو بحبل من شَعَرٍ » .

وقال تأويل سورة النّساء Salla2: « أقيموا الحدودَ على ما ملكت أيمانكم » .
فلم يخصص بذلك ذات زوج منهن ولا غير ذات زوج. فالحدود واجبةٌ على مَوالي الإماء إقامتها عليهن، إذا فجرن، بكتاب الله وأمرِ رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2.

فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما حدثكم به:-
ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد: أن النبي تأويل سورة النّساء Salla2 سُئل عن الأمة تَزني ولم تُحصَن. قال: اجلدها، فإن زنت فاجلدها، فإن زنت فاجلدها، فإن زنت فقال في الثالثة أو الرابعة فبعْها ولو بضفير و « الضفيرُ » : الشَّعر.

فقد بينّ أن الحدّ الذي وجب إقامته بسنة رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 على الإماء، هو ما كان قبل إحصانهن. فأما ما وجب من ذلك عليهنّ بالكتاب، فبعدَ إحصانهن؟

قيل له: قد بيَّنا أن أحد معاني « الإحصان » الإسلام، وأن الآخر منه: التزويج، وأن « الإحصان » كلمة تشتمل على معان شتى. وليس في رواية من روى عن النبي تأويل سورة النّساء Salla2 أنه سُئل « عن الأمة تزني قبل أن تُحصن » ، بيانُ أن التي سئِل عنها النبيّ تأويل سورة النّساء Salla2 هي التي تزني قبل التزويج، فيكون ذلك حجة لمحتج في أن « الإحصان » الذي سنّ تأويل سورة النّساء Salla2 حدَّ الإماء في الزنا، هو الإسلام دون التزويج، ولا أنه هو التزويجُ دون الإسلام.
وإذ كان لا بيان في ذلك، فالصواب من القول: أنّ كل مملوكة زنت فواجب على مولاها إقامةُ الحدّ عليها، متزوجةً كانت أو غير متزوجة، لظاهر كتاب الله، والثابت من سنة رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2، إلا مَن أخرجه من وُجوب الحد عليه منهنّ بما يجب التسليم له.
وإذْ كان ذلك كذلك، تبين به صحةُ ما اخترنا من القراءة في قوله: « فإذا أُحصِن » .
_____________________________

قال أبو جعفر: فإن ظن ظانّ أن في قول الله تعالى ذكره: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ، دلالةً على أن قوله: « فإذا أحصن » ، معناه: تزوّجن، إذْ كان ذكر ذلك بعد وصفهن بالإيمان بقوله: مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وحسبَ أن ذلك لا يحتمل معنى غير معنى التزويج، مع ما تقدم ذلك من وصفهن بالإيمان فقد ظنّ خطأ.
وذلك أنه غير مستحيل في الكلام أن يكون معنى ذلك: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ، فإذا هنَّ آمنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ، فيكون الخبرُ مبتدأ عما يجب عليهنّ من الحدّ إذا أتين بفاحشة بعد إيمانهن، بعد البيان عما لا يجوز لناكحهن من المؤمنين من نكاحهن، وعمن يجوز نكاحه له منهن.
فإذ كان ذلك غير مستحيل في الكلام، فغيرُ جائز لأحد صَرْف معناه إلى أنه التزويج دون الإسلام، من أجل ما تقدّم من وصف الله إيَّاهن بالإيمان.
غير أن الذي نختار لمن قرأ: مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ بفتح « الصاد » في هذا الموضع، أن يَقرأ: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ بضم « الألف » .
ولمن قرأ: « مُحْصِنَاتٍ » بكسر « الصاد » فيه، أن يقرأ: ( فَإِذَا أَحْصَنَّ ) بفتح « الألف » ، لتأتلف قراءة القارئ على معنًى واحد وسياق واحد، لقرب قوله: « مُحْصِنَاتٍ » من قوله: « فإذا أحصَن » . ولو خالف من ذلك، لم يكن لحنًا، غيرَ أنّ وجه القراءةِ ما وصفت.
_____________________________

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، نظيرَ اختلاف القرأة في قراءته. فقال بعضهم: معنى قوله: « فإذا أحصن » ، فإذا أسلمن.


وقال آخرون: معنى قوله: « فإذا أحصن » ، فإذا تزوّجن.
_____________________________
قال أبو جعفر
وهذا التأويل على قراءة من قرأ: ( فَإِذَا أُحْصِنَّ ) بضم « الألف » ، وعلى تأويل من قرأ: ( فَإِذَا أَحْصَنَّ ) بفتحها. وقد بينا الصّواب من القول والقراءة في ذلك عندنا.
_____________________________

القول في تأويل قوله : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ
قال أبو جعفر:
يعني جل ثناؤه بقوله: « فإن أتين بفاحشة » ، فإن أتت فتياتكم - وهنّ إماؤكم - بعد ما أحصَنّ بإسلام، أو أحْصِنّ بنكاح « بفاحشة » ، وهي الزنا « فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب » ، يقول: فعليهن نصف ما على الحرائر من الحدّ، إذا هنّ زَنين قبل الإحصان بالأزواج.
و « العذاب » الذي ذكره الله تبارك وتعالى في هذا الموضع، هو الحدّ، وذلك النصف الذي جعله الله عذابًا لمن أتى بالفاحشة من الإماء إذا هن أحصن: خمسون جلدة، ونَفي ستة أشهر، وذلك نصف عام. لأنّ الواجب على الحرة إذا هي أتت بفاحشة قبل الإحصان بالزوج، جلد مئة ونفي حَوْلٍ. فالنصف من ذلك خمسون جلدة، ونفي نصف سنة. وذلك الذي جعله الله عذابًا للإماء المحصنات إذا هن أتين بفاحشة،فإن قال قائل: وكيف ] قيل ] « فعليهن نصفُ ما على المحصنات من العذاب » ؟. وهل يكون الجلدُ على أحد؟
قيل: إن معنى ذلك: فلازمُ أبدانهنّ أن تجلد نصف ما يَلزم أبدان المحصنات، كما يقال: « عليّ صلاةُ يوم » ، بمعنى: لازم عليّ أن أصلي صلاة يوم و « عليّ الحج والصيام » ، مثل ذلك. وكذلك: « عليه الحدّ » ، بمعنى لازم له إمكان نفسه من الحدّ ليقام عليه.
_____________________________
القول في تأويل قوله : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « ذلك » ، هذا الذي أبَحْتُ أيها الناس، من نكاح فتياتكم المؤمنات لمن لا يستطيع منكم طَوْلا لنكاح المحصنات المؤمنات أبحته لمن خشي العنت منكم، دون غيره ممن لا يخشى العنت.
واختلف أهل التأويل في هذا الموضع.
فقال بعضهم: هو الزنا.

.
وقال آخرون: معنى ذلك: العقوبة التي تُعْنِته، وهي الحدّ.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في قوله: « ذلك لمن خشي العنت منكم » ، ذلك لمن خاف منكم ضررًا في دينه وَبَدنِه.
وذلك أن « العنت » هو ما ضرّ الرجل. يقال منه: « قد عَنِتَ فلان فهو يَعْنَتُ عَنتًا » ، إذا أتى ما يَضرّه في دين أو دنيا، ومنه قول الله تبارك وتعالى: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ] سورة آل عمران: 118 ] . ويقال: « قد أعنتني فلان فهو يُعنِتني » ، إذا نالني بمضرة. وقد قيل: « العنت » ، الهلاك.
فالذين وجهوا تأويل ذلك إلى الزنا، قالوا: الزنا ضَرَرٌ في الدين، وهو من العنت.
والذين وجّهوه إلي الإثم، قالوا: الآثام كلها ضرر في الدين، وهي من العنت.
والذين وجهوه إلى العقوبة التي تعنته في بدنه من الحدّ، فإنهم قالوا: الحد مضرة على بدن المحدود في دنياه، وهو من العنت.
وقد عمّ الله بقوله: « لمن خشي العنت منكم » ، جميعَ معاني العنت. ويجمع جميعَ ذلك الزّنا، لأنه يوجب العقوبةَ على صاحبه في الدنيا بما يُعنت بدنه، ويكتسب به إثمًا ومضرّة في دينه ودنياه. وقد اتفق أهلُ التأويل الذي هم أهله، على أن ذلك معناه. فهو وإن كان في عينه لذةً وقضاءَ شهوة، فإنه بأدائه إلى العنت، منسوبٌ إليه موصوف به، إن كان للعنت سببًا.
_____________________________
القول في تأويل قوله : وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 25 )
قال أبو جعفر:
يعني جل ثناؤه بذلك: « وأنْ تصبروا » ، أيها الناس، عن نكاح الإماء « خير لكم » « والله غفور » لكم نكاحَ الإماء أنْ تنكحوهن على ما أحلّ لكم وأذن لكم به، وما سلف منكم في ذلك، إن أصلحتم أمورَ أنفسكم فيما بينكم وبين الله « رحيم » بكم، إذ أذن لكم في نكاحهن عند الافتقار وعدم الطول للحرّة.

. _____________________________
و « أن » في قوله: « وأن تصبروا » في موضع رفع بـ « خيرٌ » ، بمعنى: والصبرُ عن نكاح الإماء خيرٌ لكم.
_____________________________

القول في تأويل قوله : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 26 )
قال أبو جعفر:

يعني جل ثناؤه بقوله: « يريد الله ليبين لكم » ، حلاله وحرامَه « وَيهديكم سُنن الذين من قبلكم » ، يقول: وليسددكم « سُنن الذين من قبلكم » ، يعني: سُبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه، ومناهجهم فيما حرّم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات وسائر ما حرم عليكم في الآيتين اللتين بَيَّن فيهما ما حرّم من النساء « ويتوب عليكم » ، يقول: يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك، مما كنتم عليه من معصيته في فعلكم ذلك قبلَ الإسلام، وقبل أن يوحي ما أوحىَ إلى نبيه من ذلك « عليكم » ، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم « والله عليم » ، يقول: والله ذو علم بما يصلح عباده في أدْيانهم ودنياهم وغير ذلك من أمورهم، وبما يأتون ويذَرون مما أحل أو حرم عليهم، حافظ ذلك كله عليهم « حكيم » بتدبيره فيهم، في تصريفهم فيما صرّفهم فيه.
_____________________________

واختلف أهل العربية في معنى قوله: « يريد الله ليبين لكم » .
فقال بعضهم: معنى ذلك: يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم. وقال: ذلك كما قال: وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ] سورة الشورى: 15 ] بكسر « اللام » ، لأن معناه: أمرت بهذا من أجل ذلك.
وقال آخرون: معنى ذلك: يريد الله أنْ يُبين لكم ويهديكم سُنن الذين من قبلكم. وقالوا: من شأن العرب التعقيبُ بين « كي » و « لام كي » و « أن » ، ووضْعُ كل واحدة منهن موضع كلِّ واحدة من أختها معَ « أردت » و « أمرت » . فيقولون: « أمرتكَ أن تذهب، ولتذهب » ، و « أردت أن تذهب ولتذهب » ، كما قال الله جل ثناؤه: وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ] سورة الأنعام: 71 ] ، وقال في موضع آخر: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ] سورة الأنعام: 14 ] ، وكما قال: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ] سورة الصف: 8 ] ، ثم قال في موضع آخر، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا ] سورة التوبة: 32 ] . واعتلوا في توجيههم « أن » مع « أمرت » و « أردت » إلى معنى « كي » ، وتوجيه « كي » مع ذلك إلى معنى « أن » ، لطلب « أردت » و « أمرت » الاستقبال، وأنها لا يصلح معها الماضي، لا يقال: « أمرتك أن قمت » ، ولا « أردت أن قمت » . قالوا: فلما كانت « أن » قد تكون مع الماضي في غير « أردت » و « أمرت » ، وَكَّدُوا لها معنى الاستقبال بما لا يكون معه ماض من الأفعال بحال، من « كي » و « اللام » التي في معنى « كي » . قالوا: وكذلك جمعت العرب بينهن أحيانًا في الحرف الواحد، فقال قائلهم في الجمع:
أَرَدْتَ لِكَيْمَــا أَنْ تَطِــيرَ بِقِــرْبَتِي فَتَتْرُكَهَــا شَــنًّا بِبَيْــدَاءَ بَلَقْــعِ

فجمع بينهن، لاتفاق معانيهن واختلاف ألفاظهن، كما قال الآخر:
قَـدْ يَكْسِـبُ المَـالَ الهِـدَانُ الجَـافِي بِغَــيْرِ لا عَصْــفٍ وَلا اصْطِـرَافِ
فجمع بين « غير » و « لا » ، توكيدًا للنفي. قالوا: إنما يجوز أن يجعل « أن » مكان « كي » ، و « كي » مكان « أن » ، في الأماكن التي لا يَصْحب جالبَ ذلك ماض من الأفعال أو غير المستقبل. فأما ما صحبه ماض من الأفعال وغير المستقبل، فلا يجوز ذلك. لا يجوز عندهم أن يقال: « طننت ليقوم » ، ولا « أظن ليقوم » ، بمعنى: أظن أن يقوم لأنّ ] « أنْ » ] ، التي تدخل مع الظن تكون مع الماضي من الفعل، يقال: « أظن أن قد قام زيد » ، ومع المستقبل، ومع الأسماء.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: إن « اللام » في قوله: « يريد الله ليبين لكم » ، بمعنى: يريد الله أنْ يبين لكم، لما ذكرتُ من علة من قال إنّ ذلك كذلك




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:55 pm

القول في تأويل قوله عز وجل : وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا ( 27 )
قال أبو جعفر:

يعني بذلك تعالى ذكره: والله يريد أن يراجع بكم طاعته والإنابة إليه، ليعفوَ لكم عما سلف من آثامكم، ويتجاوز لكم عما كان منكم في جاهليتكم، من استحلالكم ما هو حرَامٌ عليكم من نكاح حلائل آبائكم وأبنائكم وغير ذلك مما كنتم تستحلونه وتأتونه، مما كان غير جائز لكم إتيانه من معاصي الله « ويريد الذين يتبعون الشهوات » ، يقول: ويريد الذين يطلبون لذّات الدنيا وشهوات أنفسهم فيها « أن تميلوا » عن أمر الله تبارك وتعالى، فتجوروا عنه بإتيانكم ما حرّم عليكم وركوبكم معاصيه « ميلا عظيمًا » ، جورًا وعدولا عنه شديدًا.
واختلف أهل التأويل في الذين وصفهم الله بأنهم « يتبعون الشهوات » .
فقال بعضهم: هم الزناة.


وقال آخرون، بل هم اليهودُ والنصارَى.

» .
وقال آخرون: بل هم اليهودُ خاصة، وكانت إرادتهم من المسلمين اتّباعَ شهواتهم في نكاح الأخوات من الأب. وذلك أنهم يحلون نكاحَهنّ، فقال الله تبارك وتعالى للمؤمنين: ويريدُ الذين يحلِّلون نكاح الأخوات من الأب، أن تميلوا عن الحق فتستحلّوهن كما استحلوا.


وقال آخرون. معنى ذلك: كل متبع شهوةً في دينه لغير الذي أبيح له.

.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معنى ذلك: ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم من أهل الباطل وطلاب الزنا ونكاح الأخوات من الآباء، وغير ذلك مما حرمه الله « أن تميلوا » عن الحق، وعما أذن الله لكم فيه، فتجورُوا عن طاعته إلى معصيته، وتكونوا أمثالهم في اتباع شهوات أنفسكم فيما حرم الله، وترك طاعته « ميلا عظيمًا » .
وإنما قلنا، ذلك أولى بالصواب، لأن الله عز وجل عمّ بقوله: « ويريد الذين يتبعون الشهوات » ، فوصفهم باتباع شهوات أنفسهم المذمومة، وعمهم بوصفهم بذلك، من غير وصفهم باتّباع بعض الشهوات المذمومة. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى المعاني بالآية ما دلّ عليه ظاهرها، دون باطنها الذي لا شاهد عليه من أصل أو قياس. وإذ كان ذلك كذلك كان داخلا في « الذين يتبعون الشهوات » اليهود، والنصارى، والزناة، وكل متبع باطلا. لأن كل متَّبع ما نهاه الله عنه، فمتبع شهوة نفسه. فإذ كان ذلك بتأويل الآية أولى، وجبتُ صحة ما اخترنا من القول في تأويل ذلك.

__________________________________________________ _________________________
__________________________________________________ ___________________________

القول في تأويل قوله : يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا ( 28 )
قال أبو جعفر:


يعني جل ثناؤه بقوله: « يريد الله أن يخفف عنكم » ، يريد الله أن يُيسر عليكم، بإذنه لكم في نكاح الفتيات المؤمنات إذا لم تستطيعوا طولا لحرة « وخلق الإنسان ضعيفًا » ، يقول: يسَّر ذلك عليكم إذا كنتم غيرَ مستطيعي الطوْل للحرائر، لأنكم خُلِقتم ضعفاء عجزةً عن ترك جماع النساء، قليلي الصبر عنه، فأذن لكم في نكاح فتياتكم المؤمنات عند خوفكم العَنَت على أنفسكم، ولم تجدُوا طولا لحرة، لئلا تزنوا، لقلّة صبركم على ترك جماع النساء.

__________________________________________________ _________________________
__________________________________________________ ___________________________
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ
قال أبو جعفر:

يعني بقوله جل ثناؤه: « يا أيها الذين آمنوا » ، صدّقوا الله ورسوله « لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل » ، يقول: لا يأكل بعضكم أموالَ بعض بما حرّمَ عليه، من الربا والقمار وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها « إلا أن تكون تجارةً » .


وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية بالنهي عن أن يأكل بعضهم طعامَ بعض إلا بشراء. فأما قِرًى، فإنه كان محظورًا بهذه الآية، حتى نسخ ذلك بقوله في « سورة النور » : لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ الآية ] سورة النور: 61 ] .

.
قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بالصواب في ذلك، قولُ السدي. وذلك أن الله تعالى ذكره حرّم أكل أموالنا بيننا بالباطل، ولا خلاف بين المسلمين أنّ أكل ذلك حرامٌ علينا، فإنّ الله لم يحلَّ قط أكلَ الأموال بالباطل.
وإذْ كان ذلك كذلك، فلا معنى لقول من قال: « كان ذلك نهيًا عن أكل الرجل طعامَ أخيه قرًى ] على وجه ما أذن له ] ، ثم نُسخ ذلك، لنقل علماء الأمّة جميعًا وجُهَّالها : أن قرَى الضيف وإطعام الطعام كان من حميد أفعال أهل الشرك والإسلام التي حَمِدَ الله أهلها عليها وَندبهم إليها، وأن الله لم يحرّم ذلك في عصر من العصور، بل نَدَب الله عباده وحثهم عليه. »
وإذ كان ذلك كذلك، فهو من معنى الأكل بالباطل خارج، ومن أن يكون ناسخًا أو منسوخًا بمعزل. لأن النسخَ إنما يكون لمنسوخ، ولم يثبت النهي عنه، فيجوز أن يكون منسوخًا بالإباحة.
وإذ كان ذلك كذلك، صحّ القول الذي قلناه: من أنّ الباطل الذي نهى الله عن أكل الأموال به، هو ما وصفنا مما حرمه على عباده في تنـزيله أوْ على لسان رسوله تأويل سورة النّساء Salla2 - وشذّ ما خالفه « . »

__________________________________________________ _________________________
__________________________________________________ ___________________________

واختلفت القرأة في قراءة قوله: « إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم » .
فقرأها بعضهم: ( إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ ) رفعًا، بمعنى: إلا أن توجد تجارة، أو: تقع تجارة، عن تراض منكم، فيحل لكم أكلها حينئذ بذلك المعنى. ومذهب من قرأ ذلك على هذا الوجه: « إلا أن تكون » تامةً ههنا، لا حاجة بها إلى خَبر، على ما وصفت. وبهذه القراءة قرأ أكثر أهل الحجاز وأهل البصرة.
وقرأ ذلك آخرون، وهم عامة قرأة الكوفيين: ( إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً ) ، نصبًا، بمعنى: إلا أن تكونَ الأموال التي تأكلونها بينكم، تجارةً عن تراض منكم، فيحل لكم هنالك أكلها. فتكون « الأموال » مضمرة في قوله: « إلا أن تكون » ، و « التجارة » منصوبة على الخبر.

__________________________________________________ _________________________
__________________________________________________ ___________________________

قال أبو جعفر:

وكلتا القراءتين عندنا صوابٌ جائزةٌ القراءةُ بهما، لاستفاضتهما في قرأة الأمصار، مع تقارب معانيهما. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن قراءة ذلك بالنصب، أعجبُ إليّ من قراءته بالرفع، لقوة النصب من وجهين:
أحدهما: أن في « تكون » ذكر من الأموال. والآخر: أنه لو لم يجعل فيها ذكر منها، ثم أفردت بـ « التجارة » ، وهي نكرة، كان فصيحًا في كلام العرب النصبُ، إذ كانت مبنيةً على اسم وخبر. فإذا لم يظهر معها إلا نكرة واحدة، نصبوا ورفعوا، كما قال الشاعر:
إِذَا كَانَ طَعْنًا بَيْنَهُمْ وَعِنَاقَا

قال أبو جعفر: ففي هذه الآية إبانةٌ من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول الجهلة من المتصوِّفة المنكرين طلبَ الأقوات بالتجارات والصناعات، والله تعالى يقول: « يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم » ، اكتسابًا منا ذلك بها، كما:-
حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم » ، قال: التجارةُ رزقٌ من رزق الله، وحلالٌ من حلال الله، لمن طلبها بصدقها وبرِّها. وقد كنا نحدَّث: أن التاجرَ الأمين الصدوقَ مع السبعة في ظلّ العرش يوم القيامة. .

__________________________________________________ _________________________
__________________________________________________ ___________________________
وأما قوله: « عن تراض » ، فإنّ معناه كما:-

روي عن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى: « عن تراض منكم » ، في تجارة أو بيع، أو عطاءٍ يعطيه أحدٌ أحدًا.

__________________________________________________ _________________________
__________________________________________________ ___________________________

واختلف أهل العلم في معنى « التراضي » في التجارة. فقال بعضهم: هو أن يُخير كل واحد من المتبايعين بعد عقدهما البيعَ بينهما فيما تبايعا فيه، من إمضاء البيع أو نقضه، أو يتفرّقا عن مجلسهما الذي تواجبا فيه البيعَ بأبدانهما، عن تراض منهما بالعقد الذي تعاقداه بينهما قبل التفاسخ.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن شريح قال: اختصم رجلان باع أحدهما من الآخر بُرْنُسًا، فقال: إني بعتُ من هذا برنسًا، فاسترضيته فلم يُرضني!! فقال: أرضه كما أرضاك. قال: إني قد أعطيته دراهم ولم يرضَ! قال: أرضه كما أرضاك. قال: قد أرضيته فلم يرض! فقال: البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا.
حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن شريح قال: البيِّعان بالخيار ما لم يتفرّقا.
حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن شريح مثله.
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد قال، حدثنا شعبة، عن جابر قال، حدثني أبو الضحى، عن شريح أنه قال: البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا قال قال أبو الضحى: كان شريح يحدِّث عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 بنحوه.
وحدثني الحسين بن يزيد الطحان قال، حدثنا إسحاق بن منصور، عن عبد السلام، عن رجل، عن أبي حوشب، عن ميمون قال: اشتريت من ابن سيرين سابريًّا، فسَام عليَّ سَوْمَه، فقلت: أحسن! فقال: إما أن تأخذ وإما أن تدع. فأخذت منه، فلما وزنتُ الثمن وَضَع الدراهم فقال: اختر، إما الدراهم، وإما المتاع. فاخترت المتاع فأخذته.
حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن الشعبي أنه كان يقولُ في البيعين: إنهما بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تصادرَا فقد وجب البيع.
حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي قال، حدثنا محمد بن عبيد قال، حدثنا سفيان بن دينار، عن ظبية قال: كنت في السوق وعلي رضي الله عنه في السوق، فجاءت جارية إلى بَيِّع فاكهة بدرهم، فقالت: أعطني هذا. فأعطاها إياه، فقالت: لا أريده، أعطني درهمي! فأبى، فأخذه منه علي فأعطاها إياه.
حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: أنه أُتِىَ في رجل اشترى من رجل برذَوْنًا ووَجبَ له، ثم إنّ المبتاع رَدّه قبل أن يتفرّقا، فقضى أنه قد وَجبَ عليه، فشهدَ عنده أبو الضحى: أنّ شريحًا قضى في مثله أن يردَّه على صاحبه. فرجع الشعبي إلى قضاء شُريح.
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا هشام، عن ابن سيرين، عن شريح، أنه كان يقول في البيعين: إذا ادّعى المشتري، أنه قد أوجبَ له البيعَ، وقال البائع: لم أُوجب له قال: شاهدان عدلان أنكما افترقتما عن تراض بعد بيع أو تخاير، وإلا فيمين البائع: أنكما ] ما ] افترقتما عن بيع ولا تخاير.
حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد. قال: كان شريح يقول: شاهدان ذوا عدل أنكما افترقتما عن تراض بعد بيع وتخاير، وإلا فيمينه بالله: ما تفرَّقتما عن تراض بعد بيع أو تخاير.
حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن شريح أنه كان يقول: شاهدان ذوا عدل أنهما تفرّقا عن تراض بعد بيع أو تخاير.
وعلة من قال هذه المقالة، ما:-
حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله قال، أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن النبي تأويل سورة النّساء Salla2 قال: كل بَيِّعين فلا بيع بينهما حتى يتفرّقا، إلا أن يكونَ خيارًا.
حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مروان بن معاوية قال، حدثني يحيى بن أيوب قال، كان أبو زرعة إذا بايع رجلا يقول له: خيِّرني! ثم يقول: قال أبو هريرة: قال رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2: « لا يفترق إلا عن رضى » .
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة قال: قال رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2: يا أهل البقيع! فسمعوا صوتَه، ثم قال: يا أهل البقيع! فاشْرأبُّوا ينظرون، حتى عرفوا أنه صوته، ثم قال: يا أهل البقيع! لا يتفرقنّ بيِّعان إلا عن رضى.
حدثني أحمد بن محمد الطوسي قال، حدثنا أبو داود الطيالسي قال، حدثنا سليمان بن معاذ قال، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي تأويل سورة النّساء Salla2 بايع رجلا ثم قال له: اختر. فقال: قد اخترت. فقال: هكذا البيع.
قالوا: فالتجارة عن تراض، هو ما كان على ما بيَّنه النبي تأويل سورة النّساء Salla2 من تخيير كل واحد من المشتري والبائع في إمضاء البيع فيما يتبايعانه بينهما أو نقضه بعد عقد البيع بينهما وقبل الافتراق أو ما تفرقا عنه بأبدانهما عن تراض منهما بعد مُواجبة البيع فيه عن مجلسهما. فما كان بخلاف ذلك، فليس من التجارة التي كانت بينهما عن تراض منهما.
وقال آخرون: بل التراضي في التجارة، تُواجب عقد البيع فيما تبايعه المتبايعان بينهما عن رضى من كل واحد منهما: ما مُلِّك عليه صاحبه وَملِّك صاحبه عليه، افترقا عن مجلسهما ذلك أو لم يفترقا، تخايرا في المجلس أو لم يتخايرا فيه بعد عقده.
وعلة من قال هذه المقالة: أنّ البيع إنما هو بالقول، كما أن النكاح بالقول، ولا خلاف بين أهل العلم في الإجبار في النكاح لأحد المتناكحين على صاحبه، افترقا أو لم يفترقا عن مجلسهما الذي جرى ذلك فيه. قالوا: فكذلك حكم البيع. وتأولوا قولّ النبي تأويل سورة النّساء Salla2: « البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا » ، على أنه ما لم يتفرّقا بالقول. وممن قال هذه المقالة مالك بن أنس، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد.
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك عندنا، قولُ من قال: إن التجارة التي هي عن تراض بين المتبايعين، ما تفرّق المتبايعان عن المجلس الذي تواجبَا فيه بينهما عُقدة البيع بأبدانهما، عن تراض منهما بالعقد الذي جرى بينهما، وعن تخيير كل واحد منهما صاحبه لصحة الخبر عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2، بما:-

# عن ابن عمر قال، قال رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2: « البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يكون بيعَ خيار » وربما قال: « أو يقول أحدهما للآخر اختر » .


فإذ كان ذلك عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 صحيحًا، فليس يخلو قول أحد المتبايعين لصاحبه: « اختر » ، من أن يكون قبل عقد البيع، أو معه، أو بعده.
فإن يكن قبله، فذلك الخَلْف من الكلام الذي لا معنى له، لأنه لم يملك قبل عقد البيع أحدُ المتبايعين على صاحبه ما لم يكن له مالكًا، فيكون لتخييره صاحبه فيما مَلك عليه وجه مفهوم ولا فيهما من يجهلُ أنه بالخيار في تمليك صاحبه ما هو لهُ غير مالك بعوَض يعتاضُه منه، فيقال له: « أنت بالخيار فيما تريدُ أن تحدثه من بيع أو شراء » .
أو يكون - إذْ بطل هذا المعنى - تخيير كلّ واحد منهما صاحبه مع عقد البيع. ومعنى التخيير في تلك الحال، نظيرُ معنى التخيير قبلها. لأنها حالة لم يَزُل فيها عن أحدهما ما كان مالكه قبل ذلك إلى صاحبه، فيكون للتخيير وجه مفهوم.
أو يكون ذلك بعد عقد البيع، إذْ فَسد هذان المعنيان.
وإذْ كان ذلك كذلك، صحّ أن المعنى الآخر من قول رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 - أعني قوله: « ما لم يتفرقا » - إنما هو التفرّق بعد عقد البيع، كما كان التخيير بعده. وإذْ صحّ ذلك، فسد قولُ من زعم أن معنى ذلك إنما هو التفرق بالقول الذي به يكون البيع. وإذ فسد ذلك، صحّ ما قلنا من أن التخيير والافتراق إنما هما معنيان بهما يكون تمام البيع بعد عقده، وصحّ تأويل من قال: معنى قوله: « إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم » : إلا أن يكون أكلكم الأموال التي يأكلها بعضكم لبعض، عن مِلْك منكم عمن مَلكتموها عليه، بتجارة تبايعتموها بينكم، وافترقتم عنها عن تراض منكم بعد عقد البيع بينكم بأبدانكم، أو تخيير بعضكم بعضًا.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:55 pm

تأويل سورة النّساء 006

القول في تأويل قوله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( 29 )


قال أبو جعفر:

يعني بذلك جل ثناؤه: « ولا تقتلوا أنفسكم » ، ولا يقتل بعضكم بعضًا، وأنتم أهل ملة واحدة، ودعوة واحدة، ودين واحد. فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضَهم من بعض. وجعل القاتل منهم قتيلا في قتله إياه منهم بمنـزلة قَتله نفسه، إذ كان القاتلُ والمقتول أهلَ يد واحدة على من خالف مِلَّتَهُما.

__________________________________

وأما قوله جل ثناؤه: « إن الله كان بكم رحيمًا » ، فإنه يعني: إن الله تبارك وتعالى لم يزل « رحيمًا » بخلقه، ومن رحمته بكم كفُّ بعضكم عن قتل بعض، أيها المؤمنون، بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها، وحظْرِ أكل مال بعضكم على بعض بالباطل، إلا عن تجارة يملك بها عليه برضاه وطيب نفسه، لولا ذلك هلكتمْ وأهلك بعضكم بعضًا قتلا وسلبًا وغصبًا.

__________________________________


القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ( 30 )
قال أبو جعفر:
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « ومن يفعل ذلك عدوانًا » .

فقال بعضهم: معنى ذلك: ومن يقتل نفسه، بمعنى: ومن يقتل أخاه المؤمن « عدوانًا وظلمًا فسوف نُصليه نارًا » .


وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن يفعل ما حرَّمته عليه من أول هذه السورة إلى قوله: « ومن يفعل ذلك » من نكاح من حَرّمت نكاحه، وتعدِّي حدوده، وأكل أموال الأيتام ظلمًا، وقتل النفس المحرّم قتلها ظلمًا بغير حق.


وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن يأكل مالَ أخيه المسلم ظلمًا بغير طيب نفس منه، وَقَتل أخاه المؤمن ظلمًا، فسوف نصليه نارًا.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: معناه: ومن يفعل ما حرّم الله عليه، من قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا إلى قوله: « ومن يفعل ذلك » ، من نكاح المحرمات، وعضل المحرَّم عضلُها من النساء، وأكل المال بالباطل، وقتل المحرّم قتله من المؤمنين لأنّ كلّ ذلك مما وعد الله عليه أهلَه العقوبة.

___________________
فإن قال قائل: فما منعك أن تجعل قوله: « ذلك » ، معنيّا به جميع ما أوعدَ الله عليه العقوبة من أول السورة؟
قيل: منعني ذلك أن كلّ فصْل من ذلك قد قُرِن بالوعيد، إلى قوله: أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ، ولا ذكر للعقوبة من بعد ذلك على ما حرّم الله في الآي التي بعده إلى قوله: « فسوف نصليه نارًا » . فكان قوله: « ومن يفعل ذلك » ، معنيًّا به ما قلنا، مما لم يُقرَن بالوعيد، مع إجماع الجميع على أنّ الله تعالى قد توعد على كل ذلك أولى من أن يكون معنيًّا به ما سلف فيه الوعيد بالنهي مقرونًا قبل ذلك.
___________________

وأما قوله: « عدْوانًا » ، فإنه يعني به تجاوزًا لما أباح الله له، إلى ما حرمه عليه « وُظلمًا » ، يعني: فعلا منه ذلك بغير ما أذن الله به، وركوبًا منه ما قد نهاه الله عنه . وقوله: « فسوف نُصليه نارًا » ، يقول: فسوف نُورده نارًا يصلَى بها فيحترق فيها « وكان ذلك على الله يسيرًا » ، يعني: وكان إصلاءُ فاعل ذلك النارَ وإحراقه بها، على الله سَهْلا يسيرًا، لأنه لا يقدر على الامتناع على ربه مما أراد به من سوء. وإنما يصعب الوفاءُ بالوعيد لمن توعده، على من كان إذا حاول الوفاءَ به قَدَر المتوعَّد من الامتناع منه. فأما من كان في قبضة مُوعِده، فيسيرٌ عليه إمضاءُ حكمه فيه، والوفاءُ له بوعيده، غيرُ عسير عليه أمرٌ أراده به.
__________________________________


القول في تأويل قوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا ( 31 )
قال أبو جعفر:
اختلف أهل التأويل في معنى « الكبائر » التي وعد الله جل ثناؤه عبادَه باجتنابها تكفيرَ سائر سيئاتهم عنهم.

فقال بعضهم: الكبائر التي قال الله تبارك وتعالى: « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم » ، هي ما تقدَّم الله إلى عباده بالنهي عنه من أول « سورة النساء » إلى رأس الثلاثين منها.

وقال آخرون: « الكبائر سبع » .
وعلة من قال هذه المقالة ما:-
حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، أخبرني الليث قال، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المُجْمِر قال: أخبرني صهيب مولى العُتْواريّ: أنه سمع من أبي هريرة وأبي سعيد الخدري يقولان: خطبنا رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 يومًا فقال: « والذي نفسي بيده ثلاث مرات ثم أكبَّ، فأكبَّ كل رجل، منا يبكي، لا يدري على ماذا حلف، ثم رفع رأسه وفي وجهه البِشر، فكان أحبَّ إلينا من حُمْر النَّعم، فقال: ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رَمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبعَ، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل: ادخل بسلام » .
.
وقال آخرون هي تسع.
وقال آخرون: هي أربع.
وقال آخرون: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة.
.
وقال آخرون: هي ثلاث.
وقال آخرون: كل موجِبة، وكل ما أوعد الله أهلَه عليه النار، فكبيرة.

__________________________________


قال أبو جعفر:
والذي نقول به في ذلك، ما ثبتَ به الخبرُ عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2، وذلك ما:-
# حدثنا به أحمد بن الوليد القرشي قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، حدثني عبيد الله بن أبي بكر قال: سمعت أنس بن مالك قال: ذكر رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 الكبائر أو: سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوقُ الوالدين. فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قول الزور أو قال: شهادة الزور قال شعبة: وأكبر ظني أنه قال: شهادة الزور.


# حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا شعبة قال، أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس، عن النبي تأويل سورة النّساء Salla2 في الكبائر قال: « الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتلُ النفس، وقول الزور » .


# حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يحيى بن كثير قال، حدثنا شعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس قال: ذكروا الكبائرَ عند رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2، فقال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس. ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قولُ الزور.


# حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي تأويل سورة النّساء Salla2 قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين أو: قتلُ النفس، شعبة الشاكّ واليمينُ الغَمُوس.


# حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، حدثنا شيبان، عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيّ تأويل سورة النّساء Salla2 فقال: ما الكبائر؟ قال: الشرك بالله. قال: ثم مَهْ؟ قال: وعقوق الوالدين. قال: ثم مَهْ؟ قال: واليمين الغَموس قلت للشعبي: ما اليمين الغَمُوس؟ قال: الذي يقتطع مالَ امرئ مسلم بيمينه وهو فيها كاذب.


# حدثني المثنى قال، حدثنا ابن أبي السري محمد بن المتوكل العسقلاني قال، حدثنا يحيى بن سعد، عن خالد بن معدان، عن أبي رُهْم، عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2: من أقام الصلاة، وأتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة. قيل: وما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار يوم الزحف.


حدثني عباس بن أبي طالب قال، حدثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر، عن ابن أبي جعفر، عن ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن سلمان الأغر، عن أبيه أبي عبد الله سلمان الأغر قال، قال أبو أيوب خالد بن أيوب الأنصاري عقبيٌّ بدريٌّ قال: قال رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2: ما من عبد يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ويقيم الصلاةَ، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر، إلا دخل الجنة. فسألوه: ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، والفرار من الزحف، وقتل النفس.
حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا عباد بن عباد، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة: أن ناسًا من أصحاب رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 ذكروا الكبائر وهو متكئ، فقالوا: الشرك بالله، وأكل مال اليتيم، وفرارٌ من الزحف، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغُلول، والسحر، وأكل الربا: فقال رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2: فأين تجعلون: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ؟ إلى آخر الآية، ] سورة آل عمران: 77 ] .


# حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال، حدثنا سفيان، عن أبي معاوية، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله قال: سألت النبي تأويل سورة النّساء Salla2: ما الكبائر؟ قال: أن تدعو لله نِدًّا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن مأكلٍ معك، أو تزني بحليلة جارك. وقرأ علينا رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ] سورة الفرقان: 68 ] .


# عن عبد الله بن مسعود: سألتُ رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 فقلت: أيّ العمل شر؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أن يأكل معك، أو تزني بجارتك. وقرأ علي: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ

__________________________________

قال أبو جعفر: وأولى ما قيل في تأويل « الكبائر » بالصحة، ما صحَّ به الخبر، عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2، دون ما قاله غيره، وإن كان كل قائل فيها قولا من الذين ذكرنا أقوالهم، قد اجتهد وبالغ في نفسه، ولقوله في الصحة مذهبٌ.

فالكبائر إذن: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس المحرّم قتلها، وقول الزور وقد يدخل في « قول الزور » ، شهادة الزور وقذف المحصنة، واليمين الغموسُ، والسحر ويدخل في قتل النفس المحرَّم قتلها، قتل الرجل ولده من أجل أن يطعم معه والفرارُ من الزحف، والزنا بحليلة الجار.
وإذْ كان ذلك كذلك، صحَّ كل خبر رُوي عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 في معنى الكبائر، وكان بعضه مصدِّقًا بعضًا. وذلك أن الذي روي عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 أنه قال: « هي سبع » يكون معنى قوله حينئذ: « هي سبع » على التفصيل ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنه قال: « هي الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور » على الإجمال، إذ كان قوله: « وقول الزور » يحتمل معاني شتى، وأن يجمعَ جميعَ ذلك « قول الزور » .

وأما خبر ابن مسعود الذي حدثني به الفريابي على ما ذكرت، فإنه عندي غلط من عبيد الله بن محمد، لأن الأخبار المتظاهرة من الأوجه الصحاح عن ابن مسعود عن النبي تأويل سورة النّساء Salla2، بنحو الرواية التي رواها الزهري عن ابن عيينة. ولم يقل أحد منهم في حديثه عن ابن مسعود، « أن النبي تأويل سورة النّساء Salla2: سئل عن الكبائر » ، فنقلهم ما نقلوا من ذلك عن ابن مسعود عن النبي تأويل سورة النّساء Salla2، أولى بالصحة من نقل الفريابي.

قال أبو جعفر:
فمن اجتنب الكبائر التي وعد الله مجتنبَها تكفيرَ ما عداها من سيئاته، وإدخاله مُدخلا كريمًا، وأدَّى فرائضه التي فرضها الله عليه، وجد الله لما وعده من وعدٍ منجزًا، وعلى الوفاء له ثابتًا.
وأما قوله: « نكفر عنكم سيئاتكم » ، فإنه يعني به: نكفر عنكم، أيها المؤمنون، باجتنابكم كبائر ما ينهاكم عنه ربكم، صغائر سيئاتكم يعني: صغائر ذنوبكم، كما:-
حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « نكفر عنكم سيئاتكم » ، الصغائر.

__________________________________

وأما قوله: « وندخلكم مدخلا كريمًا » ، فإن القرأة اختلفت في قراءته. فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض الكوفيين: ( وَنُدْخِلْكُمْ مَدْخَلا كَرِيمًا ) بفتح « الميم » ، وكذلك الذي في « الحج » : لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ ] سورة الحج: 59 ] ، فمعنى: « وندخلكم مَدخلا » ، فيدخلون دُخُولا كريمًا. وقد يحتمل على مذهب من قرأ هذه القراءة، أن يكون المعنى في « المدخل » : المكان والموضع. لأن العرب رُبما فتحت « الميم » من ذلك بهذا المعنى، كما قال الراجز:
بِمَصْبَح الْحَمْدِ وَحَيْثُ نُمْسٍي
وقد أنشدني بعضهم سماعًا من العرب:
الْحَــمْدُ لِلِــه مَمْسَـانَا ومَصْبَحَنَـا بِــالْخَيْرِ صَبَّحَنَــا رَبِّـي وَمَسَّـانَا
وأنشدني آخر غيره:
الْحَمْدُ لِلِه مُمْسَانا وَمُصْبَحَنَا
لأنه من « أصبح » « وأمسى » . وكذلك تفعل العرب فيما كان من الفعل بناؤه على أربعة، تضم ميمه في مثل هذا فتقول: « دحرجته أدحرجه مُدحرجًا، فهو مُدحرَج » . ثم تحمل ما جاء على « أفعل يُفعل » على ذلك. لأن « يُفعِل » ، من « يُدْخِل » ، وإن كان على أربعة، فإن أصله أن يكون على « يؤفعل » ، « يؤدخل » و « يؤخرج » ، فهو نظير « يدحرج » .
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين والبصريين: « مُدْخَلا » بضم « الميم » ، يعني: وندخلكم إدخالا كريمًا.


قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ ذلك: ( وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا ) بضم « الميم » ، لما وصفنا، من أن ما كان من الفعل بناؤه على أربعة في « فَعَل » ، فالمصدر منه « مُفْعَل » . وأن « أدخل » و « دحرج » « فَعَل » منه على أربعة. ف « المُدخل » مصدره أولى من « مَفعل » ، مع أن ذلك أفصح في كلام العرب في مصادر ما جاء على « أفعل » ، كما يقال: « أقام بمكان فطاب له المُقام » ، إذ أريد به الإقامة و « قام في موضعه فهو في مَقام واسع » ، كما قال جل ثناؤه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ] سورة الدخان: 51 ] ، من « قام يقوم » . ولو أريد به « الإقامة » لقرئ: « إن المتقين في مُقام أمين » كما قرئ: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ] سورة الإسراء: 80 ] ، بمعنى « الإدخال » و « الإخراج » . ولم يبلغنا عن أحد أنه قرأ: « مَدخل صدق » ، ولا « مَخْرج صدق » بفتح « الميم » .
وأما « المدخل الكريم » ، فهو: الطيب الحسن، المكرَّم بنفي الآفات والعاهات عنه، وبارتفاع الهموم والأحزان ودخول الكدر في عيش من دَخله، فلذلك سماه الله كريمًا، كما:-
حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وندخلكم مدخلا كريمًا » ، قال: « الكريم » ، هو الحسن في الجنة.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:56 pm

القول في تأويل قوله : وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ
قال أبو جعفر:


يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تشتهوا ما فضل الله به بعضكم على بعض.
وذكر أن ذلك نـزل في نساءٍ تمنين منازلَ الرجال، وأن يكون لهم ما لهم، فنهى الله عباده عن الأماني الباطلة، وأمرهم أن يسألوه من فضله، إذ كانت الأمانيّ تورِث أهلها الحسد والبغي بغير الحق.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يتمنَّ بعضكم ما خصّ الله بعضًا من منازل الفضل.

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام على هذا التأويل: ولا تتمنوا، أيها الرجال والنساء، الذي فضل الله به بعضكم على بعض من منازل الفضل ودرجات الخير، وليرض أحدكم بما قسم الله له من نصيب، ولكن سَلُوا الله من فضله.
______________
القول في تأويل قوله : لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ
قال أبو جعفر:


اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: للرجال نصيب مما اكتسبوا، من الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية « وللنساء نصيب » من ذلك مثل ذلك.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منهم.


قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية، قول من قال: معناه: للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا فعملوه من خير أو شر، وللنساء نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال.
وإنما قلنا إن ذلك أولى بتأويل الآية من قول من قال: « تأويله: للرجال نصيب من الميراث، وللنساء نصيب منه » ، لأن الله جل ثناؤه أخبر أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبًا مما اكتسب. وليس الميراث مما اكتسبه الوارث، وإنما هو مال أورثه الله عن ميّته بغير اكتساب، وإنما « الكسب » العمل، و « المكتسب » : المحترف. فغير جائز أن يكون معنى الآية وقد قال الله: « للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن » : للرجال نصيبٌ مما ورِثوا، وللنساء نصيب مما ورثن. لأن ذلك لو كان كذلك لقيل: « للرجال نصيب مما لم يكتسبوا، وللنساء نصيب مما لم يكتسبن » !!
_______________
القول في تأويل قوله : وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
قال أبو جعفر:

يعني بذلك جل ثناؤه: واسألوا الله من عونه وتوفيقه للعمل بما يرضيه عنكم من طاعته. ففضله في هذا الموضع: توفيقه ومعونته
______________
القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ( 32 )
قال أبو جعفر:


يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ الله كان بما يصلح عباده - فيما قسم لهم من خير، ورفع بعضهم فوق بعض في الدين والدنيا، وبغير ذلك من قضائه وأحكامه فيهم « عليما » ، يقول: ذا علم. فلا تتمنوا غير الذي قضى لكم، ولكن عليكم بطاعته، والتسليم لأمره، والرضى بقضائه، ومسألته من فضله.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:56 pm

القول في تأويل قوله : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ
يعني جل ثناؤه بقوله: « ولكلّ جعلنا موالي » ، ولكلكم، أيها الناس « جعلنا موالي » ، يقول: ورثة من بني عمه وإخوته وسائر عصبته غيرهم.
والعرب تسمي ابن العم « المولى » ، ومنه قول الشاعر:
وَمَـوْلًى رَمَيْنَـا حَوْلَـهُ وَهُـوَ مُدْغِلٌ بِأَعْرَاضِنَــا وَالْمُنْدِيَــاتِ سَــرُوعُ
يعني بذلك: وابن عم رمينا حوله، ومنه قول الفضل بن العباس:
مَهْــلا بَنِـي عَمِّنَـا مَهْـلا مَوَالِينَـا لا تُظْهِــرُنَّ لَنَـا مَـا كـانَ مَدْفُونَـا

_______________.
ويعني بقوله: « مما ترك الوالدان والأقربون » ، مما تركه والده وأقرباؤه من الميراث.
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: ولكلكم، أيها الناس، جعلنا عَصبة يرثون به مما ترك والده وأقرباؤه من ميراثهم.

___________________


القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ
قال أبو جعفر:


اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه بعضهم: ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) ، بمعنى: والذين عقدت أيمانكم الحلفَ بينكم وبينهم. وهي قراءة عامة قرأة الكوفيين.
وقرأ ذلك آخرون: ( والذين عاقدت أيمانكم ) ، بمعنى: والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم الحلفَ بينكم وبينهم.
قال أبو جعفر: والذي نقول به في ذلك: إنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة أمصار المسلمين بمعنى واحد.
وفي دلالة قوله: « أيمانكم » على أنها أيمان العاقدين والمعقود عليهم الحلف، مستغنى عن الدلالة على ذلك بقراءة قوله: « عقدت » ، « عاقدت » . وذلك أن الذين قرءوا ذلك: « عاقدت » ، قالوا: لا يكون عَقْد الحلف إلا من فريقين، ولا بد لنا من دلالة في الكلام على أن ذلك كذلك. وأغفلوا موضعَ دلالة قوله: « أيمانكم » ، على أن معنى ذلك أيمانكم وأيمانُ المعقود عليهم، وأن العقد إنما هو صفة للأيمان دون العاقدين الحلف، حتى زعم بعضهم أن ذلك إذا قرئ: « عقدت أيمانكم » ، فالكلام محتاج إلى ضمير صفة تقي الكلام، حتى يكون الكلام معناه: والذين عقدت لهم أيمانكم ذهابًا منه عن الوجه الذي قلنا في ذلك، من أن الأيمان معنيٌّ بها أيمان الفريقين.
وأما « عاقدت أيمانكم » ، فإنه في تأويل: عاقدت أيمانُ هؤلاء أيمانَ هؤلاء، الحلفَ.
فهما متقاربان في المعنى، وإن كانت قراءة من قرأ ذلك: « عقدت أيمانكم » بغير « ألف » ، أصح معنى من قراءة من قرأه: « عاقدت » ، للذي ذكرنا من الدلالة المُغنية في صفة الأيمان بالعقد، على أنها أيمان الفريقين من الدلالة على ذلك بغيره.
___________________


وأما معنى قوله: « عقدت أيمانكم » ، فإنه: وَصَلت وشَدّت وَوكَّدت « أيمانكم » ، يعني: مواثيقكم التي واثق بعضهم بعضًا « فآتوهم نصيبهم » .
ثم اختلف أهل التأويل في معنى « النصيب » الذي أمر الله أهل الحلف أن يؤتي بعضهم بعضًا في الإسلام.
فقال بعضهم: هو نصيبه من الميراث، لأنهم في الجاهلية كانوا يتوارثون، فأوجب الله في الإسلام من بعضهم لبعض بذلك الحلف، وبمثله في الإسلام، من الموارثة مثل الذي كان لهم في الجاهلية. ثم نسخ ذلك بما فرض من الفرائض لذوي الأرحام والقرابات.

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 من المهاجرين والأنصار، فكان بعضهم يرث بعضًا بتلك المؤاخاة، ثم نسخ الله ذلك بالفرائض، وبقوله: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ .

.
وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في أهل العقد بالحلف، ولكنهم أمروا أن يؤتي بعضهم بعضًا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك، دون الميراث.


وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون أبناءَ غيرهم في الجاهلية، فأمروا في الإسلام أنْ يوصوا لهم عند الموت وصيةً.


قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل قوله: « والذين عقدت أيمانكم » ، قولُ من قال: « والذين عقدت أيمانكم على المحالفة، وهم الحلفاء » . وذلك أنه معلوم عند جميع أهل العلم بأيام العرب وأخبارها، أنّ عقد الحلف بينها كان يكون بالأيمان والعهود والمواثيق، على نحو ما قد ذكرنا من الرواية في ذلك.
فإذ كان الله جل ثناؤه إنما وصف الذين عقدت أيمانهم ما عقدوه بها بينهم، دون من لم تعقد عقدًا بينهم أيمانهم وكانت مؤاخاة النبي تأويل سورة النّساء Salla2 بين من آخى بينه وبينه من المهاجرين والأنصار، لم تكن بينهم بأيمانهم، وكذلك التبني كان معلومًا أن الصواب من القول في ذلك قولُ من قال: « هو الحلف » ، دون غيره، لما وصفناه من العلة.


وأما قوله: « فآتوهم نصيبهم » ، فإن أولى التأويلين به، ما عليه الجميع مجمعون من حكمه الثابت، وذلك إيتاءُ أهل الحلف الذي كان في الجاهلية دون الإسلام، بعضِهم بعضًا أنصباءَهم من النصرة والنصيحة والرأي، دون الميراث. وذلك لصحة الخبر عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 أنه قال: « لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية، فلم يزدْهُ الإسلام إلا شدة » .


# عن ابن عباس قال: قال رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2: لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة. وما يسرني أنّ لي حُمْر النعم، وأنى نقضتُ الحلف الذي كان في دار الندوة.
حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم الضبيّ: أن قيس بن عاصم سألَ النبي تأويل سورة النّساء Salla2 عن الحلف فقال: لا حلف في الإسلام، ولكن تمسكوا بحلف الجاهلية.
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم: أنه سأل النبي تأويل سورة النّساء Salla2 عن الحلف، قال فقال: ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام.


# عن أمّ سلمة: أن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 قال: « لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدّة » .


# عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنّ رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 قال في خطبته يوم فتح مكة: « فُوا بحلفٍ، فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا تُحدثوا حلفًا في الإسلام » .



# عن جبير بن مطعم: أن النبي تأويل سورة النّساء Salla2. قال: لا حلف في الإسلام، وأيُّما حِلف كان في الجاهلية، فلم يزده الإسلام إلا شدة.


# عن عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 قال: شهدت حلف المطيِّبين. وأنا غلام مع عُمومتي، فما أحبّ أن لي حُمرَ النعم وأني أنْكُثُه زاد يعقوب في حديثه عن ابن علية. قال: وقال الزهري: قال رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2: لم يُصب الإسلام حلفًا إلا زاده شدة. قال: ولا حلفَ في الإسلام. قال: وقد ألَّف رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 بين قُريش والأنصار.



#عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لما دخل رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 مكة عامَ الفتح، قام خطيبًا في الناس فقال: « يا أيها الناس، ما كان من حِلف في الجاهلية فإنّ الإسلام لم يزده إلا شدة، ولا حلف في الإسلام » .

___________________

قال أبو جعفر: فإذ كان ما ذكرنا عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 صحيحًا وكانت الآية إذا اختُلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ، غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخ - مع اختلاف المختلفين فيه، ولوجُوب حكمها وَنفي النسخ عنه وجه صحيحٌ - إلا بحجة يجب التسليم لها، لما قد بينَّا في غير موضع من كتبنا الدلالةَ على صحةِ القول بذلك فالواجب أن يكون الصحيح من القول في تأويل قوله: « والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم » ، هو ما ذكرنا من التأويل، وهو أن قوله: « عقدت أيمانكم » من الحلف، وقوله: « فآتوهم نصيبهم » من النصرة والمعونة والنصيحة والرأي، على ما أمرَ به من ذلك رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 في الأخبار التي ذكرناها عنه دون قول من قال: « معنى قوله: فآتوهم نصيبهم، من الميراث » ، وان ذلك كان حكما ثم نُسخ بقوله: وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، ودونَ ما سِوَى القول الذي قلناه في تأويل ذلك.
وإذْ صَحّ ما قلنا في ذلك، وجب أن تكون الآية محكمة لا منسوخةً.
___________________
القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ( 33 )
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فآتوا الذين عقدت أيمانكم نصيبهم من النصرة والنصيحة والرأي، فإن الله شاهد على ما تفعلون من ذلك، وعلى غيره من أفعالكم، مُرَاعٍ لكل ذلك، حافظٌ، حتى يجازي جميعَكم على جميع ذلك جزاءه، أما المحسنَ منكم المتبع أمري وطاعتي فبالحسنى، وأما المسيءَ منكم المخالفَ أمري ونهيي فبالسوأى. ومعنى قوله: « شَهيدا » ، ذو شهادة على ذلك.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:57 pm

القول في تأويل قوله : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ
قال أبو جعفر:

يعني بقوله جل ثناؤه: « الرجال قوّامون على النساء » ، الرجال أهل قيام على نسائهم، في تأديبهن والأخذ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم « بما فضّل الله بعضهم على بعض » ، يعني: بما فضّل الله به الرجال على أزواجهم: من سَوْقهم إليهنّ مهورهن، وإنفاقهم عليهنّ أموالهم، وكفايتهم إياهن مُؤَنهنّ. وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهنّ، ولذلك صارُوا قوّامًا عليهن، نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن.

____________________.

وذُكر أنّ هذه الآية نـزلت في رجل لطم امرأته، فخوصم إلى النبي تأويل سورة النّساء Salla2 في ذلك، فقضَى لها بالقصاص.
ذكر الخبر بذلك:
حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، حدثنا الحسن: أنّ رجلا لطمَ امرأته، فأتت النبي تأويل سورة النّساء Salla2، فأراد أن يُقِصّها منه، فأنـزل الله: « الرجالُ قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم » ، فدعاه النبيّ تأويل سورة النّساء Salla2 فتلاها عليه، وقال: أردتُ أمرًا وأراد الله غيرَه.

_______________.
وكان الزهري يقول: ليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس.

__________________
وأما قوله: « وبما أنفقوا من أموالهم » ، فإنه يعني: وبما ساقوا إليهن من صداق، وأنفقوا عليهن من نفقة،


++++++++++++++++.
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: الرجال قوامون على نسائهم، بتفضيل الله إياهم عليهن، وبإنفاقهم عليهنّ من أموالهم.

______________
و « ما » التي في قوله: « بما فضل الله » ، والتي في قوله: « وبما أنفقوا » ، في معنى المصدر.
___________________
القول في تأويل قوله : فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ
قال أبو جعفر:


يعني بقوله جل ثناؤه: « فالصالحات » ، المستقيمات الدين، العاملات بالخير،
__________
وقوله: « قانتات » ، يعني: مطيعات لله ولأزواجهن،

________.
وقد بينا معنى « القنوت » فيما مضى، وأنه الطاعة، ودللنا على صحة ذلك من الشواهد بما أغنى عن إعادته.


_____________
وأما قوله: « حافظات للغيب » ، فإنه يعني: حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن عنهن، في فروجهن وأموالهم، وللواجب عليهن من حق الله في ذلك وغيره،


# عن أبي هريرة قال: قال رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2: خيرُ النساء امرأةٌ إذا نظرتَ إليها سرَّتك، وإذا أمرَتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك. قال: ثم قرأ رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2: « الرجال قوامون على النساء » الآية.


قال أبو جعفر: وهذا الخبر عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2 يدُلّ على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأن معناه: صالحاتٌ في أديانهن، مطيعاتٌ لأزواجهن، حافظات لهم في أنفسهنّ وأموالهم.

__________________
وأما قوله: « بما حفظ الله » ، فإن القرأة اختلفت في قراءته.
فقرأته عامة القرأة في جميع أمصار الإسلام: ( بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) ، برفع اسم « الله » ، على معنى: بحفظ الله إياهن إذ صيَّرهن كذلك،


وقرأ ذلك أبو جعفر يَزيد بن القَعْقاع المدني ( بِمَا حَفِظَ اللَّهَ ) يعني: بحفظهنّ الله في طاعته وأداء حقه بما أمرهن من حفظ غَيب أزواجهن، كقول الرجل للرجل: « ما حَفِظتَ اللهَ في كذا وكذا » ، بمعنى: ما راقبته ولا حِفْتَهُ.


قال أبو جعفر: والصوابُ من القراءة في ذلك ما جاءت به قرأة المسلمين من القراءة مجيئًا يقطع عذرَ من بَلغه ويُثبّتُ عليهُ حجته، دون ما انفرد به أبو جعفر فشذّ عنهم. وتلك القراءة ترفع اسم « الله » تبارك وتعالى: ( بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) ، مع صحة ذلك في العربية وكلام العرب، وقُبح نصبه في العربية، لخروجه عن المعروف من منطق العرب.
وذلك أن العربَ لا تحذف الفاعلَ مع المصادر، من أجل أنّ الفاعل إذا حذف معها لم يكن للفعل صاحبٌ معروف.
وفي الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من الكلام عليه من ذكره، ومعناه: فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، فاحسِنوا إليهن وأصلحوا.
وكذلك هو فيما ذكر في قراءة ابن مسعود.
______________






صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:57 pm

القول في تأويل قوله : وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ
اختلف أهلُ التأويل في معنى قوله: « واللاتي تخافونُ نشوزهن » .
فقال بعضهم: معناه: واللاتي تعلمون نشوزهن. ووجه صرف « الخوف » ، في هذا الموضع، إلى « العلم » ، في قول هؤلاء، نظيرُ صرف « الظن » إلى « العلم » ، لتقارب معنييهما، إذ كان « الظن » ، شكًّا، وكان « الخوفُ » مقرونًا برَجاء، وكانا جميعًا من فعل المرء بقلبه كما قال الشاعر:
وَلا تَــدْفِنَنَّي فِــي الْفَــلاةِ فَـإِنَّني أَخَـافُ إذَا مَـا مِـتُّّ أَنْ لا أَذُوقُهَـا
معناه: فإنني أعلم، وكما قال الآخر:
أَتَــانِي كَـلامٌ عَـنْ نُصَيْـبٍ يَقُوُلُـهُ وَمَـا خِـفْتُ, يَـا سَـلامُ أَنَّـكَ عَائِبي
بمعنى: وما ظننتُ.

_________
وقال جماعة من أهل التأويل: معنى « الخوف » في هذا الموضع: الخوف الذي هو خلاف « الرجاء » . قالوا: معنى ذلك: إذا رأيتم منهن ما تخافون أن ينشزن عليكم، من نظر إلى ما لا ينبغي لهن أن ينظرن إليه، ويَدخُلن ويخرجن، واسترْبتم بأمرهن، فعِظُوهن واهجروهنّ. وممن قال ذلك محمد بن كعب.

__________________________
وأما قوله: « نشوزهن » ، فإنه يعني: استعلاءَهن على أزواجهن، وارتفاعهن عن فُرُشهم بالمعصية منهن، والخلاف عليهم فيما لزمهنّ طاعتهم فيه، بغضًا منهن وإعراضًا عنهم.
وأصل « النشوز » الارتفاع. ومنه قيل للمكان المرتفع من الأرض: « نَشْز » و « نَشَاز » .

__________________________
« فعظوهن » ، يقول: ذكّروهن الله، وخوِّفوهن وعيدَه، في ركوبها ما حرّم الله عليها من معصية زوجها فيما أوجب عليها طاعته فيه.
__________________

القول في تأويل قوله : وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: فعظوهن في نشوزهن عليكم، أيها الأزواج، فإن أبينَ مراجعة الحقّ في ذلك والواجب عليهن لكم، فاهجروهن بترك جماعهنَ في مضاجعتكم إياهن.

.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: واهجروا كلامَهن في تركهن مضاجعتكم، حتى يرجعن إلى مضاجعتكم.


] وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تقربوهن في فرشهن، حتى يرجعن إلى ما تحبّون ] .

.
وقال آخرون: معنى قوله: « واهجروهن في المضاجع » ، قولوا لهن من القول هُجْرًا في تركهنّ مضاجعتكم.

___________
قال أبو جعفر:

ولا معنى ل « الهجر » في كلام العرب إلا على أحد ثلاثة أوجه.
أحدها: « هجر الرجل كلام الرجل وحديثه » ، وذلك رفضه وتركه، يقال منه: « هَجر فلان أهله يهجرُها هجرًا وهجرانًا » .
والآخر: الإكثار من الكلام بترديد كهيئة كلام الهازئ، يقال منه: « هجر فلانٌ في كلامه يَهْجُر هَجْرًا » ، إذا هذَى ومدّد الكلمة « وما زالت تلك هِجِّيراه، وإهْجِيرَاه » ، ومنه قول ذي الرمة:
رَمَــى فَأَخْطَــأَ, وَالأقْـدَارُ غَالِبَـةٌ فَـانْصَعْنَ وَالْـوَيْلُ هِجِّـيرَاهُ وَالْحَرَبُ


والثالث: « هَجَر البعير » ، إذا ربطه صاحبه بـ « الهِجَار » ، وهو حبل يُربط في حَقْويها ورُسغها، ومنه قول امرئ القيس:
رَأَتْ هَلَكًـــا بِنِجَـــافِ الْغَبِيــطِ فَكَــادَتْ تَجُــدُّ لِــذَاكَ الْهِجَــارَا


فأما القول الذي فيه الغلظة والأذى، فإنما هو « الإهجار » ، ويقال منه: « أهجر فلان في منطقه » إذا قال « الهُجْر » ، وهو الفحش من الكلام « يُهْجر إهجارًا وهُجرًا » .


فإذ كان لا وجه لـ « الهَجْر » في الكلام إلا أحد المعاني الثلاثة وكانت المرأة المخوف نشوزُها، إنما أمر زوجها بوعظها لتنيب إلى طاعته فيما يجب عليها له من موافاته عند دعائه إياها إلى فراشه فغير جائز أن تكون عظته لذلك حتى تفيء المرأة إلى أمر الله وطاعة زوجها في ذلك، ثم يكون الزوج مأمورًا بهجرها في الأمر الذي كانت عظته إياها عليه.


وإذ كان ذلك كذلك، بطلَ قولُ من قال: « معنى قوله: » واهجروهن في المضاجع، واهجروا جماعهن « . »
أو يكون - إذ بطل هذا المعنى - بمعنى واهجروا كلامهن بسبب هجرهنّ مضاجعكم. وذلك أيضًا لا وجه له مفهومٌ. لأن الله تعالى ذكره قد أخبر على لسان نبيه تأويل سورة النّساء Salla2: أنه لا يَحِل لمسلم أن يهجر أخاه فَوْقَ ثلاث. على أن ذلك لو كان حلالا لم يكن لهجرها في الكلام معنًى مفهوم. لأنها إذا كانت عنه منصرفةً وعليه ناشزًا، فمن سُرورها أن لا يكلمها ولا يَرَاها ولا تراه، فكيف يُؤْمر الرجل في حال بُغض امرأته إياه، وانصرافها عنه بترك ما في تركه سُرُورها، من ترك جماعها ومحادثتها وتكليمها؟ وهو يؤمر بضربها لترتدع عما هي عليه من ترك طاعته، إذا دعاها إلى فراشه، وغير ذلك مما يلزمها طاعته فيه. أو يكون - إذ فسد هذان الوجهان - يكون معناه واهجروا في قولكم لهنّ، بمعنى: ردّدوا عليهن كلامكم إذا كلمتموهن، بالتغليظ لهن. فإن كان ذلك معناه، فلا وجه لإعمال « الهجر » في كناية أسماء النساء الناشزات أعني في « الهاء والنون » من قوله: « واهجروهن » . لأنه إذا أريد به ذلك المعنى، كان الفعل غير واقع، إنما يقال: « هَجَر فلان في كلامه » ولا يقال: « هجر فلان فلانًا » .
فإذ كان في كلّ هذه المعاني ما ذكرنا من الخلل اللاحق، فأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يكون قوله: « واهجروهن » ، موجَّهًا معناه إلى معنى الرّبط بالهجار، على ما ذكرنا من قيل العرب للبعير إذا ربطه صاحبه بحبل على ما وصفنا: « هَجَره فهو يهجره هجْرًا » .


وإذا كان ذلك معناه كان تأويل الكلام: واللاتي تخافون نشوزَهن فعظوهن في نشوزهن عليكم. فإن اتعظن فلا سبيل لكم عليهنّ، وإن أبين الأوْبة من نشوزهن فاستوثقوا منهنّ رباطًا في مضاجعهن يعني: في منازلهن وبُيوتهن التي يضطجعن فيها ويُضاجعن فيها أزواجهنّ،

كما:-
حدثني عباس بن أبي طالب قال، حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن شبل قال، سمعت أبا قزعة يحدث، عن عمرو بن دينار، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه: أنه جاء إلى النبي تأويل سورة النّساء Salla2 فقال: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: يطعمها، ويكسوها، ولا يضرب الوجه، ولا يقبِّح، ولا يهجر إلا في البيت.




# حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، حدثنا ابن المبارك قال، أخبرنا بهز بن حكيم، عن جده قال، قلت: يا رسول الله، نساؤنا، ما نأتي منها وما نذر؟ قال: حرثُك، فأت حرثك أنَّى شئت، غير أن لا تضرب الوجهَ، ولا تقبِّح، ولا تَهجر إلا في البيت، وأطعم إذا طَعِمت، واكْس إذا اكتسيتَ، كيفَ وقد أفضى بعضكم إلا بعض؟ إلا بما حَلّ عليها.

__________
قال أبو جعفر: فإن ظنّ ظانٌّ أن الذي قلنا في تأويل الخبر عن النبي تأويل سورة النّساء Salla2 الذي رواه عكرمة، ليس كما قلنا، وصحّ أن تركَ النبي تأويل سورة النّساء Salla2 أمرَ الرجل بهجر زوجته إذا عصته في المعروف وأمره بضربها قبل الهجر، لو كان دليلا على صحة ما قلنا من أنّ معنى « الهجر » هو ما بيناه لوجب أن يكون لا معنى لأمر الله زوجَها أن يَعِظها إذا هي نشزت، إذ كان لا ذِكر للعظة في خبر عكرمة عن النبي تأويل سورة النّساء Salla2

فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن. وذلك أن قوله تأويل سورة النّساء Salla2: « إذا عصينكم في المعروف » ، دلالة بينة أنه لم يٌبح للرجل ضرب زوجته، إلا بعد عظتها من نشوزها. وذلك أنه لا تكون لهُ عاصية، إلا وقد تقدّم منه لها أمرٌ أو عِظَة بالمعروف على ما أمرَ الله به.
_____________________
القول في تأويل قوله : وَاضْرِبُوهُنَّ
قال أبو جعفر:

يعني بذلك جل ثناؤه: فعظوهن، أيها الرجال، في نشوزهن، فإن أبينَ الإياب إلى ما يلزمهن لكم، فشدّوهن وثاقًا في منازلهن، واضربوهن ليؤبن إلى الواجب عليهن من طاعته الله في اللازم لهنّ من حقوقكم.
وقال أهل التأويل: صفة الضرب التي أباح الله لزوج الناشز أن يضربها: الضربُ غيرُ المبرِّح.

___________________
القول في تأويل قوله : فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا
قال أبو جعفر:

يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أطعنكم، أيها الناس، نساؤكم اللاتي تخافون نشوزهن عند وعظكم إياهن، فلا تهجروهن في المضاجع. فإن لم يطعنكم، فاهجروهن في المضاجع واضربوهن. فإن راجعنَ طاعتكم عند ذلك وفِئْنَ إلى الواجب عليهن، فلا تطلبوا طريقًا إلى أذاهن ومكروههن، ولا تلتمسوا سبيلا إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل. وذلك أن يقول أحدكم لإحداهن وهي له مطيعة: « إنك لست تحبّيني، وأنت لي مبغضة » ، فيضربها على ذلك أو يُؤذيها. فقال الله تعالى للرجال: « فإن أطعنكم » أي: على بغضهنّ لكم فلا تجنَّوا عليهن، ولا تكلفوهن محبتكم، فإنّ ذلك ليس بأيديهن، فتضربوهن أو تؤذوهن عليه.

______________
ومعنى قوله: « فلا تبغوا » ، لا تلتمسوا ولا تطلبوا، من قول القائل: « بغَيتُ الضالة » ، إذا التمستها، ومنه قول الشاعر في صفة الموت:
بَغَــاكَ وَمَـا تَبْغِيِـهِ, حَـتَّى وَجَدْتَـهُ كَــأَنَّكَ قَــدْ وَاعَدْتَـهُ أَمْسِ مَوْعِـدَا
بمعنى: طلبك وما تطلبه.

_________________
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ( 34 )
قال أبو جعفر

يقول: إن الله ذو علوّ على كل شيء، فلا تبغوا، أيها الناس، على أزواجكم إذا أطعنكم فيما ألزمهن الله لكم من حق سبيلا لعلوِّ أيديكم على أيديهن، فإنّ الله أعلى منكم ومن كل شيء عليكم، منكم عليهن وأكبر منكم ومن كل شيء، وأنتم في يده وقبضته، فاتقوا الله أن تظلموهن وتبغوا عليهن سبيلا. وهن لكم مطيعات، فينتصر لهن منكم ربُّكم الذي هو أعلى منكم ومن كل شيء، وأكبر منكم ومن كل شيء.











صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:57 pm

القول في تأويل قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا
قال أبو جعفر:

يعني بقوله جل ثناؤه « وإن خفتم شقاق بينهما » ، وإن علمتم أيها الناس « شقاق بينهما » ، وذلك مشاقة كل واحد منهما صاحبه، وهو إتيانه ما يشق عليه من الأمور. فأما من المرأة، فالنشوز وتركها أداء حق الله عليها الذي ألزمها الله لزوجها. وأما من الزوج، فتركُه إمساكها بالمعروف أو تسريحها بإحسان.
و « الشقاق » مصدر من قول القائل: « شاقَّ فلان فلانًا » إذا أتى كل واحد منهما إلى صاحبه ما يشق عليه من الأمور « فهو يُشاقُّه مشاقَّة وشقاقًا » ، وذلك قد يكون عداوة،

_____________________
وإنما أضيف « الشقاق » إلى « البين » ، لأن « البين » قد يكون اسمًا، كما قال جل ثناؤه: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ] سورة الأنعام: 94 ] ، في قراءة من قرأ ذلك.


_____________________

وأما قوله: « فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها » ، فإن أهل التأويل اختلفوا في المخاطبين بهذه الآية: مَنِ المأمور ببعثة الحكمين؟




فقال بعضهم: المأمور بذلك: السلطانُ الذي يرفع ذلك إليه.


وقال آخرون: بل المأمور بذلك: الرجل والمرأة.


.
_____________________

ثم اختلف أهل التأويل فيما يُبعث له الحكمان، وما الذي يجوز للحكمين من الحكم بينهما، وكيف وَجْهُ بَعْثهِما بينهما؟
فقال بعضهم: يبعثهما الزوجان بتوكيل منهما إياهما بالنظر بينهما. وليس لهما أن يعملا شيئًا في أمرهما إلا ما وكَّلاهما به، أو وكله كل واحد منهما بما إليه، فيعملان بما وكلهما به مَن وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما فيه، أو توكيل من وُكل منهما في ذلك.


وقال آخرون: إن الذي يبعث الحكمين هو السلطان، غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما، ليحملهما على الواجب لكل واحد منهما قِبَل صاحبه، لا التفريق بينهما.

.
وقال آخرون: بل إنما يبعث الحكمين السلطانُ، على أن حكمهما ماضٍ على الزوجين في الجمع والتفريق.


قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في قوله: « فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها » ، أن الله خاطب المسلمين بذلك، وأمرهم ببعثة الحكمين عند خوف الشِّقاق بين الزوجين للنظر في أمرهما، ولم يخصص بالأمر بذلك بعضهم دون بعض. وقد أجمع الجميع على أن بعثة الحكمين في ذلك ليست لغير الزوجين، وغير السلطان الذي هو سائس أمر المسلمين، أو من أقامه في ذلك مقام نفسه.
واختلفوا في الزوجين والسلطان، ومن المأمورُ بالبعثة في ذلك: الزوجان، أو السلطان؟ ولا دلالة في الآية تدل على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين، ولا أثر به عن رسول الله تأويل سورة النّساء Salla2، والأمة فيه مختلفة.
وإذْ كان الأمر على ما وصفنا، فأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يكون مخصوصًا من الآية ما أجمع الجميع على أنه مخصوص منها. وإذْ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن قد شمله حكم الآية، والأمر بقوله: « فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها » ، إذْ كان مختلفًا بينهما: هل هما معنيِّان بالأمر بذلك أم لا؟ وكان ظاهر الآية قد عمهما فالواجبُ من القول، إذ كان صحيحًا ما وصفنا، صحيحًا أن يقال إن بعث الزوجان كل واحد منهما حكمًا من قبله لينظر في أمرهما، وكان كل واحد منهما قد بعثه من قبله في ذلك، لما لَه على صاحبه ولصاحبه عليه، فتوكيله بذلك من وكِّل جائز له وعليه.
وإن وكَّله ببعض ولم يوكله بالجميع، كان ما فعله الحكم مما وكله به صاحبه ماضيًا جائزًا على ما وكله به. وذلك أن يوكله أحدهما بما له دون ما عليه.
وإن لم يوكل كل واحد من الزوجين بما له وعليه، أو بما له، أو بما عليه، إلا الحكمين كليهما، ] لم يجز ] إلا ما اجتمعا عليه، دون ما انفرد به أحدهما.
وإن لم يوكلهما واحد منهما بشيء، وإنما بعثاهما للنظر بينهما ، ليعرفا الظالم من المظلوم منهما، ليشهدا عليهما عند السلطان إن احتاجا إلى شهادتهما لم يكن لهما أن يُحدثا بينهما شيئًا غير ذلك من طلاق، أو أخذ مال، أو غير ذلك، ولم يلزم الزوجين ولا واحدًا منهما شيء من ذلك.

_____________________

فإن قال قائل: وما معنى الحكمين، إذ كان الأمر على ما وصفت؟
قيل: قد اختلف في ذلك.
فقال بعضهم: معنى « الحكم » ، النظرُ العدلُ، كما قال الضحاك بن مزاحم في الخبر الذي ذكرناه، الذي:-
حدثنا به يحيى بن أبي طالب، عن يزيد، عن جويبر عنه: لا أنتما قاضيان تقضيان بينهما
على السبيل التي بيَّنَّا من قوله.
وقال آخرون: معنى ذلك: أنهما القاضيان، يقضيان بينهما ما فوَّض إليهما الزوجان.
قال أبو جعفر: وأي الأمرين كان، فليس لهما، ولا لواحد منهما، الحكم بينهما بالفرقة، ولا بأخذ مال إلا برضى المحكوم عليه بذلك، وإلا ما لزم من حق لأحد الزوجين على الآخر في حكم الله، وذلك ما لزم الرجلَ لزوجته من النفقة والإمساك بمعروف، إن كان هو الظالم لها.
فأما غير ذلك، فليس ذلك لهما، ولا لأحد من الناس غيرهما، لا السلطان ولا غيره. وذلك أن الزوج إن كان هو الظالمَ للمرأة، فللإمام السبيلُ إلى أخذه بما يجب لها عليه من حق. وإن كانت المرأة هي الظالمةَ زوجها الناشزةَ عليه، فقد أباح الله له أخذَ الفدية منها، وجعل إليه طلاقها، على ما قد بيناه في « سورة البقرة » .
وإذْ كان الأمرُ كذلك، لم يكن لأحدٍ الفرقةُ بين رجل وامرأة بغير رضى الزوج، ولا أخذُ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه، إلا بحجة يجب التسليم لها من أصل أو قياس.
وإن بعث الحكمين السلطانُ، فلا يجوز لهما أن يحكما بين الزوجين بفرقة إلا بتوكيل الزوج إياهما بذلك، ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلا برضى المرأة. يدل على ذلك ما قد بيناه قبلُ من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك، والقائلين بقوله. ولكن لهما أن يصلحا بين الزوجين، ويتعرفا الظالم منهما من المظلوم، ليشهدا عليه إن احتاج المظلوم منهما إلى شهادتهما.

_____________________

وإنما قلنا: « ليس لهما التفريق » ، للعلة التي ذكرناها آنفًا. وإنما يبعث السلطانُ الحكمين إذا بعثهما، إذا ارتفع إليه الزوجان، فشكا كل واحد منهما صاحبه، وأشكلَ عليه المحقّ منهما من المبطل. لأنه إذا لم يشكل المحق من المبطل، فلا وجه لبعثه الحكمين في أمر قد عرف الحكم فيه.

_____________________

القول في تأويل قوله : إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « إن يريدا إصلاحًا » ، إن يرد الحكمان إصلاحًا بين الرجل والمرأة أعني: بين الزوجين المخوف شقاقُ بينهما يقول: « يوفق الله » بين الحكمين فيتفقا على الإصلاح بينهما. وذلك إذا صدق كل واحد منهما فيما أفضى إليه: مَنْ بُعِثَ للنظر في أمر الزوجين.

_____________________
القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ( 35 )
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: « إنّ الله كان عليمًا » ، بما أراد الحكمان من إصلاح بين الزوجين وغيره « خبيرًا » ، بذلك وبغيره من أمورهما وأمور غيرهما، لا يخفى عليه شيء منه، حافظ عليهم، حتى يجازي كلا منهم جزاءه، بالإحسان إحسانًا، وبالإساءة غفرانًا أو عقابًا.





صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جديد رد: تأويل سورة النّساء

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الثلاثاء نوفمبر 30, 2010 5:58 pm

القول في تأويل قوله جل ذكره : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ
قال أبو جعفر:


يعني بذلك جل ثناؤه: وذِلُّوا لله بالطاعة، واخضعوا له بها، وأفردوه بالربوبية، وأخلصوا له الخضوع والذلة، بالانتهاء إلى أمره، والانـزجار عن نهيه، ولا تجعلوا له في الربوبية والعبادة شريكًا تعظمونه تعظيمكم إياه.
__________________


« وبالوالدين إحسانًا » ، يقول: وأمركم بالوالدين إحسانًا يعني برًّا بهما ولذلك نصب « الإحسان » ، لأنه أمر منه جل ثناؤه بلزوم الإحسان إلى الوالدين، على وجه الإغراء.
وقد قال بعضهم: معناه: « واستوصوا بالوالدين إحسانًا » ، وهو قريب المعنى مما قلناه.



__________________

وأما قوله: « وبذي القربى » ، فإنه يعني: وأمرَ أيضًا بذي القربى وهم ذوو قرابة أحدنا من قبل أبيه أو أمه، ممن قربت منه قرابته برحمه من أحد الطرفين إحسانًا بصلة رحمه.
وأما قوله: « واليتامى » ، فإنهم جمع « يتيم » ، وهو الطفل الذي قد مات والده وهلك.
« والمساكين » وهو جمع « مسكين » ، وهو الذي قد ركبه ذل الفاقة والحاجة، فتمسكن لذلك.
يقول تعالى ذكره: استوصوا بهؤلاء إحسانًا إليهم، وتعطفوا عليهم، والزموا وصيتي في الإحسان إليهم.


__________________________

القول في تأويل قوله : وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى
قال أبو جعفر:


اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: معنى ذلك: والجار ذي القرابة والرحم منك.

وقال آخرون: بل هو جارُ ذي قرابتك.

_________________

قال أبو جعفر:


وهذا القول قولٌ مخالفٌ المعروفَ من كلام العرب. وذلك أن الموصوف بأنه « ذو القرابة » في قوله: « والجار ذي القربى » ، « الجار » دون غيره. فجعله قائل هذه المقالة جار ذي القرابة. ولو كان معنى الكلام كما قال ميمون بن مهران لقيل: « وجار ذي القربى » ، ولم يُقَل: « والجار ذي القربى » . فكان يكون حينئذ إذا أضيف « الجار » إلى « ذي القرابة » الوصية ببرّ جار ذي القرابة، دون الجار ذي القربى. وأما و « الجار » بالألف واللام، فغير جائز أن يكوى « ذي القربى » إلا من صفة « الجار » . وإذا كان ذلك كذلك، كانت الوصية من الله في قوله: « والجار ذي القربى » ببرّ الجار ذي القربى، دون جار ذي القرابة. وكان بينًا خطأ ما قال ميمون بن مهران في ذلك.

وقال آخرون: معنى ذلك: والجار ذي القربى منكم بالإسلام.

.
قال أبو جعفر:


وهذا أيضًا مما لا معنى له. وذلك أن تأويل كتاب الله تبارك وتعالى، غير جائز صرفه إلا إلى الأغلب من كلام العرب الذين نـزل بلسانهم القرآن، المعروفِ فيهم، دون الأنكر الذي لا تتعارفه، إلا أن يقوم بخلاف ذلك حجة يجب التسليم لها. وإذا كان ذلك كذلك وكان معلومًا أن المتعارف من كلام العرب إذا قيل: « فلان ذو قرابة » ، إنما يعني به: إنه قريب الرحم منه، دون القرب بالدين كان صرفه إلى القرابة بالرحم، أولى من صرفه إلى القرب بالدين.
__________________
القول في تأويل قوله : وَالْجَارِ الْجُنُبِ
قال أبو جعفر:


اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: والجار البعيد الذي لا قرابة بينك وبينه.

وقال آخرون: هو الجار المشرك.

.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: « معنى، الجنب، في هذا الموضع: الغريبُ البعيد، مسلمًا كان أو مشركًا، يهوديًا كان أو نصرانيًا » ، لما بينا قبل من أن « الجار ذي القربى » ، هو الجار ذو القرابة والرحم. والواجب أن يكون « الجار ذو الجنابة » ، الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران قريبهم وبعيدهم.
وبعد، فإن « الجُنب » ، في كلام العرب: البعيد، كما قال أعشى بني قيس:
أَتَيْــتُ حُرَيْثًـا زَائِـرًا عَـنْ جَنَابَـةٍ فَكـانَ حُـرَيْثٌ فِـي عَطَـائِي جَـامِدَا
يعني بقوله: « عن جنابة » ، عن بعد وغُربة. ومنه، قيل: « اجتنب فلان فلانًا » ، إذا بعد منه « وتجنّبه » ، و « جنَّبه خيره » ، إذا منعه إياه. ومنه قيل للجنب: « جُنُب » ، لاعتزاله الصلاة حتى يغتسل.
فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة.
_________________
القول في تأويل قوله تعالى : وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ
قال أبو جعفر:


اختلف أهل التأويل في المعنيّ بذلك.
فقال بعضهم: هو رفيق الرجل في سَفره.

.
وقال آخرون: بل هو امرأة الرجل التي تكون معه إلى جنبه.

وقال آخرون: هو الذي يلزمك ويصحبك رَجاء نفعك.


قال أبو جعفر:

والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى: « الصاحب بالجنب » ، الصاحب إلى الجنب، كما يقال: « فلان بجَنب فلان، وإلى جنبه » ، وهو من قولهم: « جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا » ، إذا كان لجنبه. ومن ذلك: « جَنَب الخيل » ، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض. وقد يدخل في هذا: الرفيقُ في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه. وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب،


# عن عبد الله بن عمرو، عن النبي تأويل سورة النّساء Salla2 قال: إن خير الأصحاب عند الله تبارك وتعالى، خيرهم لصاحبه. وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره.

______________
قال أبو جعفر:

فإذ كان « الصاحب بالجنب » ، محتملا معناه ما ذكرناه: من أن يكون داخلا فيه كل من جَنَب رجلا بصحبةٍ في سفر، أو نكاح، أو انقطاع إليه واتصال به ولم يكن الله جل ثناؤه خصّ بعضَهم مما احتمله ظاهر التنـزيل فالصواب أن يقال: جميعهم معنيّون بذلك، وكلهم قد أوصى الله بالإحسان إليه.

القول في تأويل قوله : وَابْنِ السَّبِيلِ
قال أبو جعفر

: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: « ابن السبيل » ، هو المسافر الذي يجتاز مارًا.


وقال آخرون: هو الضيف.

.
قال أبو جعفر:


والصواب من القول في ذلك: أن « ابن السبيل » ، هو صاحب الطريق و « السبيل » : هو الطريق، وابنه: صاحبه الضاربُ فيه فله الحق على من مرّ به محتاجًا منقطَعًا به، إذا كان سفره في غير معصية الله، أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان.
______________________
القول في تأويل قوله : وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والذين ملكتموهم من أرقائكم فأضاف « الملك » إلى « اليمين » ، كما يقال: « تكلم فوك » ، و « مشَتْ رجلك » ، و « بطشت يدك » ، بمعنى: تكلمتَ، ومشيتَ، وبطشتَ. غير أن ما وصف به كل عضو من ذلك، فإنما أضيف إليه ما وُصف به لأنه بذلك يكون، في المتعارف في الناس، دون سائر جوارح الجسد. فكان معلومًا بوصف ذلك العضو بما وصف به من ذلك المعنى المراد من الكلام. فكذلك قوله: « وما ملكت أيمانكم » ، لأن مماليك أحدنا تحت يديه، إنما يَطعم ما تُناوله أيماننا، ويكتسي ما تكسوه، وتصرِّفه فيما أحبَّ صرفه فيه بها. فأضيف ملكهم إلى « الأيمان » لذلك.

قال أبو جعفر: وإنما يعني مجاهد بقوله: « كل هذا أوصى الله به » ، الوالدين، وذا القربى، واليتامى، والمساكين، والجار ذا القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل. فأوصى ربنا جل جلاله بجميع هؤلاء عبادَه إحسانًا إليهم، وأمر خلقه بالمحافظة على وصيته فيهم. فحقٌّ على عباده حفظ وصية الله فيهم، ثم حفظ وصية رسوله صلى الله عليه.
______________
القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا ( 36 )
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « إن الله لا يحبّ من كان مختالا » ، إن الله لا يحب من كان ذا خُيَلاء.
و « المختال: » المفتعل « ، من قولك: » خال الرجل فهو يخول خَوْلا وخَالا « ، ومنه قول الشاعر: »
فَـــإنْ كُــنْتَ سَــيِّدَنَا سُــدْتَنَا وإنْ كُــنْتَ لِلْخَــالِ فَـاذْهَبْ فَخُـلْ
ومنه قول العجاج:
وَالْخَالُ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْجُهَّالْ
وأما « الفخور » ، فهو المفتخر على عباد الله بما أنعم الله عليه من آلائه، وبسط له من فضله، ولا يحمده على ما أتاه من طَوْله، ولكنه به مختال مستكبر، وعلى غيره به مُسْتطيل مفتخر.


_________________.

القول في تأويل قوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
قال أبو جعفر:


يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله لا يحب المختال الفخور، الذي يبخل ويأمر الناسَ بالبخل.
فـ « الذين » يحتمل أن يكون في موضع رفع، ردًّا على ما في قوله: « فخورًا » ، من ذِكرٍ ويحتمل أن يكون نصبًا على النعت ل « مَنْ » .
و « البخل » في كلام العرب: منع الرجل سائله ما لديه وعنده ما فضل عنه،



# عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله: « الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل » ، قال: البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه « والشح » : أن يشٍح على ما في أيدي الناس. قال: يحبّ أن يكون له ما في أيدي الناس بالحِلِّ والحرام، لا يقنع.

___________________
واختلفت القرأة في قراءة قوله: « ويأمرون الناس بالبخل » .
فقرأته عامة قرأة أهل الكوفة: « بِالْبَخَلِ » بفتح « الباء » و « الخاء » .
وقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض البصريين بضم « الباء » : « بِالْبُخْلِ » .
قال أبو جعفر:

وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد، وقراءتان معروفتان غير مختلفتي المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب في قراءته.
وقد قيل إن الله جل ثناؤه عنى بقوله: « الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل » ، الذين كتموا اسمَ محمد تأويل سورة النّساء Salla2 وصفته من اليهود ولم يبينوه للناس، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.

______________
قال أبو جعفر:
فتأويل الآية على التأويل الأول: والله لا يحبّ ذوي الخُيلاء والفخر، الذين يبخلون بتبيين ما أمرهم الله بتبيينه للناس، من اسم محمد تأويل سورة النّساء Salla2 ونعته وصفته التي أنـزلها في كتبه على أنبيائه، وهم به عالمون ويأمرون الناس الذين يعلمون ذلك مثل علمهم، بكتمان ما أمرهم الله بتبيينه له، ويكتمون ما آتاهم الله من علم ذلك ومعرفته مَنْ حرّم الله عليه كتمانه إيّاه.


وأما على تأويل ابن عباس وابن زيد: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا ، الذين يبخلون على الناس بفضل ما رزقهم الله من أموالهم، ثم سائر تأويلهما وتأويل غيرهما سواء.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، ما قاله الذين قالوا: إن الله وصف هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الآية، بالبخل بتعريف من جهل أمرَ محمد تأويل سورة النّساء Salla2 أنه حقّ، وأنّ محمدًا لله نبيّ مبعوث، وغير ذلك من الحق الذي كان الله تعالى ذكره قد بيّنه فيما أوحى إلى أنبيائه من كتبه. فبخل بتبيينه للناس هؤلاء، وأمروا من كانت حاَله حالَهم في معرفتهم به: أن يكتموه من جَهِل ذلك، ولا يبيِّنوه للناس.
_____________


وإنما قلنا: هذا القول أولى بتأويل الآية، لأن الله جل ثناؤه وصفهم بأنهم يأمرون الناس بالبخل، ولم يبلغنا عن أمة من الأمم أنها كانت تأمرُ الناس بالبخل ديانةً ولا تخلُّقًا، بل ترى ذلك قبيحًا وتذمَّ فاعله؛ وَتمتدح - وإن هي تخلَّقَت بالبخل واستعملته في أنفسها - بالسخاء والجود، وتعدُّه من مكارم الأفعال وتحثُّ عليه. ولذلك قلنا: إنّ بخلهم الذي وصفهم الله به، إنما كان بخلا بالعلم الذي كان الله آتاهموه فبخلوا بتبيينه للناس وكتموه، دون البخل بالأموال إلا أن يكون معنى ذلك: الذين يبخلون بأموالهم التي ينفقونها في حقوق الله وُسُبله، ويأمرون الناس من أهل الإسلام بترك النفقة في ذلك. فيكون بخلهم بأموالهم، وأمرهم الناس بالبخل، بهذا المعنى - على ذكرنا من الرواية عن ابن عباس - فيكون لذلك وجه مفهومٌ في وصفهم بالبخل وأمرِهم به.

__________________________

القول في تأويل قوله : وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ( 37 )
قال أبو جعفر: يعني: بذلك جل ثناؤه: « وأعتدنا » ، وجعلنا للجاحدين نعمة الله التي أنعم بها عليهم، من المعرفة بنبوة محمد تأويل سورة النّساء Salla2، المكذبين به بعد علمهم به، الكاتمين نعته وصفته مَنْ أمرَهم الله ببيانه له من الناس « عذابًا مهينًا » ، يعني: العقابَ المذلّ مَن عُذِّب بخلوده فيه، عَتادًا له في آخرته، إذا قَدِم على ربه وَجدَه، بما سلف منه من جحوده فرضَ الله الذي فرضَه عليه.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

تأويل سورة النّساء Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى