شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن

المدارس المنهجية: بين الرؤية الواحدية والرؤية التوحيدية

اذهب الى الأسفل

المدارس المنهجية: بين الرؤية الواحدية والرؤية التوحيدية  Empty المدارس المنهجية: بين الرؤية الواحدية والرؤية التوحيدية

مُساهمة من طرف سامح عسكر في الخميس فبراير 02, 2012 7:42 pm

ميَّزْنا في كلمة التحرير للعدد61 بين "خطابٍ أحاديٍّ" لا تَودُّ "مجلةُ" إسلاميَّة المعرفة، ولا يودُّ "مشروعُ" إسلامية المعرفة، الدعوةَ إليه والتبشير به، و"خطابٍ تَوحيديٍّ" تتَّسعُ فيه دوائرُ الخطاب لتشمل ألواناً من الاجتهاد ومناهج النظر والتعامل، تتكاملُ في استهْدافِها النهوضَ بواقع الأمة، باتجاه الإصلاح المنشود. وقلنا إنَّه ما دام هذا الخطابُ ينطلق من مبادئ ثابتة، ويتوجَّهُ إلى مقاصدَ جامعةٍ، وتَحْدُوه قلوبٌ مفتوحة ونوايا خالصة، فلا ضيْرَ من أن يكون الطريقُ بين المبدأ والمقصد، مع استقامته، عريضاً يتَّسع لتلك الألوان من الاجتهاد والمناهج، ولا سيَّما إذا أتيحت الفرص الكافية لعمليات التعاون والتكامل، واستعانت هذه العمليات بالمراجعة والتقويم للخبرات والتجارب.
ونودُّ في كلمة التحرير لهذا العدد، وهو العدد الأخير من السنة السادسة عشرة من عمر المجلة، أن نستطرد قليلاً في البناء على فكرة التمييز بين الخطابين الأحادي والتوحيدي، وذلك بالتمييز بين "الرؤية الواحدية" و"الرؤية التوحيدية" للمناهج، ضمن ما أسميناه "المدراس المنهجية."
ونقصد بالرؤية الواحدية، تلك الرؤية التي تقول إنَّ منهج التفكير والبحث في أية قضية، أو مسألة من مسائل الواقع الطبيعي أو الاجتماعي أو الإنساني، هو منهج واحد. وأنَّ الفكر البشري قد تطوَّر عبر التاريخ، فانتقل من مرحلة إلى مرحلة، وفي كل مرحلة كان الإنسان يسلك منهجاً واحداً. ولعلَّ فكرة أوغست كونت عن المراحل الثلاث للتفكير البشري هي تعبير عن هذه الرؤية الواحدية للمنهج؛ إذ يرى أنَّ البشرية قد مرَّت بثلاث مراحل بدءاً بالمرحلة الدينية اللاهوتية، ومروراً بالمرحلة الفلسفية الميتافيزيقية، وانتهاءً بالمرحلة الوضعية العلمية، التي تمثل وصول التفكير البشري إلى النضج، باكتشافه المنهج العلمي التجريبي. فالإنسان في كل مرحلة من مراحل حياته كان يستعمل منهجاً واحداً، وعندما ينتقل من مرحلة إلى أخرى، يترك المنهج الواحد الذي كان يستعمله، ويستبدل به منهجاً آخر.
وقد أخذ كثيرٌ من العلماء في القرنين الأخيرين يَرَوْن أنَّ قضية المنهج، في اكتساب المعرفة، واختبارها، وتوظيفها، قد حُسمت لصالح المنهج العلمي التجريبي، الذي أثبت قدراً كبيراً من الفاعلية في تعرُّف الأشياء المادية في الطبيعة، واكتشاف القوانين الخاصة بتركيب هذه الأشياء وبخصائصها وبسلوكها. وبهذا النجاح، أخذ المنهج العلمي ينتقل بأدواته وإجراءاته إلى موضوعات الظواهر الاجتماعية والإنسانية والنفسية. وساد القولُ بأنَّ "البحث العلمي" هو بحث في أي موضوع من الموضوعات باستخدام "المنهج العلمي"، وأنَّ المنهج العلمي هو بالتحديد "المنهج العلمي التجريبي". كما ساد القولُ بأنَّ المنهجية لا تأخذ وصفاً فكرياً "إيديولوجياً"؛ فلا يقال مثلاً: منهجية غربية أو شرقية، ولا: منهجية وضعية أو إسلامية، ...؛ ذلك أنَّ أياً من هذه الأوصاف التي تضاف إلى المنهجية تتناقض مع الموضوعية والحياد والتجرد عن التوجهات والأفكار المسبقة للباحث، إذا أراد الباحثُ أن يمارس البحث حسب المنهجية العلمية!
وحسبنا أن نؤكد هنا على فهمنا للمرجعية القرآنية في هذا الشأن؛ إذ ورد لفظ المنهاج في القرآن مرة واحدة في قوله سبحانه: ﮋﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﮊ (المائدة: 48) وسياق هذه الآية يتحدث عن أمم الأنبياء السابقين، وكيف أنَّ الدينَ الواحد التي جاء به جميع الأنبياء تنـَّزلت فيه شرائع متعددة، لكلِّ أمَّة شريعة، وتشترك هذه الشرائع المتعددة في بعض الأحكام وتختلف في بعضها الآخر. وإذ أجازت الآية اختلاف الشرائع، فقد أجازت في الوقت نفسه اختلاف المناهج؛ ولذلك فإنّه لا مشاحّة في القول بوجود "منهاج إسلامي"، و"منهجية إسلامية." كما أنَّه يصحُّ الاجتهاد، في داخل هذا المنهج، في استخدام طرق وأدوات منهجية متنوعة، تتوحَّدُ في انتسابها إلى المنهجية الإسلامية في إطارها المبدئي العام، وتختلف وتتنوع في بعض التفاصيل.
وعليه فإنَّ الباحث الذي يتبنّى مفهوم المنهجية التوحيدية، يستعمل مناهج متعددة في سعيه لتدبير شؤون حياته، العِلْميَّة والعَمَليَّة، تبعاً لطبيعة الموضوع الذي يكون موضع النظر، وتبعاً للحالة التي يكون عليها الإنسان في تفاعله مع ذلك الموضوع، من حيث العمر الزمني، والعلم بالموضوع والخبرة في الحياة، وحاجته إلى النظر فيه. وهو يوظِّف هذه المناهج المتعددة، كلاً منها في الغرض الذي يحققه، دون أن ينسى أنّ ثمَّة مناهج أخرى، يستعمل منها ما يلزم في حينه، ويعبر ذلك عن فكرة تعدد المناهج، أو "المنهجية التعددية"، ودون أن ينسى أن يجمع بين أكثر من منهج حسب الدور الذي يؤديه كل منها، في صورة تكاملية تآلفية، توحِّد بين العناصر والإجراءات المنهجية في استقامة السعي نحو الهدف، وهذا ما يمكن أن يعبّر عنه "المنهجية التوحيدية."
وهكذا فإنَّ المقصود بالمدارس المنهجيَّة هو التأكيد على أنَّ المنهجيَّة الإسلامية هي منهجيَّة تكاملية، تضمنت مدارس منهجيَّة متعددة، تطورت في مسيرة التاريخ الإسلامي، بدءاً من منهجيَّة التلقي في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ومنهجيَّة النقد والتوثيق التي رافقت تدوين الحديث، ثم تمايزت فيها علوم الجرح والتعديل والعلل والرجال...؛ ومنهجيَّة استنباط الأحكام التفصيلية من أدلتها التفصيلية وما صحبها من نشوء المدراس الفقهية، وتطوُّر منهجية أصول الفقه؛ ونشوء مناهج المفسرين؛ ونشوء مناهج التعامل مع قضايا العقيدة، وما طرأ عليها عند دخول علم الكلام والفلسفة؛ وتطور المنهج العرفاني الذوقي عند المتصوفة؛ فضلاً عن أنَّ فئات من العلماء كانوا يمارسون المنهج العلمي التجريبي عند تعاملهم مع القضايا التي لا ينفع فيها غير هذا المنهج، إلخ.
وقد احتضنت الحضارة الإسلامية كل هذه المدارس المنهجيَّة. وكان العالِمُ المسلم الواحد إذا تعامل مع موضوع معين فإنَّه يوظِّف المنهج اللازم، وفي الغالب كان يجمع بين أكثر منهج. وقد كان من الظواهر المألوفة أنَّ العالِم في كثير من مراحل الحضارة الإسلامية كان يتَّصف بالموسوعية، ويجمع بين علوم متنوعة؛ فقد يكون فقيهاً وأصولياً ومحدثاً مثل الإمام مالك والشوكاني؛ وقد يكون مفسراً وفيلسوفاً وطبيباً مثل أبي بكر الرازي وابن سينا، وقد يكون فيلسوفاً وصوفياً مثل ابن عربي وابن طفيل والسهروردي، وقد يكون فقيهاً ومتكلماً وصوفياً مثل أبي حامد الغزالي، وقد يكون أديباً وفيلسوفاً ومتصوفاً مثل أبي حيان التوحيدي، وقد يكون فيلسوفاً ورياضياً وفيزيائياً وطبيباً مثل الحسن بن الهيثم، وقد يكون فيلسوفاً وطبيباً مثل ابن زهر، وقد يكون فقيهاً ومتكلماً وأديباً مثل ابن حزم، وقد يجمع بين التاريخ والتفسير والفقه مثل الإمام الطبري، وقد يجمع بين الكيمياء والفلسفة مثل جابر ابن حيان...، وهكذا.
وعلى هذا الأساس نجد أنَّ فكرة المدارس المنهجية تحتل موقعاً مركزياً في "منهجية التكامل المعرفي،" على اعتبار أنَّ الحديث عن المدارس المنهجية سوف يتضمن مقولة التعدد، والتكامل، والتوحيد، في المناهج، مقابل واحدية المنهج. وهو ما يسوغ القول بأن المنهج في الرؤية الإسلامية يتصف بالخاصية "التوحيدية" وليس "الواحدية." فالتعدد يعنى التنوع في الطرق والأساليب المنهجية التي تلبي حاجات التعدد والتنوع في الموضوعات البحثية، والتعدد والتنوع في متطلبات البحث من البيانات والأدوات وأساليب التنظيم والتحليل. والتكامل يعني حاجة المواقف البحثية إلى عناصر منهجية قد تنتمي إلى مناهج متعددة متمايزة؛ مثل تكامل البيانات الكمية والبيانات الكيفية، وتكامل التحليل الإحصائي مع الاستنتاج الفكري، وتكامل بناء الفرضيات مع اختبارها، وتكامل طرفي الاستدلال العقلي: الاستقراء والاستنباط، وتكامل التقرير الوصفي للوقائع والطبائع، مع التحديد المعياري للقيم والأهداف المنشودة، وهكذا. أما التوحيد فيعني توجيه الجهد البحثي الذي يقوم به الباحث بما يتضمنه من خصائص التعدد في العناصر، والتكامل بين الوظائف، لتحقيق هدف البحث النهائي؛ فكل خطوة من خطوات البحث، وكل مرحلة من مراحل البحث سوف تتصل بغيرها من الخطوات والمراحل، ويتواصل بذل الجهد وتوجيهه نحو ذلك الهدف الواحد، فلا تنحرف مسيرة البحث عن المنهج المرسوم لتحقيق الهدف المحدد والغاية المرسومة.
ومع سيادة فكرة المنهجيَّة الواحديَّة وانحصارها في المنهج العلمي التجريبي، طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، فإنَّ ما بدأ يُلاحظ على هذا المنهج منذ مطلع القرن العشرين، من عجزه عن الإجابة عن بعض الأسئلة ذات الطابع العلمي البحت، قد جعل مكانة هذه المنهج تأخذ بالاهتزاز، وأخذت الأسس الفلسفية الوضعية التي يستند إليها هذا المنهج تتعرض لانتقادات كثيرة، وأحياناً لهجمات فكرية قوية، أحياناً للتأكيد على عدم صلاحية هذا المنهج للتطبيق في الحقول الإنسانية والاجتماعية، بسبب الفوارق الجذرية بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الاجتماعية، وأحياناً أخرى للتأكيد على أنَّ التقدم العلمي والتكنولوجي الذي أسهم المنهج العلمي فيه، قد أنتج حضارةً مادية وثقافةً صراعية يتصارع فيها الأفراد، وتتصارع الدول على النفوذ والقوة والثروة، مما أدَّى إلى حروب لم يشهد التاريخ البشري أكثر دماراً منها، فضلاً عن تدمير البيئة، وتغوُّل أنظمة الحكم على الشعوب، والتفاوت الكبير بين مستويات المعيشة، وغير ذلك.
وقد رافق مشاعرَ الرفض لمثل هذه النتائج ظهورُ فلسفات ما بعد الحداثة، التي طَوَّرتْ مناهج تنتقد أفكار الحداثة التي اعتمدت على المنهج العلمي التجريبي، وتكشف عن تهافت الأسس الفلسفية التي يعتمد عليها هذا المنهج، وتدعو إلى مناهج بديلة.
وللتمثيل على فكرة التكامل المنهجي، يمكن الإشارة إلى أنّ المنهج العلمي التجريبي سواءً في العلوم الطبيعية أو العلوم الاجتماعية والإنسانية، كان يعتمد إلى عهد قريب على البيانات الكمية التي يجري تنظيمها في جداول وتحليلها إحصائياً، للخروج بنتائج يتم تفسيرها من خلال ما تتضمنه الاختبارات الإحصائية للوصف الكمي (quantitative research methodology). وكانت قيمة البحث العلمي تقاس بقدر ما يتضمنه من بيانات كمية وجداول إحصائية، وبقدر ما تتوافر في طرق التحليل الإحصائي لهذه البيانات من تعقيد، انطلاقاً من درجة الثبات والموضوعية والصدق التي تتصف بها الأرقام. لكن الربع الأخير من القرن العشرين شهد نقداً قوياً للثقة التي تعطى لنتائج البحوث الإحصائية في القضايا الاجتماعية والإنسانية، ولا سيَّما إذا لم تُدعم هذه النتائج ببيانات وصفيَّة نوعيَّة توفِّر مستويات أكثر صدقاً ودلالة ومعنى من نتائج التحليل الإحصائي. وأخَذَ الباحثون يمارسون مناهج بحثية تعتمد الوصف النوعي "الكيفي"، بدلاً من "التقدير الكمي" للخصائص المدروسة في موضوع البحث. وأصبح لهذا النوع من مناهج البحث (qualitative research methodology) جمعيات مهنية متخصصة، ودوريات علمية متخصصة لنشر "البحوث الكيفية."
لكنَّ تواصل النظر والجدل حول مزايا كل من البحوث الكمية، التي ربما توفر الدقة والثبات في الوصف، والبحوث الكيفية التي توفر الصدق وعمق المعنى، جعلت الباحثين يرون أنَّ كلاً من نوعي البحوث يلزم استعماله في مواقف بحثية محددة، لا ينفع أحدهما حين يلزم الآخر، كما أنَّ ثَمَّة مواقف بحثية، يلزم استعمال النوعين الكمي والكيفي في البحث الواحد، ضمن ما يسمّى البحوث المختلطة: (mixed research methodology). بل إنّ بعض مؤلفات "المنهجية التكاملية" (integrated methodology) تتجاوز "ثنائية" البحوث الكمية والبحوث الكيفية، وترفض هذه الثنائية. وإذا كانت من السائد القول بأنَّ فلسفة البحث هي التي تحدد منهجيَّتَه، فإنَّ بعض المؤلفات الأحدث تعكس الأمر تماماً، فممارسة البحث وفق المنهجية التكاملية، هي التي تضع الفلسفة المميَّزة للبحث.
لكنَّ "المنهجية التوحيدية" التي ندعو إليها، لا تقتصر على الجمع والتكامل بين طرق البحث وأدواته حسب المتطلبات الإجرائية الخاصة بالبحث، وإنما تتجاوز ذلك لإرساء منهجية توحِّد مستويات العمل المنهجي الثلاثة: أساليب التفكير في موضوع البحث، وطرق البحث في جمع البيانات وتحليلها واستخلاص نتائجها وتفسير هذه النتائج، إضافة إلى ضوابط السلوك البحثي التي تقتضي الأمانة والاستقامة في طلب الحقيقة والإخلاص في التجرد من الهوى، وغير ذلك مما يسمّى أخلاقيات البحث.
والمنهجية التوحيدية توحِّد جهد الباحث في استمداده من مصادر معرفته؛ من الوحي الذي يهتدي به "للتي هي أقوم" من السبل والطرق، ومن العالَم في آفاقه الطبيعية والاجتماعية والنفسية، فيتعرف به الوقائع والطبائع، وفي توظيفه لأدوات اكتساب المعرفة واختبارها وتوظيفها، سواءً أكانت أدوات العقل أم أدوات الحس. فثمه جهد توحيدي في الاستمداد من المصادر، وجهد توحيدي في توظيف الأدوات، وجهد توحيدي في الجمع التكاملي بين المصادر والأدوات.
والمنهجية التوحيدية توحِّد رؤية الإنسان في تفكيره وبحثه وسلوكه لحقول المعرفة وتخصصاتها؛ فعلوم الشريعة التي دارت حول نصوص الوحي؛ والعلوم الاجتماعية والإنسانية التي تدور حول حياة الناس في أحوالهم وتقلباتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية؛ والعلوم الطبيعية المادية التي تدور حول خصائص المواد الطبيعية، الحية والجامدة والتحولات التي تطرأ عليها؛ والعلوم التطبيقية التي توفر للبشر سبل الحياة العملية والرعاية الصحية وأدوات الحركة والاتصال؛ كل هذه العلوم أنـزلها الله للإنسان، أو هداه إليها ويسَّر له اكتسابها، من أجل سعيه في حياته الدنيا في هذه الأرض، وتذليل سبل هذه الحياة، وترقية أسبابها. وعليه فإن الرؤية التوحيدية هذه سوف تتطلب جهداً توحيدياً لجهود البشر في تطوير هذه العلوم، فما ينجزه فرد من أفراد البشر، وما تنجزه أمة من الأمم، من هذه العلوم سوف تنعكس آثاره، السلبية أو الإيجابية، على سائر الأفراد وسائر الأمم.
إننا نأمُل أن تتضافر جهود الباحثين والعلماء المسلمين لاستكمال متطلبات المنهجية التوحيدية، والتدريب عليها، والتبشير بها، والدعوة إليها، وتقديمها إلى المجتمع الإنساني، الذي ينتظر من المسلمين حضوراً فاعلاً في ساحة العالم، وإسهاماً ملموساً في بناء الحضارة الانسانية، وترشيدها.
وقد جاءت أبحاث هذا العدد من المجلة لتبحث في منحى منهجي ذي تشكّلين: أحدهما كامن في مناهج العلماء، وثانيهما في المعالجة المنهجية للقضايا. أما المتعلق في مناهج العلماء، فهناك بحثان كشفا عن بعض الجهود المعرفية التي قام بها عالمان لهما بصمة واضحة في البناء المعرفي الإسلامي، وهما: الشافعي والأشعري. وثمة بحثان آخران ناقشا قضيتين قديمتين جديدتين إحداهما تتعلق بالمرأة والقضاء، وثانيتهما متعلقة بموقع الأخلاق من الأحكام الشرعية.
ففي البحث الأول الذي كان بعنوان: "نقد متون السُّنّة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي"، يُبرز الدكتور نجم الدين الزنكي منهج الشافعي في نقد متون السنة، القائم على مبدأي: التكامل والتوافق بين الأدلة، وتقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير. ويكشف عن موقف الشافعي من نقد متون السنة من خلال الحوار العلمي الذي دار بين الشافعي وكبار فقهاء المالكية والحنفية في بعض المعايير، أبرزها: العرض على العمل، وقياس الأصول. وقد أبرز البحث موضع الوفاق والخلاف بين الآراء.
وجاء البحث الثاني بعنوان: "إسهام الإمام الأشعري في إرساء قواعد الحوار وتأسيس منهجية المراجعة والتقويم" للدكتور محمد الطاهر الميساوي، ليكشف عن إسهامات الأشعري في التأسيس لقواعد الحوار مع المخالف، وإرساء منهج المراجعة والنقد والتقويم، انطلاقاً من رؤية إسلامية واضحة للعالَم. ويناقش البحث المشكلات المنهجية والتاريخية في دراسة التراث الفكري للأشعري، والجهد المعرفي المتصل بين الشافعي والأشعري، والقواعد المنهجية والآداب الخُلُقية التي رسمها الأشعري في الحوار والمراجعة والنقد.
أما البحث الثالث فكان بـعنوان: "قراءة تحليلية نقدية في تولي المرأة منصب القضاء"، فقد ناقشت فيه الدكتوره هدى هلال إشكالية مهمَّة ما زالت المجتمعات الإسلامية تحاورها بين مؤيد ومعارض لها، وهي تولي المرأة منصب القضاء. وقد حاولت الباحثة استقصاء الآراء الفقهية المتعلقة بهذه الإشكالية، وتصنيفها، وتحليلها، والكشف عن إشكاليات الأدلة الداعمة لحكم التحريم، وذلك ضمن منهجية استقرائية تحليلية، وبرؤية مقاصدية.
وحاول الدكتور ماهر حصوة في البحث الرابع: "المتعلقات الأخلاقية للحكم الشرعي: نموذج الزواج بنية الطلاق" أن يسلّط الضوء على الخطأ المنهجي الذي يقترفه بعض الفقهاء، عندما يفْصِلُون الأحكام الفقهية عن أبعادها الأخلاقية، داعياً إلى أن تكون القيم الأخلاقية ركيزة أساسية لا تنفك عن الاجتهاد؛ إذ إن للجانب الأخلاقي أهميته في تشكيل الأحكام الشرعية، متخذاً من الزواج بنية الطلاق مثالاً على الخلل المنهجي في الفصل بين الحكم والأخلاق، أو بين الباعث والمآل.
وقد تضمن هذا العدد من مجلة إسلامية المعرفة، إضافة إلى ما سبق، مراجعة لكتاب "القيم الإسلامية في المنظومة التربوية: دراسة للقيم الإسلامية وآليات تعزيزها"، لمؤلفه الدكتور خالد الصمدي، وقدّمها الأستاذ بلال التليدي. ومراجعة أخرى لكتاب "روح الحداثة" لمؤلفه الدكتور طه عبد الرحمن، وقدّمها الدكتور مسعود بو دوخة.
وتم استعراض ثلاثة من تقارير الندوات والدورات والمؤتمرات التي شارك المعهد في تنظيمها؛ أولاها: دورة تكوينية تدريبية بعنوان: منهجية التكامل المعرفي؛ وثانيها: مؤتمر بعنوان: فقه الانتماء إلى المجتمع والأمة؛ وثالثها: مؤتمر بعنوان: السيرة النبوية ودورها في بناء الشخصية الإسلامية المعاصرة.
وفي العدد حلقة جديدة من عروض مختصرة لعدد من الكتب التي صدرت حديثاً مما قد يفيد منه بعض الباحثين.
نسأل الله أن ينفع بما تضمنه هذا العدد من المجلة.
والحمد لله رب العالمين

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

المدارس المنهجية: بين الرؤية الواحدية والرؤية التوحيدية  Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14209
نقاط : 26881
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

http://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى