شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح"

اذهب الى الأسفل

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح"

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس أكتوبر 20, 2011 8:52 am

مقدمة:
يُعدُّ "الجامع الصحيح" للإمام محمد بن إسماعيل البخاري أصحَّ كتاب بعد كتاب الله تعالى، وأجمعت الأمة على تلقيه بالقبول، ولم يلق كتاب –بعد كتاب الله- العناية التي أولتها الأمة لهذا الكتاب، من حفظ ونشر وشرح وتدريس وتلخيص ودراسة. وبالرّغم من اتفاق الأمة على مكانة "الجامع الصحيح"، وعلى إمامة البخاري، إلا أننا لا نجد عناية واضحة في استجلاء الفكر التربوي للإمام البخاري من خلال جامعه الصحيح، ولا سيّما أنه استقى فكره من صحيح حديث النبي .
وتأتي هذه الدراسة لتجلية الفكر التربويّ لدى هذا الإمام الجليل، والبحث في آراء البخاري وتصوّراته التربوية في كتاب "العلم". فقد ذكر بعض شرّاح كتاب البخاري ودارسيه الجوانبَ التربوية المستنبطة من تراجم "الجامع الصحيح" والأحاديث الواردة فيه. ولم يقف الباحث –حسب اطلاعه- على دراسة متخصصة في بيان الفكر التربوي عند الإمام البخاري. وثمة دراستان تناولتا بشيء من التخصص بعض الجوانب التربوية في "الجامع الصحيح"؛ دون أن تبين الفكر التربوي للإمام البخاري بوجه عام؛ درست إحداهما الجوانب التعليمية في كتاب العلم من صحيح البخاري، ودرست الثانية دلالات الفقه التربوي في بعض تراجم صحيح البخاري.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty رد: ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح"

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس أكتوبر 20, 2011 8:54 am

أولاً: الفكر التربوي عند الإمام البخاري: مفهومه ومصادره وميزاته
1. مفهوم الفكر التربوي عند الإمام البخاري:
يختلف تعريف التربية اصطلاحاً باختلاف المنطلقات الفلسفية التي تخضع لها النظرية التربوية. وباختلاف الطرق والوسائل التي تسلكها الجماعات الإنسانية في تدريب أجيالها وإرساء قيمها ومعتقداتها. وباختلاف الآراء في مفهوم العملية التربوية وطرقها ووسائلها.
والتربية الإسلامية هي: "المفاهيم والقيم والأساليب والاتجاهات المتضمنة في آيات القرآن الكريم وسنة الرسول العظيم ، والتي تتصل بتربية الإنسان في جوانب شخصيته المختلفة."
أما الفكر فهو "عمل الذهن تدبُّراً وتأمُّلاً في أي شأن من شؤون الحياة الدنيا أو الدين. وهو نشاط بشري أداؤه العقل، وثمراته الرأي والعلم والمعرفة."
وعلى ذلك فإن على الباحث -الذي يجهد نفسه في سبيل بيان موقف التربية الإسلامية من هذه القضية أو تلك من قضايا التربية والتعليم، من خلال كتابات المفكرين- أن يصحح عبارته وينسب الموقف إلى العالِم الذي يدْرسه، أو المدرسة الفكرية التي يبحث في فكرها. فالقول بأن موقف التربية الإسلامية هو موقف هذا أو ذاك من المفكرين، ربما لا يكون صحيحاً. فالذي يبحث عن موقف التربية الإسلامية من قضية ما، عليه أن يتجه مباشرة إلى مصدري الإسلام الأساسيين وهما: القرآن الكريم والسنة المطهرة.
وبناء عليه يُعرّف الفكر التربوي الإسلامي بأنه "مجموعة الآراء والأفكار والنظريات التي احتوتها دراسات الفقهاء والفلاسفة والعلماء المسلمين، وتتصل اتصالاً مباشراً بالقضايا والمفاهيم والمشكلات التربوية". وبذلك "فالفكر التربوي الإسلامي" هو رؤية العلماء المسلمين وتفسيراتهم للتربية الإسلامية.
وبهذا يكون الفكر التربوي المقصود في هذه الدراسة، عند الإمام البخاري: "مجموعة الآراء والنظريات التي احتواها كتاب "العلم"من "الجامع الصحيح" مما يتعلق بالقضايا والمفاهيم والمشكلات التربوية". وإنما ذكرنا كتاب "العلم" لأنه الميدان الأصيل لدراسة الجوانب التربوية، التي تمثل آراء الإمام البخاري وأفكاره. وهذا لا يعني –بأي حال من الأحوال- أن الفكر التربوي للبخاري يقتصر على ذلك، ولكن كتاب العلم يعكس ملامح هذا الفكر بشكل واضح أكثر من غيره.
فعلى سبيل المثال، بَّوب البخاري أحد أبواب كتابه بـ: "باب: من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل". وأخرج فيه حديث "أبي هريرة" رضي الله عنه: "بينما النبي  في مجلس يحدِّث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله  يحدث. فقال بعض القوم: سمع ما قال فَكَرِه ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله. قال: فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة."
قال ابن حجر تعليقاً على هذا الحديث: "محصلة التنبيه على أدب العَالِم والمتعلِّم، أما العالم فلِما تضمنه من ترك زجر السائل، بل أدَّبه بالإعراض عنه أولاً حتى استوفى ما كان فيه، ثم رجع إلى جوابه لأنه من الأعراب، وأما المتعلِّم فلِما تضمنه من أدب السائل أن لا يسأل العَالِم وهو مشتغل بغيره، لأن حق الأول مقدّم."
2. مصادر الفكر التربوي عند الإمام البخاري:
ينطلق الفكر التربوي الإسلامي مما جاء به الرسول  من تعاليم سماوية وسنة، وما عمل به وأمر صحابته والتابعين له أن يعملوا به، وأيضاً بما جاء به من بعده تنفيذاً لأوامره واجتناباً لما نهى الله عنه ورسوله، واجتهاداً في توضيح منهجه في التربية، وأسلوبه في المعاملة، الذي انطلق من تربية سماوية روحية وجسدية، كانت وما تزال منهج عبادة ومنهج فكر ومنهج عمل.
وهذا ما سار عليه الإمام البخاري في فكره التربوي، في اعتماده القرآن الكريم والسنة المطهرة وأقوال الصحابة والتابعين واجتهاد الأئمة من بعدهم، وهو على النحو الآتي:
أ. القرآن الكريم:
لقد أكثر الإمام البخاري من استشهاده بالقرآن الكريم، نصاً وتفسيراً، فاعتنى في صحيحة بآيات الأحكام؛ إذ انتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة.
ففي كتاب "العلم" ذكر البخاري عدداً من الآيات في عناوين الأبواب، ومن ذلك:
(الباب الأول): فضل العلم، وقول الله تعالى: ﮋﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕﮊ (المجادلة: 11)، وقوله عزّ وجل: ﮋﭠ ﭡ ﭢ ﭣﮊ (طه:114)، لتحقيق دافعية المتعلم للعلم، وبيان مصدرية العلم وغايته.
(الباب السادس): باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﮋﭠ ﭡ ﭢ ﭣﮊ (طه: 114).
(الباب العاشر): باب العلم قبل القول والعمل، لقوله تعالى: ﮋﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏﮊ (محمد: 19). فبدأ بالعلم، إشارة لاستناد العمل على العلم، وقال جلّ ذكره: ﮋﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﮊ (فاطر: 28)، للتذكير بغاية العلم، وقال ابن عباس: ﮋﮂ ﮃﮊ (آل عمران: 79) علماء فقهاء، ويقال: الرباني: الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، توضيحاً لصفات العالم وأسلوب التعليم الناجح.
ب. السنة النبوية:
من المعلوم أن "الجامع الصحيح" للإمام البخاري هو أصح كتاب للسنة النبوية، وأن أي مفكر تربوي إسلامي إذا أراد أن يستدل من السنة النبوية، لا يستغني بوجه من الوجوه عن هذا الكتاب الجليل. وسنلحظ فيما يأتي أن الإمام البخاري جعل السنة النبوية أساساً لفكره التربوي. ومثاله: ما استنبطه البخاري من عدم إيقاع الملل على المتعلم. فقد عنون (الباب الحادي عشر) "ما كان النبي  يتخوَّلهم بالموعظة والعلم كي لا ينفِروا." وأورد فيه حديث ابن مسعود رضي الله عنه "كان النبي  يتخوَّلنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا."
ت. أقوال الصحابة رضوان الله عليهم:
أودع الإمام البخاري أقوال الصحابة في عناوين كتابه، واستدل منها على آرائه وأفكاره، ومن ذلك ما سبق أن ذكرناه من تفسير ابن عباس –رضي الله عنه- لكلمة "الربانيين".
وفي (الباب العاشر): نقل عن أبي ذر رضي الله عنه: "لو وضعتم الصمصامة، أي؛ السيف، على هذه، وأشار إلى قفاه، وظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي  قبل أن تجيز عليّ لأنفذتها." ففيه تحمل مسؤولية العلم والحرص والشجاعة في تبليغه.
أمّا (الباب الخمسون) فخصّصه لموضوع: الحياء في العلم، ونقل فيه عن عائشة رضي الله عنها قال : نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
ث. أقوال التابعين والأئمة من بعدهم:
ومن ذلك ما نقله عن مجاهد في (الباب الخمسون): الحياء في العلم: "لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر." ونقل عن الإمام سفيان بن عيينة في (الباب الرابع): باب قول المحدث: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، قال ابن عيينة: (حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت واحداً) ليدلّل أنه أي لا فرق بين هذه الصيغ في التحديث، سواء سمع التلميذ من الشيخ أو قرأ عليه.
3. ميزات الفكر التربوي عند الإمام البخاري:
أ. الاعتماد على صحيح الحديث النبوي منطلقاً لفكره، فبنى فكره على أساس متين. وهذه قضية مهمَّة نحتاج الوقوف عليها في زماننا؛ إذ إن هناك من التربويين -الذين يتخذون من الإسلام أساساً لفكرهم التربوي- يبنون دعاواهم وأفكارهم على الأحاديث الضعيفة، ويؤصلون مبادئ وأسساً عليها، ثم نرى أن هذه التأصيلات غير سديدة، وتنسب -بغير حق- للنبي ، وإن كان هناك من يرى جواز العمل بالأحاديث الضعيفة؛ لأنَّ القائلين بهذا الرأي قيدوا جواز ذلك في "فضائل الأعمال"، ونحن هنا نتحدث عن "التربية" و"بناء الأجيال"، وهي مسألة ليست من فضائل الأعمال، بل هي جوهر الأعمال.
ب. يعد "الفكر التربوي" للإمام البخاري، وليد تجربة تربوية حافلة، مارسها تلميذاً وشيخاً. فالميدان التعليمي هو الذي أفرز هذا الفكر وأنتج هذه التصورات من خلال ما عايشه الإمام البخاري في تجربته التعليمية، فقد طلب العلم وهو صغير السن؛ إذ سئل: "كيف كان بدء أمرك؟ فقال: أُلهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتّاب، فقيل: كم كان سنك؟ فقال: عشر سنين."
وفي مرحلة مبكرة، نجده يقوم بدور المعلم "الشيخ"، فيجتمع عليه آلاف الطلبة طلباً للعلم على يديه، فقد كان أهل العلم من البصريين يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويُجْلِسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب عنه، وكان شاباً لم يخرج وجْهُه.
في خضم هذه التجربة، تشكلت آراء البخاري التربوية، ونضجت تصوراته التعليمية. فبعض المشكلات التي كانت تواجهه في ميدان طلب العلم والتدريس، هي التي كوّنت "فكره التربوي". وهذا ما نلمحه في تبويباته وعناوينه في كتاب "العلم". فقد ناقش طرق تحمُّل الحديث كالسماع والقراءة والمناولة والكتابة، ودلَّل على مشروعيتها من السنة النبوية.
كما ذكر موضوع تحمّل الصغير للحديث هل هو صحيح أم لا، وأدرجه في (الباب الثامن عشر): (متى يصح سماع الصغير). وتطرق لمشكلة تربوية عميقة وهي: ما اتهم به رواة الحديث بأنهم نقلة أخبار من غير تدبُّر وفهم، فبوب: (الباب الرابع عشر) بـ(الفهم في العلم)، إلى غير ذلك من القضايا التربوية التي أبرزها في "كتاب العلم".
ت. ومن ميزات الفكر التربوي للإمام البخاري شموليته وترابطه؛ فالقضايا التربوية التي ناقشها الإمام البخاري، شاملة لكل جوانب العملية التعليمية بترابط محكم بين كل باب من أبواب كتاب "العلم" والكتاب الذي يليه. فهو يذكر الأهداف التربوية من خلال ما بدأ به وهو (الباب الأول): "فضل العلم"، ثم ينتقل إلى آداب العلم فيبوب بها (الباب الثاني): "من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه"، ثم يتحدث عن البيئة التعليمية الناجحة، وذلك من خلال (الباب الثالث): "من رفع صوته بالعلم". وفي هذه الأثناء يتطرق إلى مسائل متخصصة في رواية الحديث في (الباب الرابع) بقوله: "قول المحدث "حدثنا" و"أخبرنا"... . ويذكر لنا أنواع تحمّل الحديث، كما في (الباب السادس): "القراءة والعرض على المحدث" ونحوها، ثم يعود لذكر آداب العلم وأصناف المتعلمين في (الباب الثامن): "من قعد حيث ينتهي به المجلس"، ثم يذكّر بأهمية العلم بقوله في (الباب العاشر) "العلم قبل القول والعمل".
ويتطرق إلى البيئة التعليمية الناجحة في (الباب الحادي عشر): "ما كان النبي  يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفِروا". ويتناول: أوقات التعليم في (الباب الثاني عشر): "من جعل لأهل العلم أياماً معلومة"، كما يذكّر بدافعية العلم بقوله في (الباب الثالث عشر): "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، ويربطه بموضوع الفهم؛ إذ يُعَنوِن (الباب الرابع عشر) بـ: "الفهم في العلم"، ثم بحاجة طالب العلم للرحلة في طلبه فيذكر في (الباب السادس عشر): "ما ذكر في ذهاب موسى  في البحر إلى الخضر". وينتقل إلى مصدر العلم في (الباب السابع عشر): "قول النبي  (اللهم علِّمه الكتاب)."
ويخصص (الباب الثامن عشر) لتعليم الصغار: "متى يصح سماع الصغير"، ويعود إلى التذكير بأصناف المتعلمين من حيث تأثرهم بالعلم في (الباب العشرين): "فضل من عَلِم وعلَّم"، محذراً بعد ذلك من خطورة رفع العلم وظهور الجهل كما في (الباب الحادي والعشرين): "رفع العلم وظهور الجهل". ثم ينتقل إلى الوسائل التعلمية بقوله في (الباب الرابع والعشرين): "من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس". ثم وجوب تبليغ العلم بقوله في (الباب الخامس والعشرون): "تحريض النبي  وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وراءهم".
وينتقل إلى (الباب السابع والعشرين): "التناوب في العلم"، وهو مصطلح تربوي انفرد به الإمام البخاري. ويتحدث عن الغضب في التعليم عند الحاجة إليه، فيقول(الباب الثامن والعشرين): "الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره". وبعد ذلك ينتقل إلى موضوع تعليم المرأة بقوله في (الباب الحادي والثلاثين): "تعليم الرجل أَمَته وأهله، وَعِظة الإمام النساء وتعليمهن". ويذكّر بدافعية التعليم بقوله في (الباب الثالث والثلاثين) "الحرص على الحديث". ويعود إلى بيان خطورة تفشي الجهل بقوله في (الباب الرابع والثلاثين): "كيف يقبض العلم". ثم يكرر وجوب تبليغ العلم، وينتقل إلى أمر خطير ينبغي التنبّه إليه عند تبليغ العلم، وهو الكذب في العلم، فيقول في (الباب الثامن والثلاثين): "إثم من كذب على النبي ".
وحتى لا يقع في الخطأ والكذب في العلم يذكر أدوات العلم، فيقول في (الباب التاسع والثلاثين): "كتابة العلم". ثم يتطرق لموضوع أوقات التعليم وخاصة في الليل فيذكر في (الباب الأربعين): "العلم والعظة بالليل". ويؤكد على أدوات العلم بقوله في (الباب الثاني والأربعين): "باب حفظ العلم". ويذكر أدباً رفيعاً آخر مبيناً مصدرية العلم بقوله في (الباب الرابع والأربعين): "ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فَيَكِل العلم إلى الله تعالى"، ويُذكِّر بأنه ليس من التكبّر أن يُسأل العالم وهو جالس ويكون السائل قائماً. ويعود إلى بيان مصدرية العلم بقوله في (الباب السابع والأربعين): "قول الله تعالى: ﮋﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﮊ (الإسراء: 85)". ويتناول البخاري موضوع مراعاة الفروق الفردية في التعليم بقوله في (الباب الثامن والأربعين): "من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه". ويخصص (الباب التاسع والأربعين) لـ: "من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا". وينتقل إلى ذكر العوائق النفسية التي تمنع العلم بقوله في (الباب الخمسين): "الحياء في العلم"، ويذكر أماكن التعليم بقوله في (الباب الثاني والخمسين): "ذكر العلم والفتيا في المسجد". ويختم كتاب العلم بـ (الباب الثالث والخمسين) الذي خصّصه لـ: "من أجاب السائل بأكثر مما سأله، تنبيهاً على سعة العلم". وكأن لسان حاله يقول: إن العلم واسع، وهذه أسس التعليم ومبادئه قد ذكرتها في كتاب "العلم".
ومما سبق من بيان مصادر الفكر التربوي عند البخاري وميزاته، يتبين لنا انتماء الإمام البخاري إلى مدرسة الفقهاء والمحدثين التربوية، وهي المدرسة التي تتمسك بالإسلام شرعة ومنهاجاً، نظاماً وتشريعاً، وتتمحور حول الكتاب والسنة وتذود عنهما، وتفسر النص التفسير الذي تحتمله لغة الضاد، من غير سرّية ولا رمزية.
ولقد مرت هذه المدرسة بمرحلتين؛ الأولى: مرحلة الاتفاق بين المحدثين والفقهاء خلال القرن الثالث. والثانية مرحلة تباين الطرفين في الرأي في القرن الرابع. وفي المرحلة الأولى تحددت مفاهيمها التربوية المتمثّله في التزام نصوص القرآن الكريم، والسنة وما كان عليه الصحابة، فالقرآن الكريم والحديث الشريف هما المنهاج الديني، والفقه هو فهم القرآن الكريم والحديث الشريف. ويعد الإمام البخاري –رحمه الله- من رواد هذه المدرسة؛ إذ جمع بين النص والفقه، بل وتميز من غيره بالتزامه النص الصحيح من السنة النبوية، ودقة استنباطه الفقهي.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty رد: ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح"

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس أكتوبر 20, 2011 8:55 am

ثانياً: الأهداف التربوية في فكر الإمام البخاري
رسم الإمام البخاري أهدافه التربوية من منطلق توحيد الله تعالى، فبوّب (الباب العاشر) تحت عنوان: "العلم قبل القول والعمل، لقوله تعالى: ﮋﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏﮊ (محمد: 19)" ويمضي في تفصيل الأهداف بقوله: "ومن سلك طريقاً يطلب به علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة." ومن أهدافه العليا ما جاء في قوله تعالى: ﮋﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﮊ (فاطر: 28)، بل العلم من أسباب النجاة من النار، فيقول الله تعالى: ﮋ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﮊ (الملك: 10) فالغاية النهائية للتربية الإسلامية هي تحقيق العبودية لله في حياة الإنسان الفردية والجماعية، وهذا ما أوضحه الإمام البخاري ضمن رؤيته التربوية. ويدخل في ذلك عدد من الأهداف من أهمها:
1. العلم أساس في صحة القول والعمل: جعل البخاري (الباب العاشر) بعنوان: "العلم قبل القول أو العمل". وأراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به. لقوله تعالى: ﮋﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏﮊ (محمد: 19)، فكلمة التوحيد لا تُقبل بغير العلم.
2. العلم سبب للوصول إلى الهداية: أورد البخاري في (الباب العشرين) فضل من علِم وعلَّم؛ إذ جاء بحديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير. أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِمَ وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به." فجمع رسول الله  بين العلم والهداية، لأنَّ الهدى هو الدلالة الموصلة للمقصد، والعلم عين المدلول.
3. إنقاذ الناس من الضلالة: جاء (الباب الرابع والثلاثين) بعنوان: "كيف يُقبض العلم"، وفيه حديثُ عبد الله بن عمرو بن العاص: "إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً، اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا". فانتشار العلم وبقاء العلماء يمنع من الوصول إلى هذه النتيجة: "فضلّوا وأضلّوا".
4. تحقيق الخيرية والسمو والرفعة للإنسان: جعل البخاري (الباب الثالث عشر) من كتابه بعنوان: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" وأورد حديث معاوية رضي الله عنه "من يُرد الله خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله." وتأمل في تنكير كلمة "خيراً" لتشمل الخير كله في الدين والدنيا.
5. تحقيق التقدير الذاتي للإنسان: جاء (الباب الحادي والعشرين) بعنوان: "باب رفع العلم وظهور الجهل"، ثم نقل عن ربيعة الرأي قوله: "لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه." فلا ينبغي للعالم أن يأتي بعلمه أهل الدنيا ولا يتواضع لهم إجلالاً للعلم، ومما يؤدي إليه من قلة الاشتغال بالعلم والاهتمام به لما يرى من ابتذال أهله وقلة الاحترام لهم، احتراماً للعلم الذي يحمله. ومن كان فيه فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه، فيترك الاشتغال بالعلم، لئلا يؤدي ذلك إلى رفعه.
6. التربية العقلية: كما اهتم الإمام البخاري بالبعد الديني للتربية، اعتنى بالبعد العقلي، فهو يجعل (الباب الرابع عشر) بعنوان: "باب الفهم في العلم"، وأورد فيه حديث ابن عمر –رضي الله عنهما- "كنا عند النبي ، فأتى بجُمّار –أي ما يكون في لب النخلة- فقال: "إن من الشجرة شجرة مَثَلُها كمَثَل المسلم. فأردت أن أقول هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم فسكتُّ. فقال النبي : "هي النخلة." لقد فهم ابن عمر أن المسؤول عنه النخلة، فالفهم فطنة يفهم بها صاحبها من الكلام ما يقترن به من قول أو فعل. وبذلك فالتربية الإسلامية تربي الفرد تربية عقلية سليمة.
7. تحقيق السيادة والريادة الفردية والجماعية: جعل البخاري (الباب الخامس عشر) بعنوان: "الاغتباط في العلم والحكمة"، وأورد فيه قول عمر رضي الله عنه: (تفقهوا قبل أن تسودوا) قال البخاري: (وبعد أن تسودوا)، قال ابن المنيّر: "مطابقة قول عمر للترجمة أنه جعل السيادة من ثمرات العلم، وأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة، وذلك يحقق استحقاق العلم بأن يغبط صاحبه، فإنه سبب لسيادته." وقد أدرك عمر بدقيق فقهه دور العلم في الشهود الحضاري وأثره في سيادة الأفراد والأمم وتقدمهم على الآخرين، وهذا هو سر تقدم الغرب في شتى الميادين، فما سادوا الأمم إلا بالعلم.
ثالثاً: مواصفات المربي وآدابه عند الإمام البخاري
لا تنفك صفات المربي المسلم عن أهداف التربية الإسلامية التي تسعى لتحقيقها، وعلى رأسها تحقيق العبودية لله تعالى. والإمام البخاري إذ ينطلق من هذا المنطلق يضع لنا تصوراته للمربي الذي يصل بنا إلى هذه الأهداف، من خلال مواصفات عالية، وآداب رفيعة يلزم المربي أن يلتزم بها وهي:
1. أن يكون ربانياً: وهو ما أورده البخاري في (الباب العاشر): "باب العلم قبل القول والعمل. قوله تعالى: ﮋﮂ ﮃﮊ (آل عمران: 79)، فعلى المربي أن يكون ربانياً في هدفه وسلوكه وتفكيره، فهو ينتسب إلى الرَّب عزّ وجل؛ إذ تكون ربانيته بطاعته إياه وعبوديته له واتباعه لشريعته. وإذا كان المعلم ربانياً، استهدف من كل أعماله التعليمية ودروسه أن يجعل طلابه أيضاً ربانيين.
2. اتصافه بالعلم: وهذا ما أكده البخاري في (الباب العاشر): "العلم قبل القول والعمل"، فجعله أساساً وشرطاً للعمل والقول، فكيف سيقوم فاقد العلم بتعليم الآخرين؟
3. الصبر والرفق: خصص البخاري (الباب الثاني) للحديث عن: (من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث، ثم أجاب السائل)، وأورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه". بينما النبي  في مجلس يحدث قوماً جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله  يحدث، ..." قال ابن الملقن في أحكام هذا الحديث: "الرفق بالمتعلم وإن جفا في سؤاله أو جهل، لأنه  لم يوبخه على سؤاله قبل إكمال حديثه."
4. التيسير والتبشير: ونوّه إليه البخاري في (الباب الحادي عشر): "ما كان النبي  يتخوَّلُهم بالموعظة والعلم كي لا ينفِروا"، وأورد فيه حديث ابن مسعود رضي الله عنه "كان النبي  يتخوَّلُنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا،" وحديث أنس رضي الله عنه "يسّروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا." والتيسير شامل لكل ما يحقق ذلك للمتعلم بقدر الإمكان، ويدخل فيه استعمال المعلم لطرق التدريس الحديثة، التي لا تتعارض مع الشرع الحكيم، واستعمال الوسائل التربوية المتطورة والتعليم الإلكتروني ونحوه.
5. التواضع: وأورد البخاري الحديث عليه في (الباب الرابع والأربعين) "ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فَيَكِل العلم إلى الله تعالى". وأورد فيه قصة موسى –عليه السلام- مع الخضر –عليه السلام- وفيه "قام موسى خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يَرُد العلمَ إليه، فأوحى الله إليه أن عبداً من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك... الحديث". فالمربي يتواضع لله تعالى بإرجاع العلم إلى فضل الله عليه. وتواضع موسى عليه السلام، في طلب العلم على يد الخضر عليه السلام، قال ابن حجر في فوائد الحديث: "ولزوم التواضع في كل حال، ولهذا حرص موسى على الالتقاء بالخضر عليهما السلام، وطلب التعلم منه، تعليماً لقومه أن يتأدبوا بأدبه، وتنبيهاً لمن زكى نفسه أن يسلك مسلك التواضع."
6. التدرج في التعليم: ذكر البخاري في (الباب العاشر) "العلم قبل القول والعمل"، تفسير كلمة الرباني، فـ: "الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره"، كأن يبدأ العالم بالمختصرات بالتعليم قبل المطولات، أو أن يتدرج مع طلابه بالأسهل فالأصعب.
7. مراعاة الفروق الفردية: وأوردها البخاري في (الباب التاسع والأربعين) "من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا"، وروى فيه عن علي رضي الله عنه "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكَّذب الله ورسوله."
8. نشر العلم وعدم كتمانه: ذكر الإمام البخاري في أكثر من باب وجوب تبليغ العلم ونشره وتحريض النبي  على ذلك، ومن ذلك، (الباب الخامس والعشرين) "تحريض النبي  وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا مِنْ وراءهم"، وأورد فيه حديث مالك بن الحويرث، قال لنا النبي : "ارجعوا إلى أهليكم فعلّموهم". وحديث قدوم وفد عبد القيس، فبعد أن علَّمهم شرائع الإسلام قال: "احفظوه وأخبروه من وراءكم." ويذهب الإمام البخاري إلى أبعد من عدم كتمان العلم إلى التوسع في العلم والإفاضة فيه، فهو في (الباب الثالث والخمسين) "من أجاب السائل بأكثر مما سأله"، ويذكر حديثاً لابن عمر أنَّ رجلاً سأل النبي : ما يلبس المحرم؟ فقال: "لا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البُرْنُس ولا ثوباً مسه الوَرْسُ أو الزعفران، فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين." قال العيني: "يجب على العالم أن ينبِّه الناس في المسائل على ما ينتفعون به ويتسعون فيه، ما لم يكن ذريعة إلى ترخيص شيء من حدود الله تعالى."
9. الحكمة ومراعاة نتائج التعليم: وأورد البخاري الحديث على هذه القضية في (الباب الثامن والأربعين): "من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشد منه"، وأتى فيه بحديث عائشة رضي الله عنها؛ إذ قال : "يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون." قال ابن حجر: "ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولاً ما لم يكن حراماً."
10. استعمال الأساليب التفكيرية مع المتعلم: وجاء حديث البخاري عن هذه المسألة في (الباب الخامس): "طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم". وأورد فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي؟ قال فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة ثم قالوا حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة."




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty رد: ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح"

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس أكتوبر 20, 2011 8:56 am

رابعاً: أصناف المتعلمين ومواصفاتهم
1. أصناف المتعلمين:
المتتبع للعناوين والأحاديث التي ساقها الإمام البخاري في كتاب "العلم"، يرى أنه قسّم المتعلمين إلى عدة فئات بحسب حيثيات متعددة أهمها:
أ. الإقبال على العلم: فمن المتعلمين المبادر، ومنهم المستحيي، ومنهم المعرض عن العلم. فخصص البخاري: (الباب الثامن) لـ: "من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها" وأورد فيه حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه: "أنَّ رسول الله  بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله  وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله  فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله ، قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، أما أحدهما فأوى إلى الله فأواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه."
ب. الفهم: بيّن البخاري أنَّ الناس يتفاوتون في الفهم والإدراك والوعي، فأورد في (الباب التاسع) قول النبي  "رُبَّ مُبَلَّغ أوْعى من سامع"، وأورد في هذا الباب حديث أبي بكرة رضي الله عنه في حجة الوداع، وفيه: "ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه." وخصّص (الباب التاسع والأربعين) للحديث عن "مَنْ خَصَّ بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا"، وأورد فيه أحاديث منها، قول علي رضي الله عنه: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله."
ت. تبليغ العلم والعمل به: وتناول البخاري هذه المسألة في (الباب العشرين): "فضل من عَلِم وعلَّم" وأورد فيه حديث أبي موسى رضي الله عنه: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير... ."
قال ابن الملقن: "هذا الحديث من بديع كلامه ووجيزه وبليغه  في السبر والتقسيم، فإنَّه ذكر ثلاثة أمثلة ضربها في الأرض، اثنان منهما محمودان، فهو جامع لمراتب الفقهاء والمتفقهين، فالأول: مثل الأرض التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فانتفعت بالري والتربي في نفسها، وانتفع الناس بالرعي بما أنبتت، فهذا الذي فقه في نفسه، وكان قلبه نقياً من الشكوك، وعلم ما يحمله وعلّمه للناس. والثاني: مثل الأرض التي أمسكت الماء فانتفع الناس به، فشربوا وسقوا وزرعوا، فهذا كالذي حمل علماً وبلغه غيره، وانتفع به ذلك الغير. والثالث: مثل الأرض السباخ التي لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء، فهذا كالذي سمع العلم فلم يحفظه ولم يعه، فلم ينتفع ولم ينفع غيره." وهذه التصنيفات لفئات المتعلمين تفيد المربي في كيفية التعامل مع المتعلمين وفهم قدراتهم، ومراعاة الفروق الفردية بينهم، والنظر في أحوالهم النفسية، وقياس مخرجات التعليم عليهم.
2. مواصفات طالب العلم:
كما اهتم الإمام البخاري بمواصفات المربي فإنَّه أشار إلى مواصفات المتعلم وآدابه، على النحو الآتي:
أ. قوة الدافعية للتعليم: وعبّر عنها الإمام البخاري بكلمة "الحرص" في (الباب الثالث والثلاثين) المعنون بـ: "الحرص على الحديث"، وأورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله : لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، أو نفسه." ولتحفيز هذه الدافعية يُذكّر الإمام البخاري طالب العلم بأهداف التعليم السامية ومكانة طالب العلم، ومثاله: ما أورده في (الباب الخامس عشر): "الاغتباط في العلم والحكمة" وأورد فيه حديث ابن مسعود –رضي الله عنه- "لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالاً فسلط على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلَّمها." فطالب العلم يغبطه الآخرون على علمه ومكانته. وأورد فيه قول عمر رضي الله عنه: "تفقهوا قبل أن تسودوا،" ومطابقة قول عمر للترجمة أنه جعل السيادة من ثمرات العلم.
ب. البحث العلمي: أشار البخاري إلى موضوع البحث العلمي مما كان سائداً في زمانه، وهو ما يعرف بـ "الرحلة في طلب العلم"، فدوافع الرحلة هي: طلب المعرفة، وضبطها، ونشرها. وأشار إلى ذلك في أكثر من موضع؛ ففي (الباب التاسع عشر): "الخروج في طلب العلم"، أورد قصة موسى مع الخضر عليهما السلام. وحقيقة الأمر أن موسى عليه السلام مارس البحث العلمي من خلال سؤاله الخضر ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮊ (الكهف: 66). وأورد في الباب (السادس والعشرين): "باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله"، حديث عقبة بن الحارث أنَّه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة، والتي تزوج بها، فقال لها عقبة ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله  بالمدينة فسأله، فقال رسول الله : "كيف وقد قيل؟" ففارقها عقبة ونكحت زوجاً غيره." وقد كان عقبة رضي الله عنه بمكة.
ت. الأمانة العلمية: خصّ البخاري (الباب الثامن والثلاثين) بالحديث عن إثم من كذب على النبي  وأورد فيه حديث: "من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار"، وهذا الوعيد وإن كان في حق الكذب على النبي ، ولكن إيراد البخاري للحديث في كتاب العلم يشير إلى خطورة الكذب والتزوير في العلم.
ث. احترام العالم وتوقيره: وهو ما ناقشه البخاري في (الباب التاسع والعشرين): "من برك على ركبتيه عند الإمام والمحدث"، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "خرج رسول الله  فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي؟ فقال: أبوك حذافة" ثم أكثر [يعني الرسول ] أن يقول: "سلوني". فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد  نبياً، فسكت. قال ابن الملقن: "وبَرْكُ عمر رضي اله عنه على ركبتيه أدبٌ منه، وإكرام للنبي ، وشفقة على المسلمين؛ لئلا يؤذي أحد النبي  فيهلك، وقد ظهر أثر ذلك بسكوته  إذ ذاك، وفي بعض الروايات: فسكن غضبه."
ج. التزام آداب مجلس العلم: ونوّه البخاري بأهميّة هذه المسألة في (الباب الثامن): "من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها"، وأورد فيه حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه "أن رسول الله  بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله  وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله ، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله  قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه." قال ابن الملقن: "إن من حسن الأدب أن يجلس المرء حيث انتهى به مجلسه ولا يقيم أحداً."
ح. الإنصات والانتباه في العلم: وقد نظر البخاري هذه المسألة في (الباب الثالث والأربعين): "الإنصات للعلماء"، وأورد فيه حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه في حجة الوداع، قول النبي : "استنصت الناس، فقال لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض."
خ. المناقشة والحوار ومراجعة العالم إذا أُشكل عليه شيء في العلم: وهو ما خصّ به البخاري الحديث في (الباب السادس والثلاثين) "من سمع شيئاً فراجع حتى يعرفه"، وأورد فيه حديث عائشة، وأن النبي  قال: "من حوسب عُذب"، قالت عائشة: "فقلت: أوليس يقول الله تعالى: ﮋﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮊ (الانشقاق: 8)، قالت: فقال: "إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك." فهذا النبي  يقر عائشة رضي الله عنها على مراجعته ومناقشته ويفتح لها باب الحوار العلمي.
د. التواضع: وهو ما تحدث عنه البخاري في(الباب الخمسين): "باب الحياء في العلم"، وأورد فيه قول مجاهد: (لا يتعلم العلم مستحْي ولا مستكْبر)، "ومستكبر: أي مستعظم في نفسه، وهو الذي يتعاظم ويستنكف أن يتعلَّم العلم، والاستكبار والتكبُّر هو التعظُّم، وللعلم آفات، فأعظمها الاستنكاف، وثمرته الجهل والذلة في الدنيا والآخرة."
ذ. ترك الخجل في طلب العلم: فمن خلال التبويب السابق، بيَّن البخاري خطورة الحياء (أي الخجل)، وهو مذموم في طلب العلم، وأورد فيه قول مجاهد السابق، وقول عائشة رضي الله عنها: "نعم النساء نساء الأنصار، ... ،" وحديث أم سلمة رضي الله عنها "جاءت أم سليم إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحْيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي : "إذا رأت الماء، فغطت أم سلمة -تعني وجهها- وقالت يا رسول الله: وتحتلم المرأة؟ قال: نعم، تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها." قال ابن حجر: "قد تقدم أن الحياء من الإيمان، وهو الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر، وهو محمود، وأما ما يقع سبباً لترك أمر شرعي فهو مذموم، وليس بحياء شرعي، وهو المراد بقول مجاهد، وكأنه أراد تحريض المتعلمين على ترك العجز والتكبر لما يؤثر كل منهما من النقص في التعليم."
ر. الجمع بين الحفظ والفهم: أشار البخاري في باب "حفظ العلم"، وباب "الفهم في العلم"، إلى أن العلم يتطلب الحفظ كما يتطلب الفهم.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty رد: ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح"

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس أكتوبر 20, 2011 8:57 am

خامساً: طرق التعليم عند الإمام البخاري وأدواته وأساليبه
1. طرق التعليم وأدواته:
أورد الإمام البخاري في كتاب "العلم" أربع طرق تعليمية لرواية الحديث وهي: السماع، والقراءة والعرض، والمناولة، والمكاتبة. وتفصيلها على النحو الآتي:
أ. طريقة "السماع" فقد أوردها عَرَضاً لأنها الطريقة الأشهر، والأكثر تداولاً. وهذه الطرق تُسمى عند المحدثين بـ"طرق التحُّمل"، وهي طرائق تربوية أوجدها المحدثون في رواية الحديث لنقل الحديث من الشيخ إلى التلميذ.
قال القاضي: "واعلم أن طريق النقل، ووجوه الأخذ، وأصول الرواية على أنواع كثيرة" ثم أورد ثمانية أنواع لها، مبتدئاً بالسماع من لفظ الشيخ، فقال: "وهو منقسم إلى إملاء أو تحديث، وسواء كان من حفظه- أي الشيخ- أو القراءة من كتابه، وهو أرفع درجات أنواع الرواية عند الأكثرين." وصورتها: أن الشيخ يملي أو يقرأ أحاديثه ومروياته على التلاميذ سواء من حفظه أو من كتابه.
ب. القراءة على الشيخ: قال القاضي عياض: "سواء كنت أنت القارئ أو غيرك وأنت تسمع، أو قرأت في كتاب أو من حِفْظ، أو كان الشيخ يحفظ ما يُقرأ عليه، أو يمسك أصله –أي كتابه- وأكثر المحدثين يسمونه "عرضاً" لأن القارئ يعرض ما يقرؤه على الشيخ كما يعرض القرآن على إمامه." وصورتها على عكس طريقة السماع؛ إذ التلميذ هو الذي يقرأ مرويات الشيخ، والشيخ يتابع قراءته.
وفي (الباب السادس) ذكر البخاري ما جاء في العلم، أي؛ في طرقه: القراءة والعرض على المحدث، واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبة؛ قال للنبي : "آلله أمرك أن تصلي الصلوات؟ قال: نعم." فهذه قراءة على النبي ، أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه. ثم نقل أقوال العلماء في جوازها، ونقل عن مالك وسفيان أنها مساوية للسماع بقولهما: "القراءة على العالم وقراءته سواء"، ثم ساق بإسناده المتصل حديث ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه.
ت. المناولة: قال القاضي عياض وهي على أنواع: "أرفعها أن يدفع الشيخ كتابه الذي رواه أو نسخة منه وقد صححها، أو أحاديث من حديثه وقد انتخبها وكتبها بخطه، أو كتبت عنه فعرفها، فيقول للطالب هذه روايتي فاروِها عني ويدفعها إليه." وقد ذكرها البخاري في (الباب السابع) "ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان"، وأورد فيه قول أنس رضي الله عنه: "نسخ عثمان رضي الله عنه المصاحف فبعث بها إلى الآفاق"، ونقل أقوال بعض أهل العلم على جوازها، واحتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي ؛ إذ كتب لأمير السرية كتاباً وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي .
ث. المكاتبة: "وهي أن يسأل الطالب الشيخ أن يكتب له شيئاً من حديثه، أو يبدأ الشيخ بكتاب ذلك مفيداً للطالب بحضرته أو من بلد آخر."
واستدل البخاري على المكاتبة بما كتبه النبي  إلى الملوك في زمانه. كما ناقش الإمام البخاري صيغ الأداء عند المحدثين، فجعل (الباب الرابع) بعنوان: "قول المحدث "حدثنا" أو "أخبرنا" و"أنبأنا"." فهل هذا يعني أنها سواء أم أن بينها فرقاً، على رأي بعض المحدثين؟ ولعل البخاري قد اختار أنَّها سواء، فقد نقل عن الحميدي: كان عند ابن عيينة "حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت واحداً "، ثم أورد عدداً من الأحاديث وفيها استعمال هذه الصيغ.
ومن خلال ما سبق، يتبين لنا عمق الفكر التربوي عند المحدِّثين، ودقة النقل والضبط عندهم من خلال طرق التحمُّل التي وضعوها، ودقيق ملحظ الإمام البخاري؛ إذ أثبت مشروعية هذه الطرق من السنة النبوية.
2. الأساليب التعليمية:
قبل الخوض في الأساليب التعليمية التي اعتنى بها الإمام البخاري في كتاب العلم، نبين اهتمام البخاري بالبيئة التعلمية الناجحة، التي تحقق وصول الرسالة العلمية من المعلم إلى المتعلم، وكيفية إزالة العوائق التي تحول دون وصولها ومنها:
أ. رفع الصوت بالرسالة العلمية عند الحاجة إلى ذلك لتأكد وصولها إلى المتعلم: وقد أوضحها البخاري في (الباب الثالث) "من رفع صوته بالعلم"، وساق فيه حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما "تخلف عنا النبي  في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته "ويل للأعقاب من النار" مرتين أو ثلاثاً." قال ابن حجر: "وإنما يتم الاستدلال بذلك حيث تدعو الحاجة إليه لبُعد أو كثرة جمع أو غير ذلك."
ب. عدم إيقاع الملل على المتعلم: وتحدّث عنه البخاري في (الباب الحادي عشر): "ما كان النبي  يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفِروا"، وأورد فيه حديث ابن مسعود رضي الله عنه "كان النبي  يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا." قال ابن حجر: "ويستفاد من الحديث استحباب ترك المداومة في الجِدّ في العمل الصالح خشية الملال، وإن كانت المواظبة مطلوبة لكنها على قسمين: إما كل يوم مع عدم التكلّف، وإما يوماً بعد يوم، فيكون يوم الترك لأجل الراحة ليقبل على الثاني بنشاط، وإما يوماً في الجمعة، ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط الحاجة مع مراعاة وجود النشاط."
ت. تكرار الحديث لإيصال الرسالة العلمية: ونوّه بها البخاري في (الباب الثلاثين): "من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه" فقال: "ألا وقول الزور" فما زال يكررها، وقال ابن عمر: قال النبي  "هل بلغتُ" ثلاثاً. وأورد في هذا الباب حديث أنس رضي الله عنه "أنه كان إذا سلّم سلّم ثلاثاً، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً." وإنما كان يكرر الكلام والسلام إذا خشي أن لا يفهم عنه، أو لا يسمع كلامه، أو أراد الإبلاغ في التعليم، والزجر في الموعظة. فلا عيب على المتعلم الذي لا يحفظ من مرة إذا استعاد، ولا عذر للعالم إذا لم يُعد، بل الإعادة عليه آكد من الابتداء.
ث. الجو العلمي الهادئ لتحقيق الإنصات للمعلم: تحدّث البخاري في هذه المسألة في (الباب الثالث والأربعين) تحت عنوان: "الإنصات للعلماء"، وأورد فيه حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه في حجة الوداع، وفيه قول النبي : "استنصت الناس فقال لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض." فاستنصات الناس يؤدي إلى حسن وصول الرسالة التعليمية للمتعلم.
ثمة أساليب تعليمية عديدة ذكرها البخاري في كتاب العلم، من أهمها:
أ‌. أسلوب الاختبار لما عند الطلاب من علم عن طريق الحوار والنقاش: فقد عنون البخاري (الباب الخامس) بـ: "طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم"، وأورد فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي  "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ..." قال ابن حجر: "فيه امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفي مع بيانه لهم إن لم يفهموه." وفيه استعمال اللغز العلمي لتحفيز أذهان الطلبة، وأن الـمُلْغِز له ينبغي أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، وأن الـمُلْغِز ينبغي له أن لا يبالغ له في التعمية بحيث لا يجعل للمُلْغَز باباً يدخل منه، بل كلما قرَّبه كان أوقع في نفس سامعه."
ب‌. أسلوب التدرج في التعليم: ذكر البخاري في (الباب العاشر) "العلم قبل القول والعمل" ويقال الرباني: (الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره). وبهذا يكون الإمام البخاري قد سبق كبار المفكرين التربويين في ذلك، ومنهم ابن خلدون الذي نادى بالتدرج في التعليم. وهو لا يختلف في فكره التربوي عما تنادي به التربية الحديثة، من حيث كيفية التعامل مع المتعلمين، وأن يبدأ المعلم بالتدرج مع تلاميذه بالبسيط الذي تستطيع عقولهم تقبله، وبما يتناسب مع استعداداتهم وقدراتهم العقلية. قال ابن حجر: "تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج، لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلاً حبَّب إلى من يدخل فيه وتلقّاه بانبساط، وكانت عاقبته غالباً الازدياد، بخلاف ضده."
ت. استعمال لغة الجسد لإيصال الرسالة التعليمية: وقد أشار البخاري إلى هذه المسألة في (الباب الرابع والعشرين): "من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس"، وأورد فيه أحاديث عديدة، منها حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي  سئل في حجته فقال: ذبحت قبل أن أرمي؟ فأومأ بيده قال: "ولا حرج" قال: حلقت قبل أن أذبح؟ فأومأ بيده: "ولا حرج."
ث. أسلوب الغضب في التعليم عند الحاجة إليه: خصّص البخاري (الباب الثامن والعشرين) للحديث عن: "الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره"، وأورد فيه عدداً من الأحاديث؛ منها حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال رجل: يا رسول الله، لا أكاد أدرك الصلاة مما يطّول بنا فلان، فما رأيت النبي  في موعظة أشد غضباً من يومئذ، فقال: "أيها الناس، إنكم منفرون، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة." قال ابن حجر: "والمعلم إذا أنكر على من يتعلم منه سوء فهم ونحوه قد يكون أدعى للقبول منه، وليس ذلك لازماً في حق كل أحد، بل يختلف باختلاف أحوال المتعلمين."
ج. فتح باب الحوار العلمي: جعل البخاري (الباب السادس والثلاثين) بعنوان: "من سمع شيئاً فراجع حتى يعرفه"، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي  قال: "من حوسب عذب... ."
ح. أسلوب الإفاضة والتوسع في العلم: أورد البخاري في (الباب الثالث والخمسين): "من أجاب السائل بأكثر مما سأله"، حديث ابن عمر رضي الله عنهما "أن رجلاً سأل النبي : ما يلبس الـمُحرِم؟ ..."
سادساً: البعد الزماني والمكاني للتعليم عند الإمام البخاري
1. البعد الزماني:
أورد الإمام البخاري في كتاب "العلم" أوقات التعليم مبيناً أثرها على المتعلم وهي:
أ. تخصيص أيام معلومة من الأسبوع: ورد الحديث عنه في (الباب الثاني عشر)؛ "من جعل لأهل العلم أياماً معلومة"، وروى بسنده عن أبي وائل قال: كان عبد الله –أي ابن مسعود- يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُملَّكم، وأني أتخولّكم بالموعظة كما كان النبي  يتخولنا بها، مخافة السآمة علينا. وكأن ابن مسعود رضي الله عنه وضع جدولاً دراسياً لتلاميذه، وهو درس أسبوعي حتى لا يقع الملل عليهم، ولم يلتفت إلى من طلب أن يكون الدرس يومياً، وكما سبق أن ذكر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وضابطه الحاجة مع مراعاة وجود النشاط.
ب. تخصيص يوم لتعليم النساء: خصّص له البخاري (الباب الخامس والثلاثين): "هل يُجعل للنساء يوم على حدة في العلم"؟ وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه: "قالت النساء للنبي  غَلَبَنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجاباً." ويكشف الحديث عن حرص الصحابيات على العلم، وحرص النبي  على تعليمهن، فلذلك استجاب لطلبهن وخصّص لهن يوماً.
ت. التعليم بالليل: ذكر البخاري في (الباب الأربعين): "العلم والعظة بالليل"، حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: استيقظ النبي  ذات ليلة فقال: "سبحان الله ماذا أُنـزل الليلة من الفتن، وماذا فتح من الخزائن، أيقظوا صواحبات الحجر، فربَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة." وهذا فيه تعليم العلم بعد الاستيقاظ من النوم. وأما التعليم قبل النوم فذكره البخاري في (الباب الحادي والأربعين)؛ "السّمر في العلم –وهو الحديث قبل النوم-" وأورد فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: صلى بنا النبي  العشاء في آخر حياته، فلما سلَّم قام فقال: "أرأيتم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد." وكأن البخاري يشير إلى ديمومة التعليم طوال اليوم، فإذا كان العلم في وقت الليل جائزاً ففي الأوقات الأخرى من باب أولى، مع مراعاة ما سبق من عدم وقوع الملل.
ث. أوقات خاصة ببعض الحالات: خصّص البخاري للحديث عن هذه المسألة، "باب التناوب في العلم" وأورد في (الباب السابع والعشرين) حديث عمر رضي الله عنه قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد –وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النـزول على رسول الله ، ينـزل يوماً وأنـزل يوماً، فإذا نـزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نـزل فعل مثل ذلك، فنـزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فضرب بابي ضرباً شديداً، فقال: أثَمَّ هو؟ ففزعت فخرجت إليه، فقال: قد حدث أمر عظيم. قال فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت: طلقكن رسول الله ؟ قالت: لا أدري، ثم دخلت على النبي  فقلت -وأنا قائم- أطلقت نساءك؟ قال: "لا، فقلت الله أكبر." قال ابن حجر: "وفيه أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه ليستعين على طلب العلم وغيره، مع أخذه بالحزم في السؤال عما يفوته يوم غيبته، لما علم من حال عمر أنه كان يتعاطى التجارة."
2. البعد المكاني (التعليم في المسجد):
وذكر البخاري هذه المسألة في (الباب الثاني والخمسين) "باب: ذكر العلم والفتيا في المسجد"، وأورد فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً قام في المسجد فقال: يا رسول الله، من أين تأمرنا أن نُهلَّ؟ فقال رسول الله : "يهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهلّ أهل الشام من الجحفة، ويهلّ أهل نجد من قرن" وقال ابن عمر ويزعمون أن رسول الله  قال: "ويهلّ أهل اليمن من يلملم." قال ابن حجر: "أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من توقَّف فيه –أي جعل المسجد مكاناً للتعليم- لما يقع فيه من المباحثة من رفع الأصوات، فنبَّه على الجواز."
وعن كيفية التعليم في المسجد بيّن البخاري في (الباب الثامن) من مسألة "من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها"، أن ذلك يكون على هيئة حلقة تعليمية.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty رد: ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح"

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس أكتوبر 20, 2011 8:58 am

سابعاً: آراء الإمام البخاري في بعض القضايا التربوية، ومصطلحاته ومفاهيمه التربوية الخاصة
1. تعليم المرأة:
تناول الإمام البخاري موضوع تعليم المرأة في أكثر من موضع من كتاب "العلم" وفي جوانب مختلفة، على النحو الآتي:
أ. ترتيب الأجر على تعليم المرأة: وهو ما ورد الحديث عنه في الباب (الحادي والثلاثين)؛ باب: تعليم الرجل أمَتَه وأهله، وأورد البخاري فيه حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال النبي : "ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد ، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أَمَة فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها وأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران." قال ابن حجر: "مطابقة الحديث للترجمة في الأَمَة بالنص، وفي الأهل بالقياس؛ إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسنن رسوله آكد من الاعتناء بالإماء." وهذا موافق لما ذكرناه من فلسفة التربية وأهدافها عند الإمام البخاري، وأنه لتحقيق العبودية لله تعالى، فلذلك رتب الشارع الحكيم الأجر على التعليم.
ب. تعليم المرأة من المسؤوليات العامة: فبعد الباب السابق أورد البخاري في (الباب الثاني والثلاثين) "عظة النساء وتعليمهن"، وذكر فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله  خرج ومعه بلال، فظن أنه لم يسمع -أي النساء-، فوعظهن وأمرهن بالصدقة." قال ابن حجر: "نبَّه –أي البخاري- بهذه الترجمة على أن ما سبق من الندب إلى تعليم الأهل ليس مختصاً بأهلهن، بل ذلك مندوب للإمام الأعظم ومن ينوب عنه."
ت. تخصيص يوم لتعليم النساء: ذكر البخاري هذه المسألة في (الباب السادس والثلاثين)؛ "هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم"؟ وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه "قالت النساء للنبي  غلبنا عليك الرجال، ... ."
ث. حق المرأة في الحوار العلمي: وهو ما تحدّث عنه البخاري في (الباب السادس والثلاثين) "من سمع شيئاً فراجع حتى يعرفه". وأورد فيه حديث عائشة أنها كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت حتى تعرفه، وأن النبي  قال: "من حوسب عذب....الحديث"
ج. الحياء لا يمنع المرأة من العلم: أورد البخاري في "باب: الحياء في العلم"، وهو (الباب الخمسون)، قول عائشة رضي الله عنها "نعم النساء نساء الأنصار ... الحديث،" وحديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: "جاءت أم سليم إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، ... الحديث."
2. مراحل التعليم:
أ. تعليم الصغار:
خصص البخاري (الباب الثامن عشر) للحديث عن "متى يصح سماع الصغير"؟ وأورد فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أقبلت راكباً على حمار أتان –أنثى الحمار- وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله  يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليّ." وأورد فيه حديث محمود بن الربيع رضي الله عنه قال: "عقلت من النبي  مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين."
فالبخاري يرى أن الصغير متى كان فاهماً فهو أهل للتعليم، قال ابن حجر: "وليس في الحديث ولا في تبويب البخاري ما يدل عليه –أي التحديد بخمس سنوات- بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم. والظاهر أنهم أرادوا بتحديد الخمس أنها مظنة ذلك، لا أن بلوغها شرط لذلك" وهذا أمر تراعى فيه الفروق الفردية، فربَّ بليد الطبع غبي الفطرة لا يضبط شيئاً فوق هذا السن، ونبيل الجبلّة ذكي القريحة يعقل دون هذا السن.
ب. تعليم الكبار:
أشار البخاري إلى موضوع تعليم الكبار عرضاً في ثنايا (الباب الخامس عشر)؛ "الاغتباط في العلم والحكمة"؛ إذ أورد قول عمر رضي الله عنه تفقهوا قبل أن تسودوا. قال أبو عبد الله –أي البخاري-: (وبعد أن تسودوا) و"قد تعلم أصحاب النبي  في كبر سنهم."
وإيراد البخاري هذه المقولة من باب الاغتباط بالعلم والحكمة، بعد قول عمر رضي الله عنه؛ إذ يدل على حثه للكبار بتحصيل العلم، وأن لا يكون كبر السن مانعاً لطلب العلم، فإنه سيحصل على الغبطة والسيادة المذكورتين، وهذا ما حصل للصحابة رضوان الله عليهم.
3. كتابة الحديث النبوي:
بين البخاري رأيه في موضوع كتابة الحديث النبوي، وأن ذلك وقع في زمن النبي ، مما يدل على مشروعيته ويضعِّف رأي من قال بكراهيته، أو نهي النبي  عنه، مما فتح المجال للطاعنين بالسنة النبوية محتجين بأن السنة النبوية لم يكتب شيء منها إلا بعد قرن من وفاة النبي . والأدلة التي ساقها البخاري تحسم هذه المسألة، فقد ذكرها في (الباب التاسع والثلاثين)؛ "كتابة العلم" وساق فيه أربعة أحاديث.
- حديث علي رضي الله عنه عندما سئل: "هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة."
- حديث أبي هريرة رضي الله عنه في فتح مكة وفيه: "فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال: اكتبوا لأبي فلان."
- حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "ما من أصحاب النبي  أحد أكثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب."
- حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما اشتد بالنبي  وجعه قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده" قال عمر: إن النبي  غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا."
قال ابن حجر: "قدَّم حديثَ عَلِيٍّ أنه كتب عن النبي  ويطرقه احتمال أن يكون إنما كتب ذلك بعد النبي ، ولم يبلغه النهي، وثنّى بحديث أبي هريرة وهو بعد النهي فيكون ناسخاً، وثلّث بحديث عبد الله بن عمرو، وفي بعض طرقه إذن النبي  في ذلك، فهو أقوى في الاستدلال، وختم بحديث ابن عباس الدال على أنه  همَّ أن يكتب لأمته كتاباً يحصل معه الأمن من الاختلاف، وهو لا يهّم إلا بحق."
4. المصطلحات والمفاهيم التربوية الخاصة بالإمام البخاري:
استعمل الإمام البخاري عدداً من المصطلحات والمفاهيم التربوية التي لم يُسبق إليها، مما يدل على أصالة فكره التربوي وعمقه، ومن أهمها:
أ. العلم قبل القول والعمل: وهو ما جعله عنواناً (للباب العاشر). فكثير ممن كتب في الفكر التربوي الإسلامي يؤكد تميز التربية الإسلامية عن غيرها بكونها تربية عملية. ومع إقرارنا بهذا التميز، إلا أن ذلك قد يؤدي ببعضهم إلى الظن بأن الفكر التربوي الإسلامي قد أهمل الجانب العلمي، مما يكون سبباً للطعن فيه. فمن خلال الشعار الذي رفعه الإمام البخاري "العلم قبل القول والعمل" ندرك أن الأساس هو العلم، والعمل ثمرة له، فلا عمل مقبولاً بغير علم صحيح، فقد يجتهد العامل في عمله التعبدي ولكنه مردود عليه ولا يُعتدُّ به، لأنه قائم على جهل، فما عُبِد الله تعالى بأفضل من العلم، الذي ينتج عملاً يستضيء بنور العلم.
ب. الاغتباط العلمي: وورد ذكره عند البخاري في (الباب الخامس عشر)؛ "الاغتباط في العلم والحكمة"، وهو بهذا المصطلح يؤكد مفهوم التنافس العلمي الشريف. فالمتعلم إذا علم أنه سيغبط بسبب علمه قوّى ذلك دافعيته للعلم، وحصل له التحفيز الذاتي للتعلّم.
ت. التحريض العلمي: فقد جاء البخاريّ على ذكره في (الباب الخامس والعشرين) في معرض تحريض النبي  وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وراءهم. والتحريض: شدة الطلب مع التأكيد عليه، وهو في جانبين: تحصيل العلم، وتبليغ العلم.
ث. التناوب في العلم: ذُكر في (الباب السابع والعشرين)؛ وأورد فيه البخاري قصة تناوب عمر رضي الله عنه مع جاره الأنصاري في طلب العلم على يد رسول الله .
ج. الغضب في التعليم: وقد ذكره البخاري في (الباب الثامن والعشرين)، بقوله: "الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأي ما يكره".
ونلحظ أن هذه المفاهيم والمصطلحات إنما استقاها البخاري من النصوص الشرعية؛ إما نصاً أو استنباطاً، وهي تضع بعض أسس العملية التربوية ببيان غاية التعليم، وهو العمل المبني على العلم، وتحفيز دافعية المتعلم من خلال الحرص والتحريض على العلم، وأثر العلم في صاحبه بتحقيق الغبطة له، ودور المربي في توجيه المتعلم.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty رد: ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح"

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس أكتوبر 20, 2011 9:00 am

خاتمة:
تبيّن لنا من النظر في الفكر التربوي للإمام البخاري كما عرضه هذا البحث، قدرة البخاري رحمه الهظ على الغوص في عمق التجربة التربوية، والتأسيس لركائزها الإسلامية، نظراً وتطبيقاً. فقد استوفى الإمام البخاري في "كتاب العلم" من كتابه "الجامع الصحيح" دقائق القضايا التربوية التي تشغل الباحثين التربويين المعاصرين، وتستأثر باهتماماتهم، وأصّل لها وفق قواعد منضبطة، ومنهجيات محكمة. وقد أغنى شرّاحُ الحديث النبوي نظرات البخاري التربويّة، وكشفوا عن شواردها كما فعل ابن حجر العسقلاني في شرحه لكتاب الجامع الصحيح.
وبهذا يستطيع الناظر في "كتاب العلم" أن يستخلص آفاقاً تربوية مما يتصل بالأهداف والغايات، والوسائل والأدوات، وصفات العالم والمتعلّم، مما يُعد جماع العملية التربوية. وخلص البحث إلى ضرورة إيلاء الجهود التربوية الإسلامية، العناية الكافية والضرورية، للكشف عن جهود الفقهاء والمحدّثين في التأصيل للنظرية التربوية الإسلامية كما تتجلّى في السّنة النبوية.

علي ابراهيم سعود العجين




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

ملامح الفكر التربوي عند الإمام البخاري: قراءة تحليلية لكتاب "العلم" من "الجامع الصحيح" Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى