شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

صفحة 3 من اصل 7 الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الخميس فبراير 17, 2011 7:55 pm

هذه الردود مقتبسة من كتاب الخلافة و الملك للشيخ عبد السلام ياسين


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أخي عمر الحسني ...

مُساهمة من طرف ???? في الجمعة فبراير 18, 2011 7:49 pm

السلام عليكم جميعا و رحمة الله...
و الله يا أخي عمر الحسني لقد أفحمتنا بردودك, أنا شخصيّا أؤمن بكلّ ما أوردته و سمعناه من قبل في المناظرات و المقابلات السنيّة الشيعية و اقتنعنا به تمام الاقتناع.
لكن أخي اذا كان الخبران الذين أوردتهما عند وفاة الرسول ’ص’ و عند بيعة عليّ لأبي بكر رضي الله عنهما صحيحان عند السنّة و يوجد ما يماثلهما عند الشيعة في رواياتهم, اذن فلما الخلاف؟؟.
و بما أنّ الأخ المدير العام للموقع يرى أن هذا القسم من المنتدى يجب أن يكون للتقارب,فاني أرى أنّ ما أوردته فيه نوع من التوازن و القبول من المسلمين شيعة و سنّة....يبقى رأي أو آراء الشيعة المشتركين في هذا الموقع...

و بالمناسبة ما رأيك أخي عمر الحسني في مقولة السيّد علي السيستاني المشهورة...التي أوردتها سابقا..
و السلام...



عدل سابقا من قبل توفيق في الجمعة فبراير 18, 2011 10:24 pm عدل 1 مرات
avatar
????
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف ابو الامير العراقي في الجمعة فبراير 18, 2011 10:21 pm

عمرالحسني كتب:هذه الردود مقتبسة من كتاب الخلافة و الملك للشيخ عبد السلام ياسين

اخي الفاضل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا اعلم اخي لما اوردت كل تلك المواضيع جملة وتفصيلا
ولو اردنا ان نقف على ردودك نقدا وتصحيحا وتعقيبا لطال بنا المقال ولضاق بنا المقام
اخي الفاضل
جملة من ردودك تتحدث عن الامامة والعصمة واعتقد ان في المنتدى موضوع مفتوح عن ذلك ونذ فترة لم يرد تعليق على تلك النقاشات فكان الاحرى بك اتحافنا بما اتحفتنا به هناك فذاك محله.

اخي الفاضل
عذرا للمقاطعة
ان كان لديك ما يعزز تقاربنا او يعزز اخوتنا الدينية بعيدا عن مواضيع الخلاف
فادلي بدلوك


اللهم صلِ على النبي المختار واله الاطهار
الحرية الحقيقية هي الحرية من النفس الامارة بالسوء

[center]
avatar
ابو الامير العراقي
فريق الإشراف
فريق الإشراف

الديانه : الاسلام
البلد : العراق
ذكر
عدد المساهمات : 182
نقاط : 2722
السٌّمعَة : 9

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:22 am

أخي الحبيب الغالي
احييك و أحبك في الله
قبل كل شيء
ليس من عادتي أن أفحم أحدا ، لكني أوردت النصوص لا لشيء إلا لأطرح وجهة نظر الشيخ عبد السلام ياسين
.في مقالي حول الفقه الجامع سيدي وضحت ان مطلب الوحدة ملح ، وماورثناه عن أسلافنا من خلاف سيعالج عندما نتحلى بفضيلة الذكر ، اي ذكر الله قلبيا.هذا ينور القلب.
ثم نأتي لخطوة ثانية ، أن ندرس تاريجنا بعين فاحصة ناقدة ، ثم نبحث عن سبب الخلاف حتى مع أخوتنا الشيعة ، الشيعة أخوتنا ، رغم انوفنا.
نبحث عن الخلل ونعالجه بالعلاج النبوي.
اي منهاج العمل.
الخلاف عمره 15 قرنا ؟
فكيف نعالجه؟
أقترحت عليك الذكر لا لشيء لأن العقل تابع للقلب ، وعندما يستقي العقل حكمته من القلب المرحوم تكون البصيرة ، وتصير قرائتك لكل شيء بالله تعالى ، ينور قلبك و عقلك بالرحمة مفتاح القلب و الحكمة ميزان العقل.
وما دمت تريد النقاش في الأمر فأن صبرت علي نكتب في الأنكسار التاريخي ، وكيف تم ؟
ثم كيف تفاعل علمائنا مع هذا الواقع؟ ثم تعرف لم كان الشيعة ان صح التعبير جنود الليل بالتقية و الدهاء و المكر رغم ما لهم من حب آل البيت عليهم السلام ، ولم كان المبالغة في الحكايات في ثراث آل البيت التي لا يقبلها العقل ناهيك الشرع؟


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:25 am

فقه التجديد

كان الخوارج الأولون أكثر الناس عبادة، جاء وصفهم في حديث نبوي شريف يصفهم أكمل الوصف وأدقه، وهو الوصف المعصوم الصادر عن الوحي، لا كشهادة مؤرخ يرى ظواهرَ الأحداث. روى الإمام البخاريّ رحمه الله عن سيدنا علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سيخرج قوم في آخر الزمان أحداثُ الأسنان (أي شباب) سفهاء الأحلام (خفاف العقول) يقولون من خيرِ قول البَرِيّة، لا يجاوز إيمانهم حناجرَهم، يمرُقون من الدين كما يمرُق السهم من الرمِيَّة". الحديث.
حداثة السن سِمة مشتركة بين الخوارج المارقين الموصوفين في الحديث وبين شبابنا الأعـزاء أمل الأمة. ونرجو أن لا يبقى عند أحدهم نصيب من رقة دين الذين لا يتجاوز إيمانهم حناجرهم رغم تعبّدهم الشديد الذي وصفه الحديث الشريف قبل ظهورهم وأكده التاريخ بعد.
لا يُجاوز إيمانُهم حناجرهم، ولا يدخُلُ إلى قُلوبِهم، فهو إيمان منافقين، هو عدَم، أو إيمان أعْرابٍ يُطلِقون كلمة "إيمان" على هاجس غامضٍ أو ميل سطحي للدين. قال الله عز وجل عن الأعراب: "قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم".[1]
وقد ذهبت أجيال رقيقي الدين من سكان البادية الذين وصفهم القرآن بإسلاميةٍ لا ترقى إلى مرتبة الإيمان لانغلاق القلوب، وتبقى صفة الأعرابية تدمَغُ كلَّ مَن حالت صِفاته النفسية أصلا عن دخول الإيمان في قلبه.
هنالك صنف آخر من رقيقي الدين اكتسبوا بعضَ إيمان ثم ضعف هذا الإيمان وبَلِيَ حتى تلاشَى، فتقهقروا إلى مرتبة الأعرابية مع من انغلقوا في إسلامية سطحية أصلا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الإيمانَ لَيَخْلُقُ (أي يَبْلَى) في جوف أحدكم كما يخلُقُ الثوب. فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمانَ في قلوبكم". رواه الطبراني والحاكم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. قال الحاكم: رواتُه ثقات ووافقه الذهبي.
مَنع الإيمانَ أن يدخل إلى القلوب أصلا أمراض نفسية حائلة، أو دخَل مَدخلا ما فطرأت عليه الأمراض وأنهكته، فبلي وتلاشى. وهكذا يَتأصل في الفرد مرض الغثائية وداءُ الأمم وجرثومة الغلو. وهكذا تطرأ في الأمة أسباب الهَلَكة حتى يكونَ البغي وتستبدَّ الغِلْمة ويفسُد الحكم.
وحيث لا إيمانَ فلا قلوبَ تسمع كلامَ الله وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم فتتذكر وتأتَمر. قال الله تعالى: "إنَّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب".[2] وسلامة القلب من الأمراض مطلب شريف سأله إبراهيم عليه السلام ربَّه حيث قال: "ولا تُخزِني يومَ يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم".[3]
في تشخيص الأمراض الغثائية الذاتية المهلكة ينبغي أن نحفِرَ عليها وننقِّبَ بِمِسْبَارِ الكتاب والسنة ليكون التشخيصُ أَوْثق، وليكون العلاجُ طِبا نبويا قرآنيا لا يُملِّسُ على العاهة بل يستأصلها بإذن الله تعالى.
إن الله عز وجل أعلم بما خلق، وإنه سبحانه أشار إلى أصل البلاء ومباءَة الداء وعش الآفة: ألا وهي النفسُ وسلطانها المانعُ العبدَ عن الهُدَى، الصارفُ له عن العبودية لربه عز وجل، التائه به في الشهوات والأنانية، وسُكْرِ الهَوَى، وضلال العقل، وأسْرِ العادة. من استيلاء سلطان النفسِ يتولد الأشَر والبطرَ، وينشأ التكاثر والتناجُشُ (وهي المُزَايدة) في الدنيا، ويكون التحاسد والتباغض والبغي.
النفس تحب الدنيا وتكره الموت. وحبُّ الدنيا والحِرص عليها، على لذاتها المادية ورئاساتها، سَدٌّ حاجز للإيمان أن يدخل القلب، وسبب الغثائية المباشر بشهادة الحديث الشريف، وداعٍ أبديٌّ للفُرقةِ والتفتُّتِ والخلافِ العِدائيِّ. كان علماؤنا يُسمُّون الفِرَق الضالة والمبتدعة أهل أهواء. يُرجعون الظاهرَة إلى أسبابها.
إن المسلم إما أن يكون في سبيل الله عز وجل، عبداً مطيعا له، مُحبا، متقربا بالفرض والنفل، مومنا بلقاء ربه، مستعدا لذلك اللقاء، مشتاقا إليه، مستغفرا لذنبه، منيبا، ذاكرا، متفكرا. فذاك سائر في سبيل السعادة.
وإما أن يكون عبدا لنفسه، خاضعا لسلطانها، مطيعا لهواه، مسترسلا في شهواته. فذاك الشقي.
ومن كان سائرا في سبيل الهوى، أنى له أن يَحْمل الأمانة العظمى، أمانة رسالة الله، مبلغا عن رسول الله، عليه صلاة الله وسلام الله!
من كانت نفسُه منطويَة على خُبثها ومرضها أنى يكون شِفاء لغثائية الأمة وأعرابيتها وهو حاملٌ الجرثومة بين جنبيه!
إن تحقيق العبودية لله عز وجل، والتحرر الكلي من سلطان الهوَى هو الشرط الأول الضروري لتأهيل الفرد المومن للانخراطِ عن كفاءة في صف جند الله. وإن جندَ الله لا يكون جندا لله إلا إن سلمت القلوبُ فصلَحَتْ لتكون وِعاء لرحمة الله عز وجل الجامعةِ المؤلفة.قال تعالى يخاطب عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بلسان المِنة والنعمة: "هو الذي أيدك بنصره وبالمومنين وألف بين قلوبهم".[4]
وإن مستقَرَّ الإرادةِ القَلْبُ المومن الفردُ، يشتركُ مع جند الله المنظم في التعبير عن الإرادة الجهادية، وتخطيطها وتنفيذها. فإذا كان قلبُ المومن الفرد منضَمّاً على أعرابية، أو كان الإيمان فيه قد خَلُقَ واندثر، فلن يكون الحديث عن التآلف والعضوية إلا حديثَ زور، ولن تكون الإرادة إلا تعبيرا عن طموحات نفسية اجتمع عليها الناس مثلما نرى عند الأحزاب في الأمم التي لا خبرَ عندها بداء الأمم.
وإن القضاء على الأنانية التي تستعبد الفردَ لهوى نفسه أو لهوى غيره لَمَطْلبٌ أساسي. كما هو أساسي تحريره من الذهنية الرعَوية، ذهنية القطيع، ومن العادة التي تحشره في زمرة الإمعات التي لا إرادة لها.
وما يتحقق ذلك إلا بالعبودية المطلقة لله تعالى الخالق الرزاق المحيي المميت الباعث رب الجنة والنار.وأصل الدين وأُسُّه حب الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: "محبة الله سبحانه، والأُنس به، والشوق إلى لقائه، والرضى به وعنه أصل الدين وأصل أعماله وإراداته. كما أن معرفته والعلمَ بأسمائه وصفاته وأفعاله أجلُّ علوم الدين كلِّها. فمعرفته أجل المعارف، وإرادةُ وجهه أجلُّ المقاصد، وعبادتُه أشرف الأعمال، والثناء عليه بأسمائه وصفاته، ومدحُه وتمجيدُه أشرفُ الأقوال. وذلك أساسُ الحنيفية مِلةِ إبراهيم عليه السلام".[5]
من كان لا يحب إلا نفسَه، ولا يمجد سواها، ولا يشتغل بغيرها، ولا يسعى إلا في مبتغاها فليس من المِلة الحنيفية حقا. والحنيفية إخلاص الوجه والوِجهة والعبودية لله عز وجل وحدَه لا شريك له.
في هذا الكتاب نتحدث كثيرا عن ماضي المسلمين وحاضرهم ومستقبلهم، وعن العالم المضطرب وما يموج فيه، وعن الحكم ومشاكله. ويكون كلامُنا "ثقافة" كسائر الثقافات، لا يكون حقا يقتحم معاقل الباطل إن لَم نُؤصِّلْ المومن الفرد في العبودية لله عز وجل، عبوديتُه له سبحانه هي هويتُه لا غيرُ. وإن لم نؤصِّل جماعة المومنين المريدة الفاعلة في إخلاص لله عز وجل إخلاصاً يستوعب الحياة والممات والدنيا والآخرة. وتلك هي جماعة المومنين المخاطبين بالقرآن، المكلفين بأمانته، المطوَّقين المشرفين بقوله تعالى: "يأيها الذين آمنوا". ما خاطب بالقرآن غيرهم من الذين أسلموا و"التزموا".والإيمان سلامة القلب، الإيمان شفاء، الإيمان عافية، الإيمان بضع وسبعون شعبة.
من هنا يكون فقهُ تجديد الإيمان، وتحريك الإيمان، وتربية الإيمان مِحورَ كل عمل إسلامي، وإلاَّ دارت رَحَا الناس على خواء النفوس وخراب الذمم، ونتانة الهوى، وسوء المُنقَلب في الدنيا والآخرة. نعوذ بالله.
وقد أخبرنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أن الإيمان يتَجدد بأمرين. أولُهما صحبة "من" يبعثه الله عز وجل ليجدد الدين. جاء في حديث رواه أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأسِ كل مائة سنة من يجدد لها دينها".
وصحبَة "المَنْ" لا تتقيد بزمان، فالمرء على دين خليله كما أخبر الصادق الأمين. وكل حضور صادق مع المومنين له روحانيته وتأثيره التجديدي: الجماعات في المسجد ومجالس الإيمان وحِلَقُ العلم وزيارة الصالحين والمشاركة في أعمال البِر.
الركن الثاني من أركان تجديد الإيمان العبادة بأنواعها، ويجمعها ذكر الله فهو اللب، وأفضل الذكر قول لا إله إلا الله. روى الإمام أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جددوا إيمانكم" قالوا: يا رسول الله! وكيف نجدد إيماننا؟ قال: "أكثروا من قول لا إله إلا الله".
وركن ثالث ضروري: صدق الرجوع إلى الله تعالى، وصدق النية، وإخلاص العبودية له اعترافا وطاعة. وأعلى الصدق صدق طلب وجه الله عز وجل. فذلك هو التطلع إلى مقامات الإحسان والإيقان. وما يُلَقّاها إلا ذو حظ عظيم.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:26 am

افترق القرآن والسلطان

كما أمسكت أيدي الصحابة المباركين زمام الأمر في الخلافة الأولى، وحافظوا على البناء بعدما أقاموه مع النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك تمسك إن شاء الله أيدي "إخوانه" صلى الله عليه وسلم المباركين زمام الأمر في الخلافة الثانية بعد أن يعيدوا رصَّ البناء من انتقاض.
فما هو هذا الأمر؟ أهو دولة من بين الدول، ترعى مصالح المسلمين، وترفع من شأنهم بين الأمم، قوية عزيزة، لها حضارة شامخة، وجانب مرهوب، وسطوة محترمة. أم هي دعوة ودولة، دولة تخدم الدعوة، وتسير في موكبها، وتأتمر بأمرها؟
نبغ بين المسلمين منذ نحو سبعين سنة رجل ادعى أن الإسلام دعوة لا شأن لها بالدولة، فوجب الإلحاح على البديهيات. إنه الشيخ علي عبد الرزاق، من علماء الأزهر وقضاة مصر، أثار بكتابه "الإسلام وأصول الحكم" ضجـة ما تزال أصداؤها تتردد في أوساط الكتـاب والمفكرين، الإسلاميين منهم والأكاديميين.
أما الإسلاميون، وهم الشاعرون بضغطة الاستعمار أكثر من غيرهم، فقد ردّوا بأن الإسلام دعوة ودولة، وأطنبوا في إبراز جانب الحكم في الإسلام، واختزلوا الألوهية في صفة من صفاتها، جلت وتعالت، هي صفة "الحاكمية". وإنما أتى تضخيم جانب الدولة في خطاب الإسلاميين المنافحين عن الدين مُغالَبةً للتيار المعادي. فكانت النتيجة أن غُيِّب أساس الدين، وهو الدعوة إلى الله تعالى،وأشاد الناس بالقوة الحامية والدِّرْع الواقية والهيكل الخارجي: الدولة.
كان علي عبد الرزاق من حزب "الوفد"، وكان حزب "الوفد" يُماري في نزعة الملك فؤاد أن ينتحل لقب "الخلافة" وينتصب على أريكتها في مصر بعد سقوطها في تركيا. فكتب الشيخ كتابه لينقُض الفكرة بنفي أي أصل للحكم يستند إلى الدين.فهي لاييكية أخرى قالت كلمة باطلٍ أريدَ بها هدف سياسيُّ. أراد "الوفد" وشيخه أن يقاتل ملكا فعدا على الدين.
وبقي في جو الدعوة هذا التضخيم الجدَليُّ لجانب الحكم في الإسلام،وكأنَّ الله عز وجل ما بعث رسله عليهم السلام إلا لبناء دولة تحكم بالشرع، وتقيم العدل. ولا شأن لأحد في هذا بمخلوقية العبد، وتكليفه، وندائه إلى اقتحام العقبة للقاء ربه، وبعثه بعد الموت، وجزائه، وسعادته الأبدية وشقائه.
إنه سكوت في الخطاب الإسلامي مُريب. إنه جريان مع تيار التغفيل عن الله عز وجل. إنه نوع من اللاييكية الضمنية، وفصل لمعاني الإسلام، وهي أولا وآخرا خضوع العبد لربه عز وجل، عن السياق الحركي الحُكْمي. فيا إخواني، يأيها الإسلاميون المقبلون على الحكم، ماذا تريدون؟ أتريدون دولة باسم الإسلام ينتهي عمَلُكم الدعَوِيُّ عند إقامتها، فتذوب الدعوة في الدولة، أم تريدونها خلافة على منهاج النبوة؟ وإذن فلا بد أن نتكلم في البديهيات لنصحح المسار ولنؤسِّسَ خطابنا وهو مرآة لما تُكنه النوايا على تقوى من الله.
إن الله عز وجل أمر المومنين أوامر وكلفهم تكليفا. من التكاليف ما هو منوط بذمة الفرد كالصلاة والصيام، ومنها ما لا يمكن القيام به إلا بتعاون جماعة المومنين، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. وإن الله عز وجل شفَع أمره للجماعة بالعمل الصالح الجماعيِّ المؤَذِّنةِ به "يأيها الذين آمنوا" افعلوا أو لا تفعلوا بأمره الحُكْمي السياسي الدَّولي الصادِعِ به قولُه عز وجل: "يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".[1]
لا يصلح الناس فَوضَى، ولا يستقيم أمر المسلمين بلا نظام حكم. ولا يخدم أهداف الإسلام الجماعية والفرديةَ نظامٌ لا يخضع للإسلام ولا تكون طاعتُه من طاعة الله ورسوله. فالإسلام دولة ونظام حكم، لا يُضارّ في ذلك مجادل.
لكن الله عز وجل إنما يبعث رسله عليهم السلام لشأن عظيم، لشأن أخرويٍّ أبديٍّ. بعثهم لهداية الخلق إلى طريق مستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. وهو صراط السعادة الأبدية. "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"[2] آية نفي وإثبات تؤكد الجانب الدعويَّ. آية "يأيها النبيء إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه"[3] تبين أن النبوءةَ الرحمةَ دعوة مبشرة بحقائق الآخرة منذرة منها قبل كل اعتبار، قبل كل نظام.
آية "إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتومنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا"[4] دليل على أن الرسالة النبوية رسالة إيمان بالله تعالى، رسالة انحياش إليه عز وجل، رسالةُ تسبيح لجلاله، رسالة عبودية للخالق الرزاق المحيي المميت الباعث الديان رب الجنة والنار. له الأسماء الحسنى، وله الحاكمية والطاعة.
في عهد النبوة كانت الدعوة والدولة قضية واحدة، فكان من مقتضيات نشر الدعوة أن ينتظم المسلمون في أمور عباداتهم ومعاملاتهم ومعاشهم وجهادهم حول مُطاع واحد. في شخصه الكريم تجتمع معاني الرحمة المهداة، وبيده الكريمة مقاليد الأمر والنهي، أمرٍ ونهيٍ جميعٍ غيرِ شتيت، الكل دينٌ، لا فصلَ في فقه الصحابة رضي الله عنهم بين الدنيوي والديني. هم كانوا عبادَ الرحمان، في كل حركاتهم وسكناتهم يذكرون الله عز وجل ويسبحونه، حاضرين قلبا وقالبا مع البِشارة والنذارة. كل أعمالِهم قُرَبٌ إلى الله عز وجل، ترفعُها النية مهما كانت صغيرة.
في عصرنا، معاشرَ الدعاة، وجدنا الدعوة منزويَة، بل مَزوِيّة، بعيدا عن الدولة، مغايرة لها، مضغوطة مِن قِبَلها، مُحارَبَة مضطهدة، أو مُرَوّضة مُدَجنة مُؤَنّسة.
ومَنَّ الله عز وجل علينا بأن بعث فينا غَيرة على دينه، وَكراهية لطغيان الحكم العاض المنحرف عن طاعة الله ورسوله. فنحن نريد أن نحكم بما أنزل الله لكيلا تبقى الأمة وعلى عنقها تهديد "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"،[5] "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"،[6] "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون".[7]
والذي وجدناه أمامنا، في كل قطر من أقطار التجزئة الشنيعة دولةٌ بلا دين، دولة تستخف بالدين، دولة تنكر الدين. فقمنا نصبُ كل جهودنا على تفنيد أصول اللاييكية، ونصرُخ أن الإسلام دعوة ودولة، حتى بُحَّتْ أصوات الغيرة منا، فيخيل للسامع والقارئ أن مقالتنا تتلخص في أن الإسلام دولة، دولة، دولة.
ألا وإن الله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم،وإن سكوت الإسلاميين، سكوت كثير منهم، عن الذي جاءت من أجله الرسل وهو دعوة العباد إلى ربهم وتذكيرهم بالمصير الأخرويِّ، أدَّى إلى ضُمور الحِسِّ الدعويِّ، فإذا بالإسلام المنطوق به المُعلنِ المكتوبِ مذهبٌ في الحكم، رائع متفوق. وهم عن الآخرة هم غافلون.
بأنفسنا صدْع خفي، بعضه مِنْ بِلَى الإيمان، وبعضه من "منطق الساحة" الذي يجرفنا فلا نشعر إلا ونحن نتحدث حديثا هو بحديث اللاييكيين أشبـه لولا كلمات تَحنُّ حنينَ الثكلى إلى وليدها. ينعكس في خطابنا الافتراق بين السلطان والقرآن، نقضٌ مرَدُّه إلى ما في النفوس. وكلُّ إناء بالذي فيه يرشح.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا العطاءَ ما دام عطاء، فإذا صار رَشوة عن الدين فلا تأخذوه. ولستم تاركيه، يمنعكم من ذلك الفقْرُ والحاجة. ألا إن رَحا الإسلام دائرةٌ فدوروا مع الكتاب حيثُ دار. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم". رواه أبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.
في هذا الفصل من الكتاب، نعُدُّه من أهمها، نريد إن شاء الله أن نتمعن في الفُرقة بين السلطان والقرآن، بين الدعوة والدولة، ليكون وعيُنا بأسباب الفرقة والخصام أدعَى أن نجمَع، أستغفر الله العظيم، أدعى أن يجمع الله تعالى بنا ما افترق.
في الهدي النبوي، وبالوحي نستضيء نوّر الله قلوبنا بنوره، إشارة إلى مآل الحكم في يد حكام ظَلَمَة دارت بهم رحا القَدر، فانتزعوا الدولة من يد الدعوة، وتحكموا في المال والقوة حتى لم يبق لأهل القرآن من خيار إلا أن يطيعوهم فيضلوا أو يعصوهم فيُقتَلوا.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:27 am

دورة الرَّحا

نستفيد من التلمذة المستبصرة لتلميح الوحي المعبِّر عن توقيع القدَر، الملمِّح لمواقعه، أن رحا الإسلام تدور بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهور الفُرقة والخصام بين السلطان والقرآن. ومع التلميح الأمرُ الصارم أن ندورَ مع القرآن حيث دار لا مع السلطان الجائر الذي لا يترك لنا إلا المجال الضيق بين القتل والضلال.
ونستفيد من تصريح الوحي الواعد بالخلافة الثانية أنها دورة نبُوَّة -خلافة على منهاج النبوة-حكم عاض-حكم جبري-خلافة ثانية على منهاج النبوة.
ويفسر الوحيُ الوحيَ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ. فطوبَى للغرباء". رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الشيخ محمد عبده رحمه الله: يعود غريبا كما بدأ لينتشر وينتصر ثانيَ مرة كما انتشر وانتصر أولَ مرة. ونعم القولة هذه. يؤيد صحتها الحديث المنهاجي، ثم ما نشاهده رَأْيَ العين في الصحوة المباركة.
وليْسَ لِمن يرشحهم القدَرُ من غُرباء الإسلام الموعودين بالغد المُكلِّفِ المشَرِّفِ مِثلُ تتبُّعِ الرحا في دورتها ليرقبوا كيف دارت دورةَ النزولِ ليعكسوا في صعدتِهم خِصالَ الخلافة تخلقا وإيمانا.
عندما بايع الصحابة رضوان الله عليهم سيدنا أبا بكر الصديق بعدَ عهدهم بالنبوة ومكانتها الشامخة تضاءل رجل الإسلام العظيم عند نفسه تعظيما لمقام النبوة والرسالة فلَم يرق المنبر النبويَّ إلا درجة تحت مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخطب فكان مما قال: "يأيها الناس، ولودِدْتُ أنّ هذا كفانِيهِ غيري. ولئِن أخذتُموني بسُنَّة نبيكم صلى الله عليه وسلم ما أُطيقُها: إنْ كانَ لَمعصوماً من الشيطان، وإن كان لَينزل عليه الوحيُ من السماء". رواه الإمام أحمد عن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه.
إشعار للناس بأن مقام النبوة والعصمة والوحي انتهى،وأنه ما بقي إلا التعاملُ مع بشر يجتهد في الاقتداء على سمع المسلمين وبصرهم، وعلى شرط "إن أصبت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني".وهو شرط سمعه الناس من أبي بكر ومن عمر. رضي الله عن أبي بكر وعن عمر، وعن عثمان وعن علي، وعن سائر الصحب الخيرين، وعن آل البيت الطيبين الطاهرين.
كان التواصي بالحق، وقول الحق، والوقوف في وجه الباطل،الحابِسَ للرحا أن تدورَ سافلةً إلى دركات السلطان المفارق للقرآن. وكان الشأنُ الأولُ للخليفة الدعوةَ وتعليم الناس دينَهم. قال أمير المومنين عمر في إحدى خطبه: "ألا وإني واللهِ ما أرسِل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم. ولكن أرسلتهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم". ويوصي العمال فيقول: "ألا لاَ تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمِّرُوهم (لا تطيلوا مدة خروجهم للجهاد) فتفتنوهم. ولا تمنعوهم حقوقَهم فتُكفِّروهم". الحديث رواه الإمام أحمد عن أبي فراس.
خلافة تريد إعزاز المسلمين لا إذلالهم، وتعتبر أن حرمان الناس من حقوقهم يدفع إلى الكفر.خلافة تُنيط بالعمال، وهم أساسا ممثلو سلطة الدولة، مهمة الدعوة، مهمة تعليم الناس دينهم. فهم خدَمة للقرآن ينبغي أن يُنبَّهوا بقوة لذلك كيلا يُطغِيَهم السلطان.
ويربي الخليفة الراشد الناس على قول الحق ومقاومة الباطـل، ويدربهم على ذلك تدريبا كيلا تزيغ به نفسُه أو يَخْنَسَ بهم الخوفُ من السلطان عن الشهادة بالقسط. أخرج ابن عساكر وأبو ذر الهرويُّ عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في مجلس وحوله المهاجرون والأنصار: "أرأيتم لو ترخَّصتُ في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟" فسكتوا. فقال ذلك مرتين أو ثلاثا.فقال بشير بن سعد: لو فعلت ذلك قوّمناك تقويم القِدْح (وهو عود السهم)! فقال عمر: أنتم إذاً! أنتم إذاً!".
أنتمُ إذاً الرجالُ المومنونَ إذ تقوِّمون ما اعوج.من يستطيع أن يشجع مقالةً تُهدد السلطان إن زاغ إلا خليفةٌ يلتمس من يعينه على دينه، هو يحكم نفسَه وهواه ويرقُب آخِرَتَه ومولاه!
ودارت الرحا سافلة من الخلافة الراشدة الداعية الخائفة من ربها، الحاكمة نزواتِها بقوم من المسلمين لَحِقوا بالإسلام آخِرَ العهد، لم يتربّوْا التربية التي ترفعهم من أعرابية المسلم الناطق بالشهادتين والنفسُ منطوية على عِلاتها الجاهلية.
لا نريد الخوض في أعراض الصحابة كما يفعل بعضُهم، لكن الإشارةَ إلى مواطن الفسادِ في نفوسِ من نزلت بهم رحا الإسلام ضرورية ليعرف الغرباء الصاعدون العِلة المتربصة في الطريق فيُطببوها في خاصة أنفسهم ويحترسوا منها احتراسهم من العدو الأنكى والأشد.
أخرج عبد الرزاق عن ابن أبْجَرَ قال: لما بويع لأبي بكر الصديق جاء أبو سفيانَ إلى علي فقال: "أغَلَبَكُمْ على هذا الأمر أقلُّ بيتٍ في قريش؟! أما والله لأملأنها خيلا ورجالا. فقال علي: ما زلتَ عدوّاً للإسلام وأهله، فما ضرَّ ذلك الإسلامَ وأهلَه شيئا. إنا رأينا أبا بكر لها أهلا".
هنا يتعارض منطق المسلم حديث العهد بالإسلام مع منطق المومن الذي أسس الإسلام بجنب النبوة. منطق القوة والعنف والعصبيةِ القبلية التي لا ترضى أن يسودَ "أقل بيت في قريش" يعارض منطق الأهلية الذي يزن الأمور بمعيار "إن أكرَمكم عند الله أتقاكم".
حارب أبو سفيان الإسلام زُهاءَ عشرين سنة، ثم كان من مُسلِمةِ الفتح هو وابنُه معاوية. طُلَقاءُ العفو النبوي بقيت فيهم جاهلية راسبة. ما كمُّها وكيفُها؟ الله أعْلَمُ.
وليس في عَزْوِ الترسبات الجاهلية لصحابي ما ينقُضُ دينَ أحَدٍ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبي ذر: "إنك امرُؤ فيك جاهلية!" لمجرد أنه قال لرجل: يا ابن السوداء. وما أعظم الفرق بين من نطق بكلمة غضب وبين من هدد أن يملأها خيلا ورجالا لنصر الحمية القبلية!
ثم ما أرَقَّ حاشية الجاهلية التي شجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحبه أبي ذر بالجاهلية الشنعاء التي استفحلت في بني أمية فقتلت حسينا رضي الله عنه، ودمرت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورمت الكعبة بالمنجنيق!
عصبية جاهلية استفاقت في بني أمية بعد فترة حضانة وتربص حتى انقضت على السلطان، فكانت الفارقة بين عهدين، عهدٍ كريمٍ تُرَشِّحُ فيه الأمة خيارها لخدمة القرآن، وعهدٍ مفتون الأهليَّةُ فيه بالنسب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هلاك أمتي على يد غِلمة من قُريش". قال الراوي: فقمتُ أخرج مع أبي وجدي إلى مروان بعدما ملكوا، فإذا هم يبايعون الصبيان، ومنهم من يُبايَعُ له وهو في خِرقة!" رواه الإمام أحمد.
كان معاوية بن أبي سفيان أولُ ملوك بني أمية رجلا ذا مروءة، من مروءته الحنكة السياسية والحِلم. دخل عليه أبو مسلم الخولاني التابعي الجليل فقال: السلام عليك أيها الأجير! فثار عليه الأعوان وقالوا: قل: أيها الأمير! فقال: السلام عليك أيها الأجير! فثاروا عليه مرة ومرة.فقال معاوية: دعوا أبا مسلم، فإنه أعلم بما يقول! فقال: إنما أنت أجير، استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها. فإن أنت هَنَأْتَ جَرْباها وداويت مرضاها وحبستَ أولاها على أخراها وفّاك سيدُها أجرك. وإن أنت لم تَهْنَأْ جرباها ولم تداو مرضاها ولم تحبِسْ أولاها على أخراها عاقبك سيدها.
كان الملك الأمويُّ الأول يسمعُ بعض ما يُقَّوِمُ بعضَ العوج، سياسة منه ومروءة. ثم ولِيَ بعده ابنه يزيدُ فملك قُرابة ثلاثِ سنوات قام فيها بأعمال ثلاثة خالدة في سجل البغي الملكي العاض. في السنة الأولى قتل حسينا رضي الله عنه، وفي كربلاء طعنوا الجسد الشريف بالرماح، وضربوه بالسيوف، ورفسوا جثمان الشهيد تحت أرجل الخيل، وقتلوا نيفا وسبعين رجلا من آل البيت وشيعتهم، وساقوا نسوة آل البيت وبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا إلى البلاط اليزيدي.
هذا موقف يجسد قتال الدولة الغاصبة للدعوة القائمة المقاومة. يجسد سَطْوَ السلطان على القرآن وتسلط الباطل على الحق.
في السنة الثانية من ملك يزيد الماجن العربيد السفيه قام علماء المدينة وقُراؤها على حكم البغي. فدهمتهم جنود البغي. قتلوا سبعة آلاف من أشراف المسلمين، واستباحوا المدينة ثلاثة أيام حتى حبَلَت ألف امرأة من فعل جيش يزيد. في السنة الثالثة من ملك يزيد هجم جيش يزيد على القائم بمكة عبد الله بن الزبير فضربوا الكعبة بالمنجنيق وأسالوا الدم الحرام في البيت الحرام.
كلمة قالها عبد الملك بن مروان "بطل الأمويين" تلخص أصول البغي الملكي العاض وحجته في صيغة تناسب التطور من عصبية أبي سفيان القبلية الساذجة الذي أراد أن يملأهاخيلا ورجالا إلى عصبية أمسكت سيف الدولة بيدها. خطب عبد الملك بالمدينة سنة 75 على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إني لن أُداوِيَ أمراض هذه الأمة بغير السيف والله لا يأمرني أحد بعدَ مَقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه!"[1]
من أولئك الذين يطلبون المعونة على الاستقامة وتقويم الاعوجاج، إلى مَلِكٍ حليم لا يستفزه "السلام عليك أيها الأجير"، إلى ما تسمَع! ولا حول ولا قوة إلا بالله.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:28 am

العلماء والقائمون

في السنة الثامنة من الهجرة فتح الله تعالى لرسوله وللمومنين مكة ثم الطائفَ، فبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم بسطة واسعة من عطائه وعفوه. فكان نصيبُ بني أمية من ذلك كبيرا. أسلم أبو سفيان قائد حرب قريش فنادى منادي الرسول أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. وأسلم ابنه معاوية فقربه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء في بعض الروايات أنه استكتبَه.
وفي خلافة أبي بكر بعث خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدَ بن أبي سفيان قائدا لفتح الشام وألحق به معاوية. وما لبِث معاوية لكفاءته وحزمه وفصاحته ودهائه وسياسته أن أصبح في عهد الفاروق أميرا على الشـام، تمكن في الشام مدة عشرين عاما حتى صفت له الرئاسة والتف حوله الناس واعصوصبوا له. لا سيما وهو قد استظهر بنسبه القريب من ذي النورين عثمان رضي الله عنه، واستظهر بالعُصْبة من بني أمية. فثار وثاروا بعد فتنة الأخلاط الذين قتلوا الإمام الشهيد الخليفة الثالث يطالبون بدمه.
ليس بقوة السلاح استولى معاوية بن أبي سفيان على الحكم، بل بالدهاء. هزيمته في حرب صفين أمام الإمام الشرعي أمير المومنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهَه أحالها إلى انتصار بحيلة رفع المصاحف وطلب التحكيم.
ومن التحكيم وما تلاه خرج الخوارج، وبدأ انتقاض عُروَةِ الحكم في الإسلام. وما لبث الخوارجُ أن قتلوا الإمام عليا عليه السلام. وما لبث الإمام الحسن بن علي أن تنازل عن قيادة جيش المسلمين ليصفُو الجو لعصبية بني أمية.
ومن دهاء معاوية بن أبي سفيان أنه استعمل ثلاثة من دهاة العرب في توطيد حكمه: عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن سُمَيّة الذي لا يُعرفُ أبوه فاستلحقه بنسبه، فصار يُعرَف زورا بزياد بن أبي سفيان.
زياد، قبل الحجاج، كان مثالا للطاغية الفتاك. خطب على المنبر فحصبَه الناس، فأغلق المسجد وقطع أيدي المصلين. خرج الأمر من عند معاوية بسَبِّ علي عليه السلام، فكان المسلمون وآل البيت يسمعون سبَّ أطْهَرِ الناس من على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان زياد من الذين يكثرون السب. فيقوم أحد خيار الصحابة حُجْرٌ بنُ عَدِيٍّ فيَرُدُّ عليه. بعث زياد بحُجر وباثني عشر من أصحابه إلى معاوية، فقتل معاوية حجرا وسبعة من أصحابه شر قتلة، أما الثامن فرده إلى زياد فدفنه حيا.
لا تكاد تُحصي جرائم بني أمية،لكن قيام الخَيِّر حُجر رضي الله عنه حدَث مُهم فتح في تاريخ المسلمين سجلا طويلا من مقاومة العلماء لسلاطين الجور.
ولوقاحة سب الإمام علي على المنابر مدة ستين سنة قبل أن يُبْطِلَ هذه البدعة الشنيعة الرجلُ الصالح عمر بنُ عبد العزيز الأثرُ البالِغُ الدائم المتردِّدُ صداهُ في ضمير أجيال المسلمين، خاصة منهم الشيعة. ومن ذا الذي لا يقوم مع حجر وأصحابه ضد البغي السافر؟
ثم كانت قومة الإمام الحسين عليه السلام،وانتفاضة القراء العلماء بالمدينة، وثورة عبد الله بن الزبير بمكة، وفتك يزيد الفاجر بالمسلمين.
بعد بني أمية توالت مِحنةُ آل البيت من العلويين.فقام الإمام زيدٌ بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين رضي الله عنهم ضد هشام بن عبد الملك الأموي، وتضامن معه الإمام أبو حنيفة الذي كان يقول كلمة الحق وينتقد الحكم.
وخرج أبو حنيفة مع قائم آخرَ من آل البيت، من ذرية الإمام الحسن عليه السلام، هو محمد بن عبد الله "النفس الزكية"، وآزره بالمال في حربه للمنصور العباسي. وكان أبو حنيفة يرى أن الثورة على ملوك العض من أمويين وعباسيين أمرٌ جائزٌ شرعا، بل مشروع واجب.
قال أبو حنيفة عن قومة الإمام زيد: "ضاهى خروجُه خروجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ بدرٍ". في آخر المطاف عَرَضَ المنصور على أبي حنيفة القضاء فأبى إباءً شديدا لكيلا يعمَلَ للظَّلَمَةِ عملا. "فلما أبى دسوا عليه السم فقتلوه".[1]
ويروى أن الإمام مالكاً أفتى بجواز الخروج مع محمد "النفس الزكية"،فقيل له: إنَّ في أعناقنا بيعة للمنصور. فقال: إنما كنتم مُكرهين، وليس لمكره بيعة".
وقد سُئل مالك عن الخارجين على الحكام: أيجوز قتالهم؟ قال: نَعَمْ إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز. قالوا: فإن لم يكونوا مثله؟ قال: دعهم ينتقم الله لظالم من ظالم، ثم ينتقم من كليهما.
وكان مالك رحمه الله يكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على مستكرَه طلاق". فكان بنو العباس يكرهون ذلك ويرونه تلويحا يُبطل بيعتهم، لأنهم كانوا يُحَلِّفون الناس بطلاق أزواجهم إن هم لم يفوا بالبيعة الإكراهية. ونهَوْا الإمام مالكاً عن التلويح وعن رواية ما يكرهون فامتنع. فآل الأمر إلى ضربه حتى انخلعت كتفاه. رحمه الله.
وكانَ حبُّ آل البيت والوَلاءُ لمحمد النفس الزكية ولإبراهيم ويحيى القائمين بعدَه دخيلةَ مالك. وكان الشافعي رضي الله عنه علوِيّاً في صميمه، يُكنُّ الوَلاءَ للقائمين ضد تسلط بني العباس.
وهو القائلُ لَمَّا أكثَر الناسُ عليه واتهموه بأنه شيعي:
إن كان رفضا حبُّ آل محمد فليشهد الثقلان أنيَ شيعي
ذهب الشافعي إلى اليمن فاستوطنه زمانا.فكان لسانَ الحق لا يسكت عن باطل يراه من أفعال والي هرون الرشيد. فكتب الوالي إلى "الخليفة العباسي" يقول: "إن تسعةً من العلويين تحركوا. وإني أخاف أن يخرجوا. وإنّ ها هنا رجلا من ولَدِ شافع (يعني الإمام الشافعي رحمه الله) المطلبي، لا أمرَ لِي معه ولا نهي. يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه القاتل بسيفه".
وسيق الإمام مع التسعة الأشراف إلى البلاط في بغداد. فقُتل التسعة، ونجا الإمام بحسن بيانه، ثم بتدخل قاضي القضاة محمد بن الحسن الذي كان يعرف جلالة قدر الإمام وسعَة علمه وفضله.
هذه نبدة سريعة خاطفة عن انقلاب الدولة والسلطان على أهل القرآن. كان في علماء المسلمين، وفي آل البيت بالذات، إباية على الظلم عبرت عن نفسها بالخروج المسلح وبالفتوى الفقهية. فكان القمع الوحشي هو الجواب المُكرر الذي ردع في علماء المسلمين كلمةَ الحق لقرون. والناس تبعٌ لعلمائهم. وطال عهد القمع المستمر حتى أصبح ما كان مُنكرا بيِّنا مكروها مرفوضا أمرا واقعا ثقيلا موطد الأركان. أصبح النّزْو على السلطان واغتصابه واستعباد الدعوة ورجالِها أصلا مُقررا.
وتجد كتبا ألِّفت تستصوب ما فعله الداهية،الصحابي المحترم لحرمة الصحبة لا غيرَ، الباغي المعتدي بعدُ. تستصوب توليته لابنه يزيد وتوريثَه إياه "الخلافة" وكأن الأمة بضاعة يرثها الخلَف عن السلَف!
كانت بيعة يزيد النموذجَ الأولَ لتحريف نظام الحكم في الإسلام وتحويله إلى كسروية. وقد تريث معاوية واستشار دهاته ودبر أمره بإحكام. وأخذ البيعة لابنه يزيد في العراق والشام وأطراف البلاد،حتى لم يبق له إلا كُبراء مكة والمدينة، وفيهما كان بقية الصحابة وأبناء المهاجرين والأنصار.
فتوجه بنفسه إلى الحجاز، واستدعى إليه الأربعةَ المحترمين من علماء الأمة المسموعي الكلمة: الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمان بن أبي بكر.لقيهم خارج المدينة وأغلظ لهم القول.وتلك أساليب يحسنها الملوك الغاصبون لتخويف ذوي الرأي وإرهابهم.
ثم استدعاهم خارج مكة وألان لهم القول وأحسن معاملتهم. ثم خاطبهم فُرادى ولاطفهم ليبايعوا يزيدا. قال له عبد الله بن الزبير: "نخيرك بين ثلاث خصال: تصنع ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يستخلف أحدا، فارتضى الناس أبا بكر.أو تصنع كما صنع أبو بكر، فإنه عهِد إلى رجل من قاصية قريش، ليس من بني أبيه، فاستخلفه. أو تصنع كما صنع عمر، جعل الأمر شورى في ستة نفر، ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه". ثم سأل الآخرين فقالوا: قولنا قول عبد الله.
عندئذ نطق الملك نطقه الكسروي فقال مهددا مُزبدا مُرعداً: "فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم: إنه قد أعذر من أنذر! إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح. وإني قائم بمقالة: فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه! فلا يُبْقِيَنَّ رجل إلا على نفسه!"
ثم نادى رئيسَ حرسه فقال له: "أقِم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، ومع كل واحد منهما سيف. فإن ذهب رجل منهم يرد عليَّ كلمةً بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما".
ثم دخل المسجد وأدخل الأربعة الكُبراء أمام الناس، وصعِد المنبر فقال: "إن هؤلاء الرهْطَ سادةُ المسلمين وخيارُهم، لا يُبتَر أمر دونهم، ولا يُقضى إلا عن مشورتهم. وإنهم قد رَضُوا وبايعوا ليزيد. فبايِعوا على اسم الله".[2]
فلما رأى الناس سادة المسلمين سكوتا قاموا فبايعوا. لم يعلم المسلمون أن أولي الرأي والحرمة فيهم قد تعاورَهم الترهيب والترغيب، ورُصِد السيفُ على رؤوسهم.
هكذا تمت أول بيعة نقلت الحكم من الخلافة إلى الملك، ومن الشورى والاختيار إلى القسر والإرغام، ومن تعامل الصادقين بصدقهم إلى تحايل الدهاة وتحاملهم.دارت رحا الإسلام دورتها ليختفي أهل العلم والتقوى لأزمنة طويلة لا تزال ممتدة تحت ستار التقية عند الشيعة وتحت الاستنكار المكبوت عند سواد الأمة وجمهورها من أهل السنة والجماعة. والله غالب على أمره.




[1] أنقل عن كتاب "أبو حنيفة" لأبي زهرة رحمه الله ص37 وما بعدها.
[2] الكامل لابن الأثير كما نقله المودودي رحمه الله من كتابه المذكور ص97.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:28 am

فتوى الاستيلاء و"عجز الطالب"

استنكار مكبوت للحكم المتسلط؟ أم رضوخ للأمر الواقع لما عجز الطالبون عن زحزحة الملكية العاضة عن مواقعها؟ بل آل الأمر إلى إضفاء المشروعية على ما كان ولا يزال في ميزان الحق باطلا!
سطت السيوف الأموية تسعين عاما حتى أزاحتها عن سد الحكم السيوف الخراسانية التي مكنت لدولة بني العباس. ثم تلا الجيوشَ العربيةَ الفارسيةَ التي خدمت "الخلفاء" العباسيين مدى قرن من الزمان جيوشُ الترك ثم أصناف الأقوام من ديلم وسلاجقة كان "الخليفة معهم مجرّدَ رمز لا أمر له ولا نهي".
وهكذا حكم "الأمراء المستولون" من بني بويه وبني سلجوق،ومن شاهات وأتابكة، إلى أن هجم التتار وخربوا بغداد. ثم حكم المسلمين أصنـاف من المتغلبين الوراثيين من سلاطين وملوك عرب ومماليك عجم، إلى أن ظهر بنو عثمان الأتراك، إلى أن صدم الاستعمارُ الأمة لتدور بها رحا الإسلام في جولة الحكم الجبري الذي نعيشه.
كل ذلك والعلماء الدعاة استكانوا طوعا وكرها إلى تساكن مع الحكم العاض والجبري. انفتحت للدعاة العلماء واجهةٌ لمقـاومة عدو متسلل إلى العقول والعقيدة فتفرغوا لجمع الحديث وتفريع الفقه وتأصيله، وانبرَوْا لتعليم الأمة ودفع التيارات الفلسفية الإلحادية المنحرفة تاركين لِحمَلَةِ السيف مهمة قتال العدو الخارجي، ومهمة إطفاء نار الفتن التي ما فتئ يؤججها في أنحاء المملكة المسلمة المتواسعة طوائف البغاة وأهلُ الأهواء من خوارج وزط وزنج ومزدكية زنادقة وخُرّمية وغير ذلك.
منذ رفع الخوارج بعد معركة صفين شعارَ "لا حكم إلا لله" أخذ المسلمون الطارئون على الأمة من الشعوب العجمية يطرحون أسئلة يمليها ما يحملونه من رواسب الفلسفة والديانة والثقافة التي نشأوا عليها قبل إسلامهم. وتفاعل العامل السياسي مع العامل الفكري العقَدي فنشأت مذاهب شتى هي صدْعٌ في معنى الإسلام وفهمه كما كان الصدع في الحكم وفرقة السلطان عن القرآن تشتيتا لجسم الإسلام.
وكان لا بد لعلماء المسلمين من الذب عن حوزة الدين بالحجة والبرهان تاركين للحكام شؤون السيف والسنان.
من موقف أئمة الفقه الذين قرأنا في الفقرة الأخيرة كيف كانوا متحفزين لإصلاح الحكم تطور الأمر إلى موقفٍ لأتباع مذاهبهم بَنى على قاعدة الأمر الواقع، معترفين بما هو قائم، شاعرين بحدود قدراتهم.
وما انتهى القرن الرابع حتى كانت قضية الاعتراف بحكم السيف الغالب مسألة فقهية مفروغا منها، وضرورة لا محيدَ عنها، يُعَرفها الماورديُّ الفقيه الشافعي فيقول: "وأما إمارة الاستيلاء التي تُعقد عن اضطرار، فهي أن يستولي الأمير بالقوة على بلاد يقلده الخليفة إمارتها (...) لوقوع الفرق بين المُكنةِ والعجز".[1]
يعني هذا أن الأمير المستولي بالقوة (والمستولي المستبد على "الخليفة" في زمان الماوردي هم بنو بويه) ليس في إمكان السلطان "الشرعي" أن ينحيه عن مواقعه، فلا مناصَ من إعطائه "تقليدا" بمقتضاه تُحفظ لمنصب الإمامة حرمته، ويتم "ظهور الطاعة الدينية التي يزول معها حكم العناد فيه، وينتفي بها إثم المباينة له". قال: "لوقوع الفرق بين المُكنة والعجز".
بعد الماوردي رحمه الله بثلاثة قرون نجدُ تحت كلمة "العجز" عندما يكتبها علماؤنا نفس الحسرة المكبوتة ونفس الرضوخ "لوقوع الفرق بين الممكن والواجب". يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء. وهم الذين إذا صلُحوا صلح الناس. فعلى كل منهما أن يتحرى ما يقوله ويفعله طاعة لله ورسوله واتباع كتاب الله. ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب. وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب (...) فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه (...). وكذلك ما يشرك في القضاة والولاة من الشروط يجب فعله بحسب الإمكان".[2]
مُكنة انعدمت، وطالب عجز، وتاريخ السيف "لوقوع الفرق بين المكنة والعجز".
قال رحمه الله: "ومن كان عاجزا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد ففعل ما يقدر عليه من النصيحة بقلبه والدعاء للأمة ومحبة الخير وفعل ما يقدر عليه من الخير لم يُكلف ما يعجز عنه".[3]
من يقرأ ما بين السطور يدركْ تحت كلمات "المكنة" و"العجز" و"القدرة" و"حسب الإمكان" طلباً دائما للحق لم يستقِلْ علماؤُنا عنه، لكنْ أوقفهم عنه واقع حكم عاض له عصبية بها يقوى وليس مع العلماء قوة منظمة.
ونجد التفرغَ الكامِلَ لواجهة حماية العقيدة والدفاع عنها عند أتباع الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. وما ابن تيمية إلا النموذج الكامل للحنبلي المشتبك مع البِدع والأهواء بلا هوادة. تخَلى ظاهرا عن مخاصمة السلطان ليتأتى له تحت ظل شوكة حامية الجهادُ لحماية العقيدة.
لم يصطفَّ الإمام أحمد رحمه الله مع القائمين على السلطان كما فعل أبو حنيفة ومالك والشافعي. لكنه تصدى وحده لبدعة جارفة قاتلة واجه فيها السلطانَ وكابد وعانى الأذى. وسُجن في الظلام وعليه أربع قيود، وجلَده المعتصم العباسي، وطرحه على ظهره ورفسوه، وعلقوه على خشبتين حتى تخلعت يده. رحمه الله ورضي عنه.
من فرق أهل الأهواء الذين ظهروا بعد الخوارج المُرجئة المتربصون الذين لَم يصوِّبوا رأي الشيعة ولا رأي الخوارج، ومنهم الجهمية والمجسمة، ومنهم الزنادقة. وتصدى المعتزلة لمحاجة هذه الطوائف جميعا بكفاءة وحسن نية. لكن المعتزلة ما لبثوا أن انزلقوا مع التيار الخِصامي، فرجع عليهم السلاح العقلاني الذي استعملوه، وتكلموا في العقائد كلاما ما عرفه السلف الصالح ولا ارتضاه أهل الحديث من معاصريهم. واحتدم صراع شديد بين المعتزلة والفقهاء والمحدثين، خاصة في قضيتي رؤية الله تعالى في الآخرة ينفونها مخالَفَةً للنص الصريح، والقرآنُ يقولون بمخلوقيته بدعةً ابتدعوها.
كان الإمام أحمد رضي الله عنه بالمرصاد، رد عليهم رَدّاً قويا، فاستظهروا عليه بالمأمون العباسي وكان من "أصحابهم"، فآذى الإمام وأوصى ولي عهده المعتصم به فآذاه من بعده، وأوصى المعتصم الواثق. واستمرت الإذايـة على الإمام الصامد رحمه الله ثمانية وعشرين شهرا.
كتب المأمون إلى عامله على بغداد إسحاق بن إبراهيم آمرا: "فإن أمير المومنين يرى أن تستتيب من قال بمقالته (مقالة الإمام أحمد أن القرآن كلام الله غير مخلوق). إذ كانت تلك المقالةُ الكفرَ الصُّراحَ والشركَ المحضَ عند أمير المومنين. فإن تاب منها فأَشْهِرْ أمرَه وأمسك عنه. وإن أصرَّ على شركه ودفَع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه بالسيف وابعث إلى أمير المومنين برأسه".[4]
وكذلك فعل العامل، فامتحن كبار علماء المسلمين.ومـات في قبضتـه محمد بن نوح، وتفلت آخرون بكلمات تأويل، وحصل الأذى الشديد لابن حنبل رحمه الله ورضي عنه. خاصة على يد المعتصم الذي كان يأمر الجلادين بالضرب قائلا: "شُدَّ قطع الله يدك!"
نتأمل ملامحَ ملك طاغية في شخص المعتصم. قال عنه ابن السبكي رحمه الله: "قال المؤرخون: ومع كونه كان لا يدري شيئا من العلم حمل الناس على القول بخلق القرآن.(...) ولولا اجتماع فقهاء السوء على المعتصم لنجاه الله مما فرَطَ منه. ولو أن الذين عنده من الفقهاء على الحق لأروْه الحق أبْلَجَ واضحا، ولا يُغْروه على ضرب مثل الإمام أحمد. ولكن ما الحيلة والزمان بُنيَ على هذا. وبهذا تظهر حكمة الله في خلقه".[5]
عند فقيهنا العلامة ابن السبكي في القرن الثامن نجد المساندة التامة للحاكم لأن "الزمان بُني على هذا". إنه الواقِع الذي يلتمس الفقيه الجهبَذُ له تفسيرا بوجود "فقهاء السوء" حول البلاط. ذلك لتبقى صفحة الحاكم المسلم ناصعة، ولتسْلَمَ سُمعَةُ من سماه المسلمون "أمير المومنين" يرونه حصنَهم المكين.
وجها لوجه ملكٌ "لا يدري شيئا من العلم" وإمامٌ فحل، جبل السنة شيخ المحدثين. أيُّ تعارُض أبلغُ من هذا بين دولة سلطوية ودعوة قرآنية سنية! أين تلك الوحدة التي تشخصت في النبوة والخلافة الراشدة حيث كان الداعي القرآني هو الآمر الناهي الممسك بالسلطان خدمة للقرآن؟
لكنه المعتصم الذي تستغيث به امرأةٌ مسلمة "وا معتصماه!" كما تقول القصة، فيلبي النداء، ويزحف على الروم، ويحقق انتصار عمورية الذي خلد الشاعر ذكره.
وحفاظا على السيف المُصْلَتِ، سيف السلطان المستولي، يستكين العلماء الدعاة لجريان القدَر، ويراوحون الخُطى بين "المُكنة" و"عجز الطالب".
وحفاظا على وحدة الأمة بين الاضطرابات الداخلية والتهديد الخارجي يُصدر الإمام أحمد فتواه بلزوم الجماعة إذ يقول: "من غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمِّيَ أمير المومنين، فلا يحِل لأحد يومن بالله واليوم الآخر أن يَبيت ولا يراه إماما، بَرّاً كان أو فاجرا".[6]
أكان علماؤنا جميعا من "فقهاء السوء" علماء القصور إذ يُفتون بصحة إمامة المستولي ويحثون على الطاعة للغالب بالسيف بَرا كان أو فاجرا؟ حاشا وكلا! ولكنهم عاشوا أزمنة لَم يكن الخيار فيها بين حكم فاضل وآخر مفضول "لعجز الطالب"، لكنّ الخيارَ كان بين استقرار نسبيٍّ وسط الزعازع وبين فوضى يُفلت فيها الحبل وينتقض ما بقي محفوظا من أمر المسل


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:29 am

أهل العلم بين التقليد والتلبيس

يُشَكِّل أهل العلم الفقهاء في بلاد الإسلام ذُخرا للمستقبل، نأمل أن يُمِدّوا الحركة الإسلامية الناشئة بالأطر اللازمة، وأن ينعتقوا من أسباب العجز التي تعوقهم اليوم كما عوّقت أجيالا منهم منذ اختصم السلطان والقرآن. لاَ شأنَ يُرجى لفقهاء السوء القِلَّةِ، فهم ثَفَل لا يخلو منهم جيل. لكن الجحفَلَ من حاملي الشهادات المنضَوِين تحت لواء التقليد لفتوى صدرت منذ قرون، أو المشتغلين بمَعاش اليوم الموظفين في المؤسسة الدينية الرسمية منعتهم الحاجة عن الاستقلال في الفكر والحركة- ينبغي أن يكونوا هدفا لرجال الدعوة العاملين ليستجلبُوهُم عند الفرصة إلى الصف.
لاَ نَنْتَظرْ من الناس أن يكونوا سعيد بن جُبير الذي واجه الحجاج بكلمة الحق فقتله، ولا أحمد بن حنبل الذي قاوَم وحده تيارا يقوده "الخليفـة"، ولا عِز الدين بن عبد السلام ذا المواقف الخالدة في قمع غرور المماليـك. فتلك مثالية لا ينبغي أن تراوِدَنا. وأولئك رحمهم الله أفذاذ يجود الله عز وجل بأمثالهم متى شاء.
إنما الذي فيه مطمع هو أن نساعد أهلَ العِلم والدين من رجال الإسلام على الخروج مِن رِبقة التقليد الفكري لفتوى قرون خلت حتى تتغير لديهم النظرة الثبوتية التي تتصور التاريخ امتدادا بلا نهاية للظلم الوراثيِّ. وأن نساعدهم على تخطي اجتهاد زيد وعمرو ممن سبقونا بإيمان ليقلدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا أنها ستكون بعده الخلافة ثلاثين سنة ثم تكون ملكا عاضا. وأخبرنا في الحديث المنهاجي الذي جعلناه دليلا لنا وأوردنا نصه في فاتحة هذا الكتاب أن بعد الملك العاض ملكاً جبرياً تتلوه خلافة على منهاج النبوة.
كان الصحابة أمثالُ الإمام حسين رضي الله عنهم أعلَم العلماء لم يقلدوا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا على الظالمين. وكان الأئمة العظام أمثال زيد بن علي وأبي حنيفة ومالك والشافعي يرون الخروج على الظلمة واجبا. فباقتدائنا بعدَ طولِ لُبْثٍ في أحضان الفتاوي الطارئة، وفي أفقنا وعدُ الخلافة الثانية، بالسنة العملية للأئمة العظام نكون تلامذة مباشرين للأمر النبويِّ. وبذلك نكف عن الدوَران مع الأحداث دوران البلداء لنتعرض لموعود الله ورسوله الذي لا يُشرِّفُ إلا من قامَ وسط الفتنة الخاملة من بين الرقود.
طالما انتظر العلماء المقلدون للفتاوي، المتحرقون كمدا على ما يرون من منكر، رجلا مثلَ عمر بن عبد العزيز أو صلاح الدين أو ابن تاشفين. ملوك عباقرة أصلح الله عز وجل بهم حال الأمة حينا، ثم رجع المُلك إلى نصابه ودَيْدنه من العض والظلم. وكم من مَلِك خلا في تاريخ المسلمين هو أقرب إلى الخير والنجدة والمروءة. لكن النظامَ الذي أفرزهم وسجنهم في منطقه نظام فاسد.
كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول في عهد معاوية: اللهم إني أعوذ بك من الستين ومن حكم الصبيان! كان معه عِلْمٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أفشاه. ففي سنة ستين مات معاوية رحمه الله ودخل الحلَبَة يزيد الغلام، من الغِلمة الصبية الذين هلاك الأمة على يدهم. وأعاذ الله أبا هريرة فمـات قبل ذلك.
طالما كتب فقهاء المسلمين أدبيات في "تدبير الملك" يُسدون النصح للملوك تَسَلُّلا وملاطفة،مستدلين بسياسة أرسطو و بقصص ابن المقفع وآداب كسرى أنوشروان. ومن الفلاسفة من كتب وصفا للمدينة الفاضلة كالفارابي، حُلما أفلاطونيا فيه النقد للأمر الواقع من وراء ألف حجاب.
إن أموال النفط تُغدَقُ في عصرنا لتمشية إسلام أمريكي لا يألو جهدا في عقد المؤتمرات وتدبيج المقالات في المجلات الملونة الصقيلة. وفي هذا يجد أهل العلم من كل اتجاه مُتنَفَّسا لما يكابدون من آلام، ويجد سلاطين العرب وسيلة لتأنيس كل "طلب" وتعجيزه. وهاتِ ما عندك من نَقد غامض عام للمنكر ما دمت لا تسمي أهلَ المنكر وسدنته وبؤرته: الحكام العاضين الجبريين!
قرأنا في الفقرة السابقة كيف التمس ابن السبكي رحمه الله العذر للمعتصم في التفاف فقهاء السوء حوله. وكذلك يفعل كثير من أهل العلم، إما حكمة وارتجاءً لموعظة واصِلَةٍ، وإما عاميَّةً وتبلدا. يُحَمِّلون "الحاشية الفاسدة" أوزارا ليس يحملها إلا النظام الفاسدُ الذي جرَّحه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت عليه قرون من البغي.
تقدم الشيخ الفقيه الحنبلي المحدث الورع الواعظ العلامة عبد الرحمان بن الجوزي رحمه الله بنقد لتلبيس إبليس على الولاة والسلاطين لم يتعرض فيه لأصل البلاء. وإنما حام حول الأفعال والعقائد والنتائج. لم يذكر مثلا ما كان ويكون في قصور السلاطين من ترف مخز، ومن مجالس للشراب، ومن تحكم الجواري في تصريف الدولة، ومن مؤامرات بلاطية.
وحصر رحمه الله "تلبيسات إبليس" في سبعة مآخذَ عدها "أمهات". ولم يكن في الحقيقة ولا يكون من أم لويلات المسلمين إلا أم واحدة: هي فتنة كل حكم لا يكون شورى بين المسلمين. ونقد الحكم المتسلط من أساسه هو النقد لا غير، ورجْمُه بجريرته هو الكلام لا اللف والدوران.
ذكر ابن الجوزي رحمه الله من "أمهات" الفساد اغترار السلاطين وظنهم أن الله تعالى أحبهم لما ولاهم الملك.وذكر تكبرهم عن مجالسة العلماء وترفعهم عن طلب العلم. وهذه مصارحة فريدة من عالم واعظ كان له مجلس أسبوعي داخل القصر يحضره أهل القصر. وهي نفثة رجل حُر لفقوا عليه وقد تجاوز الثمانين تهمة فحبسوه في بيت خمس سنوات يخدم نفسه بنفسه، ويمتاح ماء وضوئه من البئر بيده. ذلك بعد عمْر حافل بالتأليف والوعظ.
وذكر رحمه الله تشديدهم الحجاب عن الناس وتوانيَهم في سماع المتظلمين وإنصافِهم. وذكر استعمالهم لأمراءَ ليس لهم علم ولا تقوى. وذكر نبذهم لتعليم الشرع وعملهم برأيهم فيقتلون من لا يحل قتله. وذكر انبساطهم في أموال المسلمين. وختم بتعاطيهم للمعاصي والموبقات. رحمه الله وغفر لنا وله.
إن إحسان الظن بالحكام المتسلطين أو اتهامَهم بما هم له أهل لا يغير من الواقع شيئا. وإن إسداءَ النصح لمن بايعوه أو بايعوا جده وهو في الخِرَق صَبي لَكَالنَّسْمة البَليلَةِ تهب على الجبل الصلد تحسب أنها مُنْبِتةٌ فيه جنات من نخيل وأعناب.
وإن كان من الملوكِ صالحون، وقد كانوا، فإن في الصفة والموصوف تناقضا لا تغسله الانتقادات ولا الوصايا ولا أدبيات "تدبير الملك". الحكام الوِراثيون أبناءُ الدنيا، لهم منها الجاه والمال والزينة والمتاع. وقد يشُذُّ الواحد منهم فينجيه الله العزيز الوهاب من قبضتها. لكن العَقِبَ منه قد لا يرثُ من الصلاح إلا كما يرث الفقير من المعدم.
هذه وصية للملك الصالح محمد الفاتح العثماني، فاتح القسطنطينية، لابنه ووارثه أورخان. فهل تجاوزت الوصية المليئة بحسن النية مرتبة الأماني، أم هَلْ أوصى الملك المائت ابنه بغير ما كان أصْلَ البلاء كله: أن يكون السلطان حفيظا على القرآن وأهل القرآن، وصيا عليهم لا العكس؟
قال رحمه الله: "ها أنذا أموت، ولكني غيرُ آسف لأني تارك خلَفاً مثلك. كن عادلا صالحا رحيما بالناس جميعا. وابسُط على الرعية حمايتك بدون تمييز. واعمل على نشر الدين الإسلامي فإن هذه هي واجبات الملوك على الأرض. قدم الاهتمام بأمر الدين على كل شيء،ولا تفتُر في المواظبة عليه.ولا تستخدم الأشخاص الذين لا يهتمون بأمر الدين. (...)
قال: وبما أن العلماء هم بمثابة القوة المبثوثة في جسم الدولة، فاعطـف عليهم وشجعهم. حذارِ! حذارِ! لا يغرنك المال والجند. ولا تُبعِدْ أهلَ الشريعة عن بابك. ولا تمِلْ إلى عمل يخالف أحكام الشريعة".
مهانة "لا تُبعد أهل الشريعة عن بابك!" حجة دامغة على ما يَجيش بين نفوس الملوك وألسنتهم في حق أهل العلم. مبجلون، لكن في الباب، خدَم مع الخدم!
ومات الفاتح رحمه الله، فوثب الابن الأكبر بايزيد على الوصي، ودامت الحرب بين المتقاتلين على العرش سبع سنوات. وانتصر بايزيد وأوصى بالملك من بعده لابنه الأكبر أحمد. لكن الابن الأصغر سليم ثار في وجه أبيه وأخيه. وكان صراع مرير. يُقال إن سليما دس السم لأبيه ليُنهي المأساة.
وكان قتل الأبناء والإخوة والآباء أهونَ ما يكون في سرايا الملوك. ومن قرأ تاريخ العباسيين والعثمانيين والمماليك وكل السلالات المالكة أدرك معنى العض في التعبير النبوي حين يستقرِئ تهارُشَ الأمراء على الملك، وسفكهم لدماء بعضهم، وتآمرهم لذلك مع النساء والخدم والعسكر. ولا غالب إلا الله.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:30 am

أكره أن أدنسهم بالدنيا"

لو سألتَ الكثيرين من شباب الدعوة، بل من كهـولها وشيوخها، عن منتهى البُغية وغاية الطلب لأجاب بديهة أنه إقامة دولة الإسلام،ممتلئةً جوانحُه بأمَل بنائها،خالصةً نيتُه في خدمتها.
وقد تجد أن ذلك الأملَ وتلك النيةَ غَمَّا المطلب الإيمانيَّ الفردِيَّ وشغَلا وجْهَتَه. وقد تبحث عن التطلع الإحسانيِّ لدَى الكثيرين فلا ترى له أثراً.
والخطرُ المتربصُ بكل زاحف على قلعة الدنيا وزبدتِهـا، أعني الحكمَ وممارستَه ومصارعةَ الناسِ عليه وفيه، هو انمحاقُ الإيمان الفرديِّ وانسحاقُ التطلع الإحسانيِّ إن وُجِدَ ابتداءً. ومن ثَمَّ ذوبانُ الدعوة في الدولة، وانتِهاكُها، وتسربها في مساربها كما تتسرب قطراتُ الماءِ في الرمال العطشى.
وذلك ما حذر منه رسول الله صلى لله عليه وسلم في قوله لأصحـابه ولنا: "فوالله ما الفَقْرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسَطَ الدنيا عليكم كما بُسِطتْ على من كان قبلَكم فتَنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم". الحديث عند البخاري ومسلم روياه عن المسـور بن مخرمة رضي الله عنه.
ولئن كانَ في رسول الله صلى الله عليه وسلم الملجأُ من الدنيا وإهلاكها، تحضُن صحبتُه المومنين أنْ تغتالَهم زينَتُها وهم بين يديه يتعهدهم ويذوذ عنهم وهو حي يُرزق، فإن غيابَ جسده الشريف ثم توسُّعَ رقعة البلادِ الإسلامية وانبساطَ الدنيا من بعده عرَّض الصحابة لفتنة الدنيا الفاغِرةِ فاها للابتلاع. فما كان من الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا أن ضَمّا إليهما خيارَ الصحابة ضنّاً بهم أن تلوثهم الدنيا.
أخرج أبو نعيم وابن عساكرَ أنَّ أبا بكر رضي الله عنه قيل له: يا خليفةَ رسول الله! ألا تستعمل أهلَ بدر! قال: إني أرَى مكانهم (أيْ أعرف فضلهم)، ولكني أكره أن أدَنّسهم بالدنيا.
وكان عمرُ الفاروق رضي الله عنه يستعمل في شؤون الدولة ذوي الكفاءات العملية على ما معهم من إيمان مستبْقِياً إلى جانبه في المدينة أهل السابقة من المهاجرين والأنصار. لا رخصة لأحد أن يبرح المدينة. وقد فسر المؤرخون فعلَه ذلك بأنه سياسةٌ هدفُها مَنعُ الوُجَهاء من الانتشار في الأرض مخافة أن تتعدد "مراكزُ القوَى" فينافِسَ السلطةَ المركزيةَ منافس.وهو تعليل يليق بسطحية التحليل السياسي.
أما السببُ الحقيقيُّ في حصْرِ كبار الصحابة في المدينة واستعمالِ الأكفاءِ من المسلمين فهُوَ الحِرصُ على إبقاءِ جماعة المسلمين حاملةِ الدعوة بمَنْجىً من الاشتغال بتدبير "الدنيا" لتكون من العاصمةِ مصدرَ إشعاع إيماني ومورِدَ صفاءٍ إحسانيٍّ، تستنير بنوره الأمة، وتعُبُّ من نبعه.
قال ابن سعد رحمه لله: "وكان (عمر) يستعمل رجُلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلَ عمرو بن العاص ومعاويةَ بن أبي سفيان والمغيرةَ ابنِ شُعبة، ويدع من هو أفضلُ منهم مثلَ عثمان وعلي وطلحةَ والزبيْرِ وعبد الرحمان بن عوف ونُظرائهم لقوة أولئك على العمل والبَصَرِ به،ولإشرافِ عُمَرَ عليهم وهيبَتهم له. وقيل له: ما لك لا تُوَلِّي الأكابِر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: أكرَه أن أُدنِّسَهم بالعمل".
هذا درسٌ من أهم الدروس للدعوة الصاعدة في صحوتها، المرشَّحَة للحكم. بل هو الدرسُ بالحروف البارزة. التحدي هو: هل تمسك الدعوة بزمام الحكم وتدير عجلته وتَبقى مستقلةَ الوجود ماضية الإرادة في وِجهَة التغيير الشامل الجذري للمجتمع، أم تجذِبها الدولة ويستقطبها الحكمُ فيستولي على النفوس، ويستغرق الجهودَ، ويغلب على الوجهة حتى تذوبَ الدعوة في الدولة؟ التحدي أساسا هو: هل يحيَى الدعاةُ بعدَ الوصولِ إلى الحُكم بحياة الإيمان والإحسان، أم "تدنسهم الدنيا" وتهلكهم كما أهلكت من كان قبلَهم؟
إن الأحزابَ السياسيةَ في أمم الأرض تتلَخَّص أهدافُها في "برنامج" للحكم تعرضُه أو تفرضُه. لا أفُقَ لها غيرُ الهدف التنموي وغيرُ التوزيع للناتج في صالح هذه الفئة أو تلك. ومن الأحزاب ما يبتدِئ ثورتَه أو إصلاحيتَه بإديولوجية تقترح على الناس أو تفرض مشروعا تغييريا يروم قلب الأوضاع، ثم لا يتعدى الأمر،بعد طول معاناة، برنامجا تنمويا أخفق أو قَصَّر عنِ الأهداف الكمية الموعودة.
وإنّ الإسلاميين في حركتهم الموفقة بإذن الله لا مناص لهم من الدخول في المعمعة إلى جانب طلاب الحكم للحكم،وطلاب الحكم للمال،وطلاب الحكم لنزع المبادرة من الإسلاميين، ومنتقدي الحكم المعارضين. ولا بد للإسلاميين من برنامج يُعْرَض، ولا بد من تصدي بعض أكابرهم للإشراف على تطبيق البرنامج.
إذا أضفْت إلى هذا بقاء الإسلاميين في الظل زمانا، مَمْنُوعين من السياسة، قليلي الخبرة بدخائلها، مُنعدمي التجربة بانعطافاتها وتعريجاتها،كان دافعُ اهتمام أكابر الدعوة بالسياسة أقوى.وإذَنْ تنصرفُ الدعوة بكليتها لتسيير دفة الحكم. وإذن فهو فَناءُ الدعوة من حيثُ هيَ دعوة، لا تلبث الدعوة أن تتحول هيكلية سياسية محضة، تتكلم كما يتكلم السياسيون، وتسلُك مسالكهم. وعُدْ بعدَ حين لزيارة الساحة فلن تجِد إلا فارقَ اللِّحي -إن وُجِدَتْ- وإلا أثاراتٍ من خطابٍ إسلامي. لا قدر الله.
ما الحيلةُ ونجاحُ الدعوة في الحكم لن يقيسَه أحدٌ بحسن النوايا التي نطقت، ولا بمنطقية البرنامج الذي عُرضَ،ولا يمكن في زمانِ الأرقام والإنجازات العينية، ملموسةٌ هي أمْ وهميّةٌ، أن يُغذِّيَ الإسلاميون الناس بالوعود والهتاف؟
إن تسيير شؤون الدولة الحديثة في أزمات مثلِ الأزمات الممسكة بخناق المسلمين أشبه شيء بالإمساك بمقادة زورق يتحرك بسرعة الجنون في بحر هائج. وإنَّ استظهار الإسلاميين بذوي الكفاآت والتخصصات من كل نوع وفي كل ميدان لضرورة بديهية. فيوشك في ظروف الأزمة وضرورة الاستعانة بالغير أن تُسَيِّرَنا إرادة غيرُ إرادتنا أو تستبد بنا الضرورَة فننصرفَ عن الدعوة وننهتك في الإدارة ويخطَفنا دَوْلابُها اليوميُّ.
ماذا يظل يفعَل رجل الإدارة الجاد المسؤول، وماذا يبيت يخطط؟ زمانه وجُهدُه تستغرقهما الهموم الدنيوية المعاشية للناس. وهي مهمة حيوية لا بد أن يتفرغ لها الأكفاء. لكن إن رصدنا لهذه المهمة خِيرةَ أهل القرآن أطباءَ القلوب عرضناهم وعرضنا الدعوة للزيغ عن وظيفتها الأساسية: ألا وهي إفشاء الرحمة الإحيائية الإيمانية الإحسانية في الناس.
إن الحركة الإسلامية تتلاشى ويَضمحل معناها إن صبغها الوسط السياسي الذي لا بد أن تخوضه بصبغته، وإن جرها "منطق الساحة" بحباله. المرجوُّ لها أن تكون قوة اقتحامية تحتل معاقل الحكم وتوطد أقدامها فيه مع تعزيز وظيفتها الإحيائية التغييرية التاريخية.
المرجوُّ لها أن يكون تماسكها التنظيمي وسلوكها الأخلاقي النموذجي وإشعاعها الروحي وخدمتها للأمة نقدا حيا عمليا للمجتمع الغثائي المتفكك الخامد الأناني. المرجوُّ لها أن تكسب ثقة الأمة وتحتفظ بها مهما كان إنجازُ الدولة أو قصورُها. ولا يصح شيء من ذلك إن كانت مجرد هيكل سياسي بين الهياكل.
من الدروب المهدِّدةِ للدعوة أن يسْرِق الخبراءُ من خارج الدعوة المفاتيحَ فيصبح الأمر دولة بلا دعوة. وذلك حين يكون إشراف الدعوة على الدولة رخوا، من بعيد. وهو تطرف إلى الجهة الأخرى.
إنهما حافتان مخيفتان كان الفاروق رضي الله عنه يستعيذ بالله من غائلتهما بقوله: "اللهم إني أعوذ بك من جَلَدِ الفاجر وعجز التقيّ".
كان زياد بن سمية عاملا على البصرة للإمام علي عليه السلام، فلم يُذْكَرْ في عهد الخلافة بِشَرٍّ. وإنما كان الموظفَ الكُفْءَ تُسَيِّره يد أمينة قوية. فلما اغتيل الإمام واستمال النظام الأموي زيادا الداهية الكُفْءَ انخرط مع دولة الدهاء. وأعلن برنامجه في خطبته البتراء المشهورة، سُميت بتراء لأنه لم يبدأها بذكر الله. وطبق برنامجه بالفعل فسن للحجاج وأضرابه منهجا. قال مقسما: "لآخذن الوليَّ بالمولى، والمُقيمَ بالظاعن، والمُقبل بالمدبر، والمطيعَ بالعاصي... حتى تستقيمَ قناتكم".
أيُّ استقامة هذه التي تأخذ البريء بجريرة الظالم. وما الشعب المسلم حين يُسارع غَداً إلى أحضان الدعوة واثقاً بها إلا ذلك البريء الذي يَنشُد العدل والنَّصَفَةَ. فمن لنَا بالأمناء الأقوياء، والأقوياء الأمناء! الله هو الولي.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:31 am

أُنشوطةٌ في الأعناق

يكون الماضي، واجتهاد الماضين (في شؤون الحكم خاصة)، وتزوير الماضي، أُنشوطَةً في أعناقنا، ووهنا في نفوسنا، وخَوَراً في عزائمنا، وبلبلة في فهمنا إن نحن استقينا العلم من مخاضات تاريخ المسلمين في مراحل تدهوره. إن نحن لم نرتفع إلى المرحلة التأسيسية لنواكب البناء النبوي الراشدي وننفُذَ إلى الاستبصار الضروري لنبْنيَ على المنوال الأول.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر قبل نزولها عن أحداث نقْض عُرا الإسلام. وهو نبي الله يأتيه الوحي بما شاء الله من مكنونات الغيب. فهو عليه الصلاة والسلام أخبر بكَلِمِه الجامع بما يقع، وعدَّل وشهِدَ حين أخبر أنها ستكون بعده خلافة نبوة ثلاثين سنة. وجرَّح وقبَّح حين أخبر أنها بعد الخلافة تتحول ملكا عاضا وجبريا. وما العض والجبر إلا إكراه الناس على طاعة الحاكم ببيعة مزورة، أو بتقبيل الأرض على الأسلوب الكسروي. "فاعتبر ذلك في نفسك".
خارجَ استحضار أنه صلى الله عليه وسلم نبي يخبر عن الغيب لا يَتَبَيَّنُ لنا وجه الحق في الأحاديث الكثيرة التي تحث على الطاعة للأمير ولو فعل وفعل ولا يتبين لنا وجه الحق فيمن هم أولو الأمر الذين أُمِرْنا بطاعتهم. إن غاب عنا خبر الغيب، وإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم به قبل وقوعه، نوشك أن نتناول الوحي المقدس وكأنه نص بشري محصور في أبعاده البشرية. فلا فِقهٌ يُرجى ولا هدى ولا كتاب منير.
اتفق الشيخان على رواية حديث هذا نصه عند البخاري عن حذيفة رضي الله عنه قال: لقد خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره، عَلِمه مَنْ عَلِمَهُ وجهله من جهِله. إنْ كنتُ لأرى الشيء قد نسِيته فأعرفه كما يعرف الرجلُ الرجل إذا غَاب عنه فرآه فذكره".أخرجه رحمه الله في كتاب القدر، باب "وكان أمر الله قدَرا مقدورا".
والأحاديث كثيرة رواها صحابة مختلفون فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إخبارات عن أحداث مستقبلية بعينها أو عن أحداث الفِتن يسردُها لهم سردا. أهمها فتنة الدجال ونزول عيسى عليه السلام.
في إطار إيماننا بالغيب الذي أخبر به من لا ينطق عن الهوى نتلقى أحاديث الأمر بالطاعة للحكام لنفهمها كما فهمها الصحابة، وكلهم ثقة، بأن ما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم توجيه معين في حالات مُعينة لا نص حرفي مجرد عن الأحداث.
فمن الصحابة من أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكسر سيفه ويلزَم بيته إن حدثت فتنة، ومنهم من أمره أن يسمع ويطيعَ مهما فعلوا به. لذلك نجد منهم رضي الله عنهم طائفة اعتزلوا الحرب بين إمام الحق علي كرم الله وجهه وبين الفئة الباغية التي قادها معاوية بن أبي سفيان، لم يعرفوا أنها حقا الفئة الباغية حتى قَتَلت عمارا الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تقتله الفئة الباغية.
من الذين اعتزلوا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. فلما رأى مقتل الشهيد عمار تأسف على أنه لم يقاتل في صفه. عبد الله بن عمر بايع يزيداً بالإكراه كما قرأنا في رواية الطبري وبايع مروان وبنيه. وعلىموقفه في طاعة "من غلبهم بالسيف" اعتمد الإمام أحمد رحمه الله. وقد روى أبو يعلى أن الإمام كان يستشهد بقول ابن عمر: "نحن مع من غلب". وهي كلمة قالها أثناء غزو مسلم بن عقبة (ويسميه السلف الصالح مسرف بن عقبة) المدينة واستباحته إياها ثلاثا وهتكه فيها وسفكه. كان ابن عمر يصلي تارة مع هؤلاء وتارة مع هؤلاء فلما سألوه قال: نحن مع من غلب.
وما هذا الموقف المخالف من النقيض للنقيض مع موقف الإمام حسين بن علي الذي خرج على يزيد كما خرج عليه قراء المدينة من الصحابة والتابعين إلا اجتهاد في تطبيق أوامر النبي صلى الله عليه وسلم. كلٌّ فهمها حسب ما عنده من توصية شخصية أو تأويل رَعَى فيه مصلحة الأمة. مثال ناصع آخر يفسر المواقف المتناقضة ما بين خارج غاضب ومذعن للقدر وللوصية النبوية هو موقف الإمام حسن بن علي رضي الله عنهما.كان مع الحسن وصية خاصة إذ قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يُصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين". وكذلك كان، حيث اصطلـح مع معاوية من حيث تأبَّى حسين وامتنع.
في عموم الأحاديث الكثيرة التي أمرت بطاعة الأمير ولو جار توجيه إلى الكفِّ عن سفك الدماء وحمل السلاح بين المسلمين. وعلى هذا العموم اعتمد من اعتمد من المجتهدين لتغليب جانب الطاعة، مع الميل إلى التساهل في جانب حملة السيف حتى حكَم فأُطِيعَ ماجِنونَ مُلحدون مثل الوليد بن يزيد، وحتى احتل في حياة المسلمين اللاحقين "دين الانقياد" مكان دين الأمـر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويحتج اللاحق بأنَّ عبد الله بن عمر وأنسا ابن مالك كانا يصليان خلف الحجاج.
الوليد الخليع الفاجر الملحد أخرج للناس جارية سَكرى صلت بهم الصبح أربعا. وهو الذي فتح المصحف يوما فقرأ فيه: "واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد" فأنشد بعد أن مزق المصحف:
تهددني بجـبــار عنـيد فها أنا ذاك جبار عنيـد
إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد
أين تقف حدود الطاعة، ومتى تجب، ومتى تحرم؟ تلك ظروف اجتهد فيها كلٌّ حسب حيثياته وفهمه وإمكاناته. ولا بد لنا من الاستقلال في فهم الأوامر النبوية في عصر انزلق فيه الحكام من تُخوم الفسق إلى مجاري الكفر، فهم دعاة على أبواب جهنم يهددون بنسف الدين من أساسه.
والنصوص إن فهمناها في إطارها الغيبي وتعليلاتها المطلقة معنا ليست ضدنا. أخرج الإمام أحمد وابن ماجة والطبراني بإسناد جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها". قال الصحابي: فقلت: يا رسول الله! إن أدركتُهم كيف أفعل؟ قال: "تسألني يا ابنَ أم عَبد كيف تفعل! لا طاعة لمن عصى الله!"
وفي خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه ب"يا ابن أم فلان" زجر على عادة العرب في التخاطب.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة من نبايعه صادقين مختارين لا من أكرَهنا على البيعة واستحلفنا بأيمان بدعية. عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع". الحديث رواه مسلم وأبو داود. "أعطاه ثمرة قلبه" يعني الاختيار الصادق.
أحاديث أخرى من التي تأمر بالطاعة إنما جاءت موصية بمحاربة العصبية العرقية التي كانت، ولا تزال، آفة عربية. ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة،ما أقام فيكم كتاب الله". رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه. فمن أطاع ناقصا في الدين أو عصى أميراً لعصبية أو استنكاف من النقص المزعوم عند العبد الحبشي فشرط "ما أقام فيكم كتاب الله" يكذبه ويلعنه.
والأحاديث الموصية بحفظ وحدة المسلمين والدخول في الطاعة نفهمها، في إطارها الغيبي وفي ظروفنا وإمكاننا، فهما آخر غير فهم من يبرر بها الأمر الواقع. هذا حديث يشير بوضوح تام إلى أن الحق ليس مع العصبية بل ضدها. وكل حكم يعتمد على السيف فهو عصبية. وكل طاعة لغير أهل الشورى فهي انضواء تحت راية عِمِّيَّةٍ. روى الإمام مسلم والنسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات مِيتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية عِمِّيَّةٍ، يغضَب لعَصَبَةٍ، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقُتِل فقِتلةٌ جاهلية. ومن خرج على أمتي يضرب بَرَّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مومنها، ولا يفي بعهد ذي عهدها، فليس مني ولست منه".
إن الفهم الحرفي والفهم التبريري سِيانِ في قلب الحقائق. وما هي إلا الإرادة تكون صادقة في نصر شرع الله فتبصر التوجيه الإلهي النبوي بَصرا صحيحا، أو تعجز فتتلهى عن الوِجهة الصحيحة وتصطنع فهما تحُدُّه النفس الواهنة الغثائية، وتحُدُّهُ الفتنة الغالبة.
الحدود المقبولة شرعا لفجور الحاكم، جاءت الوصية النبوية بطاعته إن لم يتعهدها، هي الحدود الفاصلة بين هضمه لحق فردي لهذا أو ذاك من المسلمين، وبين هتكه للدين.
سأل سلَمةُ بن يزيد الجُعفيُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا نبي الله! أرَأيتَ إن قام علينا أمراءُ يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو الثالثة فقال:"اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ماحُمِّلْتُمْ". رواه مسلم والترمذي عن وائل بن حجر رضي الله عنه.
لعل في إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن السائل استنكارا أن ينزل المسلمون إلى التنازع الخسيس على الحقوق، لأن الأصلَ أنه لا يُؤَمَّر على المسلمين إلا العدل المنصف. ثم كان الجواب حاسما لتغليب الاستقرار على الفوضى كيلا يكون النزاع الشخصي على حق ضاع مدعاة لخرم الجماعة.
وفي الزجر عن تعليق الإمارة وطاعتها على المصالح الفرديّة جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجلٌ بايَع إماما، فإن أعطاه وفّى له، وإن لم يُطعه لم يَفِ له". الحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه.
هذه أخلاقية عالية تكون البيعة فيها "ثمرة القلب" وتكون الطاعة مساهمة إيجابية في دعم الشرعية مع التجرد التام عن المصلحية الوصولية. ما أحوجنا لهذه الأخلاقية في زمن شراء الأصوات وترويج الوعود الانتخابية. والله ولي المومنين.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:33 am

الانكسار التاريخي

أخرج ابن سعد في الطبقات أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لسلمان: "أمَلِكٌ أنا أم خليفة؟" فقال له سلمان: "إن أنت جبـيت من أرض المسلمين درهما أو أقلَّ أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه، فأنت ملك غير خليفة! فاستعبر (بكى) عمر". وأخرج أيضا عن عمر أنه قال: "والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك! فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم! قال قائل: يا أمير المومنين! إنَّ بينهما فرقا. قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا، ولا يضعه إلا في حق. وأنت بحمد الله كذلك. والملك يعْسِف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا".
لم يكن الصحابة يتخيلون أن الخيانة يمكن أن تتجاوز التعسف في الأموال إلى اللعب بالدين. لذلك أعطوا هذا المعيار الساذج الذي يشتمل في الحقيقة على دراية بموطن الضعف في البشر: حبِّهم للمال. وكان خلفاء النبوة عدولا في الأموال من جملة ما حازوا من فضل. فقد أحيوا الدين روحا وجسما، عدلا واقتصادا، دعوة وجهادا. قال القاضي الماوردي: "إن الخلفاء الراشدين كانوا لا يرون الخلافة إلا لإحياء الدين ولا الإمارة إلا لصالح المسلمين. وكانوا أهل رأفة بالمومنين. سيرتُهم العدلُ، وقولهم الفصل. وقضاؤهم الحق. وكلامهم الصدقُ. وقد لبسوا المُسوح والصوف. وجردوا السيوف، يضربون بها وجوه الكفار. وأخذوا السياط، يقمعون بها رؤوس الفُجّار. حتى فتحوا الفتوح، وهزموا الجيوش، وقهروا الجبابرة، وقتلوا الفراعنة. وأظهروا نور الحق في الغرب والشرق. ظاهرهم الخشوع، وباطنهم الخضوع لله. وبغيتهم الآخرة، والاستخفاف بالدنيا. جعلوها تحت أقدامهم، إذ عرفوها حق معرفتها. ووضعوها في منـزلتها".[


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:34 am

الدين والسياسة

لو كان ذلك الانكسار في فجر تاريخنا خبرا مضى وقبر لما كانت بنا حاجة لنبشه. اضطرمت نار الفتـنة وبقيت مشتعلة قرونا طويلة، لا تخبو إلا بمقدار ما تستعيد قابليتها للاشتعال. واليوم ينهض المسلمون في فجر تاريخ جديد، وفي كيانهم، ثقافة وذكرى ومذهبا، آثار ذلكم الضرام. فهل يُنسينا بأسُ الجاهلية علينا اليومَ ما كان بينـنا من بأس؟ وهل تعود الأمة فتلتحم على وَهَجِ الجهاد الحاضر والمستقبل كما تصدعت في نار الفتـنة؟ نرجو من الله عز وجل ذلك.
من الآثار السيئة للفتـنة تمادي بعض المسلمين في التغني بأمجاد الإسلام دون أن يُرجعوا الفضل بعد الله عز وجل للأمة التي حملت إلى جانب أعباء الجهاد آلام أنظمة العض والجبر وويلاتها. لا يزال بعضهم ينسب خيرا ساقه الله للأمة على يد علمائها وفرسانها وصلحائها لزيد أو عمرو من الملوك. ويدافع عن جبابرة سفكوا الدماء، وهتكوا الحُرَمَ، وخربوا الذمم، وعتوا في الأرض فسادا، لمجرد إبقاء واجهةٍ مموهة صنعها المتملقون، وربما شارك في نصبها تحت الضغط بعض فضلاء الأمة. يدخل هذا الفهم البطولي للتاريخ في دائرة التقليد. ومن يُقلد لا يستطيع أن ينـتقد، وبالتالي يـبقى في جهالة عمياء، لا يستبـين الرشدَ لغده من عِبَرِ أمسه.
كتب الشيخ الجليل أبو الحسن الندوي في كتابه: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" يذكر كيف فصل الملوك الدين عن السياسة، قال: "وقع فصل بين الدين والسياسة عمليا. فإن هؤلاء (يعني الملوك) لم يكونوا من العلم والدين بمكان يستغنون به عن غيرهم من العلماء وأهل الدين. فاستبدوا بالحكم والسياسة، واستعانوا-إذا أرادوا واقتضت المصالح- بالفقهاء ورجال الدين كمشيرين متخصصين. واستخدموهم في مصالحهم، واستغنوا عنهم إذا شاءوا، وعَصَروهم متى شاءوا. فتحررت السياسة من رقابة الدين. وأصبحت قيصريةً أو كسرويةً مستبدة، وملكا عضوضا. وأصبحت السياسة كجمل هائج حَبْلُه على غارِبِهِ. وأصبح رجال الدين والعلم بين مُعَارِضٍ للخلافة، وخارجٍ عليها، وحائِدٍ مُنعزل اشتغل بخاصَّة نفسه، وأغمض العين عما يقع ويجري حوله، يائسا من الإصلاح، ومنـتقدٍ متلهِّفٍ، يتـنفس الصعداء مما يرى ويسمع، ولا يملك من الأمر شيئا، ومتعاوِنٍ مع الحكومة لمصلحة دينية أو شخصية. ولكلٍّ ما نوى. وحينـئذ انفصل الدين والسياسة، وعادا كما كانا قبل عهد الخلافة الراشدة. أصبح الدين مقصوص الجناح مكتوف الأيدي. وأصبحت السياسة مطلقة اليد، حرة التصرف، نافذة الكلمة، صاحبة الأمر والنهي. ومن ثَم أصبح رجال العلم والدين طبقةً متميزةً، ورجالُ الدنيا طبقةً متميزةً. والشُّقَّة بـينهما شاسعة. وفي بعض الأحيان بـينهما عِداء وتـنافس".[1]


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:35 am

رِبْقَةُ الملك

قرأنا كيف كان أبو بكر يَحْزَن على ما تحَمَّلَه من مسؤولية يخاف ألا يفي بها. ورأينا كيف ذكروا فضل عمر لما "مشى ضحضاحها وخرج سليما لم تبتل قدماه".
فلما عادت مُلكا عاضا أصبح النظام بمثابة رِبقة حول عنق الأمة. لا هي استطاعت تحت قهر السيف أن تـتخلص من الاستبداد، ولا استطاع أن يخلصها منه أفاضل الملوك الذين يَعْبرُون المجال ويـبقى النظام بعدهم مستمرا لا فكاك منه. وما حدث من ثورات فإنما استبدل أسرة بأسرة، وسُلالةً بسُلالةٍ، وعصبـيّة بعصبـيّة. قال حكيم المؤرخين ابن خلدون: "واعلم أن الخلاص من ذلك، (أي الملك) بعد الحصول فيه عسير ممتـنع. فإنَّ صاحب هذا الغَرَضِ (أي الخلاص من الملك) إذا كان هو الملك نفسه، فلا تمَكّنه الرعية من ذلك طرفة عين، ولا أهلُ العصبـية المزاحمون له، بل في ظهور ذلك منه هدمٌ لملكه، وإتلافٌ لنفسه، بمجاري العادة في ذلك. لأنَّ رِبقةَ الملك يعسُر الخلاصُ منها، سيما عند استفحال الدولة وضيق نطاقها".[1]
أصبحت الأمة سجينة نظام الملكية، وأصبح السجان سجينا. وذلك من طبـيعة العض كما جاء في لفظ النبوة. كان القهر والاستبداد قد أديا إلى موت كل شهامة وكل إرادة حرة في الأمة. فصارت "الرعية" مجموعةَ يتامى تحت وصاية حاشية البلاط وسيفها.
وإذا تـتبعنا تاريخنا من أصوله عثرنا على سر هذا التطور الذي أخضع للسيف رقابا كانت حرة، وأرغم أنوفا كانت بعزة الإسلام شامخَة. كانت ذمة المومن الذي لا يخون وعده قد اغتيلت ورُوِّضَتْ لتدخل تحت طاعة المستبد. روى البخاري عن نافع قال: "لما خلع أهلُ المدينة يزيدَ بن معاوية جمع ابن عمر حَشَمَهُ وولده فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يُنْصَبُ لكل غادر لواءٌ يوم القيامة. وإنا قد بايعنا هذا الرجلَ على بـيعة الله وبـيعة رسوله. وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يـبايع رجل رجلا على بـيعة الله وبـيعة رسوله، ثم ينصِبَ له القتال. وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع (يعني الذين خلعوا يزيد) في هذا الأمر إلا كانت الفيصلَ بـيني وبـينه".
هذا صحابي جليل وفيٌّ يخاف عاقبة الغدر. لكن كيف بايع؟
قال القاضي ابن العربي: "وقال ابن خياط: إن بـيعة عبد الله ليزيد كانت كَرْهاً. وأين يزيد من ابن عمر؟ ولكن رأى بدينه وعلمه التسليمَ لأمر الله، والفرارَ عن التعرض لفتـنة فيها من ذهاب الأنفس ما لا يفي بخلع يزيد. ولو تحقق أنّ الأمر يعود بعده في نصابه. فكيف وهو لا يعلم ذلك".[2] قال ابن العربي بعد هذا النقل: "وهذا أصل عظيم. فتفهموه والتزموه ترشُدوا إن شاء الله تعالى". يوصي رحمه الله وغفر لنا وله بالوفاء بـبـيعة المستبد.
هكذا نرى أن فصل الدين عن السياسة كان في الحقيقة إخضاع الدين للسياسة، واستغلال تقوى المتقين لتطويقهم بـبـيعة الإكراه. ولما كانت الفتن المذهبـية داء مقيما في تاريخنا، وكان الخوف من ضياع الدين وسَط تلك الصراعات يسيطر على العقول، فقد أصبح قَبولُ رِبْقة البـيعة الإكراهية "أصلا" يوصي به المشايخ تلامذتهم.
خلعَ علماءُ المدينة يزيدَ بن معاوية سنةَ ثلاث وستين، فكان القمع الوحشيُّ المعروف في التاريخ بوقعة الحَرَّةِ. قُتِل فيها مَقْتَلَةٌ عظيمة من أبناء المهاجرين والأنصار الأُباة. وقد رأينا الصحابيَّ الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كيف بقي على بـيعته: اجتهاد.
وبعد عبد الله بن عمر علماء جعلوا موقفه أصلا: تقليد مميت.
كان الإمام مالك رضي الله عنه يجلس في مجالسه الحديثية ليحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ "ليس على مستكره طلاق". وسمع الناس مقالة الإمام فاستندوا إليها ليقيسوا بـيعة المُسْتَكَرَه على طَلاقِ المستكْرَه. وكان أبو جعفر المنصور العباسي ملك الوقت، فكان يرى في الحديث عن الاستكراه وبطلان عقوده خطرا. لا سيما وفي زمانه قام الإمام محمد بن عبد الله النفسُ الزكيَّةُ قومته المشهورة، واستدل أصحابُه على جواز خلع العباسيِّ بحديث الاستكراه. نهى أبو جعفر مالكا عن رواية ذلك الحديث فأبى. وأوذي الإمام وضرب حتى خلعت كتفاه. وكان قلبه مع القائم محمد النفس الزكية. فكان اجتهاده رضي الله عنه أن يَخْلَعَ الربقَةَ


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:35 am

دين الانقياد

سادت بعد طول التعسف والقهر روحُ الطاعة الخانعةِ للسيف بعد أن كانت البـيعةُ في عهد الخلافة الراشدة عَقدا اختيـاريا. كانت عقدا يعطي الإمــامَ حقَّ السمع والطاعة بشروط. فأصبحت البـيعة اسما للانقياد بلا قيد ولا شرط. وأُلحقَتْ أحكامُ المبايعة وشؤون الإمامة بكتب الفقه كأنها فروعٌ لا خطر لها. بـينما هيمن على حياة الأمة "دين الانقياد". وأول حكم من أحكــام دين السيف قول أحدهم، ولا نذكر اسمه فإنه لا يهم، في مجلس بـيعة إكراه: "من قال لنا برأسه هكذا (أي امتـنع عن البـيعة) قلنا له بسيفنا هكذا!".
قال حكيم المؤرخين: "واستحكمت لأهل ذلك النصاب (أي الملوك) صبغةُ الرئاسة. ورسخ في العقائد دينُ الانقيادِ لهم والتسليمِ. وقاتل الناس معهم على أمرهم قتالَهم على العقائد الإيمانية. فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبـير عِصابة (يكفي شرطة وجلادون!). بل كأن طاعتها كتابٌ من الله لا يُبَدَّلُ ولا يُعْلَم خلافُه. ولأمْرٍ ما يوضَع الكلامُ في الإمامة آخرَ الكلام على العقائد الإيمانية".[1]


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:36 am

إذا قهرهم بالسيف"

روى القاضي أبو يعلى قال: "ورُوِي عنه (عن الإمام أحمد) أنها (الإمامة) تـثبت بالقهر والغلبة ولا تفتقر إلى العقد. فقال في رواية عبدوس بن مالك العطار: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمِّيَ أمير المومنين، فلا يحلّ لأحد يومن بالله واليوم الآخر أن يـبـيت ولا يراه إماما، بَرّاً كان أو فاجراً. وقال أيضا في رواية أبي حارث في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم: "تكون الجماعة مع من غلب". واحتج بأن ابن عمر صلى بأهل المدينة في زمن الحرة، وقال: نحن مع من غلب".[1]
من بين الأحاديث الكثيرة التي تأمر بالصبر على جَوْر الحكام أو عصيانهم عندما يكون أمرُهم مخالفا للدين حديث أورده الإمام أحمد في مسنده مرفوعا. وقد قرأنا فتواه التي رواها عنه أبو يعلى الفقيه الحنبلي والتي يستـند فيها إلى قول صحابي ليُفْتِيَ بإمامة الغالب وبأن الجماعة مع السيف. لا يُظَنَّ بأئمتـنا إلا أنهم احتاطوا لدينهم وللأمة جزاهم الله خيرا. وهم كانوا أبْصَرَ بواقعهم وأقدر على وزن النـتائج المترتبة على الصبر أو المناهضة.
لكن الحديث الذي أورده الإمام أحمد ولم يعتمده يـبدو لنا سندا لفتوى تـناسب زمانـنا تمام المناسبة. روى عن حذيفة رضي الله عنه قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الخير وأسأله عن الشر. فقلت: يا رسول الله! هل بعد الخير من شر كما كان قبله شر؟ قال: نعم! قلت: فما العصمة منه؟ قال: السيف أحسَبُ! أبو التياح (أحد رجال الحديث) يقول: السيف أحسَبُ! قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم تكون هدنة على دخن. قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم تكون دعاةُ الضلالة. قال: فإن رأيت يومئذ خليفة الله في الأرض فالزمه وإن نُهِكَ جسمُك وأخِذَ مالُك. فإن لم تره فاهرب في الأرض ولو أن تموت وأنت عاض بجِذْلِ شجرة! قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم يخرج الدجال. قال: قلت: فما يجيء به معه؟ قال: بنهرٍ أو قال ماءٍ ونارٍ، فمن دخل نهره حُطَّ أجرُهُ ووجب وزْرُه، ومن دخل ناره وجب أجرُه وحُطَّ وِزرُه. قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: لو أنـتجتَ فَرَساً لم تركب فِلوها حتى تقوم الساعة. قال شعبة حدثني أبو بشر في إسناد له عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: قلت: يا رسول الله! ما هدنة على دخن؟ قال: قلوب لا تعود على ما كانت".
كلمة "السيف أحسَبُ" التي نطق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤكدها راوي الحديث كلمة مهمة نقف عندها للتأمل ولاستنباط فريضة مقاومة الاستبداد. هناك أحاديث نبوية أخرى تأمر بمحاربة دعاة الضلالة إن أظهروا كفرا بواحا. وكلمة "السيف أحسب" تعطينا علاج الخمـــول والانقياد للحاكم المستبد. فلا يقهر السيفَ إلا السيفُ متى فشلت الوسائل السليمة والقومات الجماهيرية وعجزت عن كف أغلال رِبقة الملك العاض والجبري. والحَسَبُ في لغة العرب الشرف. فلا عصمة من الشر إلا بمقاومته والتصدي له.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:36 am

إمارة الاستيلاء

إن القول بإمامة المتغلب ما هو إلا التماس فقهي لفتوى تجمع أمر الأمة الشتيت في شبه مشروعية. إنه يـنبئ عن مرونة الفقهاء الذين ارتكبوا أخف الضررين حين تفاقم حكمُ السيف، وظهرت دولٌ في الدولة. فأراد الفقهاء أن يدخلوا السلطان الفعلي الذي كان لبني بويه والسلاجقة والغزنويـين وسائر هذه التكتلات القبلية تحت السلطة الاسمية للسلطان المركزي. فكان "الخليفة" العباسي لا يستطيع أن يولي على الأقاليم من شاء، فيُضْطَّرُ للاعتراف بالمستولي المسلَّح الممتـنع عن طاعة الدولة. وهكذا يـبقى للدولة اسم يذكر في خطبة الجمعة أو أثر ينشر على شكل سِكة تحلى بأسماء "الخلفاء".
يقول القاضي أبو يعلى في كتاب "الأحكام السلطانية": "فأما إمارة الاستيلاء التي تعقد على اضطرار فهي أن يستولي الأمير بالقوة على بلاد يقلده الخليفة إمارتها، ويفوض إليه تدبيرها وسياستها(...). وهذا وإن خرج عن عُرف التقليد المطلق ففيه من حفظ القوانين الشرعية ما لا يجوز أن يُتْرَك فاسدا".[1]
الفقيه الجليل يرى أن الفساد قد أُصْلِحَ إن حافظنا على المظاهر والشكل. تشبثهم رحمهم الله بوحدة الأمة والأمة تـنقض عراها، حسب التعبـير النبوي، ألجأهم إلى القناعة بأدنى مظاهر وحدة السلطان.
ويُفَصِّلُ الماورديّ الاستيلاء تفصيلا فيقول: "فصل، وأما نقص التصرف فضربان: حَجْرٌ وقهر. فأما الحجر فهو أن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتـنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية، ولا مجاهرة بمُشاقَّةٍ، فلا يمنع ذلك من إمامته، ولا يقدح في صحة ولايته".
نقول: إذا سلمت الواجهة فالاستبداد لا يسمى معصية، والإمام يـبقى إماما، والوالي واليا! كذلك حكم السيف: مستبــد على مستبد والدنيــــا لمن غلب.
ثم يضيف القاضي الجليل: "ولكن ينظر في أفعال من استولى على أموره. فإن كانت جارية على أحكام الدين ومقتضى العدل جاز إقرارُه عليها تـنفيذا لها، وإمضاء لأحكامها، لئلا يقف من الأمور الدينية ما يعودُ بفساد على الأمة. وإن كانت أفعالُه خارجة عن حكم الدين ومقتضى العدل لم يجز إقرارُه عليها، ولزِمَهُ أن يستـنصر من يقبض يدَه، ويُزيل تغلُّبَه".[2]
كلمة "حَجر" التي استعملها الماوردي كلمة حَيِـيَّةٌ تُخْفي تعسف أمراء العساكر الذين كانوا يلعبون بالملوك العباسية بعد المعتصم. فينصبون من أطاعهم، ويطردون ويعذبون ويسملون عيون من عصاهم. وكانت الأمة بمعزل عن كل هذا، تدين بدين الانقياد. والجملة الأخيرة تـنبئ عن المؤامرات التي كانت تُحاك في البَلاط لضرب بعض المستبدين العساكر بعضِهم بـبعضٍ.
تفتُّـتٌ في السلطة حاول الفقهاء المبَجَّلون أن يَلُموه ويجمعوه في سماء الفقه بروابط الاستدلال. وهيهات أن يستقيم لعلمائنا الأتقياء ما أرادوا والأمة يدوسها كل دائس، والباب مفتوح لكل عصبـية مسلحة أن تـتغلب فتفوز بفتوى: "نحن مع من غلب".


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:37 am

أصل البلاء

روى أبو داود والترمذي عن سفينةَ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخلافة في أُمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك. قال سعيد بن جمهان (الراوي عن سفينة): ثم قال (أي سفينة): أمسكْ! (أي احسُبْ): خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان. ثم قال: أمسِكْ: خلافة علي. فوجدناها ثلاثين سنة. قال سعيد فقلت له: إن بني أمية يزعمون أنَّ الخلافة فيهم! قال: كذبوا بَنُو الزرقاء! بَل ملوكٌ من شر الملوك". هذه رواية الترمذي.
وعند أبي داود: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يوتي الله الملك من يشاء. قال سعيد: قال لي سفينة: أمسك: أبو بكر سنـتين، وعمر عشرا، وعثمان اثنـتي عشرة، وعلي ستا. كذا قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أنَّ عليا لم يكن بخليفة! قال: كذبَتْ أسْتَاهُ بني الزرقاء! يعني بني مروان". هذا حديث حسن. قال الحافظ في الفتح: "رواه أصحاب السنن وصححه ابن حبان.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:38 am

مَناطُ البلاء

بدأ البلاء بالملوك شر بداية كما قال الصحابيُّ وكما أنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجثم على صدر الأمة الحكم الوراثي الذي لا نزال نعانيه. والوراثة مَناط البلاء لأنها تعني غياب اختيار الأمة، وعزلَها عن أمرها الذي فرض الله أن يكون شورى. تعني حكم الغِلْمة الذين على أيديهم هَلَكَةُ الأمة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعوذ بالله من إمارة الصبـيان". قالوا: وما إمارة الصبـيان؟ قال: "إن أطعتموهم هلكتم (أي في دينكم) وإن عصيتموهم أهلكوكم (أي في دنياكم)". كذا نقل الحافظ في الفتح عن علي بن معبد وابن أبي شيـبة. قال: وفي رواية ابن شيـبة أن أبا هريرة كان يمشي في السوق ويقول: "اللهم لا تُدركْني سنة ستين وإمارة الصبـيان". قال الحافظ: "وفي هذا إشارة إلى أن أول الأُغَيلمة كان في سنة ستين. وهو كذلك، فإن يزيد بن معاوية استُخلف فيها".
قلت: وهكذا بدأت بدعة الوِراثة العاضة التي كانت في تاريخنا مناطَ البلاء كله.
وما زالت بدعة الوراثة تسير في طريقها الطبـيعي حتى تطورت إلى اللعب السافر بالأمة. تريد الأُسرة الحاكمة، والعصبـية الجاثمة، والنظام المتسلط، أن تحافظ على مصلحتها وبقائها، فينصِب الحاكمُ ابنه، أو واحداً من قرابته، وليا لعهده. ويعطون لهذه الوِلاية الفاجرةِ صِبغةً شرعية عندما يُكرهون الناس على بـيعة الوارث. وهي في الحقيقة بَـيْعٌ للدين، لا بَـيْعة يُقرها الدين. نُصِبَ الصبـيانُ سادةً على رؤوس الأمة، بل بويع حتى لمن لم يولد. وهكذا فسدت أداةُ الحكم، وشُوِّهَتِ السلطة، وعُبِدت الأصنامُ الوراثية. وعَبث الغلمان، وعُبِث بهم. فذلك هلاك الأمة كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
قال ابن خلدون: "صبي صغير، و مُضَعَّفٌ من المَنْبِتِ (أي الأسرة)، يترشح للولاية بعد أبيه، أو بترشيح ذويه وخَوَله. ويُؤنَسُ منه العجزُ عن القيام بالملك، فيقومُ به كافله من وزراء أبيه وحاشيته ومواليه أو قبـيله. ويُوَرّي عنه بحفظ أمره عليه، حتى يونَسَ منه الاستبداد (يعني أنَّ الكافل يوهم الصبيَّ أنه لا يعمل إلا لمصلحته، حتى يتمكن الكافلُ فيستبد بالأمر). ويجعل ذلك ذريعةً للملك. فيحجبُ الصبيَّ عن الناس، ويُعَوِّدُهُ اللذاتِ التي يدعوه إليها ترف أحواله. ويُسيمُه في مراعيها متى أمكنه. ويُنسيه النظر في الأمور السلطانية، حتى يستبدَّ عليه. وهو (أي الصبي) بِمَا عوَّده، يعتقد أن حظ السلطان من الملك إنما هو جلوسُ السرير، وإعطاءُ الصفقة، وخطابُ التهويل، والقعود مع النساء خلف الحجاب".[1] ويرحم الله ابن خلدون فقد عاش هذه الأمور وشارك فيها، فهو يُخْبِر عن تجربة.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:38 am

الاستخلاف

بدأت ولاية العهد الملكية وكأنها امتداد للاستخلاف الذي سنه أبو بكر الصدِّيقُ رضي الله عنه عندما استخلف من بعده عمرَ. كانت ولاية العهد الملكية شكلا أُفْرِغَ من معناه، لأن الخليفةَ الراشد اجتهد للأمة فاختار لها أقدر الرجال، والملوك ما دفعهم لتوريث أبنائهم إلا الحرصُ على بقاء السلطان في السلالة. وشتان بين استخلاف لا يتعدى أن يكون إشارة لراعي المصلحة العامة الخبـير بالرجال، ثم ترضى الأمة فتبايعُ أو تختارُ لنفسها، وبين وراثة الملك العاض الناشِبِ أظفارَه في الفريسة، تـتعاقب على افتراسها الأجيالُ المترفة!
استـندوا إلى الدين فجعلوا البـيعة ربقة في عنق المتقين. وما فطِن الأخيار، بل تغاضوا، أن بـيعة ولي العهد عُقْدَةٌ باطلةٌ لأنَّ أحَد الطرفين غشَّ في النية، وغش في دعوى الكفاءة والعلم والتقوى، وكلها شروط ضرورية لصحة البـيعة.
نقل الحافظ في الفتح عن الإمام النووي وغيره قالوا: "أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها لعقد أهل الحل والعقد لإنسان حيث لا يكون هناك استخلافُ غيرِه. وعلى جعل الخليفة الأمرَ شورى بين عدد محصور أو غيره".[1]
وذكر الماروديُّ الإجماع على صحة إمامة المستخْلف مستشهدا برضى الصحابة بصنيع أبي بكر. وذهب مذهب الجمهور الذي حكاه الحافظ من أن رِضى الأمة وسخطها سواء، وأن بـيعة المستخلَف تَلْزَمها على كل حال. لكنه أورد رأيا هو في نظرنا الأسَدُّ والكفيل وحده بسد الذريعة التي دخل منها على الأمة البلاءُ، فعشش وفرخ. قال: "فذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أن رضى أهل الاختيار لبـيعته (أي المستخلف) شرط في لزومها للأمة، لأنها حق يتعلق بهم، فلم تلزمهم إلا برضى أهل الاختيار منهم".[2]
ولعل عبقريَّ الأمة عمر رضي الله عنه نظر للأمة نظراً صالحا للتطبـيق، لا سيما وهو نظر يحترم الأمر القرآني، أن يكون أمر الأمة شورى بـينها. فجعل الاستخلاف في جماعة. قال الحافظ ابن حجر: "قال ابن بطال ما حاصله: إن عمر سلك في هذا الأمر مسلكا متوسطا خشية الفتـنة، فرأى أن الاستخلاف أضبطُ لأمر المسلمين. فجعل الأمرَ معقوداً موقوفا على الستة، لئلا يترك الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر. فأخذ من فعل النبي طرفا وهو ترك التعيـين، ومن فعل أبي بكر طرفاً وهو العقد لأحد الستة، وإن لم يَنُصَّ عليه".[3]
كان الصحابة رضي الله عنهم يرون في صنيع أبي بكر عندما استخلف إجْراءً رشيدا. فقد جاء عند الشيخين وغيرهما حديث عن عبد الله بن عمر أنه تجادل مع أم المومنين أُخْتِهِ حفصةَ، هل يستخلفُ والدهما أو لا؟ فذهبت حفصة إلى عمر فقالت: "زعموا أنك غيرُ مستخلف! وأنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها لرأيت أنه قد ضيع. فرعايةُ الناس أشد".
وذكر ابن قتيـبة في كتاب "الإمامة والسياسة" أن أبا بكر خطب الناس عند احتضاره، وخيَّرَهم بين أن يترك لهم أمرهم يأتمرون ويتشاورون فيه، وبين أن يختار لهم. فقالوا: "يا خليفة رسول الله! أنت خيرُنا وأعلمنا، فاختر لنا".
نستخلص من هذا أن الاستخلاف قد يكون توجيها لاختيار الأمة يساعد على الاستقرار. لكنه إن تم استبداداً من الإمام يوشك أن يصبح مزلقة نحو الكارثة. والأصل الشورى. روى الحاكم عن علي أن رسول الله صلى لله عليه وسلم قال: "لو كنت مستخلفا أحدا من غير مشورة لاستخلفت ابن أم عبد".
كان عثمان رضي الله عنه أقربَ المستشارين لعمر، وكانوا يُسَمُّونه رديفاً. فكرة الرديف هذه يمكن أنْ تـنفعنا في غد الخلافة لأنها تسد فجوة بعد غياب الإمام ريثما تأتمر الأمة.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 2:40 am

النصوص من كتاب الخلافة والملك
وكتاب العدل الأسلاميون والحكم
للشيخ عبد السلام ياسين
يضع أشارات بالغة عن بداية الداء
ثم أن شاء الله سنفصل
والله الموفق


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 11:52 pm

على هذا الضوء نرى الأحداث التاريخية المعاصرة، نرى التطور المذهل في العلوم والتكنولوجيا استأثر بهما من دوننا أعداء الإسلام، نرى الاتفاق بين شطري الجاهلية على التصدي العدواني لنهضة الإسلام، نرى فرقة المسلمين وتمزقهم، نرى هيمنة المادية الجاهلية وثقافتها في العالم، نرى احتلال العدو لأرض المسلمين واقتصادهم وعقلهم. نرى الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين المجزأة أقطارا ودويلات تمثل الحكم الجبري الذي يتحدث عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي يبشرنا بإشراق شمس الخلافة بعد ظلام العض والجبر. أذكر بالحديث الذي اتخذناه محورا لتفكيرنا ومرشدا لخطواتنا، روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت".


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 11:52 pm

الانحراف الخطير

إننا إذ ننظر إلى الأحداث المائجة في عصرنا ونعيش مع الأمة أملها في أن يظهر الله دينه على الدين كله كما وعد ووعده الحق لن نعدو محطات الآمال المجنحة الخائبة، تجنيحها وتحليقها فوق الواقع، تحليقا يعطي النشوة المخدرة لكنه لا يعطي التبصر، إن لم نتخذ هذا الحديث الجليل وأمثاله دليلا لمعرفة الانحراف التاريخي الذي حول مجرى حياتنا ففقدنا بالتدريج مقوماتنا. ذهبت الشورى مع ذهاب الخلافة الراشدة، ذهب العدل، ذهب الإحسان، جاء الاستبداد مع بني أمية، ومع القرون استفحل، واحتل الأرض، واحتل العقول، واعتاد الناس أن يسمعوا عن الخلافة الأموية والعباسية وهلم جرا. وعاشوا على سراب الأسماء دون فحص ناقد للمسميات. سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ملكا عاضا وملكا جبريا وسماها "المؤرخون" الرسميون خلافة، فانطلت الكذبة على الأجيال، وتسلينا ولا نزال بأمجاد هذه "الخلافة". وقد كانت بالفعل شوكة الإسلام وحاميه من العدوان الخارجي. لكن في ظلها زحف العدوان الداخلي لما أسكتت الأصوات الناهية عن المنكر، واغتيل الرأي الحر، وسد باب الاجتهاد. في ظلها وفي خفاء الصراعات تكونت المذاهب الدساسة، وتمزقت الأمة سنة وشيعة، وتشتت العلم مزعا متخصصة عاجز فيها أصحاب التخصص عن النظرة الشاملة. لا يجسر أحد على بسط منهاج السنة والقرآن مخافة السلطان. كان القتال في ظلها قد انتهى إلى تركين القرآن وأهله في زوايا الإهمال أو الفتك بهم في "قومات" مثل قومة الحسين بن علي رضي الله عنهما الدموية. وفي ظلها تسلط السيف تسلطا عاتيا. وتقدم أصحاب العصبيات العرقية، فحكم بنو بويه والسلاجقة، والعبيديون، وهلم جرا. حكم كل أولئك تحت ظلها، يُفتي تحت ظلها المفتون بشرعية حكم المستولي بالسيف. وسلام على الشورى وعلى العدل والإحسان.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رسالة فضيلة المرشد : السنة والشيعة.. بين أُخوَّة الإسلام ومخططات الأعداء!!

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأحد فبراير 20, 2011 11:53 pm

ضرورة التفكير المنهاجي

إن لدى دعاة الباطل، لبراليين واشتراكيين، وقوميين، و"يسار إسلاميين"، وكل مزيج مريج من هذه الأصناف، نسقا واضحا لتحليل الواقع، ونقده، وتحليل التاريخ، ورسم مسار ممكن للمستقبل. ونحن نبقى في عموميات مطالبنا الراقية، نعبر عنها بعواطفنا الجياشة الصادقة المشتاقة لغد الإسلام الأغر.
هذه العاطفية تلف في غلالة حانية متسامحة عذبة تاريخنا في نظر أنفسنا. فلا يزال منا من ينشد ضالته عند النموذج التليد على عهد هارون الرشيد. لا ينتبه لحظة أن هذا الملك، العظيم حقا في ميزان الدنيا، ليس في ميزان الإسلام وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ملكا عاضا يجرحه عضه ويسقطه عن مرتبة الاعتبار الشرعي. بعاطفة الحزين على حاضر المسلمين الهزيل، نندفع لاستدعاء أمجاد "شوكة الإسلام"، وهو تعبير للإمام الغزالي برر به رحمه الله دفاعه عن المستظهر العباسي. نستدعي صورة ذلك العهد القوي سلطانا، نحسب أننا بذلك ننتقم لتفاهتنا الغثائية الحاضرة. ما درينا أننا بإعزازنا للملك العاض الماضي نعز الملك الجبري الحاضر، ونعمل على تعمية آثار الهدي النبوي والوصية النبوية الكفيلين وحدهما، تعليما ينير معالم الطريق، وأوامر للتنفيذ، ونموذجا للاحتذاء، بإنهاء غثائيتنا حين نمشي على المنهاج، ونصحب، بالنظر الناقد الماسك على القول الشريف، تطور الأمر حين بدأ الصراع بين القرآن والسلطان، وحين غلب السيف، وحين غابت الشورى وغاب العدل واختفى الإحسان، حين تفتت الفقه، وحين سيقت الأمة إلى التمزق فالاحتلال الاستعماري فبروز المغربين وجند الشياطين يعيثون في الأمة فسادا.
لا بد لنا إذن من إرساء قواعدنا على مكين الكتاب والسنة لأن العاطفة المجنحة خبال، ولأن فقه سلفنا الصالح الذين عاشوا رهائن مقهورة في قبضة العض والجبر لم يخلفوا لنا إلا نثارا من العلم لا يجمعه مشروع متكامل لأن الحديث عن الحكم وسلطانه ما كان ليقبل والسيف مصلت، وما كان بالتالي ليعقل أو ينشر، إلا إذا احتمى في جزئيات "الأحكام السلطانية" التي تقنن للنظام القائم لا تتحدث عنه إلا باحترام تام، أو دخل في جنينات آداب البلاط المزينة بفضائل الأمراء وحِكَمِ الإحسان الأبوي إلى الرعية.
المنهاج النبوي ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها، ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها، ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد، ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء.
إن الصراع السياسي الداخلي والخارجي قبل القومة وأثناءها وبعدها إما أن يستحضر التوجيه النبوي الذي حذرنا بكامل الوضوح من العض والجبر فيمكننا عندئذ أن نتخطى أنظمة الفتنة ونؤسس خلافة الشورى والعدل والإحسان، وإما أن نهيم على وجه الآمال الحالمة بأمجاد العباسيين وشوكة آل عثمان، رحم الله الجميع، فنقبع في سجن الأمية التاريخية وسجن الإعراض عن الوصية الخالدة الواعدة بمرحلة الخلافة الثانية المتميزة في نظامها.
إننا لا نقصد التنقيص من شوكة ملوك المسلمين لا سيما من أبلوا منهم البلاء الحسن في الدفاع عن الحمى. لا وليس قصدنا هنا التعرض لنقد الأشخاص وقد كان منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، لكن نقصد نظام الحكم، إعادة تاريخه على معايير الإسلام، غير متأثرين بمقتضيات المفاخرة والمساجلة التي يتخذها القوميون العرب طبولا تطن على الأسماع.
أستعمل كلمة "قومة" بدل "ثورة" تأصيلا للنهضة واليقظة والتعبئة والإعداد والزحف على مثال قوله تعالى : "وإنه لما قام عبد الله يدعوه" [1] . فتكون قومتنا على منهاج النبوة، وتطلعنا بعد العض والجبر إلى الخلافة على منهاج النبوة، ومعالجتنا لكل صغيرة وكبيرة بتفكير منهاجي وأسلوب منهاجي وخطوات تتأسى بخطوات الرسل عليهم السلام، تتوج حكمة خطواتهم الموفقة بالنموذج المحمدي، صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.


<br>
avatar
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 3867
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 3 من اصل 7 الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى