شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن
شبكة واحة العلوم الثقافية
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

الوعيُ الشَّرعيُّ لدى الشباب المسلم ومقاصده

اذهب الى الأسفل

 الوعيُ الشَّرعيُّ لدى الشباب المسلم ومقاصده Empty الوعيُ الشَّرعيُّ لدى الشباب المسلم ومقاصده

مُساهمة من طرف كاره اليهود في الثلاثاء مارس 01, 2011 2:54 am

الكاتب: أ/ أدهم صلاح الدين
مدخل

إنَّ
مِن بين أهمِّ المسائل التي يجب على الإنسان أنْ يكونَ واعيًا بها في حياته، هو أنْ يكون واعيًا مِن النَّاحية الشَّرعيَّة؛ حيث إنَّ دين الإنسان هو أهمِّ شيءٍ له في هذه الدُّنيا؛ حيث مصيره مُعلَّقًا به في الآخرة، وحيث هو الأداة التي يعرف بها الإنسان ربَّه، ويعرف لماذا خلقه، وما هي مهامه الرَّئيسيَّة في الحياة الدُّنيا ما بين عبادة اللهِ تعالى والاستخلاف والإعمار وإقامة شريعة اللهِ في أرضه، والدِّين هو الذي يُنظِّم حياة الإنسان، ويضمن أمنَهُ وحقوقَهُ في الدُّنيا، مِن خلال منظومةٍ أخلاقيَّةٍ وقيميَّةٍ تحكم علاقات البشر فيما بين بعضهم البعض، وتضمن استمرار الحياة على الأرض على الشَّكل الذي يحفظ كرامة الإنسان؛ أيُّ إنسانٍ.

والشَّريعة الإسلاميَّة نَزَلَتْ من أجل تحقيق العديد من المقاصد التي سوف نتعرَّف عليها، والتي مِن المُهِمِّ جدًّا أنْ يكون الإنسان على وعيٍ بها، ولكي يصل إلى هذه المرحلة مِن الوعي؛ فإنَّ هناك العديد من الخطوات لذلك، وهي ترتيبًا:

الخطوة الأولى: معرفة اللهِ.

الخطوة الثَّانية: معرفة علاقتك باللهِ.

الخطوة الثَّالثة: معرفة الرَّسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم".

الخطوة الرَّابعة: معرفة علاقتك بالرَّسول "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم".

الخُطوة الخامسة: معرفتك لحكم اللهِ، أي شرعُ اللهِ الذي شرعه لك.

الخطوة السَّادسة: معرفتك لدليل الحُكم الشَّرعيِّ.


الخطوة السَّابعة: معرفتك لمقصدِ الحُكم الشَّرعي، أي لمقاصد الشَّرع، ولماذا شَرَعَ الشَّارع هذه الأحكام.

فبعد أنْ تعرِفَ الأحكام؛ فإنَّك تكون بحاجةٍ إلى معرفة الدَّليل عليها؛ لأنَّ الإنسان إذا لم يأخذ بالدَّليل؛ كان كالتَّائه.. قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة 111]، وكلُّ ما لا يقوم عليه دليلٌ فهو باطلٌ، والدَّعاوى ما لم تُقام عليها بيِّناتٌ؛ فأبناؤها أدعياء، ولذلك يحتاج الإنسان إلى معرفة الدَّليل لكلِّ أمرٍ يعمل به حتى يجزم ويوقن أنَّ هذا الذي يعمل به هو الذي يُرضي ربَّه، وهو الذي أرسل به رسولَه "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم"، لأنَّك عرفْتَ ربَّك، وعرفْتَ علاقتك به، وعرفْتَ رسولَك، وعرفْتَ علاقَتَك به، وعرفْتَ الحُكْمَ، فتحتاج إلى معرفة الدَّليل.

هذا الدليل أصله الوحيُ المُنزَّلُ، وهذا الوحي يُبْحَثُ فيه مِن جِهَتَيْن؛ جِهة الورود، وجهة الدَّلالة، جِهة الورود معناه ثُبوت أنَّ هذا مِن كلام اللهِ، أو أنَّ هذا مِن كلامِ رسولِ اللهِ "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم"، أمَّا جِهة الدَّلالة فمعناها ما مُرادُ اللهِ مِن عباده من هذا الكلام، ما مُراد الرَّسول "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم" مِن أُمَّتِه مِن هذا الكلام.

بعد ذلك الخُطوة السَّابعة هي معرفة المقصدِ الشَّرعيِّ، ما الذي يقصده اللهُ جلَّ جلالُه بهذا التَّشريع، وما الذي يقصدُهُ الرَّسول "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم" مِن هذا الأمر أو مِن هذا النَّهي.. والمقصدُ الشَّرعيُّ لا يُمكن أنْ يعودَ على اللهِ سبحانه وتعالى بنفعٍ ولا بضررٍ، فاللهُ تعالى يقول في حديثٍ قدسيٍّ: "يا عباديَ لَم تبلغوا ضَرِّي فتضرُّوني ولم تبلغوا نَفعي فتنفعوني" [متَّفقٌ عليه]، ويقولف في كتابه العزيز: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)﴾ [سورة الحَجُّ].

فإذن كلُّ ما شَرَعَهُ اللهُ مِن الأحكام سواءً كانت أمرًا أو نهيًا، سواءٌ كان جازمًا أو غير جازمٍ، أو كانت إباحةً؛ فهي لمصلحتنا نحن ونحن المستفيدون منها.


ولكن هذه المصلحة تنقسم إلى قسمَيْن؛ إلى مصلحةٍ دُنيويَّةٍ، وإلى مصلحة أُخرويَّةٍ، فالمصلحة الدُّنيويَّة يُمكن أنْ نكتشفها نحن لأنَّنا نعيش في هذه الحياة الدُّنيا، وأغلب مصالحها تكون في عُمرِنا المحدود الذي نعيشه، فلذلك نكتشف المصالح الدُّنيويَّة، وهذا القِسم مِن الأحكام يُسمَّى الأحكام التَّعلُّليَّة، أي التي تتضح للإنسان المُسلم عِلَّتُها، لكن مصالح الآخرة لا يمكن أنْ نكتشفها بعقولنا؛ لأننا لا يمكن أنْ نتصوَّر الآخرة، فنحن الآن يُمكن أنْ نفهم لماذا أوجب الشَّارع على الزَّاني الجَلد، لماذا أوجبَ قَطع يدِ السَّارِق؛ لأنَّ هذه أمورٌ فيها مصالحَ دُنيويَّةٌ، ولكن لا يمكن أنْ نفهم لماذا أوجب الشَّارع عند زوال الشَّمس صلاةَ أربعةِ ركعاتٍ في الحَضَرِ واثنتَيْن في السَّفَرِ، ولماذا أوجب عند دُلُوكِ الشَّمسِ أربعةَ ركعاتٍ في الحَضَرِ واثنتَيْن في السَّفر، ولماذا أوجب عند غروب الشَّمسِ ثلاثَ ركعاتٍ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، ولماذا أوجب عند غروب شَفَقِها أربعَ ركعاتٍ في الحضر وركعتين في السفر، ولماذا أوجب عند طلوع فجرها ركعتَيْن في الحَضَرِ والسَّفَرِ، هذه أمورٌ لا يمكن أنْ تصلَ إليها العقول لأنَّها مِن مصالح الآخرة.

وتتناول هذه الدِّراسة قضيَّة الوعي الشَّرعيِّ من خلال المباحث الثَّلاثة التَّالية:

المبحث الأوَّل: مقاصد الشَّريعة وغايات الشَّارع الأعظم منها.

المبحث الثَّاني: العلاقة بين الوعي الشَّرعيُّ وتحصيل العِلم.

المبحث الثَّالث: القضاء والقَدَر والوعيُ الشَّرعيُّ.

المبحث الأوَّل:
مقاصد الشَّريعة وغايات الشَّارع الأعظم منها


أوَّل ما يجب أنْ يعرفه المسلم في إطار سَعْيِه لطلب الوعي الشَّرعيِّ هو أنْ يعرفَ مقاصد الشَّريعة، والمُراد الإلهيِّ منها، ولماذا أوجبها على الإنسان، وأنَّ ذلك في مصلحة الإنسان كما تقدَّم.

وللشَّارع نوعَيْن مِن المقاصد؛ النَّوعُ الأوَّل هو المقاصد المُتعلِّقة بشخصِ الإنسان، أي بكيانِ الإنسان، فالإنسانُ كائنٌ شريفٌ على اللهِ، خَلَقَ اللهُ آدم بيمينه، ونَفَخَ فيه مِن رُوحِه، وأَسْجَدَ له ملائكَتَه، وجعله خليفته في الأرض، وقال بعد ذلك فينا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء- 70] .. فالمقاصد المُختصَّة بكيانِ الإنسان وشخصه ترجع إلى خمسة أمور:

الأمر الأوَّل: رعاية دين الإنسان

الإنسان إذا لم يكن له دينٌ؛ لم يكن له كيانٌ، هو ضائعٌ ليس له هُويَّةٌ، يكون كالبهائم؛ بل يكون أخسَّ مِن البهائم، وذلك أنَّ اللهَ سُبحانه وتعالى جعلنا بين نوعَيْن مِن أنواع الخلائق؛ نوعٌ أسمى منَّا، وهُم الملائكة الكرام، محَّضَهُم اللهُ لطاعته وخَلَصهم لعبادته، فهم عبادٌ مُكرَمون لا يعصون اللهَ ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون، يُسبِّحون الَّليل والنَّهار لا يفترون، وهؤلاء الملائكة الكِرام كلَّفَهُم اللهُ بتكاليفَ ولم يمتحنهم بالشَّهوات، والصِّنف الأدنى منَّا وهو الحيوان البهيميُّ سلَّط اللهُ عليه الشَّهوات ولم يُكلِّفَه بالتَّكاليف.

ونحن وسطٌ جَمَعَ اللهُ لنا بين الخاصِّيَّتَيْن؛ فنحن مُكلَّفون بالتَّكاليف، ومُمتَحنون بالشَّهوات، فمَنْ اتَّبع مِنَّا الشَّهوات وضيَّعَ التَّكاليف؛ التحقَ بالصِّنف الأدنى، وهو البهائم، ومَن لم يضيع التَّكاليف، ولم يتَّبِعَ الشَّهوات؛ التحق بالصِّنف الأسمى، وهم الملائكة، وفي القرآن الكريم ما يدلُّ على ذلك.. قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفُرقان- 44]، وقال أيضًا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)﴾ [سورة الأعراف].


فالحُجَّة القائمة على الإنسان أكبر مِن الحُجَّة القائمة على الحيوان، فلذلك لابدَّ مِن الحفاظ على كيان الإنسان والحفاظ على دينه.

الأمر الثَّاني: الحفاظ على نفس الإنسان وحياته

فكلُّ ما فيه إزهاقٌ للرُّوح؛ فهو ممقوتٌ شرعًا، وقد حرَّم اللهُ قَتْلَ النَّفس إلا بالحق، قال تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفُرقان- 68]، فلذلك لابدَّ مِن الحفاظ على حياة النَّاس، والإسلام دين السَّلام.

الأمر الثَّالث: الحفاظ على عقل الإنسان

فهذا العقل هو الذي شَرُفَ به الإنسان على سائر الحيوانات، فإذا ضيَّع الإنسان عقله بشُرْبِ الخَمْر أو المخدَّرات، أو حتى بالفلسفات والأطروحات التي تُحْدِثُ لوثةً في العقل، وتؤثِّر عليه؛ فإنَّه بذلك سعى لأنْ يجعل نفسه كالبهائم، وأنْ يفقِدَ العَقْلَ الذي شَرُفَ به.

الأمر الرَّابع: الحفاظ على عِرْضِ الإنسان

فالإنسان له محلٌّ للمدحِ ومحلٌّ للذَّمِّ، وهو الذي يُسمَّى "عِرْضًا"، فخُلُقُِ الإنسان الذي يدعوه إلى ارتكاب الحميد واجتناب القبيح هو محلُّ المَدْحِ منه، وعكسُهُ أيضًا هو محلُّ الذَّمِّ مِنه، فلذلك لابدَّ أنْ يُحافِظَ الإنسان على طهارةِ عِرضه وطهارةِ ثَوْبِه، وعدم تطرُّق الألسنة إليه بالذَّمِّ، فالإنسان المذموم المهجو على كلِّ لسانٍ هو الذي لا يصون عِرضه ومروءته.

الأمر الخامس: الحفاظ على مال الإنسان


المال مِن حوائج الإنسان التي يستغنى بها عن غيره، ويُلبِّي بها ضروريَّاته فهو محتاجٌ إليه.

هذه الأمور الخمسة هي مقاصد الشَّريعة الأساسيَّة التي شرعها الشَّارع للحفاظ عليها، وقد زاد بعض أهلِ العلم على تلك الأمور الخمسة أمرًا سادسًا؛ وهو الحفاظ على النسل، فالإنسان محتاجٌ إلى بقاء ذِكره في العالمين، ولا يمكن أنْ يتمَّ له ذلك إلا بالذُّرِّيَّة، كما قال النبي "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم": "إذا مَاتَ ابنُ آدمِ انقطع عمَلُه إلا مِن ثلاثٍ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ به أو ولدٍ صالحٍ يَدعو له أو صدقةٍ جاريةٍ" [رواه البخاريُّ].

فهذه هي النَّوع الأوَّل مِن أنواع المقاصد، ثُمَّ القِسْمُ أو النَّوع الثَّاني، وهو القِيَمُ الكُبرى التي تُنظِّم علاقات البشر فيما بينهم أو تنظم علاقاتهم بربهم، وهذه القيم الكبرى أكبرها قِيمة العبادة، فالإنسان كائنٌ مصنوعٌ، صَنَعَهُ اللهُ وخَلَقَهُ وفَطَرَهُ ولم يشاوره على أصل خِلْقَتِه ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾ [الانفطار]، ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51)﴾ [الكهف]، وكلُّ جهازٍ قِيمته هي باعتبار إتقانه لما صُنِعَ مِن أجلِه، هذا جهازٌ صُنع مِن أجل تكبير الصَّوت وتسميعه، إذا فُقِدَتْ منه هذه الخاصِّيَّة بالكُلِّيَّة؛ لم يكن له قيمةٌ، ولن يشتريَهُ أحدٌ، والإنسان خُلق لمهمَّتَيْن كبيرتَيْن، إحداهما خاصَّةٌ به، والأخرى مشتركةٌ بينه وبين الجنِّ، فالمُشتركة بينه وبين الجنِّ هي العِبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ [الذَّاريات]، فإذا لم يُتْقِنَ هذه المهارة ويهتمُّ بها، ولم يُدِرْ أمرَ الآخرة على خُلده، ولم يكن له مشاركةٌ في عبادةِ ربِّه الذي خلقه؛ فلا فائدة فيه وليس له كيانٌ ولا قيمةٌ.

القيمة الثَّانية وهي الاستخلاف، وهذه هي المُختصَّة بالجنس البشريِّ، فنحن خُلقْنَا في هذه الأرض، خَلَقَ اللهُ لنا ما فيها جميعًا.. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة- 29].. قال ابن عباس "رَضِيَ اللهُ عنهما" إما انتفاعًا وإمَّا اعتبارًا، وإمَّا اتِّباعًا واختبارًا، ثلاثةُ أقسامٍ، القِسم الأوَّل ما يُنتَفَعُ به كالمأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات، وهذه هي أصول المنافع، ولذلك ضَمِنَها اللهُ تعالى لآدم في الجنة، فقال عزَّ وجلَّ في سورة "طه": ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (188) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)﴾.


ثُم النَّوعُ الثَّاني، ما يكون اعتبارًا، فنحن لسنا فقط كالبهائم؛ نهتمُّ فقط بالمآكل والمشارب؛ بل لنا جانب آخر، وهو تغذية أرواحنا وقلوبنا وعواطفنا، فنحن نحبُّ أنْ نرى أو نسمع شيئًا جميلاً وحميدًا، هذه الأمور هي مِن الفطرة المحبوبة للبشر.

فلذلك نحتاج أيضًا إلى أمورَ أُخرى ننتفعُ منها انتفاعًا رُوحيًّا وليس فيها مآكل ولا مشارب ولا ملابس ولا مساكن؛ ولكن فيها موعظةٌ وعِبرةٌ، أو فيها جمالٌ لنا برؤيتها؛ كالكواكب لا نلبسها ولا نسكنها ولا نركبها وليس لنا فيها منافع بذاتها، المجرَّات العظيمة الضَّخمة التي فيها مليارات النُّجوم، ما فائدتها لنا؟؛ الاعتبار.. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾ [آل عمران].

لذلك يحفر أحدُنا في الصَّخرة الصَّلدة أو الأرض؛ فيجدُ حيوانًا يعيشُ بين طبقات الأرض، يعجَبُ، كيف يصلُ إليه رِزْقُه؟، كيف يصل إليه الأكسجين والهواء؟، كيف يصل إليه الماء؟ يرى في الصَّحراء حيواناتٍ تعيش في البريَّة اليابسة، كيف يصل إليها الماء والغذاء؟.. ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (6)﴾ [هود] فتجد نفسك مضطرًّا للتوكُّلِ على اللهِ والاستسلام له.

ولذلك فإنَّ حاجياتك التي ترغبُ بها أشدُّها ارتباطًا بشخصك أو بجسمك؛ الغذاء، هذا الغذاء له ثلاثةُ مراحل،َ مرحلةٌ في الوَسَطِ أنت مُشاركٌ في إعدادها وتدبيرها، ومرحلةٌ في السَّابق أنت ليس لك شيءٌ مِن تدبيرها، ومرحلةٌ لاحقةٌ ليس لك أيضًا شيءٌ مِن تدبيرها، ممَّا يُلجِؤك للتَّوكُّلِ على اللهِ.
ثُمَّ القِسمُ الثَّالث ما هو للاختبار، يبتلينا اللهُ به، مثلما جَعَل اللهُ في الأرضِ مِن السَّموم والأمراض والأوبئة والميكروبات وغيرها ممَّا هو ضارٌّ بالإنسان، هذا حِكمةُ خَلْقِه هي الاختبار.. ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء- 35].

فإذن لابد أنْ نُحقِّقَ الاستخلاف في هذه الأرض، أنْ نستخرجَ مِنها وأنْ نستثْمِرَ فيها، وأنْ نُسْتَخْلَفَ في هذا الذي استَخْلَفَنا اللهُ فيه في هذه الأرض، وأنْ نترُكَ فيها بصماتنا، فمدَّةُ بقائنا فيها محصورةٌ، ومُدَّة بقاء كلِّ إنسانٍ منَّا فيها محدودةٌ، فإذا لم يُثْمِر ولم يترك أثرًا؛ فشل في امتحانِه في هذه الحياة، ولذلك أعمارنا هذه هي سفرٌ لك فيه وقتٌ محدَّدٌ، والمُهِمَّة التي جِئْتَ مِن أجلها مُحدَّدةٌ، فإذا لم تُبادر وتُتقن هذه المُدَّة وتزيد وتستثمر؛ فإنَّ هذا الأمر ضائعٌ.


ثُمَّ بعد ذلك القيمة الأخرى الكُبرى، وهي العدل، فالعدل به قامت السَّماوات والأرض، واللهُ هو الحَكَمُ العَدْلُ، ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾ [المائدة]، فالعدلُ قِيمةٌ مِن القِيم الكُبرى التي رُوعيت في الشَّريعة كلِّها، فكل ما في الشَّريعة تُراعَى فيه هذه القِيمة.

القيمة الرَّابعة وهي الحرية، فاللهُ أرادَ أنْ يُحرِّرَ الخلائق مِن الأغيار، وأنْ يجعلَهُم عِبادًا للهِ فقط، وتحقيقهم للعُبوديَّة للهِ هو ما ننال به الحُرِّيَّة والتَّحرُّر مِن أهوائهم وشهواتهم وباطلهم وشياطينهم، وحتى مِن الطَّواغيت وذوي الجبروت والكبرياء، ولا يتحرَّرون مِن ذلك إلا بالعبوديَّة للهِ عبادةً خالصةً، والإنسان مُحتاجٌ إلى هذه الحُرِّيَّة، ولا يمكنه أنْ يُبْدِعَ ويأمن إلا في أجواءٍ يشعرُ فيها بالحُرِّيَّة، فهي قيمةٌ كُبرى، ولذلك شُرِّعَتْ الكثير مِن الأحكام مِن أجل تحقيقها.

القيمة الخامسة وهي الأمن، فالإنسان مُحتاجٌ إلى أنْ يأمنَ على نفسه ومستقبله وعلى حياته، والأمن مطلبٌ للعقلاء جميعًا، وقد قال تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82)﴾ [سورة الأنعام]، فنحتاج إلى تحقيق هذه الِقيمة، ولا يُمكن أنْ يفكِّرَ الإنسان في إقامة المشاريع المُفيدة ما لم يكن آمنًا مُطمئنًا.

هذه بعض القيم، فالخطوات سبعة، والخُطوة الأخيرة هي المقاصد، ومِن أهمِّ ما يدخُلُ نطاق الوعي، لأنَّ الإنسان لو وَعى حِكْمَةَ خَلْقِهِ وحِكْمَةَ التَّشريع له، ورأى القِيم الكُبرى المُنظِّمة لشئون أهلِ الأرض؛ يستوعب تفاصيل الشَّريعة.

والوعي لا يلزم منه معرفة جميع الأحكام تفصيلاً، فقد يكون الإنسان واعيًا وهو ما زال في سنِّ الطَّلبِ، ما زال يتدرج في معرفة الأحكام، وقد يكون زاده مِن الأحكام الشَّرعيَّة قليلا، ولكنه واعٍ بحكمها والمقاصد منها وأدلَّتِها فيسيرُ في هذا الطَّريق.

المبحث الثَّاني:
العلاقة بين الوعي الشَّرعيُّ وتحصيل العِلم


مِن بين أهمِّ السِّمات التي يجب على الإنسان السَّعي إليها عندما يسعى إلى أنْ يكونَ واعٍ مِن النَّاحية الشَّرعيَّة هي طلب العلم، والعلم هو منحةٌ إلهيَّةٌ منح اللهُ منه قليلاً للبشر.. قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء- 85]، و﴿أُوتِيتُمْ﴾ معناها أنَّه عطيَّةٌ مِن اللهِ، فاللهُ أخرج البشر مِن بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا.. وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)﴾ [سُورة النَّحلِ]، فلذلك يتنافس المتنافسون مِن الخلائق في العلوم، وهي مِن مدارك العقول.

والعقل يهبه اللهُ للمُسلمِ والكافر، وللبَرِّ والفاجر، ولمختلف ألوان البشر ومستوياتهم، وكلٌّ منهم في ذلك بحسب رزقِه، فكما أنَّ اللهَ يرزقهم مالاً وأعمارًا؛ فكذلك يرزقهم أفهامًا وبها يزداد العِلم، وهذا العِلم متفاوتُ الدَّرجة، فأهمُّه ما يُحقِّقُ المقصِدَ الأكبر، وهو تحقيق العبادة للهِ وتحقيق الاستخلاف في الأرض، وهذا الاستخلافُ تُحقِّقه بعض العلوم التَّجريبيَّة وبعض العلوم البحتة، فلذلك لها مِزية مِن هذا الوجه، ولكنَّها تُحقِّقُ العِلم بأصلها، ويمكن أنْ ينشأَ عنها فهمٌ، كبعض الذين أسلموا بسبب تعمُّقِهم بدراسة هذه العلوم ورأَوا إعجازًا فيها.

ولكن أصل هذه العلوم ليست مقصودةً لهذا، وإنَّما هي مقصودةٌ لخدماتٍ أُخرى تُقدِّمها للبشرية فهي داخلة في نطاق الاستخلاف؛ لا في نطاق العبادة، فلذلك المَزيَّة الأولى، إذا جاء ذِكرُ للعلماء مِن ناحية العبادة والثَّناء فهو مختصٌّ بالعُلماء الذين عِلمهم يتعلَّق بالعبادة لله.. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر- 28]، هذا فيما يتعَّلق بعبادة الله.. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)﴾ [سُورة آل عمران]، وهذا فيما يتعلق بالعلماء الشرعيين.

ولكن، ثمَّة سؤالٌ أو قضيَّةٌ ها هنا، وهي ما هو المِقدار الواجبُ على الشَّابِّ المُسلم أنْ يَعِيَه مِن أمور دينه؟.. هنا نقول أوَّلاً إنَّه بالنِّسبة للشَّباب المفروض أنْ يسألوا عن أكثر شيءٍ يصلون إليه، ولا يسألوا عن أقلِّ شيءٍ، فالذي يسأل عن أقلِّ شيءٍ ليس مِن أصحاب الهِمم العالية، والمفروض في الشَّباب أنْ يكونوا مِن الذين يبحثون عن القِمَمِ ولا يرضون باليسير، فمَنْ رَضِيَ باليسير دائمًا؛ سيبحث لنفسه عن الحضيض، ولا يمكن أن يصل إلى الدَّرجاتِ العُلا.


فلذلك ينبغي أنْ يبحثَ الطَّالبُ والشَّابُّ والشَّابة في علوم الشريعة عن أعلى الدَّرجات، وأنْ يتنافسون في طَلَبِ الدَّرجات العُلا، فقد قال الإمام أحمد بن حنبل "رَضِيَ اللهُ عنه" في ذِكْرِ العُلماء: "الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ على كلِّ فترةٍ مِن الرُّسلِ طائفةً مِن الخَلْقِ اجتباهم فعلَّمهم ما لم يكونوا يعلمون، وهداهم وهدى على أيديهم، فكَم قتيلٌ لإبليس أحيوه، وكَم مِن أسيرٍ للهوى فكُّوه، فما أحسن أثرهم على النَّاس، وما أسوأ أثر النَّاس عليهم".

ولذلك لابد أن ينافس الشباب في العلم وألا يرضوا باليسير منه وأن يبغوا الازدياد منه دائما، واللهُ تعالى يقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طَه- 114]، ولكن مع ذلك القَدَر الذي يُقيمُ الإنسانُ به أصلَ دينِه، فالإنسان يُواجه مِن العلوم قِسمَيْن؛ قِسمٌ هو فرضُ عَينٍ على كلِّ إنسانٍ، وقِسمٌ مفروضٌ كِفايةً، ففَرْضُ العينِ مُتعيَّنٌ بأصله، وفَرْضُ الكِفاية قد يتعيَّن وقد لا يتعيَّن، فالقَدَر الذي تُقيم به هِمَمُك وتُصحِّحُ به إيمانَك وتُقيم به صلاتَك وعباداتَك الخاصَّة؛ هذا فَرْضُ عَيْنٍ، ولكن في فروض الكِفايات القَدَر الذي تُصحِّحُ به البِيَعُ والنِّكاح والإجارة ونحو ذلك، ولكن هذه قد تتعيَّن عليك، إذا أردت أنْ تنكِحَ أو تبيعَ أو تُؤجِّر؛ فلابدَّ أنْ تدرسَ هذه أيضًا، لأنَّ فرض الكِفاية ينقلبُ إلى فَرْضِ عَيْنٍ عندما تريد المُمارسة.

المبحث الثَّالث:
القضاء والقَدَر والوعيُ الشَّرعيُّ

مِن بين القضايا الأخرى الشَّديدة الأهمِّيَّة في الوعي الشَّرعيِّ للإنسان، مسألة القضاء والقَدَرِ، وهل الإنسان مسيَّرٌ أم مُخيَّرٌ، وخصوصًا فيما يتعلَّق بمسائل الطَّاعة والمعصية؛ حيث إنَّ عدم فَهْمِ الإنسان لهذه المسألة بشكلٍ كاملٍ يجعله قد يفرِّطً أو يُفرِطُ؛ وكلاهما غير مطلوبٍ في الشَّريعة؛ حيث الإنسان يجب أنْ يعملَ بما جاءت به الشَّريعة بالضبط؛ فلا زيادةً ولا نُقصانٍ.

وفكرة القضاء والقَدَر هي إستراتيجيَّةٌ الكون، فهذا الكَوْنُ، لو صحَّ التَّعبير، هو عبارة عن مُؤسَّسةٍ كبيرةٍ جَعَلَ اللهُ لها خُططًا إستراتيجيَّةً، وهذه الإستراتيجيَّةُ سنبحث فيها ثلاثة مسائل، وفي كل مسألةٍ أربعة مسائل فرعيَّةٌ أخرى.


المسألة الرَّئيسيَّة الأولى: أنواع القدر

القَدَر ينقسم إلى أربعةِ أقسامٍ، قَدَر خيرٌ حُلوٌ، قَدَرٌ خَيرٌ مُرٌّ، قَدَرٌ شَرٌّ حُلوٌ، وأخيرًا قَدَرٌ شرٌّ مُرٌّ.. هذه أربعة أقسام.

فأمَّا القَدَر الخيرُ الحُلو، هو ما يعجِّلُه اللهُ لعباده المؤمنين ممَّا يُعينهم على طاعته ويقرِّبُهم مِن رضوانه، فصحَّة بدنِك وهدايتك واستقامتك وما آتاك اللهُ مِن النِّعم ما يُعينك على ذِكْرِه وشكرِه وحُسْنِ عبادته، هذا مِن القَدَرِ الخيرِ الحُلو، فهو خيرٌ لكَ لأنَّه يُقرِّبُك مِن اللهِ، وحُلوٌ لأنَّه موافقٌ لهواك.

وأمَّا القَدَر الخيرُ المُرُّ، وهو ما يُصيب اللهُ به عبادَه المؤمنين مِن البلايا والمِحَنِ التي تُكفِّر عنهم السَّيِّئات، وترفع عنهم الدَّرجات، ولكنَّها غير مُوافقةٍ لهواهم، كالكوارث والمصائب والأمراض المكفِّرَةِ.

القِسْمُ الثَّالث هو القَدَر الشَّرُّ الحُلو، وهو ما يُعجِّله اللهُ لأعدائه ممَّا يُعينهم على معصيتِه ومُخالفةِ أمرِه، ما يفتح للكفرة مِن مَفاتِحَ الدُّنيا، فهذا قَدَرٌ شرٌّ حُلوٌ، فهو شرٌّ لهم لأنَّه يَزيدهم طُغيانًا، وهو حُلوٌ لأنَّه مُوافقٌ لهواهم.

أمَّا القسم الرَّابع؛ وهو القَدَر الشَّرُّ المُرُّ، وهو الذي يُسمَّى بـ"صناديد القَدَر"، وهو ما يُسلِّطهُ اللهُ على أعدائه مِن عاجل نقمَتِه وأخذِهِ الوبيل، فيعجِّلُهم على نارِ جَهنَّم، وهو مخالفٌ لهواهم مثل هذه الكوارث الكبرى، فهذه من القَدَر الشَّرِّ المُرِّ لأنَّها كوارث سلَّطها اللهُ على الكفرة، وهي مخالفةٌ لهواهم ﴿وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾ [سُورة الرَّعد].. إذن هذه هذ أقسام القدر الأربعة.

المسألة الرَّئيسيَّة الثَّانية: مراتب القَدَر


القَدَر أربعة مراتبٍ، المَرتبة الأولى هي علمُ اللهِ بجميع الأشياء إجمالاً وتفصيلاً مِن قَبْلِ خَلْقِ الكَون، فاللهُ جلَّ جلالُه هو العليم الخبير، كلُّ ما يكون وما هو كائنٌ هو في عِلْمِه قبل أنْ يُخْلَقُ الكَوْنُ كُلُّه، ولم يتجدَّد له أيُّ عِلمٍ بأيِّ شيءٍ مِن خَلْقِه، علمُه به قبل أنْ يكون هو علمُه به بعد أنْ كان، فلذلك عِلمُ اللهِ السَّابق هذا هو العام الذي لا مُخصَّص له، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المُجادلة- مِن الآية 7].. قال ابن عباس ما مِن عمومٍ إلا وتحته خصوصٌ إلا قولَ اللهِ تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، كمِثْلِ إذا قُلت اللهُ خالقُ كلِّ شيءٍ، يخرُجُ مِن ذلك ذاتُ اللهِ وصفاته وقرآنه وكلامه، فهذا غير مخلوقٍ.

المرتبة الثَّانية هي كتابة كلِّ ما هو كائنٌ في الصُّحف التي عنده، وهي أُمُّ الكتاب، قد كتب اللهُ فيها كلَّ ما هو كائنٌ، قد أمرَ اللهُ القَلَمَ أنْ يكتُبَ كلَّ شيءٍ كائنٌ فكتَبَهُ، وهاتان المرتبتان قديمتان، وهما المذكورتان في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59)﴾ [سورة الأنعام]، فإذن هاتان مرتبتان قديمتان.
المرتبة الثَّالثة، ونصفها بـ"تزمين هذه الخُطَّة"، أي توزيعها على الزَّمنِ، فليلة القَدَر فيها يُفرَقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ أمرًا مِن عندنا، وكما قُلْنا، فإنَّ القَدَر هو إستراتيجيَّة الكَون، هذه الإستراتيجيَّة لابدَّ أنْ تُفصَّلَ في خُطَطٍ تفصيليَّةٍ، هذه الخُطط التَّفصيليَّة تُكتبُ في الَّلوح المحفوظ، ويُكتَبُ مع كلِّ جنينٍ وهو في بطن أُمِّه خُطَّةِ حياته، يصل إليه المَلَكُ فينفخُ فيه الرُّوح، ويؤمر بأربعةِ كلماتٍ، بكتبِ رِزْقِه وأَجَلِهِ وعَمَلِهِ وشقيٌّ أم سعيدٌ، هذه الخُطَّة المُختصَّة بهذا الجنين.

المرحلة الرَّابعة والأخيرة مِن مراحل القَدَر هي تنفيذُ ما هو كائنٌ على وِفْقِ عِلْمِ اللهِ، والذي عَلِمَهُ قَبل خَلْقِ السَّماوات والأرض، وكتبها في أُمِّ الكِتاب.

المسألةُ الرَّئيسيَّة الثَّالثة: أفعال العِباد بالنسبة للقَدَر

اللهُ تعالى له نوعان مِن أنواع الإرادة، النَّوع الأوَّلُ إرادة المشيئة، أي الإرادة الكونيَّة التي يكون بها خلقه، وينشئُ بها ما يشاء في كونِه، والقِسْمُ الثَّاني
الإرادة بمعنى الأمر، أي أمره الشَّامل للنَّهي، فهاتان إراداتان للهِ، وأفعال العباد بالنسبة للإرادتَيْن تنقسم لأربعة أقسام؛ الأوَّل ما تعلَّقَتْ به الإراداتان معًا، كالأعمال الصَّالحة مِن المؤمنين كالأعمال الصَّالحة مِن رسولِ اللهِ "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم"، هذه أرادها اللهُ إرادةً كونيَّةً لأنَّها وقعت، وأرادها إرادةً تشريعيَّةً لأنَّه أمرَهُ بها.

أمَّا القِسم الثَّاني ما لم تتعلَّق به واحدةٌ مِن الإراداتَيْن، كالأعمال السَّيِّئة مِن رسولِ اللهِ "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم"، فلم يُرِدْهَا اللهُ إرادةً تشريعيَّةً لأنَّه لا يأمرُ بالفحشاء، ولم يُرِدْها إرادةً كونيَّةً لأنَّها ما وَقَعَتْ، القِسْمُ الثَّالث هو ما تعلَّقَتْ به التَّشريعيَّة دون الكونيَّة، كالأعمال الصَّالحة من الكُفَّار والمشركين، كأبي جهلٍ وأبي لهبٍ، أرادها اللهُ إرادةً تشريعيَّةً لأنَّه أَمَرَ بها، ولم يُرِدْها إرادةً كونيَّةً؛ لأنَّه ما قدَّرها عليهما؛ فلم تقع.

القِسمُ الرَّابع ما تعلَّقَتْ به الإرادة الكونيَّة دون التَّشريعيَّة، كالأعمال السَّيِّئة مِن أبي جهلٍ وأبي لهب وكلِّ الفَجرة والفاسقين في أنحاء العالم، أرادها اللهُ إرادةً كونيَّةً لأنَّها وَقَعَتْ، ولكن لم يُردها إرادةً تشريعيَّةً لأنَّه لا يأمر بالفحشاء.

وعلى هذا فالإنسان بالإرادة التَّشريعيَّة مُخيَّرُ وبالإرادة التَّكوينيَّة مُسيَّرٌ، فهو خاضعٌ للإرادتَيْن معًا، ما تعلَّقَتْ به الإراداتان معًا مِن عمله؛ اجتَمَعَ فيه التَّسيير والتَّخيير، وما فَرَض فيه الإرادة التَّشريعيَّة؛ كان فيه تخييرٌ دون التَّسيير، وما فَرَضَ فيه الإرادة التَّكوينيَّة؛ كان فيه التَّسيير دون التَّخيير، وإذا حصل التَّسيير فهو دون إكراهٍ، فاللهُ لا يُكره الإنسانَ، فلا يُعطيه المسدَّس ويقول له أفعل، بل إجباره بالاختيار، بمعنى، فعلٌ منك، أنت الذي شغَّلْتَ السَّيارة ومشيتَ بها، وفِعْلٌ مِن اللهِ؛ لأنَّك في مكان ما ستصدم شجرةً أو شخصًا في سيَّارةٍ، لكن لم يُكْرِهَكَ أحدٌ على هذا؛ بل أنت الذي بادرتَ إليه.

خلاصاتٌ:

يُعتبر العُلماء الأصل بالنِّسبة للإنسان إذا ما أراد أن يعرف ويعلم أمرَ دينه، ومِن ثَمَّ يجب عليه أنْ يختارَ مَن يثقُ به في دينه وورعه وعلمه، فيستفتيه ويسأله.


وهناك في حقيقة الأمر قضيَّةٌ يجب أنْ يعيها عُلماء الأُمَّة في زمننا هذا؛ وهي حاجة الأُمَّة وشبابها إلى تجديد شباب الدِّين، وتوحيد مرجعيَّاته، فهذا زمانُ التَّكتلات، وعادةً بعد الحروب والأزمات الكبيرة يُدرِكُ النَّاس حاجتهم للمرجعيَّات، فالعالم بعد الحرب العالميَّة الأولى أدرك حاجته لمرجعيَّةٍ؛ فأقام عصبة الأُمَمِ، وبعد الحرب العالميَّة الثَّانية أدرك حاجته مِن جديد؛ فأقام الأمم المتحدة وشاخت الآن وشابت ولم تعد مُؤدِّيةً لدورها الحقيقيِّ؛ فاحتيج إلى مرجعيَّةٍ للعالم مرَّةً أخرى.

والعالم الإسلاميُّ الآن يشعر بحاجته إلى المرجعيَّة، فقد كان فيه خلفاء، وفي أواخر أيَّام الخلافة كان في هذه الخلافة بعض الانحرافات، فاحتيج إلى مرجعيَّةٍ، وهذه المرجعيَّة لن تتمَّ إلا عن طريق أهلِ العِلْمِ، واليوم أُقيم في العالم هيئةَ علماء المسلمين، وأُقيمت جمعيَّاتٌ كثيرةٌ بقصدِ هذا الهدف أو لسدِّ ثغرةٍ على الأقلِّ فيه، وبعضها إقليميٌّ وبعضها دوليٌّ، وبعضها مختصٌّ بطائفةٍ كأهلِ السُّنَّة، وبعضها مُختصٌّ بالمذاهب الأخرى، وهكذا، وهذه المرجعيات وإنْ كانت مؤقتًا لا تفي بالغرض؛ ولكنَّها مرحليَّةٌ.

ولكن لا نزال بحاجةٍ إلى إعداد فقيهٍ في كلِّ المجالات، بما في ذلك العلوم الطَّبيعيَّة والاجتماعيَّة كالاقتصاد وغيرها؛ حيث تُوجد العديد مِن القضايا الشَّرعيَّة الكبرى المرتبطة بهذه العلوم تحتاج إلى الكثير مِن التفكُّر فيها، والوصول إلى أحكامٍ بشأنها.
============
مصادر ومراجع الدِّراسة:

1. القرآن الكريم.
2. صحيح البخاريُّ.

3. جلسةٌ حواريَّةٌ مع الدُّكتور مُحَمَّد وِلد الحسن الدِّدُّو عن مفهوم الوعي الشَّرعيِّ، ضمن فعاليَّات المؤتمر الثَّاني لمُنظَّمة "فور شباب" العالميَّة، والمنعقد في البحرين في الفترة ما بين 11 إلى 14 يوليو 2010م، بعنوان "صناعة الوعي".
4. عمارة، مُحَمَّد: الشَّيْخ مُحَمَّد الغزالي.. الموقع الفكريُّ والمعارك الفكريَّة، (القاهرة: الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، الطَّبعة الأولى، 1992)
==========


<br>
كاره اليهود
كاره اليهود
عضو مشارك
عضو مشارك

وسام الكاتب النشيط
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 98
نقاط : 3665
السٌّمعَة : 0
رايق

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى