شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

الخيال في الشعر العربي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الخيال في الشعر العربي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس أكتوبر 06, 2011 10:52 pm

الخيال في الشعر العربي للكاتب : محمد الخضر بن الحسين..

يرتفع شأن الشعر ونقضي لصاحبه بالبراعة والتفوق على غيره بمقدار ما
يحرز من بناء محكم ومعنى بديع ، وقد حدق فلاسفة الأدب أنظارهم إلى الوجوه
التي تملك بها المعاني شرف منزلتها وحسن طلعتها ، أو تأخذ منها الألفاظ متانة
نسجها وصفاء ديباجتها .
ومن أجمل الفنون التي يرجع النظر فيها إلى جهة المعنى صناعة التخييل ،
وهي الغرض الذي جردت القلم للبحث عنه في هذه الصحائف متحريًا أسلوبًا لا
يشتكي منه القارئ طولاً ولا قصرًا .
ولا أدعي أن هذا الفن مما ضل عن أولئك الفلاسفة فلم يعرجوا على مكانه ،
أو صعب عليهم مراسه فلم يسوسوه بفكر ثاقب وبيان فاصل ، فإن كثيرًا من علماء
البلاغة قد ولوا وجوههم شطره حتى توغلوا في طرائقه ، وكشفوا النقاب عن حقائقه ،
ومن أبعدهم نفوذًا في مسالكه الغامضة ، وأسلمهم ذوقًا في نقد معانيه وتمييز جيدها
من رديئها الإمام عبد القاهر الجرجاني صاحب كتاب أسرار البلاغة ودلائل
الإعجاز .
وما كان لي سوى أن أعود إلى مباحثه المبثوثة في فنون شتى ، فأستخلص
بقدر ما تسمح به الحال لبابها ، وأولف بين ما تقطع من أسبابها ، ولا تجدني - إن
شاء الله - أحكي مقالهم دون أن أعقد بناصيته ، أو أبث خلاله ، أو أضع في ردفه
جملاً تلبسه ثوبًا قشيبًا ، أو تنفخ فيه روحًا كانت هادئةً .
***
الشعر
يعرف العربي في جاهليته كما عرف بعد أن نسل إليه العلم من كل حدب أن
الكلام ينقسم إلى شعر ونثر ، والميزة المحسوسة لكل أحد أن الشاعر لا يحثو عليك
الألفاظ جزافًا مثلما يفعل الناثر ، وإنما يلقيها إليك في أوزان تزيد في رونقها ،
وتوفر لذتك عند سماعها ، ومن هذا ذهب بعضهم في حد الشعر إلى أنه كلام مقفى
موزون ، وهذا مثل من يشرح لك الإنسان بأنه حيوان بادي البشرة منتصب القامة ،
فكل منهما قصر تعريفه على ما يدرك بالحاسة الظاهرة ، ولم يتجاوزه إلى المعنى
الذي يتقوم الحقيقة ويكون مبدأ لكمالها ، وهو التخييل في الشعر ، والنطق في
الإنسان .
فالروح التي يعد بها الكلام المنظوم من قبيل الشعر إنما هي التشابيه
والاستعارات والأمثال وغيرها من التصرفات التي يدخل لها الشاعر من باب
التخييل ، وليس الوزن سوى خاصة من خواص اللفظ المنظور إليها في مفهوم
الشعر بحيث لا يسميه العرب شعرًا إلا عند تحققه ، وإطلاق الشعر على الكلام
الموزون إذا خلا من معنى تستطرفه النفس لا يصح إلا كما يصح لك أن تسمي جثة
الميت إنسانًا ، أو تمثال الحيون المفترس أسدًا .
والمنثور من الكلام يشارك الشعر في اشتماله على الصور الخيالية ، ولكن
نصيب الشعر منها أوفر ، وهو بها أعرف ، كما يمتاز بأحد أنواع التخييل ، وهو ما
لا يتوخى به صاحبه وجه الحقيقة ، وإنما يقصد به اختلاب العقول ومخادعة النفوس
إلى التشبث بغير حق يدعوك كما قال ابن الرومي إلى أن تطوي جناحيك على
جذوة من الحقد :
وما الحقد إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض المزايا ينتسبن إلى بعض
فحيث ترى حقدًا على ذي إساءة ... فثم ترى شكرًا على واسعي القرض
وقال آخر يزين لك أن تدرج نفسك في كفن الذل وتواريها في حفرة من
الخمول :
لذ بالخمول وعذ بالذل معتصمًا ... بالله تنجو كما أهل النهى سلموا
فالريح تحطم إن هبت عواصفها ... دوح الثمار وينجو الشيح والرتم

ولاختصاص الشعر بهذا النوع من التخييل أطلق بعض المشركين من العرب
على الرسول - صلى الله عليه وسلم - اسم الشاعر ؛ ليلقوا في أوهام السذج أن كلامه
من نوع ما يصدر عن الشعراء من الأقوال المموهة والتخيلات الباطلة .
فهم يعلمون أن القرآن بريء من النزعة التي عهد بها الشاعر ، وهي عرض
الباطل في لباس الحق ؛ لأنه إنما ينطق بالحكمة ، ويجادل بالحجة ، ولا يخفى
عليهم أنه مخالف للشعر في طريقة نظمه ، فإن للشعر عروضًا يقف عنده ، ووزنًا
ينتهي إليه ، والقرآن يصوغ الموعظة وينفق الحكمة بغير ميزان ، ولكن ضافت
عليهم مسالك الجدال ، وانسدت في وجوههم طرق المعارضة ، فلم يبالوا أن يتشبثوا
بالدعاوي التي يظهر بطلانها لأول رأي ، كما قالوا عنه : إنه مجنون . وهم يشهدون
في أنفسهم أنه أبلغهم قولاً ، وأقواهم حجة ، وأنطقهم بالحكمة .
وأما الآيات التي وافقت بعض الأوزان فهي على سلامتها من بهرج التخيلات
لا تجد الموافق منها للموزون قد استقل بنفسه ، وأفاد المعنى دون أن تصله بكلمات
من الآيات السابقة أو اللاحقة ، والكلام المؤلف من الموزون وغير الموزون لا
يصح لأحد أن يسميه شعرًا ليقدح به في قوله تعالى : { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا
تُؤْمِنُونَ } ( الحاقة : 41 ) .
***
التخييل عند علماء البلاغة
ينقسم التصرف في المعاني - على ما يقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني - إلى
تحقيق وتخييل ، والفارق بينهما أن المعنى التحقيقي ما يشهد له العقل بالاستقامة ،
وتتضافر العقلاء من كل أمة على تقريره والعمل بموجبه كقول المتنبي :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
فمعنى هذا البيت مما تلقاه العقلاء بالقبول ، ووضعوه بمقدمة ما يتنافسون فيه
من الحكم البالغة ، وكذلك اتخذه الأمراء الراشدون قاعدة يشدون بها ظهر سياستهم ،
ويستندون إليها في حماية شعوبهم ، ومن الذي يجهل أن حياة الأمم إنما تنتظم
بالوقوف في وجه من يتهافت به السفه على هدم شرفها والاستئثار بحقوقها ؟
والتخييلي هو الذي يرده العقل ، ويقضي بعدم انطباقه على الواقع ، إما على
البديهة كقول بعضهم :
لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق
فكل أحد يدرك لأول ما يطرق سمعه هذا البيت أن الكواكب لا تنوي ولا
تنتطق ولا تخدم ، وأن تلك النجوم المتناسقة في وسط الجوزاء مركبة فيها من قبل
أن يصير الممدوح شيئًا مذكورًا أو بعد نظر قليل كقول أبي تمام :
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي
نهى المخاطبة في صدر البيت عن إنكارها لفاقة الكريم وفراغ يده من المال ،
وأخيرًا في العجز بأن السيل لا يستقر على الأماكن المرتفعة ، وهذا المعنى في نفسه
صحيح ، ولكن الفاء في قوله : ( فالسيل حرب ) أفصحت بأن السبب في عدم توفر
حطام الدنيا لدى الكريم هو كون الماء إذا وقع على الأماكن العالية لا يلبث أن ينحدر
إلى ما انخفض عنها من وهاد وأغوار ، وهذا إنما وصل إلى الذهن بتخييل أن رفعة
القدر بمنزلة المكان الحسي ، وأن المال بمنزلة الماء الدافق ينساق إلى الرجل
فيقضي منه وطره ، ثم يرسله إن شاء إلى بني الحاجات . فيكون القول بأن مكانة
الكريم لارتفاعها جعلت المال يمر على يده ، ثم ينطلق بالبذل والإنفاق - يستند إلى أن
الماء لا يتجمع على ما صعد على وجه الأرض من أكمات وهضاب ، وهذا القياس
ضرب من التخييل لا يجول في العقل إلا ريثما ينظر إلى أن السبب في عدم استقرار
الماء على الأماكن العالية كونه جرمًا سيالاً لا تتماسك أجزاؤه وتثبت في محل إلا إذا
أحاط بجوانبه جسم كثيف ، وليس للدراهم والدنانير هذه الطبيعة حتى يلزم أن تمر
على يد الكريم ، ثم تنصب منها إلى من كانوا أدنى منه منزلة .
ويفهم من وجه التفرقة بين القسمين أن مجرد الاستعارة عندهم لا يدخل في
قسم التخييل ، وقد صرح الجرجاني بهذا في كتاب أسرار البلاغة ناظرًا إلى أن
المستعير لا يقصد إلا إثبات معنى اللفظة المستعارة حتى يكون الكلام مما ينبو عنه
العقل ، وإنما يعمد إلى إثبات شبه بين أمرين في صفة ، والتشابه من المعاني التي
لا ينازع العقل في صحتها .
***
التخييل عند الفلاسفة
يقول الفلاسفة : إن من بين القوى النفسية قوة تتصرف في صورالمعلومات
بالتركيب تارة والتفصيل مرة أخرى ، ويسميها فلاسفة العرب إذا لم تخرج عن
دائرة التعقل مفكرة ، ويقال في عملها : تفكر . فإن تصرفت بوجه لا يطابق النظر
الصحيح سموها مخيلة ، ويقال في عملها : تخيل أو تخييل . فمثال ما يأخذ من العقل
مأخذ القبول قول القاضي عياض :
انظر إلى الزرع وخاماته ... تحكي وقد ولت أمام الرياح
كتيبة خضراء مهزومة ... شقائق النعمان وفيها جراح

فالشاعر التفت إلى ما في حافظته من الصور المناسبة لهيئة زرع أخضر
يتخلله شقائق النعمان ، وقد أخذت الرياح تهب عليه من جانب ، فيميل إلى آخر
ميلاً يتراءى للعين أنه حركة ينتقل بها من مكانه ، فوقع خياله على الجيش
والملابس الخضراء والجراحات التي تنال الجيش المقاتل ، فألف بينها ، ثم جعل
سيره إدبارًا وانهزامًا ليوافق حالة جيش ظهرت فيه الجرحى بمقدار ما في المزارع
الخضراء من شقائق النعمان .
ومثال ما لا يثق به النظر ، ولا يدخل في حساب الأقوال القائمة على التحقيق
قول الشاعر :
ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نور من البدر أحيانًا فيبليها
فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ... والبدر في كل وقت طالع فيها
أبصر معاجر من يتحدث عنها وقد أخلقت فحاول أن يلتمس وجهًا يجعل ذلك
الإخلاق من شواهد حسنها ، أو يسد فم العاذل حتى لا يغض من شأنها ، فتصور
طلعة القمر وانساق إليه ما يدور بين الناس من أن الثياب التي يمج عليها القمر
أشعته يسرع إليها البلى ، ثم ادّعى مبالغًا في التشبيه أن وجهها قمر ، وبنى على هذا
أن تعجب ممن ينكر تأثيره في معجرها بالإخلاق ، ففي هذا التصرف ادّعاء أن
وجهها قمر ، وهذا مما يألفه العقل ؛ لأنه بمنزلة التشبيه ، ولا مفر من قبوله متى
تحقق الوجه الجامع بين طرفيه ، والمعنى الذي للعقل أن يلتفت عنه إنما هو دعوى
أن معجرها أخلق بعلة كونه مطلعًا لوجهها المسمى بالقمر على وجه المجاز .
***
ماذا نريد من التخييل
يفهم من صريح المقالة الفلسفية أن المفكرة والمخيلة اسمان لقوة واحدة ، وهي
التي تتصرف في المعلومات بالتفصيل والتركيب ، وإنما تغير اسمها بحسب اختلاف
الحال ، فعندما يكون زمامها بيد العقل يسمونها مفكرة ، وعندما تنفلت منه يسمونها
مخيلة .
وإذا عرفت أن التمثيل والاستعارة من عمل هذه القوة باتفاق علماء النفس ،
فلو جرى طائفة من الناس على إطلاق التخيل أو الخيال عندما تتصرف هذه القوة
تصرفًا تصوغ به معنى مبتدعًا سواء أنس به العقل أو تجافى عنه لم يكونوا صنعوا
شيئًا سوى تغيير الاصطلاح وإدخال القسمين تحت اسم واحد .
وإطلاق لفظ التخيل أو الخيال في صدد الحديث على المعاني الصادقة
والتصورات المعقولة لا يحط من قيمتها أو يمس حرمتها بنقيصة ، فإن علماء
البلاغة أنفسهم قد أطلقوه على ما يأتي به البليغ في الاستعارة المكنية من الأمور
الخاصة بالمشبه به ويثبته للمشبه ، فقالوا : الأظفار أو إضافتها في قولك : ( أنشبت
المنية أظفارها ) ، تخييل أو استعارة تخييلية ، وأطلقوه في الفصل والوصل حين
تكلموا على الجامع بين الجملتين ، وقسموه إلى : عقلي ، ووهمي ، وخيالي ، وأطلقوه
في فن البديع على تصوير ما سيظهر في العيان بصورة المشاهد ، ولم يبالوا في جميع
ذلك أن يضربوا لها أمثلة من الكتاب العزيز وغيره من الأقوال الصادقة .
فيسوغ لنا حينئذ أن نساير أدباء العصر ، ونتوسع في معنى الخيال والتخييل ،
ولا نقف عند اصطلاح القدماء من الفلاسفة أو علماء البلاغة ، حيث خصوا بها ما لا
يصادق عليه العقل والمخالفة في الاصطلاح ، ما دامت الحقائق قائمة والمقاصد ثابتة
بحالها لا يبعد عن تبديل العبارة وتغيير الأسلوب .
يقول الناس عندما يسمعون بيتًا أو أبياتًا لأحد الشعراء : هذا خيال واسع . أو :
هذا تخيل بديع . فيفهم السامع لهذه الكلمات وما يماثلها أن لصاحب هذا الشعر قدرة
على سبك المعاني وصوغها في شكل بديع ، ولو قالوا : ( ما أضيق هذا الخيال أو
ما أسخف هذا التخيل ) فيفهم السامع أن الشاعر لديه قدرة على إخراج المعاني في
صورة مبتكرة .
فيصح لنا أن نأخذ هذا المعنى الذي يحضر في الذهن عند سماع تلك الجمل
ونشرح به معنى المتخيلة ، فنقول : هي قوة تتصرف في المعاني لتنتزع منها صورًا
بديعة ، وهذه القوة إنما تصوغ الصور من عناصر كانت النفس قد تلقتها من طريق
الحس أو الوجدان ، وليس في إمكانها أن تبدع شيئًا من عناصر لم يتقدم للمتخيل
معرفتها . ومثال هذا من الصور المحسوسة أن قدماء اليونان رمزوا إلى صناعة
الشعر بصورة فرس له جناحان ، وهي صورة إنما انتزعها الخيال بعد أن تصور
كلاًّ من الفرس والطير بانفراده .
وقد يجول في خاطرك عند ما تمر على قول امرئ القيس :
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
أن هذا الشاعر قد تخيل الأغوال وأنيابها ، ولم تسبق له معرفة بها ؛ إذ لا أثر
للغول وأنيابها ، ولا لشيء من موادها في العيان ، فيلوح لك أن هذا يقدح في قولنا :
إن المخيلة لا تؤلف الصور إلا من مواد عرفتها بوسيلة الحس أو الوجدان .
والذي يكشف الشبه أن كلاًّ من الغول وأنيابها صورة وهمية ، ولكن لم يحدثها
الخيال من نفسه ، بل أخذ من الحيوانات الفظيعة المنظر أعضاء متفرقة وأنيابًا حادة
وتصرف فيها بالتكبير ، ثم ركبها في صورة رائعة وهي التي تخطر على الذهن
عندما يذكر اسم الغول ، حتى إن الناس لا يتفقون فيما أحسب على تصور هذا الأمر
الموهوم ، فكل ما يخطر له المعنى في أبشع صورة يتمكن خياله من جمعها وتلفيقها .
فغاية ما صنع الشاعر أن تخيل أمرًا محسوسًا ، وهي النصال المحددة في
صورة أمر هو في نفسه خيالي أيضًا ، ولكن صورته مأخوذة من مواد كان يعرفها
من قبل بطريق الرؤية أو السماع .
وتعتمد المخيلة على قوة التذكر ، وهو تداعي المعاني وخطورها على الذهن
بسهولة ، وبعد أن تتراءى لها الصورة بوسيلة التذكر تستخلص منها ما يلائم
الغرض فتفصل الخاطرات عن أزمنتها أو أمكنتها ، أو ما يتصل بها مما لا يتعلق
به القصد من التخييل ، ثم تتصرف في تلك العناصر بمثل التكبير أو التصغير ،
وتأليف بعضها إلى بعض حتى تظهر في شكل جديد .
***
تداعي المعاني
ترجع الأسباب التي تجمع بين المعاني وتجعلها بحيث يكون حضور بعضها
في النفس يستدعي حضور بعض إلى ثلاثة أنواع :
أولها : اقتران المعنيين في الذهن بحيث يكون تعلقهما أو إحساسهما في وقت
واحد أو على التعاقب ، ومن هذا تذكر الوقائع عندما يخطر بالبال مكانها ، كما قال
ابن الرومي :
وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالك
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلك

أو زمانها كما قالت الخنساء :
يذكرني طلوع الشمس صخرًا ... وأذكره بكل مغيب شمس
وخصت هذين الوقتين بالتذكير ؛ لأنهما مظهر لعملين عظيمين من أعمال
صخر ؛ إذ كان يغدو للإغارة التي هي مظهر الشجاعة عند مطلع الشمس ، ويبذل
الطعام إكرامًا للضيوف وقت الغروب .
ومن هذا الوجه نشأت الكنايات وبعض أنواع المجاز المرسل ، أما الكنايات ؛
فلأنها الدلالة على المعنى باسم ما يلازمه في الخارج ، وصح هذا نظرًا إلى أن
حضور المعنى الموضوع له اللفظ يستدعي حضور لازمه في ذهن المخاطب ،
كقول الحصين بن الحمام :
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما
أراد الشاعر أن يفيد ثباتهم في مواقف الحروب ، وأنه لا يلتفت بهم الفزع من
الموت إلى سبة الهزيمة ، فعبر عن هذا المعنى بأن دماءهم لا تقع على أعقابهم ألبتة ،
وهذا يقتضي أنهم لا يولون العدو ظهورهم حتى ينالها بسيوفه ، كما أن معنى قطر
الدماء على الأقدام يذهب بالسامع إلى معنى أنهم يستقبلون العدو بوجوههم إلى أن
ينالوا ظفرًا أو يلاقوا موتًا شريفًا .
وأما بعض أنواع المجاز المرسل فكإطلاق اسم الحال على المحل ، والسبب
على المسبب ، والكل على الجزء وعكسها ، ومداره على أن ذهن المخاطب ينتقل
إلى المعنى المراد بسهولة حيث كان بينه وبين المعنى الحقيقي مناسبة تقتضي
تقارنهما في الذهن ؛ لأن إدراكهما كان في وقت واحد كالحال والمحل ، والكل
والجزء ، أو على التعاقب كالسبب والمسبب .
النوع الثاني : من الأسباب التي تتلاحق بها المعاني في الذاكرة : التباين ، فإن
الصور التي يكون بينها تضاد لا يكاد بعضها يتخلف عن بعض ، فمن تصور
الشجاعة خطر له معنى الجبن ، ومن مرت على باله الصداقة انساق إليه معنى
العداوة ، ولهذا أدخل علماء البلاغة في وجوه الوصل بين الجملتين ما يقوم بينهما
من التضاد في المعنى ، وساقوا في أمثلته قوله تعالى : { إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ *
وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } ( الانفطار : 13-14 ) ، وإن شئت مثلاً من الشعر ،
فقول المتنبي :
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
ومن هذا الوجه أيضًا صح لهم أن يعدوا في علاقات المجاز المرسل الضدية .
النوع الثالث : التشابه ، وهو أن يكون بين المعنيين تماثل في بعض أمور
خاصة ، كمن يرى الرجل المقدام فيتصور الأسد ، ويسمع الألفاظ البليغة قد تبرجت
في أسلوب محكم فيذكر الدور المتناسقة وأسلاكها . وعلى هذا النوع يقوم فن
التشبيه والاستعارة اللذين هما أوسع مضمار تتسابق فيه قرائح الشعراء والكتاب .
***
لماذا تختلف الأفكار في تداعي المعاني
تختلف الناس فيما يتداعى إليهم من المعاني إلى أن ترى صورًا تتوارد على
شخص متعاقبة ، وهي في خيال آخر لا تتقارن ألبتة ، قال أحد الفلاسفة : إني لا
أسأل عن السبب في أن معنى من المعاني يدعو آخر ويأخذ بناصيته ، ولكنني
أبحث في شيء آخر وهو أن المعنى الواحد قد يختلف تواليه باختلاف الأشخاص .
ثم قال : ويمكن الجواب عن هذا بأن الناس يختلفون في ميولهم وشعب وجهتهم في
الحياة ، فكل معنى يدعو لصاحبه ما هو ألصق بميله وأقرب إلى عمله .
وإيضاح هذا الجواب أن توالي المعاني يختلف باختلاف الأشخاص لأحد
سببين .
الأول : أن الدواعي والعواطف النفسية لها مدخل في تجاذب المعاني
واسترسالها على الخيال ، فالطمع أو الحاجة أو الرهبة مثلاً تستدعي المعاني العائدة
إلى المديح أو الاستعطاف ، والغرام يستدعي المعاني الغزلية ، والكآبة والأسف
يستدعيان معاني الرثاء أو الشكوى ، والسرور يستدعي المعاني اللائقة بالهناء ،
والإعجاب بالنفس أو العشيرة يستدعي معاني الفخر والحماسة ، فالزاهد في الدنيا لا
يسع خياله من معاني الإطراء والملق ما يسعه خيال الحريص عليها ، والخالي من
عاطفة الغرام ، لا يخطر على قلبه من معاني التشبيب ما يخطر على قلب الشجي
المستهام .
الثاني : ما يتفق للإنسان في طرز حياته وهو حال المحيط الذي يتقلب فيه ،
فيتوالى على خاطر الناشئ في النعيم والترف ما لا يتوالى على خاطر الناشئ في
حال عسرة وبؤس ، ويحضر في نفس من شب في الحاضرة ما لا يحضر في نفس
الناشئ في البادية ، وينساق إلى خيال الناشئ في شمال المعمورة ما لا يدخل في
خيال الناشئ في جنوبها ، فالمقيم في شمال أوربا مثلاً يذكر الشتاء ، فتقارنه صورة
الثلج ، وليس بينهما في ذهن المقيم بالجنوب اقتران واتصال لقلة مشاهدته للثلج ، أو
عدم وقوع نظره عليه طول حياته ، ولو نظر إلى الهلال رجلان : هذا نشأ في الحلية
والآخر اتخذ الحصاد حرفة فالشأن أن يتداعى إلى الأول صورة السوار وينتقل منه
إلى المعصم أو الصياغة ، ويتداعى إلى الثاني صورة المنجل وينتقل منها إلى
الزرع أو الحدادة .
محمد الخضر التونسي




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



avatar
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام


الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 13343
نقاط : 24787
السٌّمعَة : 23
العمر : 37
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الخيال في الشعر العربي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس أكتوبر 06, 2011 10:57 pm

التخييل التحضيري
تتداعى المعاني بوسيلة التذكر للأسباب التي كنا بصدد البحث عنها ، ثم
المخيلة تنتخب منها ما يناسب الغرض ، وهذا العمل - أعني الانتخاب - يسميه
علماء النفس تخييلاً تحضيريًّا ؛ لأنه العمل الذي تتمكن به المخيلة من استحضار
العناصر المناسبة للمرام .
تقتصر المخيلة عند الانتخاب على ما يدعو إليه الغرض ، حتى إنها تأخذ الجسم
مقطوعًا من بعض الأعضاء التي لا مدخل لها في المعنى ، فتتصور الجواد بغير
قوائم كما قال المتنبي :
أتوك يجرون الحديد كأنما ... أتوا بجياد ما لهن قوائم
والعقرب بغير ذنب كما قال أبو هلال :
تبدو الثريا وأمر الليل مجتمع ... كأنها عقرب مقطوعة الذنب
وربما انتزعت العضو من بين سائر الجسم كما أخذ ابن هانئ اليد ، فقال :
ولاحت نجوم للثريا كأنها ... خواتيم تبدو في بنان يد تخفى
وأخذ ابن المعتز القدم فقال :
وارى الثريا في السماء كأنها ... قدم تبدت من ثياب حداد
وأخذ آخر القلب فقال :
نقل الجبال الرواسي من مواطنها ... أخف من رد قلب حين ينصرف
***
التخييل الإبداعي
بعد أن تنتخب المخيلة ما يليق بالغرض من العناصر تتصرف فيها بالتأليف إلى
أن ينتظم منها صورة مستطرفة ، ويسمى هذا التصرف تخييلاً إبداعيًّا ، أو
اختراعيًّا .
ويجري هذا التخييل في التشبيه والاستعارة وغيرها .
فالتشبيه قد تحذف أداته كما في قول النابغة :
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وعمل الخيال فيه هو إحضار صورة المشبه به - أعني الشمس والكواكب - وإلغاء
وجوه التباين بينها وبين المشبه - أعني الممدوح - وبقية الملوك ، حتى يدعي
اتحادهما ، ويصح الإخبار بأحدهما عن الآخر ، وبنى على هذا الادّعاء أن ليس
للملوك مظهر ، ولا تقوم لهم أمام هذا الملك سمعة ، فإن الكواكب يتقلص ضوءها
ويغرب عن العيون مشهدها عندما تتجلى الشمس في طلعتها الباهرة .
وأما ما تذكر فيه أداة التشبيه ، فلا أستطيع أن أعده في قبيل الخيال جملة ،
كما أني لا أعزله عنه في كل حال ، فإن كان فيه إخراج المعقول في صورة
المحسوس ، أو المحسوس في صورة المعقول ، أو إخراج الخفي إلى ما يعرف
بالبداهة ، أو إخراج الضعيف في الوصف إلى ما هو أقوى فيه ، فتصح إضافته إلى
الخيال ؛ إذ له الأثر القوي في تقريره .
وأما عقد المشابهة بين أمرين متفقين في وجه الشبه من غير تفاوت ، كالتشبيه
الذي يساق لبيان الاتحاد في الجنس أو اللون أو المقدار أو الخاصية ، فلا يصح
نسبته إلى الخيال الشعري ، وإن وقع في كلام مقفى ، وإنما هو مما ينظر فيه
الباحث عن الحقائق كالفيلسوف أو الطبيب .
فلو اتفق أن وقف فتى بجانب ظبي وانطلقا في فسيح من الأرض ، ولم يفت
أحدهما صاحبه قيد شبر ، فبدا لك أن تتحدث عنهما فقلت : ولو في نظم
( كان فلان في سرعة عدوه كالغزال ) لم يكن في هذا التشبيه شيء من الخيال ؛
لأن عقد المشابهة بينهما في هذا الحال يشاركك فيه كل من شاهد الواقعة ، وإنما
يمتاز التخيل بمثل قول الشاعر :
وفي الهيجاء ما جربت نفسي ... ولكن في الهزيمة كالغزال
حيث إن الخيال بحث عن صورة المشبه به وهو الغزال ، وانتقاها من بين سائر
الصور المتراكمة في الحافظة ، ثم تصور انطلاق المنهزم وهو الشاعر نفسه ،
وبالغ في مقدار سرعته إلى أن وقع التشابه بينه وبين الغزال .
وإن أردت أن تفرق بين التشبيه الذي يدخل في التخيل ، والتشبيه الذي هو
حائد عن طريقته ، فانظر إلى قول المجنون :
كأن القلب ليلة قيل يفدى ... بليلى العامرية أو يراح
قطاة غرها شرك فباتت ... تعالجه وقد علق الجناح
فترى الخيال هنا قد تجول حتى تصيد معنى القطاة ، ووقع على الشرك ، ثم
انتزع منهما هذه المعاني وهي وقوع القطاة في الشرك ، وعلوق جناحها به ، ومعالجتها
له كي تتخلص منه ، وضم بعضها إلى بعض ، فانتظم ذلك المعنى المركب ، وانعقدت
المشابهة يبنه وبين حال القلب الذي وقع في حب العامرية ، فأخذ يرتجف وجلاً من
لوعة الفراق .
ولو نظر شاعر إلى أزهار مفتحة بمكان منخفض من الأرض ، وقال مثلاً :
هذه الأزهار في منظرها ... وشذاها مثل أزهار الربا
لاستبردت شعره لأول وهلة ، وأخذت تهزأ به كما هزأت بقول الآخر :
كأننا والماء من حولنا ... قوم جلوس حولهم ماء
بيد أن ذلك التشبيه نفسه لو يصدر من العالم بالنبات في الرد على من يدعي
أن هذه الأزهار ليس لها لون ولا نفحات عاطرة ، كالأزهار التي تنبت على الربا
لأصغيت إليه سمعك ، وتلقيته منه بكل وقار ، وما ذاك إلا لأن الأول قاله بوصف
كونه شاعرًا ، ولم يأت فيه على عادة الشعراء بشيء من التخييل ، وأما الثاني فإنما
ألقاه إليك في صدد البحث عن الحقيقة ، فلا تنتظر منه أن يصله بشيء من عمل
الخيال .
والاستعارة يصنع فيها الخيال ما يصنع في التشبيه المجرد من الأداة ، إلا أنها
تعرض عليك المشبه في صورة المشبه به على وجه أبلغ ، ولا سيما إذا أضيف
إليها بعض معان عهد اختصاصها بنوع المشبه به ، أعني ما يسميه البيانيون
ترشيحًا ، ومن أبدع ما نسج على منوالها قول البارودي :
من النفر الغر الذين سيوفهم ... لها في حواشي كل داجية فجر
إذا استل منهم سيد غرب سيفه ... تفزعت الأفلاك والتفت الدهر
أراد الشاعر وصف قومه بأنهم أولو الصرامة التي تفرج الكرب المدلهمة ،
والسطوة التي يرهبها كل خطير ، فساق إليك هذا الغرض في صورة تنظر منها إلى
سيوفهم كيف تجرد حول الليلة الفاحمة ، فيسطع نور الفجر الواضح في جوانبها ،
وترى فيها الحسام الواحد كيف يسل من جفنه فترتعد الأفلاك ذعرًا ، ويلتفت له
الدهر حذرًا خيل إليك أن الداهية ليلة ظلماء ، وأن الفرج الذي ينبعث من مطلع
سيوفهم صبيحة غراء ، وعبر عن الأولى باسم الداجية ، وعن الثانية باسم الفجر ،
وهذا التعبير الملوح إلى ذلك التخييل هو الذي يعنيه البيانيون بقولهم : استعارة
مصرحة .
ثم خيل الفلك إلى صورة من له قلب يفزّع ، والدهر في صورة من له وجه
يلتفت ، والتصريح باسمهما بعد هذا التخييل يدخل به الكلام فيما يطلقون عليه لقب
الاستعارة بالكناية ، ويمكنك أن تفهم الفجر في البيت لمعان السيوف ، وتألقها
المشاهد بالأبصار على نمط قول بشر :
سللت له الحسام فخلت أني ... شققت به لدى الظلماء فجرًا
ولكنك تضيع من يدك ما أفاده الوجه الأول من أن النجدة في جانبها ، والظفر
مقرون بطالعها ؛ إذ لا يلزم من لمعانها في حواشي الداجية أن تطعن في لبتها ،
وتقلبها بالفوز عليها إلى صبيحة مسفرة [1] .
ومن التخييل الذي لا يدخل له الشاعر من طريق تشبيه أو مجاز ما تشهد
لصاحبه بالحذق في الصناعة ، وأنت تشعر بأنه عرض عليك الموهوم في حلية
المعقول كقول الطائي :
ولا يروعك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب
أخبر عن الشيب بأنه ابتسام الرأي والأدب الذين هما محبوبان
ومحترمان لكل أحد ابتغاء أن تأنس العين لرأيته ، ولا تنظر إليه نظر الازدراء به ،
وليس هذا من قبيل التشبيه ؛ إذ لم يكن للرأي والأدب ابتسام يعهده السامع حتى
يقصد الشاعر إلى تشبيه الشيب به ، بل أراد أن يخيل لك أن الشيب ابتسام في
الواقع ، ولهذا تجد في نفسك ما يناجيك بأن صورة هذا المعنى غير مطابقة للحق ،
وإن استحكم تأليفها ودق مأخذها .
ومنه ما يستملحه الذوق ويسعه نظر المحقق ، وتجد هذا في قول زهير :
لو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا
فهذا البيت لم ينسج على منوال تشبيه أو مجاز ، وليس لك أن تطرحه من
حساب التخيلات المقبولة ، وبلوغ كف الممدوح الأفق لا يتفق مع النظر الصحيح ،
غير أن تعليقه على حصوله لإنسان من قبل ، وإيراده عقب حرف الشرط الدال
على امتناعه قد خلصه من زلة الكذب وجعله في منعة من أن ينبذه العقل إلى
القضايا الوهمية .
***
فنون الخيال
يتصرف الخيال في المواد التي يستخلصها من الحافظة على وجوه شتى ، ولا
يسع المقام استيعابها وتقصي آثارها ، فنلم لك بمهماتها وما يصلح أن يكون بمنزلة
أصل تتفرع عليه تفاصيلها :
أحدها تكثير القليل ؛ كقول عمرو بن كلثوم :
ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وظهر البحر نملؤه سفينا
فإنه اطرد في حلية الفخر حتى وصل إلى التعبير عن منعة الجانب ،
والسطوة التي لا يفوتها هارب ، فخطر له أن يثبت له ولقومه من القوة ووسائل
الفوز ما يرهبون به عدوهم ، فذكر أنهم ملؤوا البر جندًا حتى لم يبق فيه متسع ،
ويملؤون ظهر البحر بالمنشآت من السفن ؛ ليدل بهذا على أنهم لا يبالون بالعدو من
أي ناحية هجم ، ولا يتعاصى عليهم إدراكه في أي موطن ضرب بخيامه .
والذي صنع خيال الشاعر في هذا البيت أنه تجاوز في الإخبار بكثرة قبيلته
وسفنه حد الحقيقة ، وتطوحت به نشوة الفخر إلى أن تخيل أن البر قد غص كما
تغص الثكنة بجنودهم ، وأن البحر يتموج بسفنهم كموج السماء المصحية بكواكبها
الزاهرة .
ومنها : تكبير الصغير كقول بشر يصف ( وقعة الأسد ) حين قسمه بالضربة
القاضية على شطرين :
فخر مضرجًا بدم كأني ... هدمت به بناءً مشمخرا
فقد تخيل عندما سقط الأسد إلى الأرض دفعة أنه أتى إلى بناء شامخ ونقضه من
أساسه ، فانقضت أعاليه على أسافله ، فالخيال هو الذي بلغ بجثة الأسد إلى أن
جعلها في العظم بمقدار بناء ارتفعت شرفاته حتى اتخذت من السحب أطواقًا .
ومنها : تصغير الكبير كقول المتنبي :
كفى بجسمي نحولاً أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
وقوله :
ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... وخط به ما غير الخط كاتب
فالصب وإن تقلب على فراش الهجر أمدًا طويلاً ، وأكل الوجد من لحمه حتى
شبع ، وشرب من دمه حتى ارتوى ، لا يصل في نحافة جسمه إلى أن يسعه شق
رأس القلم أو يخفى عن عين الناظر إليه ، وإن كانت عشواء ، وإنما هو الخيال أخذ
يستصغر ذلك الجسم حتى ادعى في البيت الأول أن مخاطبته للناس هي التي تهديهم
إلى مكانه فيبصرونه ، ولولاها لبقي محجوبًا عن أبصارهم وإن وقف قبالتهم ،
وادعى في البيت الثاني أنه لو وقع في شق اليراعة ، وانطلقت به اليد في الكتابة
لاستمر الخط بحاله .
ومنها : جعل الموجود بمنزلة المعدوم كقول المتنبي :
ومطالب فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها
وصف نفسه بالإقدام على مواقع الردى واقتحام الأخطار بجنان ثابت وعزم لا
يتزلزل ، حتى تخيل لقلة المبالاة بها وعدم الفزع لملتقاها أنه لم يكن قد خاض
غمارها ، ورآها كيف تنشب أظفارها ، وإنما نشأ هذا الخيال من جهة أن الخطوب
المدلهمة لا يسلم من روعتها والدهشة لوقعتها في مجرى العادة إلا من حاد عن
ساحتها ، وجذب عنانه عن السير في ناحيتها .
ومنها : تصوير الأمر بصورة حقيقة أخرى ، ولها في هذا المقام أربعة أحوال :
أحدها : تخيل المحسوس في صورة المحسوس كما في قول زهير :
يجرون البرود وقد تمشت ... حميا الكأس فيهم والغناء
تمشي بين قتلى قد أصيبت ... مقاتلهم ولم تهرق دماء
فهذا الشعر يصور لك من دارت نشوة السكر والغناء برؤوسهم ، فأجهزت على
البقية من شعورهم ، في صورة قتلى لم تهرق دماؤهم ، بل زهقت نفوسهم
بمثل خنق ، أو سقاء سم دب دبيب الخمر في مفاصلهم .
ثانيها : تخيل المعقول في صورة المحسوس كما في قول الشاعر :
مررت على المروءة وهي تبكي ... فقلت علام تنتحب الفتاة
فقالت كيف لا أبكي وأهلي ... جميعًا دون خلق الله ماتوا
تصور المروءة في زي فتاة ، فتسنى له أن يسند إليها البكاء ويعقد بينه
وبينها هذه المحاورة .
ثالثها : تخيل المعقول في معنى المعقول ، وهذا كمن تخيل المذلة في معنى
الكفر فقال :
أمطري لؤلؤًا جبال سرنديب ... وفيضي أجبال تكرور تبرا
منزلي منزل الكرام ونفسي ... نفس حر ترى المذلة كفرا
رابعها : تخيل المحسوس في صورة المعقول ، وهذا لم نعثر له على مثال في
كلام العرب ، ولكن التشبيه الذي هو أساس هذا الفن قد جرى في كلام المولدين
بإيراد المحسوس في معرض المعقول ، كقول التنوخي :
فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا
وقول الفاروقي :
تمر مع الأتراب بالخيف من منى ... مرور المعاني في مفاوز أفكاري
وقد يعمد الشاعر إلى بعض المعاني وينفيه عن أفراده المعهودة ويثبته
لأفراد مفهوم آخر ، وتجد هذا في قول بعضهم :
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيبًا ... كاسفًا باله قليل الرجاء
فقد نفى أن يكون من قضى نحبه ميتًا ، وأطلق اسم الميت على من فاضت
نفسه كآبة ، وضاق صدره يأسًا على طريقة القصر بدعوى أن المعنى الذي علق
عليه الواضع اسم الميت إنما يتحقق فيمن عاش في نكد وبلاء لا يرجو خلاصًا منه،
والذي أخذ به إلى هذه الدعوى ما تخيله من أن خواص الراحل إلى قبره وهي
مفارقة ما كان يتمتع به من طيبات الحياة وانقطاع أمله منها ، ونكث يده من العمل
فيها توجد بأجمعها في الكئيب اليائس من صفاء العيش بأشد مما توجد فيمن ركبوا
على مطية المنون ؛ لأنه يزيد عليهم في الشقاء بأنه يصلى نار الحسرة والأسف
بكرةً وعشيًّا .
وقد يكون الأمر مربوطًا بعلة محققة ظاهرة ، فيضرب عنها ويخترع له
علة من عنده ، ونجد هذا في قول أبي العباس الضبي :
لا تركنن إلى الفراق ... فإنه مر المذاق
فالشمس عند غروبها ... تصفر من فَرَقِ الفراق
ادعى أن العلة في الاصفرار الذي يبدو على وجه الشمس حين تتدلى إلى
الغروب وتنطفئ بهرتها ، إنما هو الوجل والهلع من مفارقة الناس الذين طلعت
عليهم ذلك اليوم حيث اتصلت بينهم وبينها فيما يزعم عاطفة ألفة وإيناس .
ومما صنعت على هذا النمط ، وقد أخذ البرد يتساقط في حديقة :
هز النسيم غصون الروض في سحر ... كما يهز بنان الغادة الوترا
لذ الحفيف على أذن السحاب أما ... تراه يحثو على أدواحها دررا
وقلت وقد أخذت الريح تنسف في روض :
قام هذا الروض يشدو مادحًا ... بلسان البلبل الزاهي سحابا
وتمادى غاليًا في مدحه ... فحثت في وجهه الريح ترابا
وقلت في حال أشجار تراكم عليها الثلج ، ثم ضربت فيها الشمس فأخذ
يتقاطر على جوانبها :
نسج الغمام لهذه الأشجار من ... غزل الثلوج براقعًا وجلاببا
والشمس تبعث في الضحى بأشعة ... تسطو على تلك الثياب نواهبا
فبكت لكشف حجابها أو ما ترى ... عبراتها بين الغصون سواكبا
وقلت في حمرة الشفق :
قتل الدجى هذا النهار ودسه ... تحت التراب مضرجًا بدمائه
فخذوا من الشفق الشهادة إنه ... لطخ من الدم نال ذيل ردائه
وربما يصاغ التعليل في قالب التشبيه كقول أبي تمام :
كأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيبًا فلا ترقا لهن مدامع
فلو حذفت أداة التشبيه هنا لكان الباقي بمنزلة العلة الخيالية لنزول الغيث
المنسجم من ينابيع السحاب ، واقترانه بأداة التشبيه يجعله بحيث يسكت عنه العقل
ولا يمانعه من أن يدخل في سبيل المعاني الصادقة .
ومما نظمت على هذا المثال وكان الجو يقذف وقت السحر بنثار من الثلج :
تطاول هذا الليل والجو مزبد ... فضاقت بأمواج الثلوج مسالكه
كأني أذيب الصبح بالحدق التي ... يقلبها وجدي وتلك سبائكه
وقد يقرر الشاعر معنى ، ثم يقابله بأمر أوضح منه عند المخاطب دون أن
يصرح فيه بأداة تشبيه ، بل تكون مصدرة بأداة استفهام ، كقول مسكين الدارمي :
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح
أو بأداة التوكيد بالفاء كقول بشار :
فلا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم
أو بالفاء وحدها كقول بعضهم :
لا تحسبوا أن رقصي بينكم طرب ... فالطير يرقص مذبوحًا من الألم
ولنوجه البحث إلى معنى البيت الأول ، ثم لا يشتبه عليك بعد تحرير
الغرض منه أن بقية الأبيات جارية بمعنى التمثيل ، أو ذاهبة مذهب الاستدلال
والتعليل .
صدر الدارمي البيت بجعل ابن عم المرء بمكان الجناح له ، والشطر الثاني
ينفي عن البازي أن ينهض بغير جناح ، ومعنى الشطرين لا يلتئم إلا بملاحظة
جملة مطوية ما بين الصدر والعجز لم يفصح عنها الشاعر لسهولة مأخذها ، وبعد
ملاحظة تلك الجملة يكون مفاد البيت أن ابن عم المرء بمنزلة جناحه ، فلا يقدر أن
يقوم بأعباء الحياة أو يدرك فيها غاية شريفة إلا بمعاضدته ، كما أن البازي لا
ينهض إلى الطيران إلا إذا ساعده جناحه ، فالقصد تمثيل حاجة الإنسان إلى ابن
عمه بحاجة البازي إلى جناحه ، وليس القصد الاستدلال حتى يلتحق ببيت أبي تمام
المسوق فيما سلف للاستشهاد على التخييل الذي يراد منه المخادعة ، وقول الدماميني :
فلا تعجبوا يومًا لكسر جفونها ... فإن إناء الخمر في الشرع يكسر
فالأسلوب في نفسه وارد في الغرضين ، غير أن فحوى الكلام ومجرى
الخطاب وطبيعة المعنى تصرفك إلى التمثيل ، أو تأخذ بك إلى الاستدلال والتعليل .
وقد يعمد إلى أمرين يعدهما الناس بشدة التباين وغاية الاختلاف ، فيعقد بينهما
تشابهًا ، وتجد هذا في قول المعري :
وشبيه صوت النعي إذا قيس ... بصوت البشير في كل ناد
أبكت تلكم الحمامة أم غنت ... على غصن دوحها المياد
فالمعهود أن النفس ترتاع لصوت النعي وتتفطر حزنًا ، وترتاح لصوت
البشير وتأنس له طربًا ، ولكن الحكيم يغوص في أعماق الحوادث ، وينظر إلى ما
تصير إليه من العواقب ، فيتراءى له أن ليس في الحياة ما يدعو إلى لذة أو يستثير
النفس إلى جزع ، فتكون نغمة البشير وصيحة الناعي في أذنه سواء ، ولا يرى
فارقًا ما بين النواح والحداء .




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



avatar
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام


الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 13343
نقاط : 24787
السٌّمعَة : 23
العمر : 37
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الخيال في الشعر العربي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس أكتوبر 06, 2011 11:00 pm

حال المعنى والتخييل
قد يصوغ الشاعر المعنى لأول الخطاب في صورة خيالية ، فلا يدركه إلا من
صفت قريحته ورقت حاشية ألمعيته ككثير من الأشعار الواردة على طريق
المعميات والألغاز ، أو من سبق إليه ما يهديه إلى المراد ، ويساعده على فهمه من
قرينة حال أو مقال كبعض المحاورات التي يقصد فيها المتخاطبان إلى إخفاء
الغرض وكتمه عمن يصغي إلى حديثهم أو يطلع على رسائلهم .
وقد يصرح بالمعنى ثم يدخل به في طريق التخييل ، وهذا إما أن يخرج
الصريح بالتخييل فيفصل المعنى ، ويضع بإزاء كل قطعة منه صورة خيالية كما
قال العتابي يصف السحاب :
والغيم كالثوب في الآفاق منتشر ... من فوقه طبق من تحته طبق
تظنه مصمتًا لا فتق فيه فإن ... سالت عزاليه قلت : الثوب منفتق
إن معمع الرعد فيه قلت منخرق ... أو لألأ البرق فيه قلت محترق
مثل الغيم الضارب في الأفق بالثوب المنشور ، ثم أخذ يقرن كل حال من
أحواله بما يقابلها من أحوال الثوب ، فجعل إمساكه عن المطر مظنة الصحة
والمتانة ، وانسكاب الغيث من خلاله منبثًّا بتفتقه ، ومعمعة الرعد إعلانًا بانخراقه ،
ووميض البرق شظايا من اللهب تؤذن باحتراقه ، وإما أن يستوفي المعنى
بالصراحة ، ثم يأتي بمثاله الخيالي متواصل الأجزاء ، وهذا كقول بعضهم :
رأيتكم تبدون للحرب عدة ... ولا يمنع الأسلاب منكم مقاتل
فأنتم كمثل النخل يشرع شوكه ... ولا يمنع الخراف ما هو حامل
استقصى المعنى الصريح وهو تظاهرهم بالأهبة للحرب وقعودهم عن قتال
عدوهم وافتكاك ما سلب من حقوقهم ، ثم ضرب له المثل على نسق واحد بالنخل
يشرع نصالاً مسنونة من الشوك ، كالمتأهب للذود بها عما يحمل من الثمار ، فيعمد
الخراف لها ويجتنيها بأجمعها دون أن يناله ذلك الشوك بأذى .
ومن أبدع ما جاء على هذا النمط قول ابن رشيق القيرواني :
رجوتك للأمر المهم وفي يدي ... بقايا أمني النفس فيها الأمانيا
وساوفت لي الأيام حتى إذا انقضت ... أواخر ما عندي قطعت رجائيا
وكنت كأني نازف البئر طالبًا ... لأجمامها أو برجع الماء صافيا
فلا هو أبقى ما أصاب لنفسه ... ولا هي أعطته الذي كان راجيا
وإما أن يصرح لك بالمحل الذي يجعله مناطًا للحديث عنه ، ثم يسوق القول كله على طريق التخييل كقول بعضهم :
إني وإياك كالصادي رأى نهلاً ... ودونه هوة يخشى بها التلفا
رأى بعينيه ماء عز مورده ... وليس يملك دون الماء منصرفا
فقد أراك أول الشعر أنه يرد الحديث عن حاله مع المخاطب ، ثم اطرد في
مجال التخييل الذي أفاد به ؛ إذ الحاجة تحثه على القرب منه ، والخطر المعترض
في سبيله ينصح له بالإحجام عنه ، ومن أبدع الوصف المنسوج على هذا المثال
قول شرف الدين التيفاشي :
أما ترى الأرض من زلزالها عجبًا ... تدعو إلى طاعة الرحمن كل تقي
أضحت كوالدة خرقاء مرضعة ... أولادها در ثدي حافل غدق
قد مهدتهم مهادًا غير مضطرب ... وأفرشتهم فراشًا غير ما قلق
حتى إذا أبصرت بعض الذي كرهت ... مما يشق من الأولاد من خلق
هزت بهم مهدهم شيئًا تنبههم ... ثم استشاطت وآل الطبع للخرق
فصحت المهد غضبى وهي لافظة ... بعضًا على بعض من شدة النزق

أسباب جودة الخيال
لا مشاحة أن النفوس تختلف بفطرتها في صحة الذوق وقوة التذكر فيكون من
أسباب التفاوت في جودة الخيال ما هو عائد إلى الفطرة ، والغرض في هذا المقام
إنما هو البحث عن الأمور التي تؤثر في جودة الخيال وتبسط في نطاقه من خارج ،
ومدارها على أمرين :
أحدهما : تردد النظر في مظاهر المدنية ، فإن امتلاء حافظة الشاعر من
المناظر المختلفة والصور التي لا تدخل تحت حصر تجعله أغزر مادة حتى إذا
عرض له معنى اقتضى الحال إيراده في طريقة الخيال لا يعوزه متى التفت إلى
حافظته أن يلاقيه منها ما يساعده على العمل بسهولة ، ثم إنه لغزارة مادته وسعة
مجاله تكون مخيلته أكثر عملاً في إنشاء المعاني وإبداعها ، وكثرة العمل مما تترشح
به هذه القوة النفسية ، فيكون صاحبها أقدر على صناعة التخيل وأرسخ فيها ممن
كانت بضاعته مزجاة وحافظته في إملاق .
ومن جهة أن غزارة المادة تساعد على كثرة العمل الذي هو الإبداع ، وكثرة
العمل تقوى بها النفس في صناعة التخييل أمكن للشاعر المدني أن يفوق الشاعر
البدوي أو القروي في تخييل معان اشتركوا في العلم بالعناصر التي تنتزع منها
الصور الخيالية .
يبلغ تأثير المدنية في تهذيب المخيلة إلى أن يكون الفرق بين عملها في حال البداوة وعملها بعد أن تحضن صاحبها الحضارة أوضح من نار على علم ، فهذا
علي بن الجهم الذي قال للخليفة :
أنت كالكلب في حفاظك للعهد ... وكالتيس في مراعي الخطوب
هو الذي يقول :
فقلن لنا نحن الأهلة إنما ... نضيء لمن يأوي إلينا ولا نقري
بيد أنه قال البيت الأول أيام كان يسكن البادية ، وقال البيت الثاني بعدما نزل
بغداد وتراصف في حافظته من الصور والمعاني ما رقت به حاشية طبعه وجعل
قريحته تنسج من المعاني البديعة برودًا ضافية .
ثانيهما : الحرية ؛ إذ لا شبهة أن الاستبداد الأعمى يطبع الناس على الجبن
ويلقي في أفئدتهم رهبة تحملهم على أن يجعلوا بينهم وبين الأقوال التي تسخط لها
الحكومة القاسية حاجزًا لا يدنون منه ، فيضيق بذلك مجال الشاعر ، وربما تنكب
الخوض في الاجتماعيات ، حذر الوقوع في السياسيات ، ومن ذا ينكر أن الخيال
الذي يسخره صاحبه في كل غرض ويطلق له العنان في كل حلبة يكون أبعد مرمى
وأحكم صنعًا من خيال الشاعر الذي حصرته السياسة في دائرة ورسمت له خطة لا
يفوتها ؟ ولقد كنت أعرف ناسًا شبوا تحت سلطة تكره للأديب أن يفتح لهاته في
الأحوال السياسية ، فصرفوا معظم حياتهم في التردد على الغزل والمديح والرثاء ،
وفاضت عليهم قرائحهم في هذه الأغراض بمعان رائقة ، ولما سمح الوقت بالكلام
في مقاصد اجتماعية أو سياسية وقف بهم الخيال في عقبة كؤود ، أو أتوا بها في
نسج واهٍ وهيئة متخاذلة .
فالخيال حر في عمله لا تملك السلطة المستبدة مرده ، ولكنها تمنعه من أن
يتجول على مراكب الألسنة والأقلام ، وهذا ما يثبط الشاعر عن إطلاق خياله للعمل ،
ولا يرخي له العنان إلا في أغراض يسعه الحال لأن يخاطب بها الناس نطقًا أو
كتابة .
فذانك سببان لأن يكون الخيال بديع الصنع في كل غرض يتوجه إليه ، وههنا
أمر آخر إذا اتفق للشاعر حال تصديه للنظم في غرض يكون له أثر جلي في سهولة
التخيل وبعد الرمية إلى المعاني الغامضة وهو الإحساس والتأثر .
فمن الشعراء من يتكلم عن مشاهدة وتأثر نفسي ، كأن يرى البطل يلقي بنفسه
في مواقع الخطوب ، أو العالم كيف يتدفق بالحكمة البالغة ، أو الجواد كيف يبسط يده
بالنوال فيشعر بإعظامه ويأخذ في مديحه وتمجيده ، ويرى الجبان كيف تصفر أنامله
من ذكر الحرب ، أو الجاهل كيف يتمضمض باللغو أو الباطل ، أو البخيل كيف
يشد على الدينار رباطًا فوق رباط فيشعر في نفسه بمهانته ويتصدى لهجائه ،
ويموت من يعز عليه من قريب أو صديق أو أستاذ ، فيشعر بالتفجع والأسف ،
وتتفجر قريحته برثائه ، وتحل بصديقه فاجعة فيحس بالإشفاق عليه ، فيأخذ في
تسليته وتهوين وقعها عليه بالعزاء الجميل ، ويدخل الروضة الفيحاء فيتمتع بمرأى
أزهارها وتلحين بلابلها ، فيهب في صدره ابتهاج وأنس ، ويسترسل في وصفها وذكر
ما راقه من مشاهدها ، ومن الشعراء من يسوقه إلى الشعر باعث طمع أو خوف أو
حياء ، ومن الجلي أن الإحساس والتأثر مما يفتح أمام الخيال طرقًا قلما يبصر بها
من يحمل نفسه على الشعر المجرد الطمع أو الخوف أو الحياء ، فانظر إن شئت
مثلاً إلى قصيدة أبي الحسن الأنباري التي يقول في مطلعها :
علو في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات
فتجد فيها تخيلات فائقة ، والذي ساعده على ذلك فيما أحسب أنه أنشأها عن
تفجع وإعظام بالغ ؛ لأنه رثى فيها الوزير ابن بقية يوم قتله عضد الدولة مصلوبًا ،
فنظمه لها ، وهو لا يرتجي من ورائها فائدة ، بل يوجس في نفسه الخيفة من أن
يناله عضد الدولة بالعقوبة عليها ، يشعر بأن الباعث له على إنشائها التلهف
والإخلاص .
ولو نظرت إلى القصائد التي يخاطب بها الشعراء الملوك تهنئة بانتصار أو
فتح ، وقستها بالقصائد التي يخاطبونهم بها تهنئة بعيد مثلاً ، أو بمولود أو بناء قصر
لوجدت الأولى أجود خيالاً ؛ لأن انتصار الدولة مما يبذر في نفوس الأمة فرحًا ،
ويثير فيها عاطفة إجلال لمن جرى النصر على يده ، وليست الثانية بهذه المكانة ، إذ
طلوع العيد على الأمير وازدياد ولد له ، أو تشييده لقصر لا تهتز له نفس الشاعر
حتى تطير به في جو الخيال ، ويقتنص ما يلذه الذوق من بدائع الأفكار ، وانظر إن
رمت الوثوق بهذا إلى قصيدة أبي تمام التي يهنئ فيها المعتصم بفتح عمورية :
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
فإنه ذهب بمعانيها مذاهب خيالية لا تطلع له على ما يحاكيها في القصائد التي
لم يستفزه لها غير ما يرجوه من النوال .
وكذلك الشاعر الذي يريد أن يتبرأ من جناية تعزى إليه ، أو يحاول أن يزيل ما
في نفس السلطان من ضغينة أو نية سيئة ، فإنه يبتكر من المعاني ما لا يبتكره
في القصائد التي يمدحه بها وهو مقبل عليه .
ربما يخوض الشاعر في غرض إنما دعاه إليه مجاراة غيره ومباراته في
مضمار البيان ، فيبلغ مبلغ من انساقوا إليه عن إحساس وعاطفة نفسية ، ويقع على
تخيلات جيدة ، ولكن أمثال هذه التخيلات تنهال على ذي التأثر النفسي بدون تعسف
حينما يحتاج الآخر إلى أن يحث إليها قريحته ويجاذبها وهي كالمتعاصية عنه .
***
بماذا يفضل التخييل
عرف مما سبق أن التخييل يدور على انتقاء مواد متفرقة في الحافظة ، ثم
تأليفها وإبرازها في صورة جديدة ، فيرجع فضله والبراعة فيه إلى ثلاث مزايا :
إحداها : أن يكون وجه المناسبة بين تلك الجواهر ، أعني المواد المؤلفة منها
صورة المعنى ، غامضًا ، فمزية من يتخيل الكواكب أزهارًا باسمة في روضة
ناضرة دون مزية من يقول :
وضوء الشهب فوق الليل باد ... كأطراف الأسنة في الدروع
فإن المشابهة بين الكواكب والأزهار لا تغيب عن كثير من الناس ، أما التشابه
بين النجوم وبين أطراف الأسنة اللامعة عند نفوذها في الدروع لا يحوم عليه إلا
خيال بارع .
ولا فضل لمن يرى الشمعة فيحاكيها بالرمح إذا قسته بمن ينظر إليها فيقول :
كأنها عمر الفتى ... النار فيها كالأجل
فإن محاكاتها بالرمح لا تكاد تخفى على ذي بصر ، وإنما الخيال الفائق هو
الذي ينتقل منها إلى العمر والأجل حيث يشعر بالمناسبة الدقيقة بينهما ، وهو أن
الأجل يدنو من الإنسان حيناً فحينًا ، ويتقاضى عمره رويدًا رويدًا إلى أن تتقلص
عنه أشعة الحياة كلهيب الفتيلة يدب في جسم الشمعة وينتقصها قليلاً قليلاً إلى أن
يأتي على آخرها ، وتذهب في الجو هباءً منثورًا .
ثانيتها : أن يكون التخييل مبنيًّا على ملاحظة أمور متعددة ، فالصورة التي
يراعى في تأليفها ثلاثة معان مثلاً تكون أرجح وزنًا وأنفس قيمة من الصورة التي
تبنى على رعاية معنيين ، فمن الشعراء من يصور لك الرمح شهابًا ثاقبًا ، فهل
يحق لك أن تساويه بمن يخيله لك ، ورؤوس الأعداء منصوبة على طرفه بالغصن
يوم يكون مكللاً بالثمار ؟ كما قال ابن عمار يخاطب المعتصم صاحب المرية :
أثمرت رمحك من رؤوس كماتهم ... لما رأيت الغصن يعشق مثمرًا
يقف الناس في تصوير الحرب بمعنى الرحى عند قولهم : دارت رحى الحرب ،
وكان عمرو بن كلثوم أبسطهم في هذا التخييل باعًا حيث يقول في وصف
الحرب :
متى ننقل إلى قوم رحاها ... يكونوا في اللقاء لها طحينا
يكون ثفالها شرقي نجد ... ولهوتها قضاعة أجمعينا
فالثفال : ما يبسط تحت الرحى ليتساقط عليه الدقيق ، واللهوة : القبضة من
الحب تلقى في فم الرحى لتطحنها ، وقضاعة : هي القبيلة التي يهددها هذا الشاعر
بالحرب الطاحنة ، وكأني به عندما حضر في نفسه معنى الحرب انساق إليه معنى
الرحى لما بينها من التشابه المعهود ، ثم تنقل نظره من الرحى إلى ما هو من
خواصها ، فوقع على الثفال واللهوة ، ثم انقلب إلى معنى الحرب وألقى نظره إلى
ما حولها ، فتراءى له ميدانها مبسوطًا كالثفال والرجال الذين يتهافتون عليها فتتناثر
رؤوسهم وتتساقط أشلاؤهم على ذلك الميدان في صورة اللهوة ، فصاغ الأبيات على
هذا الوجه الذي يدل على حسن تصرف في ضم المعاني إلى أشكالها .
والأدباء الذين أروك الحصى في صورة الدر ليسوا بقليل ، وإنما المزية لمن
اتسع في صورة هذا المعنى ونظر في تركيبها إلى أمور متعددة ، فقال يصف واديًا :
وقانا لفحة الرمضاء واد ... سقاه مضاعف الغيث العميم
نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالاً ... ألذ من المدامة للنديم
يروع حصاه خالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم
كأني بالشاعر عندما صح فتح جفنه على الحصى وهي في ملاستها وصفاء
منظرها انصرف خياله إلى ما يحاكيه من الجواهر النفيسة ، ثم إلى حال تناسقها في
هيئة قلادة ، وتذكر بهذا موقعها من الصور ، فخطرت على قلبه الفتاة ، وشرع
يتصور كيف تنظر إلى تلك الحصى فيهجم على ظنها بغتة أن قلادتها انفرطت ،
وأن ما تراه من الحصى إنما هو اللؤلؤ الذي كان متناسقًا في نحرها قد تساقط إلى
مواطئ أقدامها ، فلا تتمالك أن تضرب يدها على العقد حتى تحفظ البقية من السقوط ،
أو لتتيقن صدق ظنها فتسعى إلى التقاطها .
ثالثتها : أن يجري الشاعر في استخلاص المعاني وتأليفها على ما يوافق
الذوق السليم ، فهو الحافظ لنظام المعاني ، كما أن القواعد العربية تحفظ نظام الألفاظ ،
ومن الشعراء من تأخذه سنة عن هذا الشرط فيضع المعنى الخيالي على مثال تشمئز
منه النفس ، كما أن ناسج الثياب من غزل اختلفت ألوانه إذا لم يكن صاحب ذوق لم
يحكم وضعها ، وأخرجه في صورة تقذفها العيون ، ومثال هذا أن أبا القاسم بن
فرناس أنشد الأمير محمدًا أبياتًا يقول فيها :
رأيت أمير المؤمنين محمدًا ... وفي وجهه بذر المحبة يثمر
فقال له مؤمن بن سعيد : قبحًا لما ارتكبته جعلت وجه الخليفة محراثًا تثمر
فيه البذور ؟ فغشيه الخجل وجعل جوابه عن هذا النقد الصائب سبابًا ، ووقع في مثل
هذه الزلة كثير من كبار الشعراء ، فهذا أبو تمام يقول في مدح أحد الأبطال :
ضاحي المحيا للهجير وللقنا ... تحت العجاج تخاله محراثا
فجعل ممدوحه محراثًا كما جعله هاذيًا حين قال :
لا زال يهذي بالمكارم والعلا ... حتى ظننا أنه محموم
وهذا بشار بن برد يقول :
وجذت رقاب الوصل أسياف هجرها ... وقدت لرجل البين نعلين من خدي
فإثبات الرقاب للوصل والرجل للبين من التخيلات المستهجنة .
قد يخطر لسائل أن يقول : إن لهؤلاء الشعراء براعة مسلمة ، وأذواقًا لا
ترتاب في صحتها وصفائها ، وقد مرت هذه المعاني التي رميتموها بسبة السخافة
على أذواقهم فألقت إليها بالتسليم ، أفلا يكون رضاهم عنها واستحسانهم لها شاهدًا
ببراءتها مما تدعون من سماجة الوضع ومنافرة الذوق ؟
والجواب أن القبح في هذه المعاني وما كان على شاكلتها محقق بما يجده
الإنسان في نفسه من أثر الفكرة لها وعدم الأنس لسماعها ، فضلاً عن شهادة فريق
عظيم لا تقصر بهم سلامة الذوق والمعرفة بحرفة الأدب عن طبقة أولئك الشعراء ،
وهذا ابن رشيق يقول عقب إيراد البيت الأول من بيتي أبي تمام : ( فلعنة الله على
المحراث ههنا ما أقبحه وأركه ) ، ولم يبق سوى النظر في عدم تنبههم لذلك القبح ،
وكيف خفي عنهم وجهه وهو كاشف لثامه حتى لا يمتاز بإدراكه في بعض الأبيات
الأدباء عن غيرهم ؟
والوجه في هذا أن البصيرة مثل البصر ، والمشاهد للصورة عن عيان قد
يفوته أن يحدق فيها من بعض الجهات ، فلا يشعر بما فيها من عيب ، فكذلك
الشاعر قد يصوغ المعنى ولا يأخذه بالنقد من جميع أطرافه فيصدر على عوج قد
يبصر به من هو أضعف بصيرة منه ، والعلة في عدم تنبه الشاعر لذلك الخلل
قصر المدة فيما بين إنشاء القصيدة وإراءتها للملأ بحيث لا يتمكن من تجريد نظره
إلى كل بيت ونقد معناه من سائر وجوهه .
وربما أصيب الشاعر من اعتماده على براعته ومكانة سمعته ؛ إذ كثيرًا ما
يستفيد الشاعر من المقام والشهرة التي يدركها بين قومه فيتلقون شعره باستحسان
فوق ما يتلقون به شعر غيره ممن لم يقم لهم صيت ، وإن كان في نفسه أبعد أمدًا
وأحكم نسجًا ، فكثرة الإجادة وسعة الذكر قد تؤثر في همة الشاعر في بعض الأحيان
فيلقي القصيدة على علاتها ولا يحمل نفسه على التدقيق في نقدها ، ومن ثم ترى
أكثر الذين يقعون في هذه العثرات إن هم إلا كبار الشعراء ، والمكثرون منهم كأبي
تمام و المتنبي ومن كان في طبقتهم .
ويؤكد لك أن سيئات الشعراء في هذا الصدد إنما لصقت بهم من جهة عدم
نقدهم المعنى بعد أن تقذفه القريحة نقدًا وافيًا ، إما لضيق الوقت أو اغترارًا بما
ملكوا من البراعة وأحرزوا من الشهرة ، أن أحدهم قد ترسل قريحته معنى فيقع منه
موقع الإعجاب حتى إذا أعاد عليه النظر مرة ثانية انكشف له من مساويه ما يجعله
في أسف على إذاعته ، أو في ارتياح من عدم اطلاع الناس عليه .
ومن المحتمل أن يصوغ الشاعر المعنى فتأخذ جهة الحسن بقلبه مأخذًا بليغًا ،
ثم يعثر في صورته على وجه من الخلل ولا يتمكن من تلافيه وإكمال نقصه إلا
برفض الصورة من أصلها ، وحيث يرى أن جهة الحسن أرجح ، ويرجو أن تسبل
على ذلك المغمز فضل ردائها ، فلا يشعر به الناقدون يبقي صورة المعنى على
حالها ، ويجيزها للرواة ، وهو بصير بعلتها ، ولا أخال أن النابغة حين قال :
نظرت إليك لحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود
لم يخدش عاطفته أن يضع المحبوبة بمنزلة السقيم ، ولكنه عز عليه أن يضرب
عن هذا التشبيه الذي لا يلحق شأوه وإن وخزه لفظ السقيم في ضميره
وخزات بالغة .




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



avatar
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام


الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 13343
نقاط : 24787
السٌّمعَة : 23
العمر : 37
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الخيال في الشعر العربي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس أكتوبر 06, 2011 11:07 pm

التفاضل في التخييل
أتينا في الفصل الذي كنا بصدد تحريره على الوجوه التي تفضل بها صور
المعاني التخييلية ، أعني غرابة الجامع بين الأجزاء المؤلفة ، ثم التوسع في الخيال
وبعده عن البساطة مع الالتئام بالذوق السليم ، فينصح لمن انتصب للموازنة بين
الشعراء في التخييل أن يتخذ هذه الوجوه مدخلاً للحكم وأساسًا يبني عليه في
التفضيل .
تعقد الموازنة تارةً بالنظر إلى معنى خاص يتناوله كل من الشاعرين ، وهذا
إما أن تتحد الواقعة فيه أو تختلف ، وتارةً تجري في غرض خاص يصوره كل
منهما بغير ما يصوره به الآخر ، فهذه ثلاث حالات تضاف إليها حالة رابعة ، وهي
المفاضلة بين الشاعرين يختلفان معنًى وغرضًا ، وحالة خامسة وهي أن تقام
الموازنة بين الشاعرين على أن يقضى لأحدهما بالأفضلية المطلقة .
الحالة الأولى : أعني ما تعقد فيه الموازنة بالنظر إلى معنًى خاص والواقعة واحدة ؛ كقول أبي عبد الله بن الزين النحوي يصف بركة نثر عليها الياسمين :
نثر الغلام الياسمين ببركة ... مملوءة من مائها المتدفق
فكأنه نثر النجوم بأسرها ... في يوم صحو في سماء أزرق [1]
فإذا قِسته بقول علي بن ظافر في هذه البركة نفسها :
زهر الياسمين ينثر في الماء ... أم الزهر في أديم السماء
ظل يحكي عقود در على صدر ... فتاة في حلة زرقاء
رأيت كلاًّ من الشاعرين شبَّه الياسمين بالنجوم بادية في السماء ، وتشبيه ابن
الزين في هذا الوجه أجود ؛ لأنه ذهب به الخيال إلى تفاصيل لم يأت عليها ابن
ظافر ، فإذا التفت إلى تشبيه ابن ظافر في البيت الثاني رأيت خطور هيئة النجوم
والسماء عند مشاهدة الياسمين يطفو فوق الماء ، أقرب من خطور عقود الدر تتقلدها
الفتاة المتبرجة في حلة زرقاء ، فيكون تشبيه علي بن ظافر أجود ؛ لندرة المشبه به
وقلة ابتذاله بمشاهدة كل ذي عين باصرة ، ولولا أن ابن الزين أسند نثر النجوم إلى
الغلام ، ونبه على كثرة الياسمين بقوله : نثر النجوم بأسرها لانتفت عنه المزية ،
وكان تشبيهه من التخيلات الموضوعة في طريق كل من خطر على باله أن يذهب
في تصوير المعنى من باب التشبيه ، ومن هذا الضرب قول ابن المنجم يصف
مطلع الهلال عند غروب الشمس :
وعشاء كأنما الأفق فيه ... لازرود مرصع بنضار
قلت لما دنت لمغربها الشمس ... ولاح الهلال للنظار
أقرض الشرق صنوه الغرب دينارًا ... فأعطاه الرهن نصف سوار

مع قول ابن قلاقس ولم يطلع على ما قاله ابن المنجم :
لا تظنوا الظلام قد أخذ الشمس ... وأعطى النهار هذا الهلالا
إنما الشرق أقرض الغرب دينارًا ... فأعطاه رهنه خلخالاً

فقد سار الشاعران في التخييل على طريق واحد ، وزاد ابن المنجم على ابن
قلاقس نظرة في السوار فلم يأخذ منه إلا المقدار الذي يطابق حال الهلال
وهو الشطر ، فكان تخيله أحكم وقعًا .
الحالة الثانية : وهي ما تكون الواقعة فيها مختلفة كقول بعضهم :
خلقنا لهم في كل عين وحاجب ... بسمر القنا والبيض عينًا وحاجبا
مع قول ابن نباتة :
خرقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيونًا لها وقع السيوف حواجب
فقد اتفق الشاعران على تصوير المعنى وهو تأثير السيوف والرماح في
أجسام الأعداء ، ولكن تصوير ابن نباتة أجود ؛ لأنه يزيد على الأول بما فيه من
الإيماء إلى انهزامهم وتوليهم بظهورهم حتى تصنع فيها الرماح والسيوف عيونًا
وحواجب .
ولا يغيب عنك أن تفضيل بيت ابن نباتة إنما يتم إذا تماثلت الواقعتان ، أو كان
كل من البيتين صادرًا عن تخييل محض ، وأما إذا قصد كل من الشاعرين وصف
الواقع ، وكان الأعداء المشار إليهم في البيت الأول لم ينهزموا ، بل ثبتوا للطعن في
وجوههم إلى أن وقعوا على مضاجعهم ، أو لم ينلهم السلاح بعد أن ولوا مدبرين - لم
يكن لك أن تفضل عليه بيت ابن نباتة من جهة التخييل ، وإن أشار إلى معنى يعود
إلى مدح قومه بالشجاعة والمهارة في الطعن والضرب .
ومن قبيل هذا الضرب قول عبد الرحمن الفنداقي في وصف حال الندى
وتقاطره من زهر النرجس :
والندى يقطر من نرجسه ... كدموع أسكبتهن الجفون
وقول ابن زيدون في مثله :
تلهو بما يستميل العين من زهر ... جال الندى فيه حتى مال أعناقا
كأن أعينه إذ عاينت أرقي ... بكت لما بي فجال الدمع رقراقا
ومما يفضل به هذان البيتان على بيت الفنداقي إيماؤهما إلى سبب إرسال
الأزهار للمدامع ، وهو معاينتها لأرق الشاعر وإشفاقها عليه .
الحالة الثالثة : وهي ما يقصد الشاعر أن فيه إلى غرض واحد ويختلفان في
المعنى الذي يصورانه فيه ، ومثال هذا أن يكون الغرض وصف شخص بالندى ،
فيقع الاختلاف في الفريق الذي يقرر به هذا الوصف كما قال بعضهم :
سألت الندى هل أنت حر فقال لا ... ولكنني عبد ليحيى بن خالد
فقلت شراء قال : لا بل ... وراثة توارثني عن والد بعد والد
وقال الآخر :
ولما رأيت البحر في الجود آية ... ومن جوده الدر الثمين المقلد
سألته من في الناس علمك الندى ... فقال أمير المؤمنين محمد
ومثل هذا مما يرجع بالتفضيل فيه إلى القوانين السابقة ، فما كان أقل خطورًا
على الذاكرة ، أو أوسع نطاقًا في التخييل ، أو ألذ وقعًا على الذوق ، فهو المشهود له
بمزية الرجحان ، ومن الجلي أن تشبيه الكريم بالبحر من المعاني التي وعاها كل
قلب وتناولها كل لسان ، فصاحب البيتين الأخيرين بنى محاورته على أمر اشتهر
ذكره عند الحديث في هذا الغرض ، وإنما زاد عليه شيئًا من التخييل ، فتكون
المحاورة الأولى أبدع ؛ لأنها قائمة من أول حالها على شعور غريب فضلاً عمَّا
امتازت به من الإيماء إلى دعوى قصر الندى على الممدوح ، وهذا ما يجعلها أبلغ
في الدلالة على ما يرمي إليه الشاعر من غرض الوصف بالسخاء .
ويدخل في هذا القسم قول عنترة :
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم
مع قول بعضهم :
ولقد ذكرتك في السفينة والردى ... متوقع بتلاطم الأمواج
وعلى السواحل للأعادي جولة ... والليل مسود الذوائب داجي
فعلت لأصحاب السفينة ضجة ... وأنا وذكرك في ألذ تناجي

فغرض الشاعرين واحد ؛ وهو أنهما ذكرا الحبيب في حال تقتضي لشدة هولها
عظم خطرها دهشة القلب وتفرغه لانتظار الفرج أو الاحتيال على وسيلة النجاة ،
وإنما يصح لنا أن ندخل للمفاضلة بين الشعرين إذا كانا من التخييل المحض ،
فنقول : إن شعر عنترة أبلغ ؛ لأنه صور ذكره للحبيب في حال انتشاب الخطر به
حيث ترتوي الرماح وتقطر السيوف من دمه الذي هو مادة حياته ، ثم تمنى زيادة
الاتصال بالسيوف التي هي مهبط العطب حين خيلت له ثغره الباسم ببريقها ، أما
شاعر السفينة فأقصى غمراته توقع الهلاك بما أحاط به من أسبابه القريبة مزية من
تذكر الحبيب ، وقد أنشب به الردى مخالبه أعظم من مزية من يتذكره وهو يبصر
الخطر ولم يبسط إليه يده ، فإن كان كل من الشاعرين حكى واقعة عرضت له في
حياته فلا تفاضل بينهما إلا من جهة تأليف اللفظ وصفاء ديباجته .
الحالة الرابعة : وهي ما يختلف فيه الشعران معنًى وغرضًا ، وعقد المفاضلة
في مثل هذا النوع قلما يخطر على بال الأديب ، ولو قصد إلى ذلك لوجد المسلك
وعرًا ؛ إذ من المحتمل أن يكون كل من الشعرين ورد على أبدع غاية ممكنة في
المقصد الذي سيق إليه ، وإن كان أحدهما أوسع نطاقًا في الخيال ، فلو نظرت إلى
قول بشار :
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
سهل عليك الدخول إلى المفاضلة بينه وبين قول ابن المعتز :
وعم السماء النقع حتى كأنها ... دخان وأطراف الرماح شرار
ولو عمدت إلى الموازنة بينه وبين قول أحمد بن دراج يصف حالة وداعه
لزوجته وابنه الرضيع :
تناشدني عهد المودة والهوى ... وفي المهد مبغوم النداء صغير
عيي بمرجوع الخطاب ولحظه ... بموقع أهواء النفوس خبير
أو قول بعضهم :
لئن بكيت دمًا والعز من شيمي ... على الخليط فقد يبكي الحسام دما
لم تجد الطريق إلى التفضيل أمرًا ميسورًا ، وليس لك أن تعول على ابتهاج
النفس واهتزازها وتجعل تفاوته ميزانًا للتفاضل ؛ لأن شدة الابتهاج لسماع الشعر قد
تكون تابعة للعواطف والأهواء ، فمن رقت عاطفته لولده الصغير حتى كاد قلبه
يذوب لنظراته المكحولة بالتبسم يهتز لقول أحمد بن دراج : ولحظه بموقع أهواء
النفوس خبير . بأشد مما يهتز لغيره ، ومن لم يذق حلاوة العطف على البنين ، وكان
كلفًا بمواقع الحروب ، مغرمًا بالحديث عن آثارها يلتذ ببيت بشار أكثر من التذاذه
ببيت ابن دراج وما ذكر بعدهما .
فلا أنكر أن يكون بين التخيلات المختلفة في المعنى والغرض فرق جلي ،
وتفاوت واسع من جهة التركيب أو الغرابة ، فيبني عليه الأديب حكمه بالتفضيل ،
وإنما أعني أن الأشعار المتفقة في معنى أو غرض تجد المدخل للمفاضلة بينها
سهلاً ؛ إذ يتبين لك التفاوت بينها في التركيب أو الغرابة من غير إطالة نظر ،
وعلى فرض اتحادهما في ذلك يمكنك الرجوع إلى وقعها على حاسة الذوق وأخذها
بالروح التي يتقوم بها المراد من الكلام .
وأما المختلفة في المعنى والغرض فيتيسر القضاء فيها متى كان التفاوت بينها
جليًّا ، وأما إذا كانت في مراتب متقاربة في الغرابة والتركيب والتمكن من روح
المعنى أو الغرض الذي أفرغ فيها ، فباب الحكم فيها لا يطرقه إلا الماهرون في هذه
الصناعة حيث وصلوا إلى أن هذا الشعر لم يتجاوز في الغرض الذي عبر عنه الدرجة
الوسطى مثلاً ، وأن الآخر انتهى في وجهته إلى غاية ليس وراءها مرتقى .
وقد يكون مناط التخييل أمرًا واحدًا ، ويختلف نظر الشاعرين بتوجه أحدهما
إلى حال أو صفة قد أخذ نظر الآخر بغيرها فيصير التخييل بهذا من قبيل التخييل
في أمرين مختلفين في خفاء التفاضل بينهما ، وهذا كما قال الوزير أبو فارس
يصف النهر من جهة منظره :
فنضنض ما بين الغروس كأنه ... وقد رقرقت حصباؤه حية رقطا
وقال أبو القاسم الأبرش يصفه من جهة خريره :
وقال النهر يشكو من حصاه ... جراحات كما أن الجريح
وقد يجيد أحد الشاعرين من جهة الغرابة ، ويجيد الآخر من حيث التركيب
كقول الصنوبري يصف الشمعة :
كأنها عمر الفتى ... والنار فيها كالأجل
مع قول الأرجاني يصفها أيضًا :
تنفست نفس المهجور إذ ذكرت ... عهد الخليط فبات الوجد يذكيها
فإن تشبيه الشمعة حين تدب فيها النار وتتناقص شيئًا فشيئًا إلى أن تذهب
في الجو هباءً منثورًا بعمر الفتى حين ينقضي ساعة فساعة إلى أن يلتقي الأجل
بآخر نفس منه فيعود إلى الفناء ، تشبيه أدق وأخفى من تشبيهها بصَبٍّ ذكر عهد
الخليط فقدحت الذكرى في مهجته وجدًا بات يحترق بلوعته الملتهبة ، ولكن هذا
التشبيه أوسع نطاقًا وأحلى مساقًا .
وربما فاق أحدهما من جهة الغرابة ، وفاقه الآخر من جهة المطابقة لحال
المعنى ، كقول ابن الخطيب يصف ليلة :
وعشت كواكب جوها فكأنها ... ورق تقلبها بنان شحيح
وقول عنترة :
أراعي نجوم الليل وهي كأنها ... قوارير فيها زئبق يترجرج
فتشبيه ابن الخطيب أدق وأخفى ، وتشبيه عنترة أشد مطابقة لحال النجوم .
الحالة الخامسة : وهي ما يجري فيه تفضيل أحد الشاعرين على آخر
بإطلاقه، وهذا لا يستقيم إلا ممن أتى على معظم شعرهما حتى عرف الذين يستوفي
في تخيلاته شرائط الجودة أكثر من غيره ، ولا سيما إذا اهتدى للمقياسة بينهما في
كثير من المعاني أو الأغراض التي يتفقان فيها .
ومن الخطأ الحكم بتفوق شاعر على غيره لمجرد تخييل بديع يتفق له في بيت
أو أبيات ، فربما ترجح شاعر في معنى مرة ، وفاقه غيرُه في معان أخرى ،
فلا يصح لك متى وقفت على قول ابن زمرك :
وجرد من غمد الغمامة صارمًا ... من البرق مصقول الصفيحة صافيا
ورأيته متوغلاً في الخيال أكثر من قول ابن الخطيب :
لك الله من برق كأن وميضه ... يد الساهر المقرور قد قدحت زندا
أن تقضي بتفضيل ابن زمرك على ابن الخطيب ؛ إذ قد يكون لابن الخطيب
تخيلات أخرى أدرك فيها شأوًا لم يلحق ابن زمرك غباره ، بل تجد له في هذا
المعنى نفسه تخييلاً سبق فيه إلى الغاية القصوى وهو قوله :
وميض رأى برد الغمامة مغفلاً ... فمد يدًا بالتبر أعلمت البردا
ومما يصدق أن تكتفي في تفضيل الشاعر بإجادته في البيت أو الأبيات أنك
ترى حازمًا الأندلسي قد فاق ابن هانئ في وصف التقاء الصبح بآخر الليل
حيث يقول الأول :
كأن بياض الصبح معصم غادة ... جنت يدها أزهار زهر الدجى لقطا
ويقول الثاني :
كأن عمود الصبح خاقان عسكر ... من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى
وترى ابن هانئ يقول في وصف الثريا :
وولت نجوم للثريا كأنها ... خواتيم تبدو في بنان يد تخفى
ففاق حازمًا حين قال :
كأن الثريا كاعب أزمعت نوى ... وأمت بأقصى الغرب منزلة شحطا
وقد لوحنا فيما سلف إلى بعض الأسباب التي تقوم للشاعر فيفضل في بعض
المعاني أو الأغراض مَن هو كفؤًا له أو أرسخ منه قدمًا ؛ كالتفاوت في قوة الباعث
على النظم ، فمن يخاطب إنسانًا وقد ماجت مهجته بعواطف وده الخالص ، وأضرمت
النوى في فؤاده شوقًا إليه يقع على دفائن من المعاني يقف دونها من يخاطبه تفصيًا
من ملامة أو تعرضًا لمسألة ليست بذات بال ، ويضاف إلى هذا أن أحد الشعراء قد
يمتاز بمعرفة العناصر التي يؤلف منها المعنى كما امتاز البارودي عن بعض أدباء
عصره بمشاهدة الكهرباء وإشراقها في أجرام سماوية كروية ، فقال يصف الثريا :
وكأنها أكر توقد نورها ... بالكهرباءة في سماوة مصنع
وقد يستوي الشاعران في الاطلاع على العناصر البسيطة ، ولكن أحدهما
يشاهدها مؤلفة في صورة لم يشهدها الآخر فيساعده استحضار تلك الهيئة على
انتزاع معنى لا يخطر على بال غيره ، فصفوان بن إدريس الأندلسي عاش في
مطر يرى فيه المقلة الزرقاء تلوح عليها حمرة الرمد ، فقال يصف الورد مفتحًا
على شاطئ الخليج :
والورد في شط الخليج كأنه ... رمد ألم بمقلة رمداء
ومن الشعراء من لم يأخذ في حافظته صورة المقلة الزرقاء وعليها مسحة من
الرمد كمن نشأ في ناحية الجنوب ، وإنما رأى المقلة الرمداء ولون الزرقة ينفرد
أحدهما عن الآخر ، وانظر إلى ابن الرومي حين قال له بعض اللائمين : لم لا تشبه
تشابيه ابن المعتز وأنت أشعر منه ؟ ثم قص عليه تشبيهه للهلال بزورق من فضة
عليه حمولة من عنبر ، وتشبيه الآذريون بمداهن من هذب فيها بقايا غالية - قال
الرومي : { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } ( البقرة : 286 ) ذاك إنما يصف ماعون
بيته ؛ لأنه ابن خليفة ، وأنا أي شيء أصف ؟ ولكن انظروا إذا أنا وصفت ما
أعرف أين يقع قولي من الناس ؟
وقد يتفق الشاعران في معرفة العناصر والهيئة المؤلفة ويكون أحدهما أشد
علقة بها وأكثر ترددًا عليها ، فيكون خطورها على قريحته أكثر من خطورها على
قريحة من شاهدها مرة أو مرتين ، كنت رأيت مرة الآلة المصورة ، وعرفت كيف
ترسم الصورة في زجاجتها ، ولم يسنح لي أن أستمد منها معنى خياليًّا حتى نزل
بجواري في بعض البلاد أحد المولعين بها ، وتكررت ملاحظتي لها ، فريثما جال في
خاطري معنى الخطأ في فهم الحقيقة هجمت علي صورة الآلة والزجاجة فقلت :
عذرتك إذ صورت في نفسك الهدى ... ضلالاً وصورت الضلال رشادا
فإن زجاجات المصور تقلب الـ ... سواد بياضًا والبياض سوادا
قد يستمد الشاعر من غيره تخييلاً يضيف إليه ما يوسع في نطاقه ، ولهذا
ثلاثة أحوال :
أحدها : أن يكون الأصل من المعاني النادرة والزيادة تساويه في غرابتها أو
تنقص عنه ، وهنا لا يكون صاحب الزيادة أرجح ممن أنشأ أصل المعنى قطعًا ؛ إذ
من المحتمل أن شبهه لهذه الزيادة وإدراجه لها في صورة المعنى إنما تيسر له من
تلقيه لذلك الأصل الذي أقامه له الشاعر الأول ؛ بحيث لا يكون في قريحته فضل قوة
على تحصيل هذا الأساس بنفسه ، ومثال هذا قول علي الكوفي يصف النجوم :
كأن التي حول المجرة أوردت ... لتكرع في ماء هناك صبيب
وقول البارودي يصفها أيضًا :
وكأنها حول المجر حمائم ... بيض عكفن على جوانب مشرع
فلم يزد البارودي عما خيل إليك الكوفي سوى أن جعل تلك النجوم الواردة
حمائم بيضًا .
ومن هذا القبيل قول المعتمد بن عباد يصف نهرًا في روض :
ولربما سلت لنا من مائها ... سيفًا وكان عن النواظر مغمدا
وقول أبي القاسم البخاري :
والنهر شق بساط الروض تحسبه ... سيفًا ولكنه في السلم مشهور
فهذا البيت أخذ في ضمنه معنى البيت الأول ، وإنما زاد عليه بأن السيف مجرد في حال السلم .
ثانيها : أن يكون المعنى الأصلي غريبًا ، وتكون الزيادة أدل منه على البراعة ،
ويصح لك في هذا الحال أن تقضي بفضل الثاني ؛ إذ في يدك ما ينهض بحجتك على
أن في قريحته قوة تمكنها من إنشاء الصورة من أصلها ، ومثال هذا قول الخفاجي :
كأن الدجى لما تولت نجومه ... مدبر حرب قد هزمن له صفَّا
وقول البارودي يصف الليل أيضًا :
متوشح بالنيرات كباسل ... من نسل حام باللجين مدرع
حسب النجوم تخلفت عن أمره ... فوحى لهن من الهلال بأصبع
فإن كان البارودي قد تنبه إلى تشبيه الليل بأمير حرب من بيت الخفاجي ، فقد
زاد عليه ما هو أغرب منه ، أعني ظنه أن النجوم تخلفت عن أمره ، ثم إشارته إليها
بأصبع من الهلال .
ثالثها : أن يكون الأصل من المعاني التي تتناولها العزائم لأول لفتة ؛ إذ
أصبحت مبذولة ابتذال تمثيلك جميل الطلعة بالقمر والمقدام بالأسد ، ويسوغ لك
بدون شبهة أن تعد التخييل فيما يرجح به وزن صاحب الزيادة البديعة ، فالذين
شبهوا الزهر بالدراهم كثير ، ولكن ابن زمرك أضاف إلى ذلك أن جعل النسيم جابيًا
لها فقال :
كأنما الزهر في حافاتها سحرًا ... دراهم والنسيم اللدن يجبيها
ومن المتداول تشبيه الأقاح بالثغور ، وقد بنى عليه ابن رشيق أن جعل الشمس
ترشف منه ريق الغوادي فقال :
باكر إلى اللذات واركب لها ... سوابق اللهو ذوات المزاح
من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح
ومن المعهود تشبيه الليل بالغراب ، فتناوله عبد الرحمن الفنداقي الأندلسي
ورفعه في الحسن درجات فقال :
وانبرى جنح الدجى عن صبحه ... كغراب طار عن بيض كنين
وقد يذهب الشاعران إلى محاكاة أمر ، فيحاكيه أحدهما ناظرًا إليه بانفراده ،
ويحاكيه الآخر ناظرًا إليه في حال اقترانه بأمور أخرى ، فلا يحق لك متى قايست
بينهما ورأيت الأول أحكم أن تقضي لصاحبه بالرجحان ؛ إذ قد تكون محاكاة الثاني
إنما جاءتها الجودة من ملاحظة ما اتصل بها من المعاني ، ولولا هذه المقارنة لم
يقدم صاحبه على هذه المحاكاة ، ربما تسمع أبا جعفر الأندلسي خيل أصوات الحمام
في الصباح بالخصام ، فيبدو لك أن تشبيهها بالغناء أو النواح أقرب إلى الجودة وأشد
مطابقة لحالها ، ولكنك إذا وقفت على قوله :
فالصبح قد ذبح الظلام بنصله ... فغدت تخاصمه الحمائم فيه
أدركت جودة التخييل التي أحرزها بما انضم إليه من تمهيد سبب الخصام ،
وهو اعتداء الصبح على الظلام وقتله بالنصل ذبحًا .
يعدون في تخيلات فكتور هيغو تشبيهه الموج بالغنم ، فإذا قيل لك : إن الشاعر
العربي معروف الرصافي قد شبهه بالرجال حسبت أنه وقع التشبيه إلى الحضيض ،
حتى إذا قرأت قوله يصف قصر البحر في بيروت :
كأن الموج في الدأما رجال ... وهذا القصر بينهم خطيب
تخاطبهم مبانيه فيعلو ... من الأمواج تصفيق رحيب
تيقنت أن الرجل قد ذهب في التخييل البديع إلى الدرجة القصوى ، فتشبيه
الموج بالغنم هو أحكم من تشبيهه بالرجال متى نظرت إليه مستقلاًّ ، ولكنك إذا
راعيت ما انضم إليه من تشبيه القصر القائم على ضفة البحر بالخطيب ، وتلاطم
الأمواج بالتصفيق - لم يكن في وقوعه على ذوقك أقل تأثيرًا من تشبيهه بالغنم
السائمة[2] .




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



avatar
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام


الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 13343
نقاط : 24787
السٌّمعَة : 23
العمر : 37
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الخيال في الشعر العربي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس أكتوبر 06, 2011 11:09 pm

الغرض من التخييل
عادة النفس الارتياح للأمر تشاهده في زي غير الذي تعهده به ، والتخييل
يأتيها من هذا الطريق ، فيعرض عليها المعاني في لباس جديد ويجليها في مظهر
غير مألوف .
فللتخييل فائدة عامة لا تتخلى عنه وهي تحريك نفس السامع لتلقي المعنى
بارتياح له وإقبال عليه ، ولو كان من قبيل الحديث المألوف أو المعلوم بالبداهة ،
وانظر إن رمت الثقة بهذا إلى قول الشاعر :
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح
فالمعنى الذي صيغ البيت لتأديته أننا أخذنا نتناوب الحديث والإبل تسير
مسرعة في الأباطح ، وهذا كما رأيته معنى مبذول وحديث لا يختص به عابر سبيل
دون آخر ، ولولا أن الشاعر أورده في هذه الصورة التي خيلت إليك بطاحًا تتدفق
بسيل من أعناق المطايا - لم ينل عندك هذا الموقع من الحظوة والاستحسان .
قد يكون للمعنى في ذاته وجه يدعو نفس السامع إلى النفور عنه ، وصناعة
التخييل تبقي له أثرًا لذيذًا في النفس ، فتأتيها اللذة من ناحية غير الناحية التي
يجيء منها النفور ، فلو سمع أشياع ابن بقية قول عمارة اليمني شامتًا به وهو
مصلوب :
ونكس رأسه لعتاب قلب ... دعاه إلى الغواية والضلال
لوجدوا لهذا البيت في أنفسهم ألمًا بليغًا يدخل عليها من جهة القدح في كرامة
رجل امتلأت صدورهم بإجلاله ، وهذا الألم لا يمنع من أن يبقى للبيت في نفوسهم
أثر لذة تسري إليها من جهة التخييل ، وإن كانوا لها كارهين ، ومما قلت في بعض
الخاطرات : قد يهذب السياسي حاشية ظلمه فيكون كالبيت البليغ يؤثر في نفس من
يهجي به لذة وألمًا .
قد يبدو لك أن هذه الفائدة العامة إنما تتحقق فيما إذا كان المعنى معروفًا للسامع
من قبل التخييل ، كوصف حال القمر والكواكب والبرق والسحاب والرياض
والأنهار ، والمقلة والثغر ، والقلم والدواة ، أو حال الرجل من كرم وشجاعة وعلم ،
وغيرها من الخصال . إذ يصح أن يقال : إن التخييل قد عرض على السامع هذه
المعاني في صور حديثة . وأما الوقائع والأحوال المجهولة فلم يعرفوا لها صورة من
قبل حتى تعد الصورة الخيالية جديدة ، وتحدث في النفس لذة زائدة عن لذة العلم
بأصل المعنى .
والجواب أن المعنى الذي تتلقاه من الشاعر دون أن تسبق لك معرفة به قد
يلقيه إليك بوجه صريح ، ثم يدخل به في الخيال كما هي الطريقة الشائعة في
التشبيه والتمثيل ، وعُد التخييل في هذا صورة جديدة بالنسبة إلى الصورة التي
نقشها التصريح أولاً مما لا تعتريك فيه شبهة .
وقد يلقيه لأول الخطاب في صورة خيالية ، وهذا مما يصح عده في الصور
المستجدة ، إذ للمعاني صور أصلية وهي التي ترتسم في النفس لأول ما تدرك
المعنى بمشاهدة أو وجدان ، فالنفس تشعر حال تلقيها للصورة الخيالية أن للمعنى
الذي تحمله إليها صورة أخرى هي الصورة البسيطة التي يعبر عنها بالقول
الصريح .
ولعلك تقول بعد هذا : إن صور المعاني تختلف ما اختلفت العبارات سواء
كانت تصريحية أو تخييلية ، فالصورة التي يعطيها قولك : زيد يكتب ، غير
الصورة التي يفصح عنها قولك : زيد يخط بالقلم على القرطاس ، وكل منها صريح
لا مدخل فيه للخيال ، وإذا كان التخييل يلذ للنفس من جهة أنه يكسو المعنى لباسًا
جديدًا ، فيمكن لنا أن نصوغ للمعنى عبارة صريحة غير التي يعرفها المخاطب ،
فيأخذ بها صورة جديدة ، ولا يفوز التخييل بهذه الفائدة ويختص بها دون التصريح .
والجواب أن الصورة التي تنشأ من العبارات الصريحة وإن تفاوتت في مواقع
البلاغة واختلفت بالإيجاز والإطناب - لا تعد كما تعد الصورة الخيالية غريبة عن
المعنى المراد ، ألا ترى أنك تعرض المعنى الواحد في صور خيالية متعددة والشعر
واحد ، فيجد السامع عند كل صورة داعية لذة ، ولو ألقيت المعنى في عبارة
صريحة ثم بدا لك أن تخرجه في عبارة أخرى تشاكلها في الصراحة والمخاطَب
واحد - لقيت في نفس المخاطب سآمة ؛ لأنك لم توافها بصورة غريبة تخيل بها أنك
تعبر عن معنى غير ما ألقيته عليها أولاً .
فلا أنكر أن الصورة في العبارات الصريحة تتفاوت بحسب اختلاف العبارات
في كيفية تأليفها ومقدار ما تشتمل عليه من المعاني الزائدة عن أصل المراد ، وإن
هذا الاختلاف هو الذي يجعلها متفاضلة في مقامات البلاغة ، وإنما أذهب إلى أن تلك
الصور وإن أحكمت فسقتَها وأضفتَ إليها من المعاني ما يرتفع به شأنها لا تهيج في
نفس السامع هزة الطرب التي تثيرها العبارات الخيالية .
فالعبارات الخيالية تشارك العبارات الصريحة في جودة نسجها واشتمالها على
المعاني التي ترتقي بها في مدارج البلاغة ، وتزيد عليها بإراءتك المعنى في صورة
بديعة تتعشقها النفس وتهتز لوقعها طربًا .
ثم إن التخييل لا يخلو في أكثر أحواله من صوغ المعنى في صورة ما تكون
معرفة المخاطَب له أقوى وفهمه إليه أسرع ، وهذا مما يجعل أنس النفس أوفر
وارتياحها له أكمل .
ولا أحسبك تقع من هذا الوجه في شبهة أو تقف في حيرة حين ترى الوجه
السابق يقتضي أن لذة التخييل جاءت من غرابة الصورة ، وهذا يقتضي أن انبساط
النفس لها جاء من جهة إلفها وكثرة التردد عليها ، فإن غرابتها بالنظر إلى المعنى
المراد لا تنافي أن تكون معرفتها بهيئاتها أو عناصرها أجلى لدى المخاطب في ذاتها ،
فالشاعر الذي يقول :
كأن شعاع الشمس في كل غدوة ... على ورق الأشجار أول طالع
دنانير في كف الأشل يضمها ... لقبض فتهوى من فروج الأصابع
قد خيل إليك حال تدفق الأشعة وقت الغداة وتجليها على الأوراق في صبغتها
الصفراء في صورة دنانير يضم عليها الأشل يده ليقبض عليها ، فتنساب من بين
أصابعه متساقطة إلى الأرض . وهذه الصورة - بالنظر إلى مساق الحديث وهو حال
الأشعة - غريبة ، ولكنها في نفسها جلية ، إذ السامع للبيتين وإن لم يشاهد من قبلهما
دنانير تتناثر من يد الأشل فإن المواد المؤلفة منها الصورة كالدنانير ويد المرتعش
من أوضح معلوماته .
وللتخييل بعد هذا أغراض خاصة يرمي إليها الأدباء ويتفاوتون في التمكن
منها ، ولا يسع هذا المقال سوى أن نلم بمهماتها فنقول :
قد يقصد الشاعر من التخييل تقوية الداعية إلى الأخذ بالشيء حيث يصوره
بصورة ما لا يُستغنى عنه ، كما قال بشار :
فلا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم
ضرب المثل للشورى في تثبيت الرأي وإقامته على وجه السداد بالخوافي من
الجوانح حيث تساعد القوادم على الطيران ، وهذا التمثيل يلقي في نفس السامع أنه
محتاج إلى الشورى حاجة القوادم إلى الخوافي ، ويؤكد داعيته إلى العمل على سنتها
أو الحث على الثبات والصبر على الأمر حيث يخرجه في مثال ما لا يمكن بطبيعة
هذه الحياة الخلاص منه ، كما قال بشار أيضًا :
إذا كنت في كل الأمور معاتبًا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
فالأبيات مسوقة في الإرشاد إلى تحمل ما يصدر عن الإخوان من جفاء أو
هفوة ، فضرب لهم المثل بالمشارب حيث لا مندوحة للإنسان عن ورودها ، وهي لا
تصفو له سائر حياته ، بل يصادفها في بعض الأحيان كاشفة له عن وجه كالح وماء
كدر يلجئه الظمأ إلى الشرب منها وإغضاء الجفن عن أقذائها ، فهذا التمثيل يريك
أنك لا تستطيع أن تعيش مستقلاًّ عن الإخوان ، وأن ليس في طبيعتهم أن يسيروا
في مرضاتك بحيث لا تلاقي منهم طول حياتك إلا ما يلائم طبيعتك ويوافق بغيتك ،
ومقتضى هذا أن تشد يدك بعرى صحبتهم وتغضي عما يعرض لهم في بعض
الأوقات من جفاء أو يزلون فيه من عثرات .
أو التحذير مما يرغب فيه ، كما قال أبو نواس :
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
لو ذهب إلى ذم الدنيا صراحة وهي حلوة خضرة ، لم يأخذه السامع بمأخذ
التسليم ، وأنكر أن يكون في لذيذ المذاق جميل المنظر الحذر منه ، فعدل إلى إخراج
الذم في مثال يريه كيف يتزيى الشر بزي الخير ، ويظهر المؤذي في بهجة ما يعد
نافعًا ، أو تخفيف الرغبة فيه وتقليل الاهتمام به كما قال المعري :
وإن كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمده والحمائل
فمن تمثلت له الملابس بمنزلة الغمد والحمائل من السيف لم يطمح بنظره إلى
تنميقها أو يجهد سعيه في اتخاذها من النسيج الفاخر ، وإنما يصرف همته إلى ما
تسمو به النفس من علم وفضيلة ، كما أن البطل لا يعبأ بالغمد والحمائل وإنما يقبل
على السيف فينفق وسعه في إجادة صنعه وإرهاف حده .
أو التسلية ، كقول صاحبنا الأمير شكيب يسلي البارودي وهو في المنفى :
إن يحجبوك فما ضر النجوم دجى ... ولا زرى السيف يومًا طي أغماد
لا بأس إن طال نجز السعد موعده ... فأعذب الماء شربًا في فم الصادي
أراد أن ينفث في نفس مراسله كلمة تحل منها عقدة الضجر وتطرد عنها غيم
الوحشة ، فذكره بأن ما جرى عليه من التغريب والإخفاء عن أعين من ألفوه وألفهم
قد ابتليت بمثله الكواكب فلم يمسها بنقيصة ، ومنيت به السيوف فلم يضع من قيمتها
فتلاً ، ورام بعد هذا تخفيف ما عساه أن يساور قلبه من لوعة الحنين إلى الوطن
والهم بما طال عليه من الأمد ، فأقام له مثالاً من حال الماء حيث يكون مذاقه في فم
من بعد عهده به - وهو الظمآن - ألذ وأشهى .
ومما صنعت في غرض التسلية :
بثثت شعاع علمك في نفوس ... تسوق إليك ما اسطاعت حقوقًا
كذا الأقمار تكسو الأرض نورًا ... ولولا الأرض مالقيت خسوفًا
أو إزالة ما يخالط النفس من النفور عن الأمر ، أو عده عيبًا كما قال الفرزدق :
تفاريق شيب في الشباب لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم
ضرب المثل للشعر الأسود تتخلله شعرات من الشيب بحال ليل داجٍ تتألق في
سمائه الكواكب ليخيل أن الشيب مما يحدث في الخلقة حسنًا ويزيدها بهجة حتى
يضع الأنس به مكان التجافي عنه ، ومن هذا القبيل قول قابوس :
يا ذا الذي بصروف الدهر غيَّرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر تطفو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر
وفي السماء نجوم لا عِداد لها ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر
أو الدلالة على أن الذي تحكي عنه صفة قد بلغ فيها غاية قصوى ؛ لتستدعي له
في نفس المخاطب إجلالاً وإشفاقًا أو تحقيرًا له أو جفاء عنه ، ويرجع إلى هذا
الغرض كثير من التخييلات الواردة على طريق المبالغة في المديح والفخر
والاعتذار والهجاء والوشاية ، وأمثلتها كثيرة الدوران في كتب الأدب والبيان .
وقد يكون المعنى مما لم تتداوله الأفكار ، وليس من البعيد أن يلاقيه المخاطب
بالتعجب الذي هو مطية الإنكار ، فيجيء التخييل عقب هذا كما يقول أبو تمام
الأندلسي :
لا يفخر السيف والأقلام في يده ... قد صار قطع سيوف الهند للقصب
فإن يكن أصلها لم يقو قوتها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب
ادَّعى في البيت الأول أن القطع الذي عهدت به السيوف قد انتقل إلى الأقلام
التي تهزها يد ممدوحه ، فلم يبق للسيوف خصلة تفاخر بها ، وليست هذه الدعوى
من الجلاء بحيث تفتح لها النفوس باب القبول بسرعة ، وأول ما يطعن فيها أن
الأقلام مشتقة من القصب وهي أوهن من العصا ، دع السيف ومضاءه ، فاحتاج إلى
تأييدها بما يدفع الشبهة ويحشرها في زمرة الأقوال المسلمة ، فضرب لها المثل في
البيت الثاني بالخمر التي هي عصارة العنب ، وقد امتازت عن بقية العصير بإطفاء
نور العقل وإطلاق اللسان يخبط في فلاة الهذر خبط عشواء فصارت بهذه الخاصية
حقيقة قائمة بنفسها ، ومالكة لقوة لم تكن في جنسها .
وقد يكون المعنى مما تألفه العقول ، ولا يتشبث به في سياقه ما يجر السامع
إلى ارتياب أو يحمله على إنكار ، وإنما يقصد الشاعر إلى إيراده في مثال أوضح
حتى يقع من نفوس السامعين في قرار مكين ، ومثال هذا قول سيف الدين بن المشد :
إن ترقى إلى المعالي أولو الفضل ... وساخت تحت الثرى السفهاء
فحباب المدام يعلو على الكأس ... محلاًّ وترسب الأقذاء
فارتفاع الفضلاء إلى المراتب العالية وهبط أهل السفه إلى ما تحت الثرى
ليس في نفسه بأمر يتعجب منه أو يتلقى بإنكار ، فمحاكاته بارتفاع الحباب على
وجه الكأس ونزول الأقذاء إلى أسفله إنما كانت مؤكدة له ومفصحة على مناسبته
للحكمة وانطباقه على سنة الله الجارية بارتفاع العناصر النقية ورسوب الأجرام
المتعفنة ، ومما صغت على هذا النمط :
لا يألف العز شعبًا لج في وسن ... من الخلاعة لا مسعى ولا أملا
كالدر يزهو على صدر الفتاة وإن ... دب النعاس إلى أجفانها اعتزلا
ومن الدواعي إلى التخييل تخصيص بعض السامعين أو القارئين بفهم المعنى
إما لفضل ألمعيته أو لأن في يده من القرائن المساعدة له على الفهم ما ليس في يد
غيره ، فلو حاورك إنسان في أمة من الناس أقاموا على فريق من أموالهم رقباء
فأردت أن تذكر له أن أولئك الرقباء لم يحرسوها بعين الأمانة حتى تناولها قوم
ملأوا منها حقائبهم ونثروها في سبيل شهواتهم ، فكتبت إليه على مثال ما كنت قلت :
يا رياضًا خانها الحراس إذ ... غرقت أحداقهم في وسن
سرقت ريح الصبا منك شذى ... طاب وانسابت به في الدمن
لم يستطع فهم ما أردتَ من الكلام إلا من دارت بينك وبينه تلك المحاورة ،
وقد يذهب الشاعر إلى التخييل لقصد التهكم ، كما قال المعري يتهكم بمن يحكي أن
أول من شاب إبراهيم عليه السلام :
ما أقبح المين قلتم لم يشب أحد ... حتى أتى الشيب إبراهيم عن أمم
كذبتم ونجوم الليل شاهدة ... أن المشيب قديمًا حل في الأمم
فكأنه يقول هذه الرواية الملفقة ليست أهلاً لأن تقابل بغير هذا الرد القائم على
الخيال ، ويقرب من تخييل نجوم الليل بالمشيب قول أحمد بن دراج القسطلي يصف
الجرة :
وقد خيلت طرق الجرة أنها ... على مفرق الليل البهيم قتير
وربما لا يجد الشاعر داعيًا إلى مسلك التخيييل بعد بسط النفس سوى التنبيه
على ما بين المعاني من المناسبات الخفية أو مجاراة البلغاء وإقامة الشاهد على
الحذق في هذه الصناعة ، ومما يرمي إلى أحد هذين الغرضين ما يتعلق به الأدباء
في وصف بعض المناظر الفطرية كالكواكب والحدائق ، أوالصناعية كالشمعة
والسفينة .




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



avatar
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام


الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 13343
نقاط : 24787
السٌّمعَة : 23
العمر : 37
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الخيال في الشعر العربي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس أكتوبر 06, 2011 11:10 pm

أطوار الخيال
كان العرب زمن الجاهلية يعيشون في مواطن لا يشهدون فيها غير مناظر
فطرية كالكواكب وبعض النبات والحيوان أو مرافق حيوية ووسائل حربية كالرحى
والجفنة والرمح والحسام ، ولصفاء قرائحهم وسلامة أذواقهم أضافوا إلى هذه
الحقائق ما يخطر على ضمائرهم ويدركونه بحاسة وجدانهم من المعاني التي لا
تنالها الحواس الظاهرة كالحب والبغض والرضاء والغضب ، ونسجوا منها على
مثال التخيل صور بديعة .
وإن رأى المدني اليوم أن معظم تلك الصور من التخيلات القريبة ، فعُذرهم في
ذلك أنهم لم يدخلوا في مسالك الفلسفة ولا عودوا أنفسهم التنقيب عن المعاني
الغامضة ، وإنما كانوا ينطقون بالشعر على البداهة ، فمن وقفت له على معنى رائع
كقول النابغة :
وإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
فقد لفظته قريحته عفوًا وانساق إليها بدون إجهاد نظر ، ومن ثم كانت أمثال
هذا التخييل البديع نادرة في أشعارهم ، ولو كانوا ممن يذهب في صوغ المعاني إلى
إزعاج الفكر وحثه على استخراجها من مغاصها العميق كما يفعل المولدون لظفرنا
لهم بنظائر لا تحصى ، ثم إن التخييل كسائر الملكات والصنائع إنما تترقى شيئًا
فشيئًا ، وتتكامل يومًا فيومًا .
فتطلَّع لزهير بن أبي سلمى مثلاً على تخيلات لا تظفر بها في أشعار من
تقدموه بأمد بعيد ، فالعهد الذي يعبر فيه هذا الشاعر عن معنى أن من لم يُجٍب إلى
الأمر الصغير يقع تحت وطأة الأمر الخطير بقوله :
ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم
يكون من أوائل العصور التي ظهر فيها التخيل الشعري ، فإن هذه الغاية من
حسن البيان لا يدركها الناس بفطرتهم إلا بعد أن يتقلبوا في سبيلها أطوارًا ويقضون
في السير إليها أحقابًا ، كما أن ابن سفر الأندلسي لو نشأ في البيئة والعصر اللذين
نشأ فيهما زهير لم يسهل عليه أن يصف نهر إشبيلية الذي يصعد فيه المد مسافة بعيدة
ثم يحسر بقوله :
شق النسيم عليه جيب قميصه ... فانساب من شطيه يطلب ثاره
فتضاحكت ورق الحمام بدوحها ... هزؤا فضم من الحياء إزاره
ثم بزغت شمس الإسلام وكان من أساليب القرآن في الدعوة أن ضرب
الأمثال الرائعة وصاغ التشابيه الرائقة والاستعارات الفائقة والكنايات اللطيفة ،
ويضاف إلى هذا ما كان ينطق به الرسول عليه الصلاة والسلام من الأقوال الطافحة
بالأمثال والاستعارات والكنايات التي لم تخطر على قلب عربي قبله ، فكان مطلع
الإسلام مما زاد البلغاء خبرة بتصريف المعاني وترقى بهم إلى رتبة سامية في
صناعة الخيال .
أخذ الخيال يتقدم بخطوات أوسع مما كان يسير به في الجاهلية ، ولكن الأدباء
إلى أواخر عهد الدولة الأموية لم يحيدوا عن طرقه المعهودة ويغيروا أساليبه تغييرًا
يحس به كل أحد ، فلو قال قائل أن عبد الله بن الدمينة أو عمر بن أبي ربيعة أو
جَميلاً أو كُثيرًا شاعر جاهلي - لم يكن لك أن تدخل إلى مغالبته وإبطال دعواه بإقامة
الحجة من مناهج تخيلاتهم ، كأن تجلب له من أشعارهم أمثلة ينكشف بها جليًّا أنهم
ساروا في التخيل على نمط لم تنسج عليه الجاهلية ، ولكنك إذا نظرت في مجموعة
الشعر الجاهلي ثم وازنته بمجموعة الشعر الإسلامي تيقنت أن الخيال قد بعد شأوه
واتسع نطاقه ؛ لأنك تقف على تصرفات كثيرة من تشابيه مبتكره واستعارات لم يحم
عليها شعراء الجاهلية ، وإن كانت مفرغة في قوالبهم مرسومة على خططهم .
ثم ظهر في أوائل عهد الدولة العباسية مثل بشار بن برد و أبو العتاهية و أبو
نواس و عبد السلام الملقب بديك الجن فأصبحت مسافة الفرق بين الشعر الجاهلي
والشعر الإسلامي واضحة لكل من له أدنى تعقل ، فلو ادعى مدعٍ أن عبد السلام
الملقب بديك الجن شاعر جاهلي لكفاك أن تتلو عليه نبذة من شعره الذي أوغل فيه
إلى حد يبدو عليه أثر التصنع كالبيت الذي أعجب به أبو نواس وقال له عندما
اجتاز به وهو بحمص أنك قد فتنت به أهل العراق ، أعني قوله يصف الخمر :
موردة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها
وجاء بعد هؤلاء ابن المعتز و ابن الرومي و مسلم بن الوليد و أبو تمام وقد
استحكمت عرى المدنية وتجلت لهم الحضارة في أجلى مظاهرها ، فكانوا أكثر ممن
تقدمهم تفننًا في صناعة التشبيه والاستعارة وما يلحق بهما من تصرفات الخيال
كالتورية والمقابلة وحسن التخلص من غرض إلى آخر ، وهذا لا يمنعك من أن
تقضي للسابقين بأنهم أقوى عارضة وأدرى بصناعة الشعر من ناحية سبك الألفاظ
ومتانة بنائها .
وبعد أن عني الناس بالنظر في شؤون الكون وسلكوا في البحث عن أسراره
طريقًا فلسفيًّا أخذ الخيال الشعري يعمل في الحقائق الفلسفية ويجري وراء الفكر
كالمسعف له في تصوير تلك المعاني الغامضة كما تراه في مثل قصيدة ابن سينا في
النفس ، المفتتحة بقوله :
هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع
وقصيدة المعري المفتتحة بقوله :
غير مجد في ملتي واعتقادي ... نوح باك ولا ترنم شاد
وقول أبي بكر بن الطفيل يصف حال الروح والجسد :
نور تردد في طين إلى أجل ... فانحاز علوا وخلى الطين للكفن
يا شد ما افترقا من بعد ما اجتمعا ... أظنها هدنةً كانت على دخن
إن لم يكن في رضا الله اجتماعهما ... فيالها صفقة تمت على غبن
وفي هذه الصبغة خرج كثير من أشعار الصوفية كما تراه فيما ينسب إلى
الشيخ محيي الدين بن عربي وابن الفارض .
وقام بإزاء هذا المنزع الفلسفي أن الشعراء عندما اتسعت دائرة العلوم
الإسلامية ونقلت العلوم النظرية إلى العربية مد بعضهم يده إلى قضايا هذه العلوم
واصطلاحاتها وخلط بها تصرفاته الخيالية كقول أبي تمام :
خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلاعب الأفعال بالأسماء
وقول حيص بيص :
لا تضع من عظم قدر وإن كنـ ... ـت المشار إليه بالتعظيم
ولع الخمر بالعقول رمى الخمـ ... ـر بتنجيسها وبالتحريم
وقول ابن الخطيب :
ونقطة قلب أصبحت منشأ الهوى ... وعن نقطة موهومة ينشأ الخط
وكذلك كانوا يقتبسون من سائر العلوم والصنائع حتى راق لكثير من
المتأخرين أن يجعلوا قصائدهم كنموذج يلوح به إلى علوم شتى .
ومما حدث من ممارسة هذه العلوم إيراد التشبيه في أساليب منطقية كقول
بعضهم :
لو لم يكن أقحوانًا ثغر مبسمها ... ما كان يزداد طيبًا ساعة السحر
ومن تقصى أثر الشعر العربي ولاحظ الأطوار التي تدرَّج فيها الخيال ، أخذ
في نفسه قوة تساعده على الفصل في بعض الأبيات أو القصائد التي يتنازع الرواة في
نسبتها إلى قائلها ، فالقصيدة التي جاء في أثنائها :
قالت لِطيفِ خيال زارني ومضى ... بالله صفه ولا تُنقص ولا تَزِدِ
فقال : خلفته لو مات من ظمأ ... وقلت قف عن زلال الماء لم يَرِدِ
يعزوها بعضهم إلى الوليد بن اليزيد . ومن لاحظ أن القصيدة جمعت فنونًا من
الخيال لا يفحص عنها ويجمعها في نظم واحد إلا شاعر نشأ أيام دخل التصنع في
الشعر وهو عهد الدولة العباسية - أعرض عن هذه الرواية وذهب إلى أن تكون كما
قيل لأبي القاسم بن طباطبا المتوفى سنة 345 أو ذي القرنين بن حمدان المتوفى
سنة 428 .
ترقى التخيل يوم دخل الشعر في طور التصنع ولكن التصنع هو الذي جر
إلى استعارات مكروهة وتشابيه سمجة أيضًا ، فقد اقتحم أبو تمام والمتنبي ومن
بعدهم في هذا الغرض مساوئ لم يرتكبها الجاهلية ، فالعربي الصميم - وإن كان
معظم تخيلاته ساذجة - لا يعالج قريحته ليستنبط لك منها مثل قول أبي نواس :
بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح
أو قوله :
ما لرِجل المال أضحت ... تشتكي منك الكلالا
وتمادى الشعر ما بين تخيل فطري وتخيل فلسفي وتخيل علمي إلى هذه
الأعصر ، وإن كان النوع الأول هو الغالب في النظم والمألوف في التخاطب لأن
التخيلين الفلسفي والعلمي ، إنما يليقان بكلام يوجه به إلى الخاصة من الناس وأما
التخيل الفطري فيصلح لخطاب الخاصة والجمهور .
والضرب الفلسفي لا يعد في الحقيقة تطورًا في نفس التخييل وإنما هو تطور
لَحِقَه من جهة دخوله في منزع جديد أعني الخوض في حقائق وسنن كونية على
طريقة النظر العميق .




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



avatar
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام


الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 13343
نقاط : 24787
السٌّمعَة : 23
العمر : 37
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى