شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

في الإقتصاد

صفحة 1 من اصل 4 1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:24 pm

مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه.
كنت كتبت فصول هذا الكتاب منذ أكثر من ثنتي عشرة سنة، لم نستطع نشره لما عاقت عوائق السلطان. أبينا أن ننسلك في نظام "دين الانقياد"، وأن نثلث شهادة أن لا إله إلا الله رب العباد، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا والعماد.
فرقد المخطوط في درجه إلى أن رجعت إليه اليوم لأجد أن مضمونه لا يزال يقظا وإن تقادمت بعض الإحصائيات، وإن أصبح المذهب الاشتراكي والعالم الشيوعي الذي شغل عند الكتابة حيزا من الاهتمام في خبر كان.
لأهل الاختصاص أن يكتبوا عن الاقتصاد من جانب الأرقام والكم والتحولات والموازنات، وهم في سعة ليزعموا أن علم الاقتصاد علم مضبوط أو يكاد. وتتقلب النظريات، ويخضع الكم وتخضع الأرقام لضرورات الوقت، وأجواء المصالح، ورياح التغير، وكبسات التجارة العالمية ونكساتها. لا سيما والظاهرة التي ميزت العقد الأخير من السنين هي تسوق العالم وعالمية السوق. أصبح العالم وما يضطرب في العالم يحيي حياة سوقية ويتحرك حركة طبعها طبع السوق، وحسابها حساب السوق، وبواعثها بواعث السوق، وضوابطها ضوابط السوق. إن كانت السوق يوما تنضبط بشيء غير حساب المصالح الأنانية، وفرصة يغتنمها الأقوى الأدهى الأغنى ليبتز حق الأضعف الأفقر.
ما كانت نيتي أن أزاحم أهل الاختصاص، وأنى لي!
إن كتبت عن بواعث الإيمان وضوابط الشرع فيما يخص الاقتصاد فلست مغترا أن يتحول السوق عن طبعه يوما، ولا أن يصبح أهل السوق وقد تخلقوا بأخلاق الإيثار والرحمة وإيتاء الفقير واليتيم والمعذب في الأرض. لا ينتظر من عالم السوق، من العالم السوق، أن تزوره نخوة الكرم أو تغشاه المروءة أو يتحمله الإيمان وهو تقمصته روح الجاهلية واقتعد في سدته الدولار.
لكن الحكم الإسلامي، وهو حقيقة الغد في حساب السياسة، ووعد الوحي، ومطمح الأمة، لابد أن يسهم المومنون في إنارة طريقه كيلا يحيد اقتصاد الدولة الإسلامية عن سكة الشريعة، أو تتبطنه الروح الخبيثة روح الاستكبار والإفساد في الأرض.
أعود بعد أكثر من ثنتي عشرة سنة لأضيف إلى الفصول الراقدة خاتمة تتبصر في أحوال الدنيا وأهلها بعد الأحداث الحافلة التي راجت وماجت.
ولتتأمل ما صنع الله في خلق الله من خلال التأمل في البلاء النازل بالعباد. ولتسأل عن مسلك المؤمنين، وسياسة المومنين، وتطلع المؤمنين، وهم غدا حاملون الأعباء، وجائلون في الأرجاء.
عم يتمخض هذا الاهتزاز الزلزالي المتسارع رأي العين؟ أستغفر الله! بل كيف يستمطر المومنون رحمة الله ونصر الله والمقادير تعصف بالناس؟
على أي مستوى يتدافع المومنون في معمعة السياسة والاقتصاد مع قوى الاستكبار والإفساد في الأرض؟
ما هي رؤية الإسلاميين لحاضر متلبد الغيوم، ومستقبل يتوجس منه خيفة أعداء الإسلام وخصومه، ويستبشر به أهل الإيمان؟


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:25 pm

الفصل1: التخلف
ما هو التخلف ؟
المخلفون من الأعراب
نمو التخلف
تعبئة وجهاد
نموذجهم أصل البلاء


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:25 pm

ما هو التخلف ؟
أنت متخلف بالنسبة لمن تقدمك. فالتخلف صفة اعتبارية يتصف بها أحد طرفي المقارنة. وتطلق الكلمة في عصرنا على الشعوب والدول غير المصنعة إذا قورنت بالدول والشعوب التي سبقت إلى التصنيع. التخلف والتقدم مقياس وضعه الغربيون، فيعرفون أنفسهم بأنهم المتقدمون ومن سار على شاكلتهم، وكأنهم ركب الإنسانية الممثلون لها، لا حضارة إلا حضارتهم، ولا نجاة إلا في اقتباس نموذجهم وتقليده، والسير على آثارهم.
وبما أن الدولة المصنعة غنية، فغناها حجة في ميزان المادية على أن الفقر تخلف. بما أنها سيدة العلوم التجريبية والتقنية، فالدول التي لا تتقن ذلك دول متخلفة.
بما أنها مصنعة تنتج الأسلحة والصواريخ، فالدول العزلاء متخلفة.
بما أنها تتمتع باقتصاد منظم، بضائعها رائجة مطلوبة، وأسواق العالم أمامها مفتوحة، فالدول التي لا تنتج وتغرق في الديون، وتبيع موادها الخام بالثمن البخس، وتدفع الثمن الباهظ في اقتناء حاجاتها دول متخلفة.
بما أنها تتمتع بأنظمة سياسية مستقرة، ديمقراطية لبرالية أو عمالية أو اشتراكية أو شيوعية، فالدول غير المستقرة التي تحكمها العشائر التقليدية، أو الانقلابات العسكرية، أو الاستبداد الفردي دول متخلفة.
بما أنها تجمع أسباب القوة في كل هذه الاعتبارات، فالشعوب الضعيفة من هذه الجوانب السياسية الاقتصادية الاجتماعية العلمية التقنية الصناعية العسكرية شعوب متخلفة.
هذه اعتبارات مادية واقعية تخضع للأرقام، ويبرزها الحساب، ويحكم بسدادها العقل. ولا جدال في أن هذا التقدم المادي التنظيمي العلمي معيار صحيح صالح لقياس الشعوب والدول من حيث قدرتها على الوجود، وأحقيتها في البقاء في عالم مبني على التدافع بين الخلق، فلا مكان فيه للشعوب الجاهلة المريضة الفقيرة الضعيفة المفككة.
المعيار المادي هذا صالح لمعرفة الأمم المؤهلة لقيادة العالم من الأمم المؤهلة لتبقى مهينة مغلوبة، صالح لتمييز الأمم الحية من الأمم الميتة كما يميز الطبيب الجسم السليم من الجثة الهامدة بقياس تماسك الهيكل العظمي، وشدة العضلات، واتزان الأعصاب، وحيوية المخ، وسلامة القلب، ونشاط الدورة الدموية، وانتظام وظائف الأعضاء الداخلية والظاهرة، وتناسق الكل وكفاءته.
هذا المعيار المادي لا بديل له لمقارنة جسمنا وجسمهم، حسنا وحسهم، عددنا وعددهم، أموالنا وأموالهم، مدارسنا ومدارسهم، نظامنا ونظامهم، علومنا الكونية وعلومهم، مهارتنا ومهارتهم، منتوجاتنا ومنتوجاتهم، اقتصادنا واقتصادهم، أرقامنا وأرقامهم. كل ما هو مشترك بين كافة البشر من هذه المقومات المادية لا يمكن أن يقاس إلا بهذا المعيار المشترك.
فنحن الشعوب المسلمة، الأمة المسلمة، الدول المفتونة، متخلفون جدا على هذا السلم. ومن البؤس التاريخي أن لا نعترف لأنفسنا بذلك، وأن لا نصرخ به ملء حناجرنا، وأن نموه على أنفسنا بالمسليات القومية التي تغني الأمجاد الماضية الحقيقية، أو الأوهام الحاضرة لتنسي واقعنا المتخلف.
نعم سيدي أعزك الله !
ويصبح المعيار المادي للتقدم والتخلف آلة تضليل إن زعم الزاعم استعماله لقياس ما لا يقع تحت عنوانه، ولا يستقيم ببرهانه.
إنما أتينا من تضليل الدعاية الجاهلية التي تحصر التقدم، كل التقدم، في المظاهر المادية التنظيمية الاختراعية. أقصد بالدعاية الغزو الحضاري الشامل بما فيه من الغزو العسكري والاستعماري الفعلي والمسخ الثقافي. بمعيار واحد تقاس كل المقومات : الشخصية الجاهلية شخصية متقدمة رغم كفرها وأنانيتها وقسوتها واحتقارها للإنسانية. الشخصية الإسلامية متخلفة رغم أنها، بل بسبب أنها، تنبني على الإيمان بالله ورسوله وغيبه، ورغم أنها، بل بسبب أنها، ترتكز على الأخلاق الفاضلة والأخوة الإنسانية. بمعيار واحد يقال للدين والفضيلة والأخوة تخلف، ولكل ما يناقض ذلك تقدم.
جمع التعريف تحت كلمة "تخلف" كل نواحي وجود الإنسان المغلوب حضاريا : نمطه في التفكير مع قلة خبرته العلمية، عقيدته مع عدم جدواه في الاقتصاد، أخلاقه مع انهزامه أمام الاستعمار. وبكلمة "تقدم" ترتبط معاني النفعية الفردية الأنانية بالخبرة الصانعة، ومعاني الكفر بالله بالازدهار الاقتصادي، وشراسة الاستعمار بالقوة. يؤخذ ذلك كله فتكون متقدما، أو يترك كله فذلك التخلف.
لا يكون النظام السياسي مستقرا إلا بعلمانية، ولا الاقتصاد ناجحا إلا بمراباة واحتكار، ولا المجتمع راقيا إلا إن سادته قيم النموذج الغربي اللبرالي والاشتراكي.
يصور معيار التخلف والتقدم التطور التاريخي الذي أدى بالأمم الأوربية إلى أن تتعلم الفنون، وتجمع رأس المال، وتتصنع، وتستقر على النظام الديمقراطي الرأسمالي، ثم الطبقي الاشتراكي، على أنه التطور الحتمي المرغوب فيه، ويصور مستقبل الإنسانية على صورة ماضي أوروبا، ويزعم أن نموذج ذلك التطور عالمي علمي لا بديل له، فكل أمة تسعى لتتعلم الفنون لابد لها من تبني عقلانية تؤله العقل وتكفر بما عداه.
وكل أمة تريد أن تجمع رأس المال لا محيد لها عن تكييف قوانينها بما يناسب حرية الملكية الفردية اللبرالية أو الملكية الجماعية الاشتراكية. وكل أمة تريد أن تتصنع لا بدلها من أدوات إنتاج وقوى إنتاج وعلاقات إنتاج على غرار ما سبقت إليه أوربا الرائدة. وكل مجتمع يريد أن يرقى في سلم الحضارة ويتقدم في حلبة المباراة لابد أن يقتبس من الحضارة الأستاذة نظام الحكم والسلوك والعادات والتربية والفنون، والكفر بالله وباليوم الآخر أول شيء.
لا ينفصل بعض ذلك عن بعض.
لا تسأل عن الغاية من هذه المسيرة التاريخية والتطور الحتمي على درب التنمية الاقتصادية، والتقدم الصناعي، والابتكار العلمي. فإن السؤال عن الغاية، وعن أسرار الوجود من علامات التخلف والرجعية التي تنم عن عقلية غير صالحة لمجاراة العصر واللحاق بالركب الحضاري.
ركب إلى أين ؟ تقدم نحو أية هاوية ؟
على حافة حرب نووية تدمر العالم يقف الركب الإنساني، المستكبرون والضعفاء، الأغنياء والفقراء، الدول المصنعة وغير المصنعة، الشعوب المتطورة والبدائية، مستفهما عن مصير الإنسان. يقف الركب الإنساني متسائلا أين المفر ؟ عقلاء الإنسانية يقفون ويستفهمون ويتساءلون. أما الحركة الدائبة، يد الله التي تدفع الكل إلى قدر يعلمه سبحانه، فإنها لا تقف.
ولا يليق بأمة الإسلام ودولة القرآن أن تعاني التخلف مرضا في جسمها، ولا أن تبحث عن التقدم الوارد من غيرها، معاناة العاجز وبحث البليد. بل يليق بها أنها تقيس هي ولا تقاس، وأن تبسط على نفسها وعلى العالمين معايير الحق والباطل، معايير الإيمان والكفر، لتضع عناصر التقدم والتخلف مواضعها الشرعية، وتحكم من خلال الشرع على كل شائنة خسيسة فينا وفي غيرنا أنها باطل يجب أن يزال، وعلى كل مزية فينا وفي العالم أنها حق يجب أن يثبت.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:25 pm

المخلفون من الأعراب
إن هذه الكلمات الجديدة السارية في لسان العصر، المترجمة إلى العربية، مثل تقدم، تخلف، حضارة، اقتصاد، حرية الخ ألفاظ مشحونة بتيار جذاب. إنها تتجلى للفكر بمجلى الأشياء والمعاني الإيجابية. ولا يزيدها الغموض الذي يصحبها عندما تستعمل في الجدل والنقد والمطالبة إلا قدرة على الإغراء.
وإن من آكد ما يجب على المفكر المسلم أن يتميز بألفاظه في هذا المجال الفكري المشرك، في سوق الخطاب السياسي الحضاري الفكري الذي يعج بهذه المصطلحات المستحدثة التي تجر من ورائها تاريخ بلاد نشأتها، ونكهة تلك الأرض ولونها وروحها.
كنا تركنا تحديد مفاهيم الألفاظ التي نستعملها ليميزها السياق وتؤدي الوظيفة الفكرية التي نختارها لها نحن. ولن يتسع لنا المكان هنا لنرجع إلى كل لفظة نتعقبها، ونحلفها أن تبقى في الحياد إن لم تشهد شهادة الإسلام. نترك السياق والمقاصد العامة من كتابتنا تحدد لها صلاحياتها التي نعطيها. لكن هذه الكلمة "التخلف" التي تمثل مفتاح الفهم لموقعنا من الإعراب، وتمثل اسم المرض الكلي الذي أصاب جسمنا فهددت إصابته كياننا تحتاج أن نزيدها توضيحا، وأن نستفسر عن مفهومها الفكري وعن مدلولها العملي.
كلمات التقدم، والتنمية، والحضارة، والثقافة، والاقتصاد، والحرية الخ تشكل أشباحا متألقة بالأمل في مخيلات المستضعفين والمغلوبين والمقهورين. تشكل ماهيات قائمة بذاتها مستقلة بوجودها في خطابات الجدل السياسي والمطالبة. تسيطر على الفكر المعاصر سيطرة هذا الفكر على واقع العالم. تسير في ظل بنود الإنجازات المادية والقيم المواكبة لها عند المنجزين المسيطرين الغزاة. ومن يجيء يتكلم بقال الله وقال رسول الله يبدو للناس غريبا رجعيا... يبدو متخلفا.
أين صنعت تلك الدبابات التي تجوس خلال الديار ؟ في بلاد الحرية، والتقدم، والحضارة، والديموقراطية والاشتراكية ! هذا هو الجواب، وذلك هو السؤال !
من يملك المصاريف العالمية والأموال، ومن يتحكم في بضائع الدنيا وأسواقها وأثمانها ؟ بلاد الحرية والاشتراكية والتقدم والحضارة !
من يسير سياسة العالم، وينصب الدول ويعزلها، ويوجه قرارات الحرب والسلم، واختيارات الزمان والمكان والأحداث ؟ بلاد التقدم والحرية والاشتراكية والحضارة !
إنما يسمع الناس كلمة المنتج الصانع العالم الغني القوي. ولأم غيره الهبل !
بعبارة أوضح : لن تكون للكلمات القرآنية، والمفاهيم الإسلامية، والمدلولات التي تشير إليها قيمة في معايير العصر المادية إن لم يكن الاقتصاد القوي، والصناعة ذات البأس، والوجود السياسي الموحد للأمة، من وراء الكلمات والمفاهيم والمدلولات.
وبعبارة أوضح، يقول الصديق رضي الله عنه : "ما ترك قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل". وإن مقومات الجهاد المادية، التي تدل كلمة "تخلف" عن غيابها، مطالب ملحة ضرورية واجبة وجوب الجهاد نفسه، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
في انتظار أن تخفق بنود العز الإسلامي على هامة الزمان، نتخذ أسباب القوة ابتداء من تأصيل المفاهيم الإسلامية في معينها : الوحي. وينبغي أن يكون واضحا لدينا، مستقرا في أذهاننا أن شأننا المصيري مرتبط بتمسكنا تمسكا كليا بما هو الحق والهدى والخير والمعروف. فإذا كان شأننا الفكري شتيتا ملفقا أعمى، نجري هنا وراء "تقدم" ومن هناك نقتبس تكنولوجيا، ومن ثم نستورد نظاما على غير منهاج جامع، وانقطاعا عن أصلنا ومناط هدانا وعزنا، فلن يكون شأننا المصيري إلا شأن الأدعياء الهجناء الزنماء.
تتجاور في معجم الألفاظ القرآنية كلمة "الاستخلاف" في الأرض الذي وعد الله به عباده المومنين وكلمة " التخلف " التي تصف الجبناء القاعدين عن الجهاد البخلاء بأموالهم وأنفسهم عنه. في سورة التوبة وسورة الفتح ذكر المتخلفين من الأعراب، يتجلى من آياتهما البينات أن الأعرابية المتخلفة عن الجهاد تقترن بأخلاق النفاق، والتربص، والشك في نصر الله ووعده، والبخل في النفقة، وإيثار الراحة، والاشتغال باللذات والأهل والولد عن الأمر العام، والخوف من العدو ذي البأس الشديد، والتولي عن الله ورسوله وطاعة غيرهما، والتلهف على الغنيمة الباردة.
قال الله عز وجل في حق المخلفين المنافقين الأنانيين الجبناء البخلاء العاجزين : "رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون".
وقال عز من قائل في حق الموعودين بوراثة الأرض " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا. يعبدونني لا يشركون بي شيئا ".
فكل صفة وعمل وخلق وفكر وموقف يلحقنا بالخوالف المطبوع على قلوبهم باطل.
وكل إيمان وصفة وعمل صالح وخلق وفكر وموقف وحركة تؤهلنا للاستخلاف في الأرض حق.
بهذا المعيار نقيس، وإليه نرد، وعنه نصدر. وبه يكون للتخلف معنى زائد على كونه سعيا ضعيفا في الأرض، وللتقدم معنى زائد على كم الإنتاج ووفرة العلوم والصناعة وإحكام النظام السياسي. بالمعيار القرآني الإيماني يكون للتخلف والتقدم مغزى سماوي يعلق الحكم على مبدئهما، ومعادهما، وكلياتهما، وجزئياتهما، بصلاحياتهما الغائية.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:39 pm

نمو التخلف
هناك فجوة هائلة بين الدول المصنعة الغنية المتعلمة الغالبة وبين الدول الفقيرة الجاهلة المغلوبة. وأسباب السباق ووسائله غير متكافئة بين دول يطير بها البحث العلمي والقدرة على تحقيق نتائجه واقعا متحركا وبين أخرى لا تملك إلا رصيدا يزداد إلحاحا من التطلعات الخائبة والمطالبات العاجزة، فهي تزحف على الأرض واهنة.
وتزداد الفجوة انفتاحا والهوة عمقا بين الفريق المهيمن والفريق المغلوب مع الأيام. وهذا ما يسمى بلسان العصر "نمو التخلف". من مصلحة الفريق المصنع الغني القوي أن يبقى الفريق المتخلف في إطار تخلفه لكيلا يفلت من الهيمنة التي تجعل منه سوقا للبضائع الاستهلاكية، وزبونا لشراء الأسلحة المربحة صفقاتها، المدمرة قذائفها للأخضر واليابس. فتحتاج الدول المتخلفة المتناحرة فيما بينها بالوكالة عن أطراف الهيمنة العالمية إلى إعادة بناء ما تهدم، فتعود إلى حاميها ومسلحها تشتري منه وسائل إعادة بناء ما هدمته القذائف.
هناك إلى جانب مصلحة الدول المتطورة عامل داخلي في دول التخلف، وهو قابليتها للبقاء في تخلفها، وعجزها عن التحرر من أسباب الاستبداد، والاضطراب، والظلم الاجتماعي، والبلادة الفكرية، والسلبية في ميادين العلوم، والتنظيم، والإنتاج، والحكم، والإدارة.
ينبغي أن تكون نظرة دولة الإسلام إلى التخلف والنمو وأسبابهما نظرة متكاملة، فلا تشغلنا مراقبة الهيمنة الاستكبارية الخارجية، وعدم تكافئنا معهم في ميادين المساومة، عن مراقبة آليات التخلف الداخلية في مجتمعنا، الكامنة في نفوسنا وعقولنا، الظاهرة في مواقفنا واختياراتنا. لا يشغلنا عتو رأس المال العالمي، وعدوان الشركات المتعددة الجنسية، وإخسار سماسرة الرأسمالية ومفاوضو الدول " الصديقة" الاشتراكية لميزاننا عند البيع والشراء، والعقد السياسي والاقتصادي، و" التعاون " التقني والعسكري، عن استفحال الداء الباطني فإنا إن نشتغل بالصراخ على اللص والشكوى منه لن تنتهي آلامنا. إنما تنتهي إن حصنا المكان وقمنا عليه حراسا أشداء.
إن لنمو التخلف آليات داخلية لا يفيد في تغييرها الصياح على المتلصص، ولا مسالمته، ولا محاربته، ولا إصدار قوانين في الداخل تأمر بهذا وتعاقب على ذلك. إنما يفيد تغير شامل في موقفنا، قومة عامة بها نستعيد زمام أمرنا ونوجه مصيرنا الاقتصادي والعسكري والتاريخي وفق إرادة مستقلة، واعية، منظمة، يساندها الشعب، ويلبي نداءها.
سكن الاستعمار بين ظهرانينا عاديا علينا بخيله ورجله، وجميع أسلحته، حتى وطد بيننا للعش الذي فيه ولد ونشأ وترعرع التخلف. فلما انسحب بجسمه خلف فينا آليات سلبية استمرت في الاشتغال من بعده، مكتفيا بإشارات من بعيد، أو تدخلات مباشرة إن اقتضى الحال، أو بقلب أنظمة الحكم التي لا تحتفظ على تلك الآليات وعلى مقصدها. فلكي تقف عجلة التخلف التي تسحبنا إلى وراء وإلى تحت لابد من إفساد خطة صانع التخلف الخارجي من وجهين : وجه الانقطاع عنه والتحرر منه، ووجه إعادة بناء آليات اجتماعية، سياسية، فكرية، تنظيمية نفسية، لا تعايش للتخلف معها.
ليس التقدم الصناعي، ولا الرخاء الاقتصادي، ولا الكفاءة الفكرية، ولا الاستقرار السياسي ماهيات قائمة بذاتها، وأشياء تبتاع وتلصق بواقع متخلف أو تلبسه كما يلبس الثوب. فمن الحكام على المسلمين من يستورد الخبراء والمصانع الجاهزة والمديرين الأكفاء يزرعهم في البلاد، وينفق كل مدخرات المسلمين في الصفقات الهائلة التي تتحلب لها أفواه الشركات الكبرى والحكومات الغربية. بذلك الاستيراد وهذا الإنفاق تنزرع في بلادنا مراكز لامتصاص ما عندنا من أموال وتصديرها للخارج. تلك الأموال أصبحت لفساد وجوه إنفاقها سببا آخر لزيادة تخلفنا، إذ فاتنا أن نركز بها جهدنا على تحويل الإنسان، وتعويده الاعتماد على الذات، وتجنيده لإصلاح الزراعة، وتأسيس صناعة على مستوانا.
يدفع المعتوهون أموال الأمة لشراء الصناعة والتقدم ممن يريدون لنا أن نبقى أبد الدهر بقرة حلوبا لهم. وتتكدس المصانع الجاهزة في ديارنا. يظن بعضنا أنها قواعد لنهضتنا، وما هي إلا معاقل للعدو، من قنواتها يستعيد باليد اليسرى، يد التاجر الحاذق، ما فاته انتهابة باليد الأخرى يد الاستعمار المباشر أو الوسيط.
عجلات التخلف وآلياته التي تنتج مزيدا من التخلف تسمى في الخطاب الاحتفالي الرسمي : عقلنة المجتمع، وعصرنة العلاقات الإنتاجية، واقتباس التكنولوجيا، والتصنيع، والإصلاح الزراعي، والتعاون الدولي، والقروض العالمية، والخبراء التقنيون، وتراكم رأس المال، والنظام الاقتصادي العالمي الجديد، والرأسمالية، والاشتراكية إلى آخر قاموس الاقتصاد. ويساهم المفرنجون من أبنائنا في صياغة نظريات النمو بنفس العقلية التي يفكر بها الرأسماليون والاشتراكيون، كل حسب انتمائه المذهبي. يصوغون نظريات خرجت من نفس البوتقة الفكرية التي تمخضت عن آليات التخلف، يزينونها بإضافات "الخصوصيات" القومية و"الأصالة" المحلية. لكن البضاعة هي نفس البضاعة، يتعرف عليها أهل ذلك الحي فيصفقون لعباقرتنا في تقليد الأسياد.
ماذا تعني عقلنة المجتمع وعصرنة الإنتاج والعلاقات وسائر ذلك المسرد ؟ إنها إن تكن إرادة منا، وقيادة منا، وعقلا مستنيرا بنور الإيمان، يتغير مفهومنا للعقلنة وباقي ألفاظ المسرد. أما إن جاءنا ذلك النظر من خارج نفوسنا وعقولنا وأصولنا، حائدا عن غاية أمتنا وأهدافها الحالية والمستقبلة، جاهلا آلامها الماضية والمستوطنة، فكل ما يفرغه علينا إنما هو تخطيط غريب عنا، مرتبط بشركات الدراسات، وأبناك التمويل، ومصالح الاحتكارات الاستعمارية.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:40 pm

تعبئة وجهاد
بمنظار الإيمان يتجلى لنا أن القومة الاقتصادية جزء لا يتجزأ من الجهاد الكلي، وركيزة من ركائزه. وأن الحاجة إلى منهاج إسلامي للخروج من ربقة التخلف لا تنفصل عن الحاجة إلى تطبيق المنهاج الإسلامي للقومة في شموليته. وأن محاربة التخلف والانتصار في معارك التنمية والاقتصاد قضيتان أساسيتان للدعوة والدولة. قضيتا جهاد يقتضي أن تندمج الطليعة في الأمة، وتتحرك الأمة بكاملها، كل في خندق رصده للعدو، أو ورش بنائه للمستقبل. وإن تحرك الأمة في هذا الاتجاه باستقلال إرادة، ووضوح رؤية، ومضاء عزيمة، لهو البرهان القطعي على أن الأمة بدأت زحفها الجهادي للخروج من ورطة المهانة والهزيمة، والفقر والجهل والمرض، بقوة من ذاتها، وبمواهب من نفسها وجهدها.
في مقود القافلة الإسلامية الغادية بحول الله في طريق القوة والكفاية والعزة، لن تجد متفرنجين مندمجين مع العدو فكرا وعادة وعقيدة. لن تجد صداقات وبطانات مع العدو. لن تجد "المسؤول" النظيف المظهر، الكئيب المخبر، الذي يعيش على مواعد المؤتمرات الاستعراضية، والمآدب التي تباع فيها المعلومات عن فرص البلد وإمكانياته لمن يؤدي العمولة. لن تجد زبناء الهلتون المراقص والمفاسق، ولا رواد الندوات الوثيقة الصلة بالماسونية والصهيونية والرأسمالية والمخابرات. إنما تجد جند الله المعبأ لخدمة قضية أمته المادية الاقتصادية، يعتبرها عبادة مجزية عند الله. جند ملتحم مع الأمة، متفاعل مع همومها، مشارك لمعاشها آمالا وآلاما.
ما نسبك الإيماني يا من تريد إخراج شعبك من التخلف ؟ إذا كنت تنتسب فكريا وعاطفيا وعقيدة وعادة لغيرنا، فأنى لك أن تحوز ثقة الأمة، فبالأحرى أن تحركها بحركتك !


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:40 pm

نموذجهم أصل البلاء
إن البلاد المتخلفة لا تخرج من طوق التخلف مهما ملكت من مواد خام، ومن أموال كسبتها من تصدير موادها، ومن يد عاملة. لا تخرج من التخلف إن لم يتغير موقف الناس وذهنيتهم ولم يشاركوا في صنع مصيرهم. وكل مظاهر النمو المستوردة إلى شعب لم ينهض لصنع مستقبله إنما هي زينة زائفة، ورموز عن التخلف المزمن كاشفة.
تحتاج دولة القرآن النموذج في التنمية، والإستراتيجية لقيادة معارك التنمية، نابعين من تركيبنا الإيماني الجهادي المتجدد، مستمدين من أصلنا، واعيين بأهدافنا وغايتنا، فطنين بالواقع العالمي وخصائص العصر، يمكناننا من اكتساب الوسائل العلمية، واستعمال عوامل الاقتصاد المادية والمعنوية والبشرية بكيفية تحرك الواقع لصالحنا. ولن نجد في النموذج التائه بلا غاية من وراء مسلسل الإنتاج والاستهلاك، وتلك الإستراتيجيات القائمة على حروب نهب الشعوب واستعباد العباد.
قال صاحبنا المهتدي رجاء جارودي. "إن أصل مشاكل العالم في هذا العصر، من مشكل الجوع إلى مشكل التسلح وهما وجهان لنفس المشكل، إلى مشكل انعدام معنى وغاية الحياة في الغرب (...) إلى مشكل العنف الفردي والجماعي، إلى مشكل القمع الداخلي، إنما هو النموذج الغربي للنمو. مؤدى هذا النموذج أن ننتج أكثر فأكثر، وبسرعة متزايدة، كل الأشياء، بقطع النظر عن كونها مفيدة، أو غير مفيدة، أو ضارة، أو قاتلة مثل الأسلحة النووية وغيرها. وأن نفرض استهلاك هذه الأشياء على الجميع بواسطة الإشهار والتسويق، وبالأخص بواسطة المنافسة الخسيسة التي يتولد عنها التفاوت الاجتماعي. يوهم هذا النموذج أن "السعادة" و"التنمية" مرادفان "لمستوى المعيشة" ولكمية المنتوجات المستهلكة. يستغل هذا النموذج بؤس الجائعين وأحلامهم في العالم ليقنعهم أن باستطاعتهم، وأن من واجبهم، أن يسلكوا مسلكه ليخرجوا من بؤسهم، وليروا أحلامهم تتحقق. والأرقام تدل على إفلاس هذا النموذج "لسوء التنمية"، وإفلاس "سوء إدارة الكرة الأرضية"، كما تدل على مدى الكارثة !


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:40 pm

الفصل2: التحرر من التبعية
أوربا تزحف على العالم
فشل النموذج الاشتراكي
استقلال الجهاد والعمل
قطع حبال الجاهلية
التعامل مع الكفار
عمر بن الخطاب والاكتفاء الذاتي
المسخ الثقافي


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:41 pm

أوربا تزحف على العالم
اكتشف الأوربيون في أواخر القرن الخامس عشر من تاريخهم الطريق إلى أمريكا، وطافوا حول العالم ملتفين من خلف الكتلة الإسلامية التي كانت واقفة سدا منيعا في وجههم بقيادة دولة آل عثمان المرحومة. ونشطت حركة الأوربيين في العالم، فنشط اقتصادهم بما نهبوه من أموال الهند، وذهب أمريكا، وخيرات الأرض المسلوبة.
تحرك البرتغال، والإسبان، والإنجليز، والفرنسيس، والطليان والهولنديون، وبسطوا نفوذهم على مناطق شاسعة بالنار والحديد والعساكر الغازية. وفرض عليهم تنافسهم الاستعماري على العالم أن يتقنوا فنون الصناعة والحرب والتجارة، كما فرضتها عليهم المنافسة الداخلية بينهم. أما الشعوب المسودة فقد قيدت كما تقاد الأغنام، بل كما يسوق الأنعام سواق حطم، لا يبقى ولا يرحم. حدثان تاريخيان يلخصان جرائم الاستعمار : قتل الهنود الحمر بأمريكا واستئصالهم، واستعباد الأفارقة ليحرثوا أرضهم من بعدهم. عشرات الملايين من سكان أمريكا الأصليين المسلحين بالقوس والنشاب حصدتهم المدافع، وأبادتهم الحرب المنظمة الزاحفة. ومات الملايين من الأفارقة السودان سلسلوا في السفن القذرة، وعذبوا، وبيعوا، وأهينوا، واستعملوا استعمال الدواب الرخيصة في حقول القطن. على مدى خمسمائة سنة استنزف الإنسان الأبيض المتحضر جدا، العنصري الفاحش العنصرية، قارات العالم من أموالها وخيراتها ورجالها.
وأهم ما استنزف من المستضعفين شخصيتهم ومعناهم، فترك لهم وجودا مسخا بعد أن اضطرته للانسحاب الصوري يقظة الشعوب، وموازنة الرعب النووي، بعد معاهدة يالطا التي قسمت مناطق النفوذ في العالم بين معسكري الجاهلية.
ترك فينا الاستعمار هذه الشخصية المسخ بعد خروج عساكره من أرضنا. يبقى علينا أن نخرج نحن من سيطرته المعنوية المرتكزة على استمرار نفوذه السياسي والاقتصادي والمالي والثقافي والحضاري. الرفض الجذري للتبعية الحضارية والتقليد والولاء للأجنبي الجاهلي مطلب عزيز. وأعز منه نصر الشخصية الإسلامية الأصلية، ونصبها مكان الصدارة في ميادين الحكم والتدبير، والإدارة والاقتصاد. رفض حضارتهم، ومعاييرها، وأخلاقها، ونظرياتها، وأساليبها، هدف شريف. وأشرف منه أن لا ننتقل من مذهب جاهلي إلى مذهب جاهلي، من رأسمالية إلى اشتراكية، بل أن نستقل بالنظر والعمل، بالمنهاج والتطبيق، بتحديد الأهداف واستصلاح الوسائل. وليس سوى شرع الله القويم وصراطه المستقيم لنا مذهب.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:41 pm

فشل النموذج الاشتراكي
إن من آفات العصر العظيم أن يغتر المستضعفون بنقد الاشتراكية الغربية للرأسمالية الغربية. تلك معركة داخلية بينهم لا اختلاف بينهم في نية استعمار العالم، إنما الاختلاف على نصيب كل فريق من أسلاب العالم وعلى أسلوب استتباع الشعوب واستغلالها. والآفة العظمى أن يدفع المستضعفين كره الرأسمالية المجرمة إلى الارتماء في أحضان الاشتراكية، ظنا أن صائغي الشعارات ومنتجي الميج هم من غير جنس تجار الكوكاكولا ومنتجي الفانطوم.
اقترحت الاشتراكية من لدن مولدها حتى اكتمالها في النظرية الشيوعية أن تحرر الإنسان من العبودية الواقعة عليه من خلال العملية الاقتصادية، واستغلال رأس المال للعمل، وامتصاص فائض القيمة من العامل، وتسخير علاقات الإنتاج الرأسمالية لحرمان الطبقة العاملة من وجودها، إلى آخر ما هنالك.
وعند التطبيق قال الاشتراكيون الشيوعيون : إنه لابد في مرحلة بناء الاشتراكية من فرض السلطة على القوى العاملة، ومن إخضاع العملية الاقتصادية للتخطيط، ومن إلزام العمال بوسائل الانضباط، واحترام مواعيد الخطة، ومعايير الإنتاج.
ودخلت الاشتراكية مختبر التجربة التاريخي، فماذا نتج عن تغيير منهج الرأسمالية الحرة في استغلال العمال داخليا، واستغلال الشعوب خارجيا، ينهج بمنهجية الاشتراكية التي جاءت لتحرر العامل في الداخل والمستعمر من اضطهاد الخارج ؟
أمام قوانين المنافسة العالمية بين القوميات والدول القومية والشركات الكبرى، منافسة تجارية وعسكرية، سياسية واقتصادية، وجدت الاشتراكية نفسها مضطرة لاستعمال نفس الأسلحة التي تستعملها الرأسمالية. ومن وراء ترتيب البيت داخليا الصراع على الهيمنة العالمية. وكانت الاشتراكية الشيوعية مهيأة للصراع بحكم نشأتها في أحضان حزب مركز السلطة، محكم التنظيم، منضبط انضباط الجيش في ساحة القتال. فلما استولى الحزب على السلطة طبق على الاقتصاد الأساليب العسكرية، فجند العمال، وعبأ التكنولوجيا كما تعبأ الأسلحة، وسرت في الكيان الاشتراكي الشيوعي روح الهيمنة، لم تقف عند حدود البلد الأصلي، ولا عند حدود مناطق النفوذ في أوربا الشرقية.
تفوقت الشيوعية على غريمتها وأختها الرأسمالية بالتركيز الفريد في التاريخ لسلطلة الدولة المطلقة الشاملة للاقتصاد، والجيش، والحياة المدنية، والسياسية، والقضائية، والتشريعية. وذلك ما مكنها من تكديس أعداد ضخمة من الصواريخ والرؤوس النووية بالإضافة للأسلحة التقليدية، والفرق العسكرية. أعداد تفوق ما عند الخصوم الإخوة في الجانب الآخر من الكتلة الجاهلية.
ليس المكان هنا للمقارنة بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، أيهما أكثر جدوى وفاعلية وإنتاجية في الاقتصاد، وأيهما أنسب لسياسة التنمية. وأيهما أضمن للرخاء. فقد سبق في هذه الفصول التعبير عن رفضنا المبدئي المنهاجي للنموذجين الجاهليين معا، والبيان لأسباب الرفض. وفي هذا الفصل بعد حين إن شاء الله نبين أن حرمة تقليد الكفار دين.
نريد هنا أن نعتبر بفشل الاشتراكية في الوفاء بوعودها النظرية فيما يتعلق بتحرير الإنسان والشعوب من طغيان الرأسمالية البشعة. ونريد لدولة القرآن بقيادة أهل القرآن أن لاتقسرهم الظروف الداخلية والخارجية على استعباد الأجير وظلم الشعوب كما قسرت غيرنا. نريد أن نتحرر من التبعية للجاهلية تحررا في الصورة والروح، في المبدإ والمنهاج، لنقهر الأشياء بدل أن نقهر الإنسان، لنخضع الاقتصاد لغاية حرية الإنسان والشعوب بدل أن نخضعه وإياها لضروراته.
لا نتصور الدولة الإسلامية إلا ومقود سفينتها في الأيدي المتوضئة. لكن البحارة من عامة المتحركين على ظهرها، والمشتغلين بالآلات المحركة في بطنها، لكن الأمواج من حواليها، والعواصف في أجوائها، قد تؤثر الأثر السلبي على عملية الإقلاع والملاحة في المياه العميقة، وقد تحرف الاتجاه لا قدر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:41 pm

استقلال الجهاد والعمل
لا غنى لدولة القرآن أول عهدها عن الخبراء ممن تربوا في أحضان العهد البائد، وتغذوا باللبان المخلوطة. وأشد ما تكون دولة القرآن احتياجا لرجال مخلصين تلك اللحظات التاريخية، لحظات التحول من مشاق التبعية إلى الاختيار المستقل.
هاهو المنهاج واضحا على الورق، وهاهي الإرادة الطليعية ومن خلفها آمال الأمة واستعدادها. فإن كان الاختيار في الشؤون الأساسية من اختصاص رجال هواهم مع غيرنا ولو بمقدار شعرة فما يغني المنهاج النظري، والإرادة الحائمة من فوق، وحماس العامة العاجز !
من أين تأتي برجال تخلصوا من كل الشوائب ؟ إن وجدت منهم عشرة فمن أين تأتي بالمآت والآلاف من الخبراء الضروريين لتسيير عجلة الدولة، خاصة محركات الاقتصاد وتوازناته التي على نشاطها وتوقفها وتعطلها تتوقف حياة الدولة وموتها ؟
لا مناص من استعمال أهل الخبرة من أخلاط الناس لا تعرف بالضبط أين مقامهم في مقاعد الأعراب المخلفين. لا تتركهم يرعون أنفسهم فإنهم إلى ذاك المرعى الوبيل تجذبهم العادة، والتربية، والصداقات القديمة. لكن ضع كل واحد موضعه، رفعه أو خفضه، من حيث السلطة والاستقلال بالقرار، إيمانه وسابقته في الإسلام وحظه من الله. ارفعه من حيث الأجرة والوظيفة التقنية حيث رفعته الكفاءة المهنية، والمؤهل العلمي، وإتقان الشغل، وإعطاء النتائج. لا تتجاوز بالناس أقدارهم فتعطي الحكمة غير أهلها فتكون من الجاهلين.
كتب الأستاذ حسن البنا رحمه الله يصف عجز المتفرنجين عن الوفاء بحق الواجب الإسلامي، قال : "ولكن أنى لحكامنا هذا وهم جميعا قد تربوا في أحضان الأجانب، ودانوا بفكرتهم، على آثارهم يهرعون، وفي مرضاتهم يتنافسون ! ولعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا إن الفكرة الاستقلالية في تصريف الشؤون والأعمال، لعلهم لم تخطر ببالهم، فضلا عن أن تكون منهاج عملهم. لقد تقدمنا بهذه الأمنية إلى كثير من الحاكمين في مصر، وكان طبيعيا أن لا يكون لهذا التقدم أثر عملي. فإن قوما فقدوا الإسلام في أنفسهم وبيوتهم وشؤونهم الخاصة والعامة لأعجز من أن يفيضوه على غيرهم، ويتقدموا بدعوة سواهم إليه، وفاقد الشيء لا يعطيه. ليست هذه مهمتهم أيها الإخوان، فقد أثبتت التجارب عجزهم المطلق عن أدائها، ولكنها مهمة هذا النشء الجديد، فأحسنوا دعوته، وجدوا في تكوينه، وعلموه استقلال النفس والقلب، واستقلال الفكر والعقل، واستقلال الجهاد والعمل، وملأوا روحه الوثابة بجلال الإسلام وروعة القرآن. وجندوه تحت لواء محمد صلى الله عليه وسلم ورايته. وسترون منه في القريب الحاكم المسلم الذي يجاهد نفسه، ويسعد غيره".


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:42 pm

قطع حبال الجاهلية
إنه من غير الممكن أن نحسم بضربة سيف في مادة التاريخ، ونقول : هنا وفي هذه اللحظة انتهى عهد الفتنة. لا يمكن أن نفك ونقطع كل ما يربطنا بماضي الفتنة الموروثة ومخلفات الاستعمار ضربة لازب، لأنه لا يمكن أن نبدل الناس غير الناس، والعلاقات المترتبة على مر الأزمان غير العلاقات، بمجرد إعلان دولة الإسلام. إن ربنا تبارك وتعالى قادر على كل شيء، وفي قلوب الأفراد ينزل سبحانه الهداية في لحظة تنقل الرجل من كفر لإيمان، ومن شك ليقين. لكن سنته تعالى في التاريخ أن لا يتم هذا الانقطاع إلا بتدرج. تأمل نشأة الدعوة المحمدية وكيف انسل الإسلام من الكفر، وتميز المومنون من الكافرين. وتأمل كيف بقيت فئات من الناس متأرجحين بين كفر وإيمان هم المنافقون.
وكذلك تحت الدولة الإسلامية تشرق الأيام البيضاء على مجتمعات ألفت الأعرابية المتخلفة، وألف حكامها، البائدون غدا بإذن الله، السباحة في مياه النفاق، وإلالحاد، وعادات الكفار، ومواصلة الاستعمار، والذنبية لمصالحه. يأكلون كما تأكل تلك الأنعام، ويفكرون كما تفكر، ويسلكون في حياتهم الخاصة، والعامة، والمهنية، والسياسية، مثل ما تسلك.
فلو كانت التبعية التي نريد أن نتحرر منها مادة تلمس لعالجنا غلها حتى نفكه من أعناقها، لضربنا قيدها من أيدينا وأرجلنا حتى نكسره، ولشددنا سلاسلها شدا قويا حتى تنفك حلقاتها. لكن التبعية معنى من وراء الحضور المادي للاستعمار. من وراء كل عقل مغرب تبعية تربط صاحبه بمدارس الجاهلية ومذاهبها. من وراء كل طامح لبقاء سلطانه المستبد حبل يربطه بسياسة الاستعمار. من وراء هذه الطبقة الموالية ذوقا وفكرا ونمط حياة ومذهب سلوك للجاهلية تبعية تلحقها بالأعداء. فيوم كانوا في الحكم كانوا يبيعون الأمة مكتوفة الأيدي للعدو، ويوم تأخذ الأمة، خيارها وطلائعها، الحكم من تلك الطبقة الخاسرة المخسرة فسيلجأون لمتبوعيهم، وسيستنفرون من استطاعوا وما استطاعوا من حلفائهم، ووسائل حلفائهم، وأفكار حلفائهم، ليثبتوا للناس أن التبعية هي طريق الخلاص.
سيستغلون مصاعب البدايات التي تواجهها دولة الإسلام لينفخوا في كل بوق أن مذهب الإسلام في الاقتصاد جاء بالشدة بعد الرخاء، وبالتقشف بعد التنعم، وبالتشمير بعد الراحة. وسيجدون الآذان الصاغية من مخلفة الأعراب، العاجزين عن الجهاد، الكارهين للجهاد، المتربصين بأهل الجهاد.
ذلك أن قطع حبال الجاهلية يقتضي تضحية وصبرا من جانبنا. ولن يكون قطع تلك الحبال عملية رمزية، كما يفعل المتفرنجون، يحتفلون بتدشين مشروع فيأتون بمقص للحاكم يقص به تلك الشرائط الملونة علامة على تفاهة المقلدة المتفرنجين تفضحها مثل هذه الطقوس كما تفضحها نكايتهم البليغة في دماء الأمة وأموالها، وأعراضها وكرامتها.
إنما قطع حبال الجاهلية هجرة نفسية شاقة، فطام عن الشهوات والمألوفات، بحيث لا نستورد بضاعة إلا من الضروريات، لا نأكل إلا ما نحرث، لا نرهن مستقبلنا لقاء إرضاء الحاجات الترفية التي صنعتها فينا معاشرة الجاهلية. ودون هذا خرط القتاد، دونه جهاد متدرج وصبر. قطع حبال الجاهلية استقلال إرادي في تجارتنا، وماليتنا، وصناعتنا، وتعليمنا، بحيث لا نلبس إلا ما نسجت أيدينا، ولا نساوم على حريتنا لاقتناء الجهاز الحربي اللازم، والجهاز الصناعي الأساسي الضروري لإقلاع اقتصادنا، والأدوية الضرورية لصحتنا، بل نتعامل مع غيرنا ندا لند، تعامل أكفاء لا تابعين. تلك هجرة شاقة، تتم في النفوس أولا، ويتبعها الفطام التدريجي عن رخاوة الحياة الطفيلية التي تعيشها الشعوب المغلوبة الخاملة على مائدة الغرب. وهذا لا يعني الانعزال والانكماش عن العالم.
من الصناعات والنشاطات الاقتصادية ما هو مبني على التبعية من أول يوم مثل السياحة. فلن يكون قطع حبال الجاهلية إيقاف العجلة دفعة واحدة بالنسبة للأقطار الإسلامية التي استثمرت فيها الأموال الطائلة وحرم فيها الشعب المستضعف من الضروري لتبنى النزل والمنتديات ويزين للزائر الأجنبي منتوجها السياحي. وعلى هذا قس التعامل مع المؤسسات المالية العالمية، والتبادل التجاري، وحبل المواصلات السلكية واللاسلكية والإعلامية، وهو حبل غليظ، واستيراد التكنولوجيا، والعلاقات الثنائية والدولية.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:42 pm

التعامل مع الكفار
سرد الإمام ابن الحاج سبعة أسباب تمنع من التعامل مع الكفار :
1) تعاملنا معهم بالاتجار يعينهم على أمرهم.
2) تعاملنا معهم يضيع فرصة التعاون مع إخواننا المسلمين.
3) إنهم يستعملون المسلمين صناعا أجراء "وفي ذلك ذلة للمسلم وعزة للكافر. فيؤمر المسلم ألا يعمل عندهم".
4) إنهم لا يتحرون من النجاسات. قلت : ولا من الحرام. واسأل مستوردي اللحوم غير المذكاة.
5) "إنهم يتدينون بغش المسلمين".
6) "إنهم إذا شكروا سلعهم بالحسن والجودة لا يمكن الإطلاع على صدقهم، بل الغالب عكسه". لو اطلعت سيدي على عصرنا لملئت رعبا من حروب الدعاية وحملات الإشهار !
7) "ما يفعله بعضهم من رسم الصليب على باب الطاحون وفي أركانها". قلت يعني رحمه الله أنهم يتخذون ترويج بضائعهم مطية لنشر مذهبهم. وكتب رحمه الله : "وأشنع ما ارتكبه بعض الناس في هذا الزمان معالجة الطبيب والكحال (طبيب العيون) الكافرين اللذين لا يرجى منهما نصح ولا خير، بل يقطع بغشهما وأذيتهما لمن ظفرا به من المسلمين (...). فإن القاعدة عندهم أن من نصح منهم مسلما فقد خرج عن دينه".


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:43 pm

عمر بن الخطاب والاكتفاء الذاتي
"ورد أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل إلى السوق في خلافته، فلم ير فيه في الغالب إلا النبط. فاغتم لذلك، فلما أن اجتمع الناس أخبرهم بذلك، وعذلهم (لامهم) في تركهم السوق. فقالوا له : إن الله عز وجل قد أغنانا عن الأسواق بما فتح به علينا. فقال رضي الله عنه : "لئن فعلتم ليحتاجن رجالكم إلى رجالهم ونساؤكم إلى نسائهم !" وقد كان بعض السلف إذا رأى النبط يقرؤون العلم يبكي إذ ذاك، وما ذاك إلا أن العلم إذا وقع لغير أهله يدخله من المفاسد ما أنت تراه".
تأمل رحمك الله غم عمر وبكاء السلف على ضياع العلم والخبرة من الأمة. وقم لتجاهد أسباب التبعية.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:43 pm

المسخ الثقافي
روى ابن ماجة في سننه عن أبي واقد قال : "لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما هذا ؟ فقال : يا رسول الله ! قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأسقافهم، فرأيت أنك أولى بذلك. فقال : لا تفعل ! فإني لو أمرت أحدا يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. لا تؤدى المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها. حتى لو سألها نفسها وهي على قتب (برذعة الجمل) لم تمنعه".
من مداخل الكفر والتبعية علينا تقليدنا لهم وتشبهنا بهم، وانهزامنا أمام إرهابهم الفكري، وليس عن المرأة نتحدث هنا. عن المرأة تحدثنا في كتاب غير هذا، هو كتاب "تنوير المومنات".
قال ابن الحاج معلقا على هذا الحديث : "يؤخذ منها (من قصة معاذ) من الفوائد النفيسة التحرر من مخالطة أهل الكتاب، والبعد عنهم إذ أن النفوس تميل غالبا إلى ما يكثر ترداده عليها. ومن هاهنا والله أعلم كثر التخليط على بعض الناس في هذا الزمان، لمجاورتهم ومخالطتهم لقبط النصارى، مع قلة العلم والتعلم في الغالب. فأنست نفوسهم بعوائد من خالطوه. فنشأ من ذلك الفساد. وهو أنهم وضعوا تلك العوائد التي أنست بها نفوسهم موضع السنن".
ينعي علامتنا رحمه الله بدع التشبه التي كانت تتناول أطراف السلوك، وتناوش العقيدة من بعيد، وتعطل سنة من هنا وسنة من هناك. أما المسخ الثقافي الذي نعاني منه في زماننا فهم تشرب في الأعماق لشخصية الكفار، وأفكارهم، وعقائدهم، ومذاهبهم، وعاداتهم، نطعمها مع القمح المستورد، والبضاعة الترفية، والكتبحمد بن الصديق رحمه الله. وبين يدي كتابه بعنوان "كتاب الاستنفار لغزو التشبه بالكفار". كتاب يدل على مضمونه عنوانه الذي يشبه نداء الحرب. أورد فيه رحمه الله نيفا ومائة حديث في الموضوع. بين استنادا على آيات وأحاديث نبوية كيف يحب الكفار أن يخرجونا عن ديننا، وكيف يحرم علينا اتباع أهوائهم، وموالاتهم، والركون إليهم، واتخاذ البطانة والصداقة منهم. وجاء بأحاديث تثبت أن من تشبه بالكفار فهو منهم، وأخرى تمنع تقليدهم في العادات، والعبادات، والعقائد، والأفكار، والأعياد، والشعارات، واللباس، والهيئة، والزينة، والآداب الاجتماعية. والمجلات، وفي المدارس والجامعات، وفي الأسر وعلى قارعة الطريق. فإحياء سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم يقتضي إعلان حرب شعواء شاملة على القردية.
ذكر الحافظ ابن حجر أنه تتبع الأحاديث الناهية عن التشبه بالكفار، فأحصى منها أزيد من ثلاثين حديثا. وأفرد المحدثون تآليف في الموضوع، منهم الحافظ أحمد بن الصديق رحمه الله. وبين يدي كتابه بعنوان "كتاب الاستنفار لغزو التشبه بالكفار". كتاب يدل على مضمونه عنوانه الذي يشبه نداء الحرب. أورد فيه رحمه الله نيفا ومائة حديث في الموضوع. بين استنادا على آيات وأحاديث نبوية كيف يحب الكفار أن يخرجونا عن ديننا، وكيف يحرم علينا اتباع أهوائهم، وموالاتهم، والركون إليهم، واتخاذ البطانة والصداقة منهم. وجاء بأحاديث تثبت أن من تشبه بالكفار فهو منهم، وأخرى تمنع تقليدهم في العادات، والعبادات، والعقائد، والأفكار، والأعياد، والشعارات، واللباس، والهيئة، والزينة، والآداب الاجتماعية.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:44 pm

الفصل3: الأموال
ولا تؤتوا السفهاء أموالكم
المال لله
شروط الانتفاع
لو استقبلت من أمري…
موارد الدولة الإسلامية
الزكاة والصدقة
أخذ العفو
مصارف المال
وظائف العبد في ماله


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:45 pm

ولا تؤتوا السفهاء أموالكم
إن من أهم سمات هذا الزمان، بل أهم سماته، طغيان المادة، وأسبقية الاقتصاد، وأثره في حياة الأمم. والمال هو محور كل ذلك. امتلاكه وصرفه، استثماره وتعبئته. هو وصمة العار في يد الغني المستكبر بغناه، وأداة ظلم الفقير المنهوب، والعامل المسلوب. ملكية المال تكتل الطبقات : الأقوياء الأغنياء من جانب، والمحرومون المحكومون من جانب. ملكية المال تحدد العلاقات بين العامل الذي لا يملك إلا كدح نهاره وبؤس لياليه، والمالك الذي يوفر له المال سعة الحال، ويفتح عليه أبواب كل شيء.
سمة العصر التي تطبع العلاقات البشرية هي علاقة الملكية بالعمل. وعلى حل مشاكل هذه العلاقة يتوقف نجاح الخروج من التخلف والظلم الاجتماعي، ومن ثم متانة القواعد المادية التي تبنى عليها الدول، وتؤسس عليها الأمجاد.
مادة التبعية للأجنبي، ومدار الصراع بين المستعمرين، ورهان مسابقتهم إلى احتلال أرضنا وعقولنا وحياتنا، وواسطة تمركزهم في اقتصادنا وسياستنا هي تملك المال وما يثمنه المال من خيرات الأرض. فما يتأتى لنا الانفكاك من التبعية، والإفلات من قبضة الاستعمار، وأبشع وجوهه المراباة اليهودية العالمية، إلا بحل مشاكل المال داخليا، لنقوى على الاستقلال الخارجي.
كأن هذا المال في عصرنا أصبح حية تسعى : نقدا متموجا، قروضا تخنق، مدخرات في الأبناك تتضخم وتنساب، رأس مال يتصرف في مصائر الشعوب. جاء في الحديث الشريف أن البخيل الذي يكنز ماله، ولا ينفقه في سبيل الله، ولا يؤتي زكاته، يبعث ماله يوم القيامة على صورة شجاع أقرع له زبيبتان يعذب به البخيل. تلك الروح الثعبانية تتجلى اليوم في رأس المال هنا في الدنيا بعد أن أصبح المال كائنا نشيطا متحركا فتاكا.
فما وجه المعاملة مع هذا الثعبان في دولة القرآن ؟
إن تأصيل الفقه في هذا الميدان لمن أهم ما نفتقر إليه. وإن قيام الدولة الإسلامية وبقاءها على قيد الحياة، بعد القومة وإبطال الباطل، رهن بسلامة اقتصادها وقوته. وهذان رهن بسلامة وجوه التملك، ومطابقة التملك والتصرف في الأموال لروح الشريعة.
لمعرفة الأصل الشرعي في كل هذا نقرأ آية من كتاب الله عز وجل جامعة تعطينا شطر الجواب عن سؤال : لمن هذا المال ؟ وفي عنوان بعد هذا إن شاء الله نقرأ من كتاب الله الشطر الثاني للجواب.
قال الله عز وجل : "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما. وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا".
نزلت هذه الآية الكريمة في حق اليتامى تحت كفالة الوصي وحجره. أمرنا ألا ندفع إليهم أموالنا ماداموا سفهاء لم يبلغوا الرشد.
نبدأ بتأمل المدلولات اللفظية للآية، ثم ننظر بعدئذ في المدى التشريعي الذي تغطيه الآية استنباطا. الأمر في الآية موجه للذين آمنوا كما هو الشأن دائما في خطاب التكليف. لا تؤتوا يا أمة الإسلام. فالخطاب عام على أصله. ثم إن الأموال نسبت إلينا عامة لا إلى السفهاء المحجورين. هي أموالنا، وهي لنا قيم، جعلها الله لنا كذلك، وقد قرئت "قيما" جمع قيمة، كما قرئت "قياما" مصدر قام. فالأموال قيمة حياتنا المادية وبه قيامنا أي قوتنا. والسفيه لغة الخفيف.
بعد هذا نقرأ مع مفسرين معاني الآية وأحكامها، ونتطلع معهم إلى الآفاق التشريعية التي تفتحها لنا. نقرأ مع فقيه من القرن السادس هو القاضي ابن العربي، ومع محدث من القرن الثامن هو الحافظ عماد الدين ابن كثير، رحمهما الله تعالى.
قال ابن العربي رحمه الله : "اختلف في هذه الإضافة (إضافة الأموال إلينا في قوله تعالى : أموالكم) على قولين : أحدهما أنها حقيقة، والمراد نهي الرجل أو المكلف أن يؤتي ماله سفهاء أولاده فيضيعوه ويرجعوا عيالا عليه. والثاني أن المراد نهي الأولياء عن إيتاء السفهاء من أموالهم وإضافتها إلى الأولياء. لأن الأموال مشتركة بين الخلق، تنتقل من يد إلى يد، وتخرج من ملك إلى ملك. وهذا كقوله تعالى : "ولا تقتلوا أنفسكم" معناه لا يقتل بعضكم بعضا، فيقتل القاتل، فيكون قد قتل نفسه. وكذلك إذا أعطى المال سفيها فأفسده رجع النقصان إلى الكل".
المقالة الثانية التي رواها الإمام القاضي في إضافة الأموال للجماعة ومنع إعطائها السفهاء، لا تخصص الأيتام تحت الحجر بالحكم، بل تعممه. لا تقيد الحكم بمعاملة الأيتام حسب شرط الرشد وارتفاع السفه، بل تطلقه على كل سفيه خفيف الذمة، عاجز عن صيانة هذا المال الذي يرجع تضييعه بالنقصان على الكل.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله : "ينهى سبحانه وتعالى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قياما، أي تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها. ومن هاهنا يؤخذ الحجر على السفهاء. وهم أقسام : فتارة يكون الحجر للصغر، فإن الصغير مسلوب العبارة. وتارة يكون الحجر للجنون، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين. وتارة للفلس وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها".
هنا يتضح لنا إلى أي حد يمكن أن نستنطق النصوص لتجيب عن حاجاتنا التشريعية. فالأموال لنا وبها قيامنا، والحجر، أي المنع من التصرف، يكون إما لصغر السفيه، أو لجنونه، أو لسوء تدبيره، أو لإفلاسه. فإذا اجتمعت أكثر من علة بأن كان المالك مبذرا، وكان رأس المال في يد الأغنياء دولة به يستعبدون العامل ويستحوذون على الأرزاق، وكان سوء التدبير وإفلاس الرأي يدفع المالك ليقامر بأموال المسلمين، وينفقها في وجوه لا ترجع على الخير بالمالك الأرضي للمال، وهي الأمة، فمنع هذا السفيه، وجماعة السفهاء، وطبقة السفهاء، من التصرف واجب شرعي.
ويتضح لنا أن علة الحجر التي يحكم بها القاضي في النوازل الشخصية بأن هذا الصغير أو المجنون أو سيء التدبير أو المفلس سفيه يمكن، بل يجب، أن تعتبر علة اجتماعية اقتصادية سياسية موجبة لمنع كل من يبدو منه سفه من التصرف في أموال المسلمين ولو كان العرف والقانون يحكم بأنها أمواله. وإلا "رجع النقصان على الكل" كما قال القاضي آنفا.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:45 pm

المال لله
قال الله تعالى : "وآتوهم من مال الله الذي أتاكم"، فنسب المال إلى نفسه عز وجل. وقال عز من قائل : "آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه"، فجعل سبحانه علاقتنا بما حولنا من أموال علاقة استخلاف ونيابة عن المالك الحقيقي. وهو الله لا إله إلا هو الغني الحميد.
هذا أصل عظيم يعطي للملكية في الإسلام مفهوما يناسب العبودية لله تعالى، عبودية الإنسان الصائر إلى ربه، العابر من دنياه لآخرته، جعل له المال زادا يتبلغ به لإحراز أسباب معاشه، ولم يجعل هو للمال، يملكه المال ويستحوذ فكره ونفسه.
والاستخلاف الإلهي لنا على المال يقيدنا بشرط المالك، بأمره ونهيه. فلا وجود لحق مع الإخلال بالشرط. ولا حرمة شرعية لملكية لا تتقيد بما حده الله بها من أحكام.
إن المذهب الاقتصادي الاجتماعي السياسي يتحدد بموقفه من التناقض بين المالك وغير المالك، بين الأجير وصاحب الشغل. يرتكز المذهب الرأسمالي على حرية التملك، تلك الحرية التي لا تعرف حدودا، أولا تكاد تعرف لأن ظروف الاقتصاد المعقد فرضت على اللبرالية الرأسمالية تقييد بعض حريات رأس المال. ويرتكز المذهب الاشتراكي الشيوعي على الملكية الجماعية التي يعتبرها شرطا علميا لمحو الطبقية وإخضاع الاقتصاد للتخطيط المنظم. تقييد هنا للملكية الفردية، بل نفي لها وإعدام. وتثبيت لها هناك، وتمكين وطغيان. المذهب الشيوعي يسلط الحاكم على المال، ويسلط مالك المال على الدنيا المذهب الجاهلي الآخر.
وإن هما إلا وجهان للطغيان نفسه : سياسة تحكم الاقتصاد، أو اقتصاد يحكم السياسة.
ما أقام العدل بين الناس لا ذلك المذهب الجاهلي ولا هذا. والعدل هو هدف تقنين الملكية، فمن نتائج قوانينهم ترى فساد تلك المذاهب : طبقية رأس المال لا يبزها شناعة إلا الطبقية الجديدة في الأنظمة الاشتراكية.
فساد لحقنا بالتنكير لمبدإ العدل، وبتغيير طبيعة الملكية كما حدها مالك الملك سبحانه. الشريعة عدل كلها، فإذا فقد فينا العدل، وطغى المال، وتكبر الأغنياء، واستضعفوا الناس، فلفقدان الأصل القرآني في تشريعنا المستحدث الموضوع بالعرف والقانون.
وبالرجوع إلى الشريعة، ومحاربة ما أحدثه العرف والقانون الوضعي، وغلبة الأقوياء والماكرين على المال، نسترد قوام العدل وهو استقامة الملكية على شرط المستخلف، في حدود أمره ونهيه، سبحانه لا إله إلا هو. هذه الحدود الإلهية لا تضع وسما على جبهة المال يميز الملكية الفردية عن الملكية الجماعية. بل تحبس المال في نطاق الانتفاع الذي تحصله الأمة منه. فهو مال الله أساسا، ومال الأمة استخلافا، ومال زيد أو عمرو انتفاعا مؤقتا مشروطا بألا يضر امتلاك الفرد بمنافع الأمة.
عرف الشيخ أحمد ولي الله الدهلوي رحمه الله الملكية بقوله : "الكل مال الله، ليس فيه حق لأحد في الحقيقة. لكن الله تعالى لما أباح لهم الانتفاع بالأرض وما فيها، وقعت المشاحة (أي النزاع). فكان الحكم حينئذ أن لا يهيج (يطرد) أحد مما سبق إليه من غير مضارة. فالأرض الميتة التي ليست في البلاد ولا في فنائها (أم الخارجة عن القرية والمدينة السكنية) إذا عمرها رجل فقد سبقت يده إليها من غير مضارة. فمن حكمه ألا يهيج عنها. والأرض كلها في الحقيقة بمنزلة مسجد أو رباط جعل وقفا على أبناء السبيل وهم شركاء فيه، فيقدم الأسبق فالأسبق. ومعنى الملك في حق الآدمي كونه أحق بالانتفاع من غيره".


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:46 pm

شروط الانتفاع
تُخضِع الشريعة سلوك الفرد والجماعة والدولة في ميدان المال والنشاط الاقتصادي لنفس الضوابط الأخلاقية التي تفرضها عليهم في سائر أوجه الحياة. ومحور هذه الضوابط الشرعية العدل، وامتداده وهو الإحسان. فتحصيل المنفعة، وأداء هذه الوظيفة الاجتماعية، شرط مشروط على المالك الفردي. والسعي لتعميم المنفعة والتعاون على أداء تلك الوظيفة شرط مشروط على الجماعة. ومراقبة العملية الاقتصادية للتعريف بما هو نافع، وتخطيط كيفية الانتفاع، والسهر على أن تؤدى وظيفة المال الاجتماعية، شرط مشروط على الدولة.
من القيود التي تضعها الشريعة على التملك والتصرف، وتخول للجماعة حق وواجب قمع من تحرر منها، وتخول للدولة حق وواجب حجره ومنعه من التصرف وتعزيره وإقامة الحد عليه، تحريم الخمر، والقمار، والربا، والفسق، والتبذير، والمجون، والرشوة، والترف، والسرقة، والغش، والفساد في الأرض، والبخل، وما إليها.
إن للمال في النظام الإسلامي أحكاما تعطي مذهبنا الاقتصادي أصالته واستقلاله وذاتيته المتميزة عن النظم البشرية. متميز مذهبنا في موارد المال ومصارفه، في تقييده لحرية الفرد بشرط العدل الاجتماعي، في تركيزه تداول المال على التكافل والتعاون والإنفاق والبذل، لا على التكاثر والتفاخر والكنز.
وبكل هذا يكسب النظام الاقتصادي الإسلامي مقومات أصلية تؤهله ليخوض غمار المعركة المصيرية، جنبا إلى جنب مع النظم البشرية غير تابع لها، ولا تلميذ، ولا مندمج. ريثما يظهر المستقبل على محك التجربة تفوق شرع الله على قوانين البشر. أستغفر الله العظيم من مقارنة شرع الخالق باجتهاد المخلوقات.
أما بعد، فهذا النظام الإسلامي، الواضح المعالم في النصوص لمن يحسن استنطاقها، العلي الأحكام لمن يحسن استنباطها، لا يزال مشروعا كامنا في قلوب المومنين وعقولهم. وعلى دولة القرآن أن ترفعه إلى حيث رفعه الله، وأن تسوي الوضع المعوج على نسقه، وأن تحكم منطقه في سياق الحركة الاقتصادية رجوعا بها إلى المعنى من تهافت المادية، وإلى غاية العدل والإحسان من هوس التكاثر، وإلى أهداف القوة والكفاية وكفالة المستضعفين في الأرض من أنانية الاستكبار والطبقية والأثرة.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:46 pm

لو استقبلت من أمري…
ما هو علاج التفاوت الفاحش بين الطبقات ؟ وما هي القوانين التي يمكن استنباطها من أصولنا لإيقاف جنون النمو غير المتوازن الذي بمقتضاه يزداد الأغنياء غنى والفقراء فقرا ؟ هل هناك إجراء أخير نهائي يمكن للإمام أن يتخذه لضرب استغلال النفوذ وغيره من الجرائم الاقتصادية ؟ هل يجوز للإمام، أي للدولة الإسلامية، أن تأخذ من الأغنياء وتعطي الفقراء لإقامة ميزان العدل عندما لا تؤدي آليات توزيع الثروة الأساسية وظيفتها مثل آليات الزكاة، والضرائب، والصدقات، والنفقات، والنفقات الجهادية الواجبة عندما يدهم العدو ؟
بعد آية سورة النساء التي تعطينا حق الحجر على السفهاء ومنعهم من التصرف في أموالنا، نجد حديثا شريفا رواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : "بينما نحن في سفر، إذ جاء رجل على راحلة له، فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من كان له فضل ظهر (أي دابة تركب زائدة على حاجته) فليعد به على من لا ظهر له. ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له"، فذكر من أصناف المال ما ذكره، حتى رأينا أنه لا حق لأحد في فضل".
في تلك الظروف، ظروف السفر الجهادي، صدر الأمر الشريف بالقسمة. لم يكن هذا الأمر من باب الحث على الصدقة بل كان تشريعا لحالة يكون لهذا مال زائد عن الحاجة ويقلب ذاك بصره يمينا وشمالا من الخصاصة. كان الصحابة أبصر الناس بمقاصد الشريعة وبأساليب المصطفى صلى الله عليه وسلم في توجيه الخطاب، وقد ظنوا عند صدور الأمر أن لا حق لأحد في فضل مع وجود محتاج.
هذا الحديث الشريف يلتحق بآية إضافة الأموال إلى الأمة، وينعطف على صورة قانون تطبيقي إلى حكمة التمليك الأصلية وهي استخلاف الله عز وجل إيانا في ماله لكي ننفقه : "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه".
لا ينبغي للإمام أن يقف مكتوف اليدين أمام تفاحش الميزان، لا ينبغي أن يكتفي بجمع الأغنياء فيعظهم بالآيات الواردة في وعيد من يكنز ويبخل ولا ينفق، وإن كان الوعظ من وظائفه بصفته رجل دعوة. لديه أصل تشريعي في إنفاق الفضول ثابت بالسنة، وأصل تشريعي مقرر في القرآن في شأن الحجر على السفهاء. عبر أبو سعيد رضي الله عنه بشعوره أن الأمر الشريف ببذل الفضول ملزم بقوله : "حتى ظننا أن لا حق لأحد في فضل". وفهم أبو ذر رضي الله عنه الوعيد على الاكتناز فهما واسعا فجاهد رضي الله عنه ليخرج الأغنياء أموالهم إلى الفقراء، غير مكتف بالزكاة المفروضة.
أما عمر الفاروق رضي الله عنه، وسننه من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد اتخذ عزمة في آخر أيامه تركها لنا وصية بهذا الصدد. وهي تؤكد ظن أبي سعيد، وفهم أبي ذر، وتسير مع روح الشريعة وهي عدل كلها. روى الطبري أن عمر رضي الله عنه قال : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء، فقسمتها على فقراء المهاجرين".
وروى أبو عبيد بن سلام عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان في وصيته عند موته أن يؤخذ من حواشي (فضول) أموال أغنياء الأعراب فيرد على فقرائهم.
وكتاب الأموال هذا كنز من الآثار الصريحة في قصد النبي صلى الله عليه وسلم وقصد أصحابه لإقامة ميزان العدل بالقسط، وقصد خلفائه الراشدين عليهم رضوان الله.
لا يعد نزع الملكية في إطار بذل الفضول تعديا على الملكية الفردية، وإنما هو إرجاعها إلى شرط الاستخلاف، وإلى كون الأموال لنا معشر الأمة قبل أن تكون لفلان وفلان. فمن راعى شرط الاستخلاف وكانت أمواله قياما للأمة لا سندا لطغيانه، بأن ساهم في رعاية ثروة الأمة وحسن قسمتها حتى لا يكون محتاج ذو خصاصة يصرف بصره يمينا وشمالا في أصحاب الفضول والتخمة حوله، فلا سبيل عليه. بل تكرم دولة القرآن كل متمول مستثمر لماله وجهده وذكائه وحيلته وحوله لإنماء ثروة البلاد وتصنيعها وإغنائها.
روى ابن القيم من مذهب الإمام أحمد : "أن قوما إذا اضطروا إلى السكن في بيت إنسان، لا يجدون سواه، أو النزول في خان مملوك، أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحن، أو دلو لنزع الماء، أو قدر أو فأس أو غير ذلك وجب على صاحبه بذله بلا نزاع".
نِعْمَ الاجتهاد هذا الذي يجعل ضروريات المعاش ووسائل الإنتاج حقا مشاعا للأمة استنادا إلى أصل بذل الفضول ! نعم والله !


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:47 pm

موارد الدولة الإسلامية
قال الله تعالى : "والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم". الحق المعلوم المفروض بالمقدار والوزن والكيل والتوقيت هو الزكاة، وسنرجع إليها إن شاء الله بعد قليل. لكن هنالك حقا غير الزكاة في الأموال، هنالك مصادر لتمويل حاجات الدولة الإسلامية، وتزويدها بالوسائل الملائمة لطموحها. من الحاجات الضرورية لإنتاج ما به قوام الحياة اليومية للمسلمين، والإنفاق على الجيش، وصناعة السلاح، وسد الثغور. ومن أهداف الطموح الإسلامي التحرر من التبعية الاقتصادية للأجانب، والاستقلال المالي، والتقني، والعلمي، وبسط يد المعاونة لمستضعفي الأرض، وبناء اقتصاد الكفاية والقوة، والتوسعة على المسلمين في معاشهم وصحتهم وسكنهم. وكل ذلك يطلب أموالا قد لا تكفي فيها الزكاة، وقد تكون الدولة الإسلامية القطرية السابقة للتحرر لا تتوفر على موارد منجمية كالنفط أو زراعية، ولا مدخر لديها ولا رصيد.
فلمواجهة الضرورات واقتناء وسائل الطموح المالية يضاف إلى الحق المعلوم وهو الزكاة، الحقوق الأخرى في المال، المتفرعة عن قاعدة بذل الفضول. وهي قاعدة صاغها فقهاؤنا في قولهم : "إذا احتاج المسلمون فلا مال لأحد".
في كتب الفقه أحكام تخص موارد الدولة الإسلامية كانت تعكس حالة تاريخية، السيادة فيها للإسلام. وذكرها هنا إنما هو من قبيل التاريخ لأن حاضرنا المهزوم لا يعطينا تلك السيادة المنوط بها استخلاص أموال مثل الخراج والجزية، والفيء.
مصادر أخرى مثل العشور، أي الجمارك، والمصادرات المشروعة مثل تضعيف مقدار الزكاة على مانعها تعزيرا له، وحمى الأرض الخاصة وضمها لمال الدولة، والتعزيرات المالية التي تبلغ أقصاها في حالة حجر السفيه بالمعنى الموسع لهذا الحجر، والركاز وهو خمس المعادن، وريع المؤسسات الحكومية من معامل ومصالح عامة كالماء والكهرباء.
فإذا احتاج المسلمون بعد الزكاة وبعد هذه الموارد، فللإمام أن يفرض ضرائب على قدر الحاجة، ولو استغرق ذلك كل الفضول الخاصة. وإن اعتبار قيام دولة الإسلام ونجاحها جهادا واجبا يلحق النفقة من أجل قيامها ونجاحها بالنفقة إذا داهم العدو وتعرضت ديار الإسلام للخطر. وما كنا ندندن في هذه الفصول إلا حول الخطر المحدق بنا وحول وجوب الجهاد، وقوامه المادي الجهاد بالمال. وإن حماية دولة الإسلام مسألة حياة أو موت بالنسبة للأمة.
قال الإمام الشاطبي رحمه الله : "إذا قررنا إماما مطاعا مفترقا إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم، فللإمام إذا كان عدلا أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم في الحال إلى أن يظهر مال بيت المال. ثم إليه النظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار وغير ذلك (هذا ما يسمى بلسان العصر ضرائب (...) وإنما لم ينقل مثل هذا عن الأولين لاتساع مال بيت المال في زمانهم. بخلاف زماننا، فإن القضية فيه أخرى، ووجه المصلحة هنا ظاهر. فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك النظام بطلت شوكة الإمام (نترجم : إن لم يفعل أخفقت القومة وسقطت الدولة)، وصارت ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار. وإنما نظام ذلك كله شوكة الإمام بعدله. فالذين يحذرون من الدواهي، لو تنقطع عنهم الشوكة، يستحقرون بالإضافة إليها أموالهم كلها، فضلا عن اليسير منها. فإذا عورض هذا الضرر العظيم (ضرر سقوط الدولة) بالضرر اللاحق لهم بأخذ البعض من أموالهم، فلا يتمارى في ترجيح الثاني عن الأول. وهو مما يعلم من مقصود الشرع قبل النظر في الشواهد".
لله دره من إمام ! انظر كيف نفذ ببصره الثاقب إلى المصلحة الحيوية للأمة ولم يقف عند الفروع التشريعية المقيدة بالشواهد، القاصرة، بالتفافها حول النوازل الشخصية، عن رؤية النازلة العظمى التي تحل بالأمة ويكون المال، بذله بعضا أو كلا، هو الحل الوحيد. وتأمل كيف أشار إلى أن المسلمين يعطون عن طيب خاطر بعض أموالهم، بل كلها، إذا تحققوا أن الدولة الإسلامية تعدل ولا تظلم، وإذا تحققوا أن بقاءها خير لهم وأصلح من زوالها، حتى ولو أخذت أموالهم.
ونترجم هذه الفكرة إلى لسان العصر فنقول والله المستعان : إن إقامة دولة الإسلام تقتضي تضحيات يشارك فيها الجميع. فعلى الإمام أن يوزع التضحيات على كل أصناف الأمة، وأن يعدل في الأخذ كما يعدل في العطاء، وأن يفتح للأمة باب الأمل في مستقبل العز لأمتهم، وأن يرفع هممهم عن خسة الحسابات البخيلة إلى أوج التعامل مع الله والغيرة على دين الله.
قال الشاطبي رحمه الله بعدما سبق، يعزز فريضة الجهاد بالمال بفريضة الجهاد بالنفس : "ولو وطئ الكفار أرض الإسلام لوجب القيام بالنصرة، وإذا دعاهم الإمام وجبت الإجابة. وفيه إتعاب النفوس وتعريضها إلى الهلكة، زيادة إلى إنفاق المال. وليس ذلك إلا لحماية الدين، ومصلحة المسلمين".
الأرض موطوءة يا صاح، بل مغصوبة، والدين يستغيث، ومصلحة المسلمين ضائعة، فيا إمام متى نداؤك يلبى، متى تسمع الأمة أنة المعذبين، ولهفة المستضعفين، متى يكون شعار "الله أكبر" عزمة جهادية تهون معها الأنفس والأموال، لا مجرد جملة تلاك !


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:47 pm

الزكاة والصدقة
قال الله عز وجل : "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. يعظكم لعلكم تذكرون". يتبع الإحسان العدل كما تتبع النافلة الفرض. وتتبع صدقة التطوع الزكاة الواجبة، تكملها وتسد حواشي الحاجة. فإذا كفت الزكاة لإقامة العدل، وهو الحد الأدنى من قسمة الأرزاق، وإلا تأكد الإحسان واقتربت درجة التطوع من درجة الإلزام.
ويعم لفظ "الصدقة" الزكاة الواجبة والتصدق التطوعي. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ولولي الأمر من بعده : "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم، إن صلواتك سكن لهم. والله سميع عليم". قال الراغب الإصفهاني رحمه الله : "الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة. لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوع به والزكاة للواجب. وقد يسمى الواجب صدقة إذا تحرى صاحبها الصدقة في فعله".
الصدقة المأخذوة من أغنياء الأمة، المردودة على فقرائها، وسيلة لتزكية النفوس والأموال وتطهيرها وتطييبها. تزكية وتطييب وتطهير للنفس التي صدقت في فعلها حيث يقيها البذل في سبيل الله شحها. وتزكية وتطييب وتطهير للنفوس التي رد عليها نصيب من المال تسد به الحاجة فتختفي أسباب الحقد الطبقي. قال الله تعالى لعبده النبي وعباده ولاة الأمر من بعده : "وصل عليهم، إن صلواتك سكن لهم". فكان صلى الله عليه وسلم يدعو بالنماء والزكاء والخير والبركة لمؤتي الزكاة فتزكو الأموال ويكثر الخير والبركة.
إيتاء الزكاة وتوزيع محصولها ما هما عمليتان ماديتان حسابيتان جامدتان في الأرقام. بل هما وسيلتان تربويتان زيادة على ماديتهما ووسيلتان يستمطر بهما العبد رضى الله عز وجل وصلاة رسول الله، وتستمطر بهما الأمة بركة السماء. قال الله عز وجل : "يمحق الله الربا ويربي الصدقات". فالزكاة عكس الربا. والمجتمع الزكاتي نقيض المجتمع الربوي. واقتصاد العدل والإحسان ترعاه عناية الله حيث تخذل اقتصاد الترابي والتظالم وحرمان المحتاج. ومن الخذلان غرق المتمولين في الترف والمتاع واللذة والتبذير الاستهلاكي بعيدين عن ذكر الله وعن ذكر الآخرة والاستعداد لها. وهل فوق ذلك خذلان ؟
إن من قوام كل اقتصاد جاد أن يحكمه الحساب والأرقام والتخطيط. وهذا ما لا بد منه لدولة القرآن، من باب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي ضلت ناقته، فلما جاء إليه يشكو ذكر أنه تركها طليقة اتكالا على الله : "اعقلها وتوكل !". فالحساب والأرقام والتخطيط اتخاذ للأسباب التي وضعها الله عز وجل في الكون، وهي شرع مرتبط ارتباطا لا فكاك له عن القدر إلا بمعجزة نبي، أو كرامة ولي، أو بركة يدرها الله الكريم الوهاب على عباده المومنين المتقين العادلين المحسنين المزكين. قال الله تعالى : "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض".
واجه هذه الآية الكريمة بأختها المبينة لأسرار الزكاة، الداعية رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمام الأمة من بعده أن يصلي على مؤتى الزكاة، ينفتح لك باب الفهم لشرع الله وقدره وبركته، لجانبي الدعوة والدولة، لواجبيهما ووظيفتهما في الاقتصاد الإسلامي. ومن أعظم بركات الزكاة أنها تقهر حاسة التملك البهيمية.
اقتصاد الربا ملعون، واقتصاد الزكاة مبارك. قال الشيخ أحمد ولي الله الدهلوي رحمه الله. "اعلم أن عمدة ما روعي في الزكاة مصلحتان : مصلحة ترجع إلى تهذيب النفس، وهي أنها أحضرت الشح، والشح أقبح الأخلاق، ضاربها في المعاد (...) السخاوة تعدلها البراءة من الهيآت الخسيسة الدنيوية. وذلك لأن أصل السخاوة قهر الملكية البهيمية، وأن تكون الملكية هي الغالبة وتكون البهيمية منصبغة بصبغها، آخذة بها (...). وأيضا فالمزاج السليم مجبول على رقة الجنسية (رحمة بني جنسنا). وهذه خصلة عليها يتوقف أكثر الأخلاق الراجعة إلى حسن المعاملة مع الناس. فمن فقدها ففيه ثلمة يجب عليه سدها. وأيضا فإن الصدقات تكفر الخطيئات وتزيد في البركات كما بينا فيما سبق.
ومصلحة (وهي المصلحة الثانية للزكاة) ترجع إلى المدينة (أي المجتمع) وهي أنها لا محالة تجمع الضعفاء وذوي الحاجة. وتلك الحوادث تغدو على قوم وتروح على آخرين (يعني أن الفقر والاحتياج يعترى الناس بعد الغنى). فلو لم تكن السنة بينهم مواساة الفقراء وأهل الحاجات لهلكوا وماتوا جوعا (أي أن التكافل الاجتماعي الذي تحققه الزكاة ضرورة اجتماعية).
"وأيضا فنظام المدينة يتوقف على مال يكون به قوام معيشة الحفظة الذابين عنها والمديرين السائسين لها !".
الزكاة أهم المؤسسات الاجتماعية في الدولة الإسلامية. هي ركن من أركان الإسلام، فلا يستحق اسم دولة الإسلام نظام لا يعطي الزكاة وظيفتها الاجتماعية الاقتصادية، ولا يقرن تلك الوظيفة بالدعوة والتربية والتطهير والتزكية، لتؤدي إلى النتائج التكافلية والودية بين المسلمين. فزيادة على أن الزكاة عبادة فردية، يعذب مانعها العذاب الأليم يوم القيامة، فهي تمثل مادة أساسية لإعادة قسمة الثروات، وتمثل حافزا اقتصاديا على الإنتاج، لأنها تؤخذ من رأس المال، فلا يسع صاحب المال إلا أن يسعى إلى تنميته مخافة أن تنتقص منه الزكاة إن بقي مكنوزا لا يتداول ولا يستثمر. ولعل حساب مالك رأس المال الخائف على متاعه أن تنتقص منه الزكاة فينشط لاستثماره سبب من الأسباب الكونية التي يُرْبي الله عز وجل بها الصدقات.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:48 pm

أخذ العفو
إن الإسلام دين هداية لا دولة جباية. لذلك يعتمد على الباعث الإيماني في نفوس المسلمين لينفقوا في سبيل الله أكثر مما يعتمد على وازع السلطان في ذلك. نعم للدولة الإسلامية الحق في فرض غرامة التضعيف على مانعي الزكاة كما هو مفصل في كتب الفقه، لكن الأصل هو قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأولياء الأمر : "خذ العفو، وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين". أخرج ابن زنجويه عن رجل من ثقيف قال : "استعملني علي بن أبي طالب رضي الله عنه على عكبرا، فقال لي، وأهل الأرض عندي : "إن أهل السواد قوم خدع، فلا يخدعنك ! فاستوف ما عليهم". ثم قال لي : "رح إلي". فلما رجعت قال لي : "إنما قلت لك الذي قلت لأسمعهم. لا تضربن رجلا بسوط في طلب درهم، ولا تقمه قائما، ولا تأخذن منه شاة ولا بقرة. إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو. أتدري ما العفو ؟ الطاقة". وفي رواية البيهقي : "ولا تبيعن لهم رزقا ولا كسوة شتاء ولا صيفا. ولا دابة يعتملون عليها. ولا تقم رجلا قائما في طلب درهم". قال : قلت : يا أمير المؤمنين ! إذن أرجع إليك كما ذهبت من عندك ! قال : أمرنا أن نأخذ منهم العفو !" يعني الفضل.
لا مجال إذن لإرهاق الضعفاء بالضرائب والجبايات. وليس المكس والمال المنهوب من موارد الدولة الإسلامية، ولا تفقير الناس هدفا لها. وقصة عمر بن الخطاب مع اليهودي الذي افتقر بعد غنى دليل على رفق الإسلام بالرعية. روى الواقدي وابن عساكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقي شيخا من أهل الذمة يستطعم. فسأل عنه فقالوا : هذا رجل من أهل الذمة كبر وضعف. فوضع عمر رضي الله عنه الجزية التي في رقبته، وقال : "كلفتموه الجزية، حتى إذا ضعف تركتموه يستطعم !" فأجرى عليه من بيت المال عشرة دراهم، وكان له عيال.
عدل يقتضي إعفاء الضعيف وذي الحاجة وذي العيال.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:48 pm

مصارف المال
عين الله عز وجل مصارف الزكاة في قوله الكريم : "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم".
بالنظر في الآية الكريمة يتبين أن الزكاة، وما يتبعها من صدقات تطوع، تصبح فرضا وتلحق بإلزامية الزكاة عند حاجة المسلمين، ضريبة اجتماعية لها أهداف محددة. وكلها أهداف تحقق حماية المجتمع، والدفاع عن الدولة، والتكافل بين المسلمين، وضمان حقوق الضعفاء في الرخاء والأمن الاجتماعيين. إنها نظام كامل للضمان الاجتماعي.
أما مصارف بيت المال الأخرى فالواجب، كما قال ابن تيمية رحمه الله، "أن يبتدئ في القسمة بالأهم فالمهم من مصالح المسلمين، كعطاء من يحصل للمسلمين به منفعة عامة". معناه أن هناك أولويات تعتبر في وضع الميزانية السنوية للدولة، تعطى بمقتضاها الأسبقية للنفقات الضرورية على الكمالية، وللتجهيز وتثبيت قواعد الاقتصاد على نفقات التسيير الزائدة على حد الضرورة. ويخرج من دائرة الأهم والمهم نفقات الفخفخة والسمعة، إلا ما لابد منه من رعاية كرامة الدولة في عالم تسوده المظاهر والدبلوماسية والصورة الإيجابية والسمعة.
فأهم المصارف "المقاتلة الذين بهم النصرة والجهاد". ثم "ذوو الولايات عليهم، كالولاة والقضاة والعلماء والسعاة على المال جمعا وحفظا وقسمة، ونحو ذلك، حتى أئمة الصلاة والمؤذنون". ثم الإنفاق على "ما يعم نفعه من سداد الثغور بالكراع (أي تعبئة الجيش في وجه العدو بالمركوب) والسلاح، وعمارة ما يحتاج إلى عمارته من طرقات الناس كالجسور والقناطر، وطرقات المياه كالأنهار". ثم ذوو الحاجات الذين كان يقدمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العطاء. وقد قال عمر رضي الله عنه : "ليس أحد أحق بهذا المال من أحد : إنما هو الرجل وسابقته، والرجل وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته". وقد كان أبو بكر رضي الله عنه يسوى في القسمة، فلما ولي الأمر عمر رضي الله عنه أعطى الأسبقية بهذه المعايير الأربعة التي ذكرها. ثم رجع آخر عهده إلى نحو قسمة الصديق رضي الله عنهما".
ولا يجوز للإمام أن يعطي أحدا مالا يستحقه لهوى نفسه، من قرابة بينهما، أو مودة لأجل منفعة محرمة".
لابد من مراقبة صارمة، ومحاسبة دقيقة على كل مستويات الإنفاق لكيلا ينال من أموال المسلمين إلا المستحقون، ولكيلا تصرف أموال المسلمين في وجوه لا تناسب الأهداف ا‏‏لإسلامية ولا تخدمها. يتولى المراقبة والمحاسبة أجهزة الدولة المختصة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشعبيان المنظمان على يد جماعة المسلمين.
وانظر في كتاب الإحياء للإمام الغزالي؛ الجزء الثاني، أبواب الكسب، وموارد السلطان، ومصارف المال، وحدود الحلال والحرام في ذلك، والورع اللازم. ففيه كلام قيـم.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الإقتصاد

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس أكتوبر 20, 2011 5:48 pm

وظائف العبد في ماله
إن المال من المغريات الكبرى للعبد، والمفسدات للذمم والأمم، إن كان في يد من لا تسمو همته فوق شهواته. من موقف الناس من المال، في الرخاء والشدة، في الملاء والخلاء، في الأخذ والعطاء، في حضرة الرقيب البشري وفي غيابه، يتبين القوي الأمين من المنافق الخائن. لذلك يقدم أهل الورع من رجال الدعوة لوظائف الأمانة، فهم الأقوى عليها، الأعف عن المال الحرام، الأشد ورعا. يظن بهم ذلك حتى يتبين خلافه.
هذه صورة رائعة لعبد صالح أدى حق الله في ماله ومال المسلمين، نضعها في نهاية هذا الفصل معلمة يهتدي به من يلي أمر المسلمين، وموعظة وذكرى لقوم يومنون. قال الإمام علي كرم الله وجهه : "والله لأن أبيت على حَسَكِ السعدان (شوك) مُسَهدا، وأجر في الأغلال مصفدا، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشيء من الحطام ! وكيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها ! والله لقد رأيت عقيلا (أخوه المملق الفقير)، وقد أملق حتى استماحنى من بركم (طلب من قمحكم) صاعا. ورأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم. كأنما سودت وجوههم بالعظلم (صبغ). وعاودني مؤكدا، وكرر علي القول مرددا. فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقا طريقي ! فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها. فضج ضجيج ذي دنف (مرض) من ألمها. وكاد أن يحترق من ميسمها. فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل ! أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه ! أتئن من الأذى ولا أئن من لظى !
وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها (جاءنا بحلوى في الليل)، ومعجونة شنئتها (كرهتها)، كأنما عجنت بريق حية أو قيئها. فقلت : أصلة رحم، أم زكاة، أم صدقة ؟ فذلك محرم علينا أهل البيت. فقال : لاذا ولا ذاك ! ولكنها هدية. فقلت هبلتك الهبول (ثكلتك أمك) ! أعن دين الله أتيتني لتخدعني ! أمختبط أنت (مختل العقل) أم ذو جنة أم تهجر (تهذي) ! والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت ! إن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ! ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقي ! نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل. وبه نستعين !".


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3952
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 4 1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى