شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن
شبكة واحة العلوم الثقافية
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي

اذهب الى الأسفل

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في السبت يوليو 16, 2011 10:30 am

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي قراءة لعلامات الوصل بين أصول الفقه وأصول الحديث

نجم الدين قادر الزنكي

تبحث الدراسة منهج الشافعي في نقد متون السُّنة بياناً وصفياً تحليلياً. وقد خلُصَتْ إلى أن السُّنة عند الشافعي تَثبُت بنفسها لا بغيرها، من عمل الراوي، أو أهل المدينة، أو قياس الأصول. ويُختبَر الحديثُ عنده بثقة الراوي وعدالته وعقله لما يَحْمِل. فإن كان لا يُدرِك ما يَروي وهو غير ناقل للحديث بلفظه؛ سقطت روايته، وهانتْ، ولم تُقبل.
الكلمات المفتاحية: الشافعي، نقد المتن، أصول الحديث، أصول الفقه.

مقدمة:

يُعَدُّ الإمام محمَّدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ (150-204ﻫ) أحدَ أبرزِ العلماء الذين أسهموا بنصيب كبير في التأصيل العلمي للسنَّة النبويَّة، فقد ترك للأمَّة الإسلاميَّة إرثاً أصوليّاً وفقهيّاً وحديثيّاً غنيّاً، لا ينضَب معينُه، وغنيّاً لا يفقر المتزوِّد منه. وما زالت تأصيلاتُه العلميَّة في خدمة السُّنة، ودفاعُه المخلص، وسجالُه الهادف، واستماتته ونضاله دونها مما يتردد على لسان الفقهاء والمجتهدين، ويُسطّر بأقلام المحدّثين والمفكِّرين، حتى أصبحت مدوناته محفلاً للفكر النير، والاجتهاد البصير، وآراؤه مظهراً من مظاهر الإنصاف والاعتدال، إلى جانب حسن الإلمام، وقوَّة التنظير، وفصاحة البيان، وجودة التعبير.
ونظراً لما تتمتع به مدوَّنات الشافعي من قوة الفكر، ومتانة النظر، فإنَّ الأمة أحوج ما تكون في الوقت الحاضر إلى أن تستفيد من فكر الإمام الشافعي: الفقهَ والأصولَ، المنهج والأسلوب؛ إذ يتألق في تراثه العقل مع النقل، وتتحقق فيه الانطلاقة الفكريَّة الملتزمة؛ وذلك لأنَّه "أخذ العلم عن الأئمَّة المبرِّزين، وناظرَ الحذاقَ المتقنين، ووجد الكتب في العلوم قد مهِّدتْ، والأحكام قد قرِّرت، فانتخب وتخيَّر، وحقَّق وحبَّر، ولخَّص طريقةً جامعةً للنقل والنظر، ولم يقتصر كما اقتصر غيره."
تتخذ هذه الدراسة منهجاً وصفياً تحليلياً مقارناً، يلتزم إظهار معالم نقد متون السُّنة عند الشافعي، وما يمثِّل من تأصيلاته كلمةَ علماء الأمَّة جميعاً، وما يخالف به الشافعيُّ غيرَه من الأئمة الراسخين الأعلام، أمثال أبي حنيفة (ت150ﻫ)، ومالك (ت179ﻫ)، وغيرهما ممن وقف الإمام الشافعي منتقداً لبعض تأصيلاتهم في هذا الميدان.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14224
نقاط : 27127
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

https://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty رد: نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في السبت يوليو 16, 2011 10:31 am

أولاً: منهج الإمام الشافعي في نقد متون السُّنة

المقصود بالمتن: ما انتهى إليه السند من الكلام، وبنقده: دراسة المرويَّات لتمييز جيدها من رديئها. ويختص نظرنا هنا بالنقد الفقهي للمتن دون غيره من وجوه النقد للروايات. والغرض من النقد الفقهي للسنن وضع السُّنة في موضعها الصحيح من الهيكل العام لأصول الشريعة، وبيان مكانها اللائق من بين سائر السنن والأدلة الشرعية، وإبراز نسقها البياني، وسيرتها الفقهية، وموقعها في صناعة الفقه، ومدى صلاحيتها لاستثمار الفروع. وقد ينتهي هذا النقد بالرواية الآحادية إلى الردّ والنقض، أو إلى تخصيصها بموردها دون تعدية، أو قصرها على الحادث الذي وقعت بسببه، أو عين الشخص الذي خوطب بها، أو خصوص الزمان أو العرف الذي جاءت فيه، أو خصوص البيئة التي عالجتها. والمقصود: وصف مكانتها بين النسيج التشريعي العام، وطريقة العمل بها في النوازل، وبيان ما يجب أن يكون لها من أثر فقهي، أو ردّها بسبب غرابتها عن هذا النسيج العام، أو مخالفتها للأصول المتفق عليها، أو كون المعنى الذي احتوته لا يناسب طريقة حملها، بأن يكون أجدر بالاهتمام أو أولى بالعناية والتركيز، أو بسبب اقتران روايتها بما يزيد احتمال القصور في الأداء باللفظ الصحيح بسببٍ من كون الراوي غير فقيه، أو كونه حَمَل ما لا يعقِل وما لا يُؤمنُ عليه فيه من تغيير المعنى وتبديل اللفظ المعبر عنه إذا كان لا يؤدي الحديث بحروفه ويروي بالمعنى، وغير ذلك من معايير الكشف عن زيافة الرواية، ومقاييس نقد السنن والآثار.
السُّنة النبوية هي الأصل الثاني من أصول الفقه، وهذا يتطلَّب أن يكون طريق تمحيصها ونقدها؛ لتمييز صحيح الروايات من سقيمها، سليماً معافىً من العيوب والعلل المنهجيَّة، وبعيداً كلَّ البعد عن أدواء المزاجية والتخبط والانتقاء العشوائي.
لقد جاء الإمام الشافعي وقد سلك الناس قبله مسالك عدة في غربلة الروايات ونقد السنن والآثار، فهذّب هذه المسالك، وسلكها طريقاً علمياً أصولياً منضبطاً قدر الإمكان. وكان منهجَه في ذلك الالتزامُ بما مهَّده من الأصول الجامعة والقواعد الكلية، وعدم الحيْد عنها ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

لقد تميَّز مسلك الإمام الشافعي في نقد السنن بالوضوح والاطّراد والانضباط، وكانت عنايتُه موجهةً إلى ذلك؛ لضبط شرر الاختلاف عند تطاير شرور الخلاف. فكان أن عمد إلى نقد السُّنة نقداً باطناً داخلياً؛ أي: داخل إطار السنن، وذلك بإعادة ما يُشكل من أمر الحديث إلى محضن السنن وحصنها المنيع؛ لحل إشكاله، ووصف علته، وعلاج دائه من جنس دوائه. فقد كان يرى أن السُّنة هي الحبل المتين الذي يربط بين أدلة الشريعة جميعها، فهي الحدُّ الأوسط الرابط بين جميع الأدلة؛ لكونها بياناً للقرآن، وكونها معقلاً للإجماع لا تعزُبُ عن مجموع الأمة، وساحةً للدُّربة والمران في صناعة القياس؛ لأن القياس "طلب الدلائل على موافقة الخبر المتقدّم من الكتاب والسُّنة،" فقد جعل الأصل في القياس خبراً، وفي هذا إشارة إلى معرفة قصة الكتاب، وسبب نـزوله، ومدارك حكمه، ومجامع قصده، ممَّا يُعلم بالسنن والآثار. فإذا كان هذا شأن السُّنة مع الأدلة الأخرى فدونك شأنها في نفسها، وفيما يُشكل من أمرها.

وهذا يعني أن الشافعي اعتمد على النقد الداخلي للسنة أكثر من النقد الخارجي، مراعياً في ذلك أن السُّنة يجب أن تتكامل في نفسها وأنَّها مبيِّنةٌ للكتاب، فيجب أن تكون فيما بينها قائمةً مقام البيان. فما أشكل عنده من الأحاديث كان يتمُّ عرضه على جملة الأحاديث والسنن والآثار الواردة، ثم يختار طريقةً في درء الإشكال، تعتمد كثيراً على طريقة البيان، من تخصيص وتقييد وتفسير وما إليها، وكان يرجّح إذا لم يكن من سبيل إلى الجمع، ويعدّ السُّنة المرجوحة كأنها لم تكن.

وإذا تعذَّر الجمع والترجيح يقول بالنسخ إذا تبيَّن له تاريخُ السنَّتين أو قامتْ عليه دلالاتٌ. فأكثرُ حالات النقد عنده لمتون الحديث كانت فيما اختلفت فيه السنن والآثار. وإذا اختلفت سنة مع كتاب فإن مذهبه تلمُّس سنة أخرى تبين طريقة الجمع بينهما، أو الجمعُ بينهما بالطرق البيانية الممكنة.

ولم يكن يرى نسخ السُّنة بالقرآن، ولا نسخ القرآن بالسُّنة، ولا ردَّ أحدِهما بالآخر؛ لأنه لا يرى اختلاف السُّنة مع الكتاب إلا وقد وجد في السُّنة مثل الذي في الكتاب. لذا لا يرى في اختلاف الكتاب والسُّنة إلا سبيل الجمع، وإذا لم يمكن ذلك التمس السنن، فإذا وجد سنةً على وفق القرآن فحينئذٍ تختلف السنتان عنده، فيرجح السُّنة المعاضدة بالقرآن، أو الأصحَّ في الأصول، أو الأولى في القياس، أو الأشبهَ بمجموع السنن والآثار.

وهكذا كان يحاول أن يُعيد كل اختلاف سنة مع قرآن أو عمل أو قياس إلى اختلاف مع سنة أخرى، وحينئذٍ يرجّح السُّنة الأشبه بالقرآن الكريم، أو الموافقة للعمل والإجماع، أو الأصح في الاعتبار والقياس، وإلاَّ قدَّم القرآن، ثم السُّنة، ثم الإجماع، ثم القياس.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14224
نقاط : 27127
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

https://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty رد: نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في السبت يوليو 16, 2011 10:33 am

وبهذا راعى الإمام الشافعي مبدأين:

1. مبدأ التكامل والتوافق بين الأدلة، لا سيما بين الكتاب والسُّنة؛ إذْ كانت السُّنة عنده أداةَ الجمع والترجيح بين دلالات الأدلة المختلفة، والحدَّ الأوسط الجامع بينها، فأي اختلاف وقع بين الأدلة كان يحاول أن يلتمس حلَّه من السُّنة؛ ليقدم من الدلالات ما هي أولى بالسُّنة. ولم تأخذ السُّنة هذه المكانة عنده إلا بعد حلّ إشكال التعارض بينها وبين القرآن، وذلك برفضه كل تناسخ بين الأصلين من غير شهادة نوعه على مثل شهادة المعارض، فإذا كان الاختلاف بين سنة وقرآن ولم يمكن الجمع بينهما، تلمّس سُنةً أخرى توافق القرآن إن وجدت، وإلاَّ قدَّم القرآن. وإذا تعارضت سُنّة مع قياس معمول أو عمل مأثور التمس سنة أخرى على موافقة القياس أو العمل وقدَّمها، وإلاَّ قدم السُّنة على القياس والعمل وسائر الأدلة التبعية.

2. مبدأ تقديم ما حقه التقديم، وتأخير ما حقه التأخير، فيقدِّم الكتاب، ثم السُّنة، ثم الإجماع، ثم القياس؛ إذا تعذر تحقيق الجمع والتوافق بينها إلا بهذا التقديم والتأخير.

وبه حاول الشافعي أن يعيد جميع صور التعارض بين السُّنة والأدلة الأخرى إلى معيار النقد الداخلي للسنة، فحوَّل الأدلة المعارضة من استقلالها بالمعارضة إلى مؤيِّداتٍ خارجيّةٍ للترجيح بين السنن المختلفة، فأعاد جميع صور النقد الخارجي للسنة مما اعتمدها أصحاب المذاهب الفقهية الأخرى إلى مؤيدات للنقد الداخلي للسنن، وإذا لم يمكن تحويل دورها إلى هذا الاتجاه عمد الإمام الشافعي إلى قاعدة الترتيب المنهجي، وتقديم ما حقُّه التقديم.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14224
نقاط : 27127
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

https://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty رد: نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في السبت يوليو 16, 2011 10:35 am

وقد كان كتابا الشافعي "الرسالة" و"اختلاف الحديث" ساحةً واسعةً لعرض هذا الاتجاه الأصولي الذي سلكه في التفكير والتنظير. وقد يمكن جمع أطراف هذه النظرية وفهم أبعادها من عبارات قالها الشافعي في الاختلاف بين القرآن والسُّنة، وفي الاختلاف بين السنن؛ إذ يقول: "أبان الله لهم أنه إنما نسخ من الكتاب بالكتاب، وأن السُّنة لا ناسخةٌ للكتاب، وإنما هي تبع للكتاب بمثل ما نـزل نصاً، ومفسِّرة معنى ما أنـزل الله منه جملاً." و"الأحاديث إذا اختلفت لم نذهب إلى واحد منها دون غيره إلاَّ بسبب يدلُّ على أن الذي ذهبنا إليه أقوى من الذي تركْنا...[بـ]ـأن يكون أحد الحديثين أشبهَ بكتاب الله، فإذا أشبه كتابَ الله كانت فيه الحجةُ...فإن لم يكن فيه نص كتاب الله كان أولاهما بنا الأثبتَ منهما...أو يكون الذي ذهبنا إليه أشبهَ بمعنى كتاب الله، أو أشبهَ بما سواهما من سنن رسول الله (r)، أو أولى بما يعرِفُ أهلُ العلم، أو أصحَّ في القياس، والذي عليه الأكثرُ من أصحابِ رسولِ الله (r)."

ولعلَّ "النقد الباطن الخارجي" الوحيد الذي طرحه الشافعي يتجلى فيما عبَّر عنه بـ"عقل الحديث"، ويعني به: ربط حالة المتن والمعنى المتضمَّن فيه بأداء الراوي الذي تحمَّله؛ إذ قال: "ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً، منها: أن يكون من حدَّث ثقةً في دينه، معروفاً بالصدق في حديثه، عاقلاً لما يحدّث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدِّث به على المعنى وهو غيرُ عالم بما يحيل معناه." وهذا الضرب من النقد الخارجي لا يذهب بعيداً عن النقد الداخلي، فهو متصل به اتصالاً وثيقاً.

فإذا كان المعنى حكماً من الأحكام الفقهية التي يقتضي التصرفُ في ألفاظه تغييراً في مدارك الأحكام ومقاصدها، أو تبديلاً في عللها وآثارها، من تقييد مطلق وتخصيص عام وزيادة أو نقص في فحوى الخطاب ومقتضيات الألفاظ وغير ذلك من المهمات التي يعرفها الفقيه العارف دون غيره، وكان الراوي غير عاقل ومدرك لما حمل من الفقه والمعنى، وهو لا يؤدي الحديث بحروفه، رُدَّ حديثُه؛ لأنه لا يعقل ما يُحدّث به من لفظه، وقد يتصرف فيه بما يوجب تبدلَ المعنى وهو لا يعقل. أما إذا كان يؤدي الحديث بحروفه فإن الأمر يختلف؛ لأنه يضمن حينئذٍ سلامة الحمل والأداء، وصحةَ الألفاظ وعدمَ التصرف فيها.

ولذلك يشترط فيمن حمل أحاديث الأحكام وهو لا يؤدي الحديث بحروفه أن يكون مجتهداً، عارفاً بالأصول، فقيهاً بالمعاني، عاقلاً للقياس؛ وإلاَّ فإنَّه -في نظر الشافعيّ- "لا يحلُّ له أن يقول بقياس؛ وذلك أنَّه لا يعرف ما يقيس عليه... ومن كان عالماً بالحفظ لا بحقيقة المعرفة فليس له أن يقول أيضاً بقياس، لأنه يذهب عليه عقلُ المعاني. وكذلك لو كان حافظاً مقصِّر العقل، أو مقصّراً عن علم لسان العرب، لم يكن له أن يقيس؛ مِن قِبَل نقص عقله عن الآلة التي يجوز بها القياس." وبذلك يأمن الشافعي أن مخالفة الحديث للعمل المتوارث، أو لقياس الأصول، أو غيرهما من الدلائل والقرائن والأمارات لم تأْتِ من جهة الراوي المتصرف باللفظ الذي لا يعقل القياس والمعاني ولا يفهم بيان اللسان العربي، وإنما صدرتْ من رسول الله، وخرجتْ من فلقِ فيْهِ (r) بمحض بنائه وابتدائه الحكْمَ.

ومن صُوَرِ عَقْلِ الحديث عقلُ حكمه ومداره وحدوده وما هو مؤثر فيه، مما يدرس في باب القياس، وفهمُ بيانه ودلالاته الأصلية، مما يدرس في باب البيان والتفسير؛ فلا يكون الحامل ممن لا يفهم لسان العرب ولا يعرف بيانه وهو يتصرف في لفظ السُّنة، فيغير منها ويبدّل ما يغير أصل المعنى البياني، ولا ممن لا يعقل قياس الأحكام والعلل التي تدور عليها وتؤثر فيها، فيزيد أو ينقص من الألفاظ ما يوجب تغيير الحكم أو تبديل موجباته وآثاره. وهذه الصورة من نقد الحديث يُشكِل الخاص القليل عنده؛ لأنها خاصةٌ بأحاديث الأحكام، "وكلّ ما لم يكن فيه حكمٌ، فاختلافُ اللفظ فيه لا يُحيلُ معناه." والقاعدة العامَّة أنه "لا يُستدلُّ على أكثر صدق الحديث وكذِبه إلاَّ بصدق المُخبِر وكذِبه، إلاَّ في الخاصّ القليل من الحديث، وذلك أنْ يُستدلَّ على الصدق والكذب فيه بأنْ يُحدِّثَ المحدّثُ ما لا يجوز أن يكون مثلُه، أو ما يخالفه ما هو أثبتُ وأكثرُ دلالاتٍ بالصدق منه." ورواة السنن "في العلم طبقات... وهم درجاتٌ فيما وَعَوا منها."

يقول الإمام الشافعي: "تكون اللفظة تُترَك من الحديث فتحيل معناه، أو يُنطَق بها بغير لفظة المحدِّث والناطق بها غير عامد لإحالة الحديث فيحيل معناه. فإذا كان الذي يحمل الحديث يجهل هذا المعنى كان غيرَ عاقل للحديث، فلم نقبل حديثَه إذا كان يحمل ما لا يعقِل، إن كان ممن لا يؤدي الحديث بحروفه، وكان يلتمس تأديتَه على معانيه وهو لا يعقل المعنى...فالظِنَّة ممَّن لا يؤدي الحديث بحروفه ولا يعقل معانيه أبين منها في الشاهد لمن تردّ شهادته فيما هو ظنين فيه بحال."

وقد بيَّن طريقة معرفة الواعي من غيره، وهي عرض حديثه على حديث أهل الحفظ، وقياسُ حفظه بموافقة حديثه لحديثهم، وباختلاف حديثه مع حديث الأحفظ والأوعى؛ لذلك "يعتبر على أهل الحديث بأنْ إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يُستدلَّ على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له. وإذا اختلفت الرواية استدللنا على المحفوظ منها والغلط بهذا ووجوهٍ سواه تدل على الصدق والحفظ والغلط."

ويمكن التمثيل للردّ بعدم عقل الحديث بما جاء في صلاة المنفرد خلف الإمام. روى الشافعي بسنده عن أنس بن مالك يقول: "صلَّيْتُ أنا ويتيمٌ لنا خلف النبي (r) في بيتنا وأم سلمة خلفنا،" وروى بسنده عن ابن أبي بردة قال: "أخذ بيدي زياد ابن أبي الجعد، فوقف بي على شيخ بالرقة من أصحاب النبي (r) يقال له: ابنُ معبد، فقال: أخبرني هذا الشيخ أنَّ رسول الله (r) رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده، فأمر أن يُعيد الصلاة." فقد ردَّ الشافعي هذا الحديث، وقَبِلَ الأوَّل، وقال: "فأنس يحكي أنَّ امرأةً صلَّتْ منفردةً مع رسول الله (r)، ولا فرق في هذا بين امرأة ورجل، فإذا أجزأت المرأةَ صلاتُها مع الإمام منفردةً أجزأ الرجلَ صلاتُه مع الإمام منفرداً كما تجزئها هي صلاتُها." وكان بإمكان الشافعي أن يجمع بين الحديثين باختلاف الحالين، وأن يؤسس اختلافاً بين الرجل والمرأة في هذا الحكم، كما صنع البخاري (ت256ﻫ) حينَ عنون لحديث أنسٍ بـ(باب المرأةُ وحدها تكون صفّاً)، ولكن يظهر من سياق رواية الشافعي أنَّه لم يرتَضِ عقلَ ابن معبدٍ لما حمل، لم يثقْ بحمله ووعيه، حيث وصفه بقوله: "شيخ بالرقة من أصحاب النبي (r) يقال له: ابنُ معبد"، ويبدو هذا من نقده للمتن بقوله: "قيل: أرأيت صلاة الرجل منفرداً أتجزئُ عنه؟ فإن قال: نعم، قلت: وصلاة الإمام أمام الصف وهو في صلاة جماعة؟ فإن قال: نعم، قيل: فهل يعدو المنفرد خلف المصلي أن يكون كالإمام المنفرد أمامه؟ أو يكون كرجل منفرد يصلي لنفسه منفرداً؟ فإن قيل: فهكذا سنةُ موقف الإمام والمنفرد." وهكذا بفقه الحديث ونقد المتن يردّ الشافعي حديث ابن معبد، وهذا هو السبب الباطن، لا بحديث أنسٍ، لاختلاف الحالين، ولكن لما كان منهجه أنْ يُعيد ردَّ الحديث، ما أمكن، إلى اختلاف الحديث، كان هو السبب الظاهر عنده.

وقد أخذ علماء الحديث والآثار من بعده بهذه القواعد الذهبية، وعضوا عليها بالنواجذ، وصارت في نقد السُّنة رسماً ومنهجاً، فقال النووي (ت676ﻫ) في "التقريب": "إن لم يكن عالماً بالألفاظ ومقاصدها، خبيراً بما يُحيل معانيها لم تجز له الرواية بالمعنى بلا خلاف؛ بل يتعيَّن اللفظ الذي سمعه،" ثم اشترط فيمن يروي بالمعنى وهو من أهله أن يقطع بأداء المعنى. وأكَّدوا –أيضاً- أنَّ صحَّة أكثر الأحاديث تعرف بثقة الراوي، وأخذوا عن الشافعي أيضاً الحجم المطلوب نقدُه من المتن عن غير طريق صدق الراوي وكذبه، وهو قليل جدّاً، وأخذوا منه معيار تمييزه، وهو أنْ يُحدِّثَ المحدّثُ ما لا يجوز أن يكون مثلُه، أو ما يخالفه ما هو أثبتُ وأكثرُ دلالاتٍ بالصدق منه، وهذا ما تعارف عليه أهلُ الحديث بخلوِّ الحديث من الشذوذ والعلة.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14224
نقاط : 27127
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

https://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty رد: نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في السبت يوليو 16, 2011 10:36 am

وقد سبق الشافعيَّ في "عقل الحديث" شيخُه مالك بن أنس؛ إذْ أورد عنه ابن عبد البر الأندلسي (ت463ﻫ) أنه قال: "أدركتُ بالمدينة مشايخَ أبناءَ مئة وأكثرَ، فبعضُهم قد حدَّثت بأحاديثه، وبعضُهم لم أحدِّث بأحاديثه كلِّها، وبعضُهم لم أحدِّث من أحاديثه شيئاً. ولم أترك الحديثَ عنهم لأنَّهم لم يكونوا ثقاتٍ فيما حملُوا؛ إلاَّ أنَّهم حملوا شيئاً لَمْ يعْقِلوهُ." ويقول القاضي عياض (ت544ﻫ): "وجدتُ مالكاً -رحمه الله تعالى- تاركاً من الآثار لما لم يتحمَّله عنده الثقات العارفون بما تحمَّلوه، أو ما وجد الجمهورَ الجمَّ الغفيرَ من أهل المدينة قد عملوا بغيره وخالفوه."

وللحنفية تأصيل وتفريع في هذه القضيَّة، وقد تقصَّاها عيسى بن أبان (ت220ﻫ)، وأتى على تفصيل ما أجمله فقهاؤهم، ونقله عنه الجصَّاص الرازي (ت370ﻫ) متقصىً في "الفصول"؛ فقد صرَّح بأنه إنّما يُعرف غلط الراوي واختلالُ وعيه وعقله للحديث الذي حمل بأن يكون ممن أنكر عليه مَنْ في طبقته بعضَ ما يروي من الحديث، كأبي هريرة الذي "لم يُنـزِّل حديثه منـزلة حديث غيره من المعروفين بحمل الحديث والحفظ، لكثرة ما نَكِرَ الناسُ من حديثه، وشكِّهم في أشياء من روايته،" أو كان الراوي ممن "حمل الثقات عنه الحديث، من أعرابي وغيره، ممن سمع حديثاً فرواه ولم يُعرَف نشرُه، وليس من أهل العلم المعروفين بالثقة فيه والحفظ له، مثل: معقل بن سنان، ووابصة بن معبد، وسلمة بن المحبق،" فهؤلاء يقبل حديثهم، ولكن يجوز للعلماء النظر في أخبارهم والاجتهادُ في القبول عنهم، فمتى غلب الظن بضبطهم لما تحملوا وجب قبول حديثهم، ومتى غلب على الظن غيرُ ذلك يجوز ردُّه بالعلل.

ومن العلل "معارضتُه للسنة الثابتة، أو تعلقُ القرآن بخلافه فيما لا يحتمل المعاني، أو يكون من الأمور العامة فيجيء خبر خاص لا تعرفه العامَّة، أو يكون شاذّاً قد رواه الناس وعملوا بخلافه."

قال الجصاص: "وتحصيل ما روينا عنه وجملتُه أنه -أي عيسى بن أبان- نـزَّل أخبار الآحاد على منازل ثلاث:
أ‌. ما يرويه عدل معروف بحمل العلم والضبط والاتفاق من غير ظهور ما ينكر من السلف عليه في رواية، فيكون مقبولاً إلا أن يجيء معارضاً للأصول التي هي الكتاب والسُّنة الثابتة والاتفاق، ولا يردّ بقياس الأصول.

ب‌. ما يرويه من لا يُعرف ضبطه وإتقانه، وليس بمشهور بحمل العلم، إلا أن الثقات قد حملوا عنه، فيكون حملهم عنه تعديلاً منهم له، فخبره مقبول ما لم يردَّه قياسُ الأصول، نحو وابصة وابن سنان وسلمة بن المحبق، ونظرائهم....

ت‌. ما يرويه رجل معروف، وقد شكَّ السلف في روايته واتهموا غلطه، فروايته مقبولة ما لم تعارضها الأصول...ولم يعارضها القياس أيضاً، فإنَّه إذا عارضه القياس ساغ الاجتهادُ في ردّه بقياس الأصول. فعلى هذه المعاني يدور هذا الباب." أي: يدور على عقل المعاني والأحكام، ووعي الراوي لما يحمل، ومعرفة أمره بفحص العلل في حديثه.

ومن هنا فَهِم نجم الدين الطوفي (ت716ﻫ) أن المالكية والحنفية يشترطون فقه الراوي، "واحتجُّوا بأنَّ غير الفقيه مظِنَّةُ سوء الفهم ووضع النصوص على غير المراد منها، فالاحتياط للأحكام أن لا يروى عنه،" ثم ذكر أن مذهب الحنابلة أنَّه "لا يشترط فقهه...لأنَّا إنَّما نقبل روايته إذا روى باللفظ أو المعنى المطابق وكان يعرف مقتضيات الألفاظ. والعدالة تمنعه من تحريفٍ لا يجوز، فيكون ما يرويه لنا لفظَ صاحبِ الشرع أو معناه، وحينئذٍ نأْمَنُ وقوعَ الخلل، ويجب علينا العمل."

ولذلك كانت مدرستا الحنفية والمالكية من أبرز المدارس الفقهية التي عالجتْ نقد المتن نقداً فقهياً، وقد خالفهما الشافعي في بعض المقاييس التي طرحَتاها. وأهمُّ المقاييس والعلل التي ذكرناها في نقد متون الروايات الآحادية نقداً فقهياً تعود إلى العرض على الأصول، أو ما يسمَّى قياس الأصول، وعلى عمل الراوي، أو عمل الناس، أو عمل أهل المدينة عند المالكية. وقد كانت هذه الاعتراضات مقاييسَ لاختبار تحمُّل الراوي وفقهه لما حمل من حديث الآحاد، وكانت سبباً للتحقق من "عقل الحديث" عندهم، وكان يخالفهم الشافعي في اعتبار بعضها تمييزاً لـ"عقل الراوي للحديث"، لا سيما إذا كان الراوي ممن يؤديه بحروفه، فقد "يحمل الفقهَ غيرُ فقيهٍ، يكون له حافظاً ولا يكون فيه فقيهاً." وقد كان الخلاف بينه وبين المدرستين ظاهراً للعيان، حتى إنَّ أبا البركات النسفيَّ (ت710ﻫ)، من الحنفيَّة، بالغ فيه، وذكر أنَّ الشافعيَّ لا يتمسك بنقد المتون، ويقتصر على نقد السند، فقد سمَّى موجَبَ عللِ السند "انقطاعاً ظاهراً،" وعللِ المتن "انقطاعاً باطناً"، ثمَّ قال: "والشافعي أعرض عن الانقطاع الباطن المعنوي، ولم يشترط العَرْضَ على الكتاب، ولا على السُّنة المعروفة، ولم يردَّه إذا شذََّ في حادثة فعمَّ به البلوى، وتمسَّك بالانقطاع الظاهر، وهو المرسل، فتركَ العملَ به. ونحن عكسنا، كما هو دأْبُنا في اعتبار المعاني."




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14224
نقاط : 27127
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

https://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty رد: نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في السبت يوليو 16, 2011 10:39 am

ثانياً: موقف الشافعي من نقد متون السُّنة بالعرض على العمل وقياس الأصول

1. العمل:

دعماً لنظريَّةِ استقلال السُّنة بالتشريع، فقد أثبت الشافعيَّ السُّنة بالرواية الصحيحة. فتثبت السُّنة معها وتأخذ استقلالها من وقت صدورها وملابستها بالنبي (r)، ولا تكون تابعةً للراوي وعمله، ولا يضرُّها عملُ الناس بخلافها ما لم تثبت حكايةٌ عن النبي (r) بخلافها. فهو يرى أن السُّنة تثبت بصدورها من النبي (r)، لا بعمل الناس بها بعده. ومذهبه العبرةُ بالرواية لا بمذهب الراوي، وبها لا بما خالفها من عمل الناس، الذي لا سند له ولا يحكى عن النبي (r). وهو بهذا يخالف الأحناف في مصيرهم إلى أن الراوي الصحابي إذا خالف روايته بعد أدائها مخالفةً لا تحتمل التأويل، لم يُعمل بروايته، بحجة أن الصَّحابي لا يترك العمل بروايته إلاَّ وهو عالم بدليل يصرفها عن ظاهرها أو ينسخها. أما إذا رويت مخالفته ولم يُعلم أخالفَها بعد الرواية أم قبلها فإن الحجة في روايته لا في فتواه. ومن أمثلة ذلك مخالفة أبي هريرة (t) لما رواه من أن الإناء يُغسل من ولوغ الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب. فقد كان أبو هريرة يكتفي بالغسل ثلاثاً، ويفتي بذلك، فذهب الشافعي إلى العمل بالرواية، وأبو حنيفة إلى العمل بالفتوى.

وقد خالف الشافعيُّ –أيضاً- مالك بن أنس في احتجاجه بعمل أهل المدينة، في ردِّ بعض الروايات الآحادية. والحقيقة أن مالكاً يرى في ذلك أنه قدَّم سنةً عمليةً متواترة أو مستفيضةً على ما يخالفها من خبر الواحد. وهذا ظاهر من رسالته إلى الليث بن سعد (ت175ﻫ)، فقد جاء فيها: "فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أرَ لأحدٍ خلافَه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضى عليه من مضى منا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم." ووضّح هذا المعنى أكثر القاضي عياض فقال: "لم يقدح مخالفة القليل في الإجماع النقلي... فإنما يُحتاج فيه عددٌ يوجب لنا العلمَ، فإذا خالف فيه القليل نُسب إليه الغلط والوهم؛ إذ القطع نقل التواتر، وصحتُه يُبطل خلافَه،" واستطرد قائلاً: "ولا يوجد مثل هذا النقل كذلك عند غيرهم؛ فإن شرط نقل التواتر تساوي طرفيه ووسطه، وهذا موجود في أهل المدينة، ونقلِهم الجماعة عن الجماعة عن النبي () أو العمل في عصره.

وإنما ينقل أهل البلاد، غيرَها، عن جماعتهم حتى يرجعوا إلى الواحد أو الاثنين من الصحابة، فرجعت المسألة إلى خبر الآحاد." فإذا اتفق لأهل مكة أو غيرها مثله، ثبت لهم ما ثبت لأهل المدينة، ومن ذلك ما أورده القاضي عياض من أن مالكاً سأل القاضي أبا يوسف: ما تقول في إمام عرفة إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة، هل عليه أن يجهر بالقراءة؟ فقال أبو يوسف: يجهر بها. فقال مالك: أخطأت، والله ما يذهب هذا على صبيان مكة وسودانهم دون غيرهم. لا يجهر بها، يتوارثها الأبناءُ عن الآباء من لدن رسول الله إلى زماننا هذا.

والشافعي لم يتنازع مع المالكية في أهميَّة عمل السَّلف، ولم يكن نـزاعُه في عمل أهل المدينة وارداً على أصل العمل في نفسه، بل العمل –عنده- إذا اتصل، وكان حكايةً عن العصر الأول، ولم يخالف سنةً منقولةً ثابتةً، يكون طريقاً من طرق الحكاية عن النبيِّ (r) وإثبات السُّنة النبويَّة. لذلك عزا الشافعيُّ عدمَ أخذ الزكاة في الخضراوات والمباقيل إلى السُّنة، ودليلها هو العملُ المتَّصل، لا غيرُ. يقول الشافعي: "وقد كان للناس زرع وغراس...وزرع الناس الحنطة والشعير والذرة وأصنافاً سواها، فحفظنا عن رسول الله (r) الأخذ من الحنطة والشعيرة والذرة، وأخْذُ من قبلنا...في معنى ما أخذ النبي (r)؛ لأن الناس نبَّتوه ليقتاتوه.

وكان للناس نبات غيره، فلم يأخذ منه رسول الله (r)، ولا من بعد رسول الله علمناه، ولم يكن في معنى ما أخذ (r) منه، وذلك مثل الثفاء والأسبيوش والكسبرة وحب العصفر وما أشبهه، فلم تكن فيه زكاة. فدلَّ ذلك على أن الزكاة في بعض الزرع دون بعض." ولذلك قال القرطبي (ت671ﻫ) -فيما نقله الزركشي (ت794ﻫ) عنه-: "إذا فسّر عملهم بالمنقول متواتراً، كالأذان والإقامة والمد والصاع، فينبغي أن لا يقع فيه خلاف؛ لانعقاد الإجماع على أنه لا يعمل بالمظنون إذا عارضه قاطع." وقال ابن تيمية الحرَّاني (ت729ﻫ): "ما يجري من عمل أهل المدينة مجرى النقل عن النبي (r)، مثل نقلهم مقدار الصاع والمد، وتركهم إخراج الزكاة في الخضراوات والأحباس، حجةٌ بالاتفاق، فيخصَّص به العامُّ، ويقيَّد به المطلق."

فالشافعي خالف مالكاً في جعل عمل أهل المدينة وحدهم من أدلة علم العامة لا الخاصة؛ لأن "علم الخاصة يوجد عند بعضٍ، ويعزب عن بعضٍ، وأنَّه ليس كعلم العامَّة الذي لا يَسَعُ جهلُه." كما أنه خالفه في تقديم العمل على الرواية عند التعارض، فكان يرى أن مالكاً قد قدَّم الرواية على عمل أهل المدينة وأثبت بها السُّنة في أكثر المسائل؛ فيجب أن يستصحب قاعدته هذه في سائر المواضع. وقد ضرب الشافعي على ذلك أمثلة كثيرة: من أوضحها ما احتجَّ به مالكٌ والشافعيُّ من حديث أبي سعيد الخدريِّ أن النبيَّ (r) قال: "ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة"، على من عارض تحديد نصاب للزروع ممن أخذ بعموم لفظ (أموالهم) في قوله تعالى: ﮋ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮊ (التوبة: 103) فقد سمع الشافعي من يحتج عن الحديث ويعارضه فيقول: "قد قام بالأمر بعد النبي (r) أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأخذوا الصدقات في البلدان أخذاً عاماً وزماناً طويلاً، فما روي عنهم ولا عن واحد منهم أنه قال: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. وللنبي (r) عهودٌ، ما هذا في واحد منها، وما رواه عن النبي (r) إلاّ أبو سعيدٍ الخدريُّ." قال الشافعي وهو يحكي هذا الجواب عن مالك أيضاً: "فكانت حجَّتُنا عليه أن المحدِّث به لما كان ثقةً، اكتُفي بخبره."

ووجد الشافعيُّ الإمام مالكاً وأتباعه يقولون في الشيء: إنه من عمل أهل المدينة المجتمع عليه، ويجد أن في المدينة من يخالف مالكاً فيما يقول، فكيف يستقيم مع ذلك ادعاء ثبوت العمل المجتمع عليه بالمدينة؟! وفي ذلك يقول الشافعي: "قد أجده يقول: (المجمع عليه) وأجد من المدينة من أهل العلم كثيراً يقولون بخلافه، وأجد عامَّةَ أهل البلدان على خلاف ما يقول: المجتمع عليه." ولعلَّه يريد باختلاف أهل المدينة ما يعم اختلاف الصحابة والتابعين بها واختلاف علمائها فيما بينهم، بل ومخالفتهم لفتاوى أنفسهم في بعض الأحيان، وهذا ما أفصح به الليث في رده على رسالة مالك؛ إذ قال: "إن أصحاب رسول الله (r) قد اختلفوا بعدُ في الفتيا في أشياء كثيرة... ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله (r)، سعيدُ بن المسيب ونظراؤه، أشدَّ الاختلاف، ثم اختلف الذين كانوا بعدهم، فحضرتُهم بالمدينة وغيرها، ورأسهم يومئذ ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وكان من خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى ما قد عرفت وحضرت... وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا لقيناه... فهذا الذي يدعوني إلى ترك ما أنكرْتَ تركي إيَّاه."

وقد أنكر الشافعي على أتباع مالك كثيراً مما زعموا فيه ثبوت عمل أهل المدينة على خلاف الحديث، حتى قال لأحدهم: "ما علمت أحداً انتحل قول أهل العلم من أهل المدينة أشدَّ خلافاً لأهل المدينة منكم، ولو شئت أن أعدَّ عليكم ما أملأ به ورقاً كثيراً مما خالفتم فيه كثيراً من أهل المدينة عددْتُها عليكم."

ويمكن التمثيل لذلك بما ذكره الشافعي في صدد سجود القرآن ومواضعها، فقد قال مالك في الموطأ: "الأمرُ عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدةً، ليس في المفصَّل منها شيء." وهذا يعني أنه لم يعمل بالروايات التي رواها في مُوطَّئه؛ بحجة مخالفتها العمل المجتمع عليه بالمدينة.

ومن تلك الروايات ما رواه الشافعي قال: أخبرنا مالك بسنده "أن أبا هريرة (t) قرأ لهم ﮋ ﭜ ﭝ ﭞ ﮊ (الانشقاق: 1) فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله (r) سجد فيها." وما رواه عن مالك "عن ابن شهاب عن الأعرج أن عمر بن الخطاب (t) قرأ ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﮊ (النجم: 1) فسجد فيها، ثم قام فقرأ بسورة أخرى،" ثم أيَّد ذلك بما رواه مالك بسنده أن عمر بن عبد العزيز (ت101ﻫ) أمر القرَّاء أن يسجدوا في سورة الانشقاق.
وقد عقَّب الشافعي على هذا الموقف من المالكية بما حاصله: كيف يجوز ادعاء اجتماع أهل المدينة على أن سجود القرآن إحدى عشرة، ليس في المفصل منها شيء، وأهل المدينة معكم يقولون: لم يجتمع الناس على ذلك، ثم أنتم تجعلون قول عمر بن عبد العزيز أصلاً من أصول العلم، وتردون بفعله بعض الأحاديث، ثم تجدونه هنا يأمر بالسجود في الانشقاق ولا تقولون به؟ وكيف رويتم أن أبا هريرة سجد في الانشقاق، وأن عمر بن الخطاب سجد في النجم، وعمر بن عبد العزيز أمر بالسجود في الانشقاق، ثم زعمتم أن الناس اجتمعوا أن لا سجود في المفصَّل؟ أتقولون: أجمع الناس وأنتم تروون خلاف ما تقولون؟ أرأيتم إذا قيل لكم: أيُّ الناس أجمع على أن لا سجود في المفصَّل وأنتم تروون عن أئمَّة الناس السجود فيه، ولا تروون عن غيرهم خلافهم، ألم يكن أحرى بكم أن تقولوا: أجمع الناس على أن في المفصل سجوداً من أن تقولوا خلافه؟ ثم ختم الشافعي كلامه بقوله: "فلا يقال إجماع إلاَّ لما لا خلاف فيه بالمدينة،" وإذا ثبت هذا الإجماع فهو "الصدق المحض، فلا تفارقه...وهو لا يوجد بالمدينة إلاَّ وجد بجميع البلدان عند أهل العلم متفقين فيه؛ لم يخالف أهل البلدان أهل المدينة إلاَّ ما اختلف فيه أهل المدينة بينهم."

وبناءً على هذا؛ لا يتمسَّك الشافعي إلاَّ بالعمل المتصل المجتمع عليه، وإذا ثبتت السُّنة عن النبيّ (r) فلا يلتفت إلى العمل، فيقول: "نُثبت الحديثَ عن النبي (r) وإن لم يُعمل به بعده؛ استغناءً بالخبر عن رسول الله (r) عمَّا سواه." ويقول أيضاً: "يقبل الخبر في الوقت الذي يثبُت فيه وإن لم يمْضِ عملٌ من الأئمة بمثل الخبر… و...حديث رسول الله (r) يثبت بنفسه، لا بعمل غيره بعده." و"إذا ثبت عن رسول الله (r) الشيءُ فهو اللازم لجميع مَنْ عرفه، لا يقوِّيه ولا يُوهِنُه شيءٌ غيرَه، بل الفرض الذي على الناس اتباعُه، ولم يجعل الله لأحد معه أمراً يخالف أمره (r)." وهذا يدلُّ على أن "السُّنة إذا وُجدتْ وجب عليه تركُ عمل نفسِه، ووجب على النَّاس تركُ كلِّ عملٍ وُجِدت السُّنة بخلافه."
وقد دافع بعض المالكية عن مذهب مالك، وحاولوا التقريب بينه وبين مذهب الشافعي، بينما أصرَّ آخرون منهم، مثل ابن الحاجب (ت646ﻫ) وغيره، على إظهار الخلاف بينهما. وممن حاول التقريب بينهما القاضي عياض فيقول: "إجماع أهل المدينة على ضربين: ضرب من طريق النقل والحكاية، الذي تُؤْثِره الكافة عن الكافة، وعملت به عملاً لا يخفى، ونقله الجمهور عن الجمهور عن زمن النبيّ (r)،كالأذان والإقامة وترك الجهر ببسمِ الله الرحمن الرحيم في الصلاة وكالوقوف والأحباس، ونقلهم موضع قبره ومسجده، أو نقل تركه لأمور وأحكام لم يُلزمهم إياها مع شهرتها لديهم وظهورها فيهم، كتركه أخذ الزكاة من الخضراوات؛ فهذا النوع من إجماعهم في هذه الوجوه حجة، يلزم المصير إليه، ويترك ما خالفه من خبر واحد أو قياس، فإن هذا النقل محقق معلوم موجب للعلم القطعي، فلا يترك لما توجبه غلبة الظنون. والنوع الثاني: إجماعهم على عمل عن طريق الاجتهاد والاستدلال، فهذا النوع اختلف فيه أصحابنا، فذهب معظمهم إلى أنه ليس بحجة، ولا فيه ترجيح، وأنكر هؤلاء أن يكون مالك يقول هذا، أو أن يكون مذهبَه ولا الأئمةِ أصحابِه. وذهب بعضهم إلى أنه يرجح به على اجتهاد غيرهم. وذهب بعض المالكية إلى أن هذا النوع حجة كالنوع الأول حكوه عن مالك، وأطبق المخالفون أنه مذهب مالك. ولا يصحُّ عنه كذا مطلقاً."
وجاء الشاطبي (ت790ﻫ) فأزاح عن المسألة التقيد بأهل المدينة أو غيرهم، وأطلق عليها "العمل المستمر من السلف"، وصرَّح بأن العمل الذي يقصده هو العمل الدائم أو الأكثر من السلف، ولم يشترط أن يكون العمل مجمعاً عليه لا يشذُّ عن عمله أحد. وذكر من سلبيات التمسك بالدليل الذي لا يوافقه إلاَّ العمل القليل ويخالفه العمل الأكثر: إيجابَه مخالفةَ الأولين في تركهم الدوام عليه، واستلزامَ العمل به تركَ العمل بما داوموا عليه، واندراسَ أعلام ما داوموا عليه واشتهارَ ما خالفه؛ إذ الاقتداء بالأفعال أبلغ من الاقتداء بالأقوال.

وذكر من فوائده في دراية السُّنن ونقد متونها أن الأخذ به يساعد على ضبط ما ورد من الخطاب النبوي لأسباب عينية أو زمانية أو مكانية خاصة، وهو ما يسميه الأصوليون بـ"قضايا الأعيان ووقائع الأحوال"، ويقولون بأنها لا عموم لها. ومن أمثلة ذلك عدم استمرار عمل السلف على ما حكم به النبي () من منع التقاط ضوالِّ الإبل، وترك التسعير، ومنع ادخار لحوم الأضاحي، فإن عمل السلف في الأزمنة اللاحقة على خلاف ما حكم به النبي () في زمانه دليلٌ واضحٌ على أن تلك القضايا كانت لأسباب خاصة، وفي وقائع معينة، وأن الأمر الملزم فيها هو تحقيق المصلحة والعدل والتكافل الاجتماعي، لا غير. ومن الفوائد التي استثمرها الشاطبي –أيضاً- ترجيح الاحتمال التفسيري الذي يوافقه العمل على الاحتمال الذي لا يوافقه، وإن كان في ذلك رد ظاهر الحديث، وذلك كترجيح المالكية احتمال أن يراد بالتفرق تفرق الأقوال (الإيجاب والقبول) على تفرق الأبدان في قوله (): "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا." قال القاضي عياض: تأول مالك التفرق في الحديث بتفرق القول وعقد البيع، وأن الخيار لهما ما داما متراوضين ومتساومين، فأخبر أن بيع الخيار ليس له حدُّ عندهم لا يُتعدى إلا قدر ما تختبر فيه السلعة، وذلك يختلف باختلاف المبيعات، فيرجع فيه إلى الاجتهاد والعوائد في البلاد وأحوال المبيع؛ لذا ترك العمل بظاهر الحديث بهذا التأويل.

أما ابن رشد (ت595ﻫ) فقد سلك بالعمل مسلكاً آخر، فأنكر أن يكون عمل أهل المدينة إجماعاً؛ لأن إجماع بعضهم لا يحتج به، ورفض أن يكون من باب التواتر؛ لأن الفعل لا يفيد التواتر إلا أن يقترن بالقول والتصريح بنقل العمل، فإن التواتر طريقه الخبر لا العملُ.

وجعلُ الأفعال تفيد التواتر عسير، ثم قال: "والأشبهُ عندي أن يكون من باب عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة؛ وذلك أنه لا يجوز أن يكون أمثال هذه السنن مع تكررها وتكرر وقوع أسبابها غير منسوخة، ويذهب العمل بها على أهل المدينة الذين تلقوا العمل بالسنن خَلَفاً عن سلف." واستطرد قائلاً: "وبالجملة؛ العملُ لا يُشك أنَّه قرينةٌ إذا اقترنت بالشيء المنقول؛ إن وافقته أفادت به غلبةَ ظنٍّ، وإن خالفته أفادت به ضعفَ ظنٍّ؛ فأمَّا هل تبلغ هذه القرينةُ مبلغاً تردُّ به أخبار الآحاد الثابتة ففيه نظر، وعسى أن تبلغ في بعض ولا تبلغ في بعض؛ لتفاضل الأشياء في شدة عموم البلوى بها، وذلك أنه كلما كانت السُّنة الحاجةُ إليها أمسَّ وهي كثيرة التكرار على المكلفين، كان نقلها من طريق الآحاد من غير أن ينتشر قولاً أو عملاً، فيه ضعف، وذلك أنه يوجب أحد أمرين: إما أنها منسوخة، وإما أن النقل فيه اختلال."

وعموم البلوى هو ما يحتاج كل أحد إلى معرفته، ويكون مشتركاً غير خاص. والأخذ به أن يُنظر إلى طبيعة التكليف وتقارن بكيفية الأداء، فإذا كان التكليف عاماً ويكلف بعلمه العامةُ توفرت الدواعي على نقله بالاستفاضة والشهرة، ولم يكن خبر الواحد مكافئاً لنقله؛ لأن ما كان سبيله كذلك لزم نقله نقل العامة أو نقل الاستفاضة؛ حتى يتكافأ الدليل والمدلول، "فلا يجوز فيما كان هذا وصفه أن يختصَّ بنقله الأفراد دون الجماعة،" فنقله بخبر الواحد قرينة على علَّته. ولذلك اتخذت الحنفية طبيعة العمل معياراً لنقد المتن، فما عمَّت البلوى به لا يقبلون فيه خبر الواحد، وبهذه القرينة ردوا أخبار الغسل من حَمْلِ الميت، والوضوء من مس المرأة ومما مسته النار، ورفع اليدين عند الهوي إلى الركوع والرفع منه، وإيجاب قراءة الفاتحة خلف الإمام، والإفراد في الإقامة، والجهر بالبسملة في الصلاة؛ لأنها لو ثبتت لنقلها الكافة واستفاضت واشتهرت. واحتج عليهم المخالف بقبولهم أخباراً أخرى من هذا الجنس برواية الآحاد: كالوتر، وتثنية الإقامة، ونقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة وخروج النجاسة من غير السبيلين.

وأجاب الحنفية باشتهارها وتواترها في الأصل، وأنَّ ما قبلوا فيه خبر الواحد هو صفة الحكم لا ثبوته، كالوجوب والندب وغير ذلك. وعلَّق الشافعي على من تمسك بعموم البلوى في ردّ الخبر قائلاً: "ليت شعري مَنْ هؤلاء الذين -لم أعلمهم- خالفوا ثم يُحتجُّ بتركهم العمل وغفلتهم... أفيجوز في كل خبر رويته عن النبي أن يقال: قد كان هذا، ولعله منسوخ، فيردّ علينا أهل الجهالة بالسنن بـ(لعلَّهُ)."
وكان المتوقع من الشافعي القائل بأن خبر الخاصة لم يكلف غير الخاصة بعلمه، وخبر العامة كُلِّف العامة بعلمه أن يأخذ بهذه القرينة. ولذلك تدارك الجويني (ت478ﻫ) الموقف، وقال: "كلُّ أمرٍ خطيرٍ ذي بال يقتضي العرف نقله -إذا وقع- تواتراً، إذا نقله آحاد، فهم يكذَّبون فيه، منسوبون إلى تعمد الكذب أو الزلل،" واستطرد قائلاً: "وردَّ أبو حنيفة أخبار الآحاد في تفاصيل ما يعم به البلوى، وأسند مذهبه إلى ذلك، وهذا زلل بيّن؛ فإن التفاصيل لا تتوافر الدواعي بها على نقلها توافرَها على الكليات، فنقل الصلوات الخمس مما يتواتر، فأما تفصيلُها في الكيفية فلا يقضي العرف بالاستفاضة."

وقرَّب ابن رشد بين المذهبين، وقال: سكوتُ النبي () عن تبليغ من يراوحه ويغاديه من أصحابه ما يعمُّ التكليف به، مما يكاد يُقطع بامتناع وقوعه شرعاً عند تصفُّح أحواله () في البيان والتبيين، "وإنَّما الحق أن بعض الأخبار ليس يمكن فيها أن تصل إلينا إلاَّ بطريق الآحاد وإن عمت بها البلوى فيما سلف واستفاضت، وبعضها يمكن أن تصل بهذا وهذا، وبعضها ممتنع أن تصل بغير التواتر، وذلك يختلف في نازلةٍ نازلةٍ وقضيةٍ قضية... وينبغي أن يقال في كل موضع بحسب ما يحتمل الأمر المقول فيه، فإنَّ ردَّ الإنسانِ طرقَ الآحاد فيما تعمُّ به البلوى في كل موضع غيرُ صواب؛ إذ يتفاوت ذلك بحسب القرائن، وكذلك العمل بها على الإطلاق." ونقل الزركشي مثل هذا التحقيق والتقريب عن إلكيا الهراسي (ت504ﻫ) من الشافعية




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14224
نقاط : 27127
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

https://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty رد: نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في السبت يوليو 16, 2011 10:43 am

2. قياس الأصول:

يرى الشافعي تقديمَ الخبر الصحيح على القياس دوماً؛ لأنه يقدِّم الاحتجاج بالكتاب والسُّنة أولاً، يليهما الإجماعُ والقياسُ، على هذا الترتيب. يقول الشافعي: "يحكم بالكتاب والسُّنة المجتمع عليها... ويحكم بالسُّنة قد رويتْ من طريق الانفراد لا يجتمع الناس عليها... ونحكم بالإجماع ثم القياس، وهو أضعف من هذا، ولكنها منـزلة ضرورة؛ لأنه لا يحل القياس والخبر موجود." فهو يرى "أنْ ليس لأحدٍ أبداً أن يقول في شيءٍ حلَّ ولا حرُم إلاَّ من جهة العِلْم. وجهةُ العلم الخبرُ في الكتابِ أو السُّنة أو الإجماعُ أو القياسُ... والقياس ما طُلِبَ بالدلائل على موافقة الخبر المتقدِّم من الكتاب والسُّنة." والقياس عنده حجة؛ لأنَّ "من تنازع ممَّن بعدَ رسول الله (r) ردَّ الأمر إلى قضاء الله، ثم قضاء رسوله، فإن لم يكن فيما تنازعوا فيه قضاءٌ نصاً فيهما ولا في واحدٍ منهما؛ ردُّوه قياساً على أحدهما."

والقياس المحتجُّ به عنده هو القياس على الظاهر (العين)، لا الباطن؛ أي: المقبول عنده هو القياس على ظاهر الخبر من نص الكتاب والسُّنة، لا باطنه ومقصوده الذي لا يُتأخَّى منه عيناً. فقد قال وهو يحكي سؤال خصمه: "قال: ...وما الحجة في أنَّ لهم أن يقيسوا على الظاهر دون الباطن؟" ولم يُنكر سؤاله؛ مما يدل على إقراره له. ثم حصر القياس في وجهين بقوله: "والقياس من وجهين: أحدهما أن يكون الشيء في معنى الأصل فلا يختلف القياس فيه، وأن يكون له في الأصول أشباه، فذلك يلحق بأولاها به وأكثرِها شبهاً فيه. وقد يختلف القايسون في هذا."

ولعلَّه يريد بالقياس الباطن المردود ما يسمِّيه بعضُ الفقهاء بالأصول أو قياس الأصول، وهو العموم المعنوي الكلي الذي هو بمثابة قاعدة عامة من قواعد الشريعة في مجاله، أو هو المعنى الكليُّ الأغلبيُّ المأخوذ من تتبعٍ واستقراءٍ لتصرفات الشريعة وأحكامها ومن جزئيات كثيرة، لا القياس الجزئي المعيَّن الذي يسميه الشافعي بالقياس الظاهر. وقد ردَّ الحنفية والمالكية بعض أخبار الآحاد بدعوى معارضتها القياس الكلي أو العموم المعنوي الذي يسمَّى بالأصول أو قياس الأصول، وربما أدخلوه في باب الاستحسان.

يقول القاضي أبو يوسف (ت182ﻫ): "...إيَّاك وشاذَّ الحديث، وعليك بما عليه الجماعة من الحديث، وما يعرفه الفقهاء، وما يوافق الكتاب والسُّنة، فِقسِ الأشياء على ذلك؛ فما خالف القرآن فليس عن رسول الله (r) وإن جاءت به الرواية... فاجعل القرآن والسُّنة المعروفة لك إماماً قائداً، واتبعْ ذلك، وقسْ عليه ما يَرِدُ عليك ممَّا لا يوضَّح لك في القرآن والسُّنة." وقال أبو زيد الدبوسي (ت430ﻫ): "خبر الواحد يُنتقَد من وجوه أربعة: العرضِ على كتاب الله تعالى، ورواجه بموافقته، وزيافته بمخالفته، ثم على السُّنة الثابتة عن رسول الله (r) تواتراً أو استفاضةً أو إجماعاً، ثم العرض على الحادثة؛ فإن كانت مشهورة لعموم البلوى بها والخبر شاذٌّ كان ذلك زيافةً منه. وكذلك إن كان حكم الحادثة مما اختلف فيه السلف، خلافاً ظاهراً ولم تنقل عنهم المحاجَّة بالحديث كان عدمُ ظهور الحِجَاج به زيافةً فيه."

ونقل الشاطبي عن ابن عبد البر هذا المعنى في تفسير مذهب الحنفية في ردّ الخبر بالقياس؛ إذ يقول: "قال ابن عبد البر: كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة؛ لردِّه كثيراً من أخبار الآحاد العدول… لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذَّ من ذلك ردَّه وسمَّاه شاذّاً. وقد ردَّ أهل العراق مقتضى حديث المصراة، وهو قول مالك، لما رآه مخالفاً للأصول." ونقل عن القاضي ابن العربي المالكي (ت543ﻫ) نسبة هذا الرأي إلى مالك في المشهور عنه، فقال: "قال ابن العربي: إذا جاء خبرُ الواحد معارضاً لقاعدة من قواعد الشرع، هل يجوز العمل به أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وقال الشافعي: يجوز، وتردَّد مالك في المسألة، ومشهور قوله الذي عليه المعوَّل: أن الحديث إنْ عضدتْه قاعدةٌ أخرى قال به، وإن كان وحده تركه." ثم ذكر مسألة مالك في ولوغ الكلب؛ إذ ردَّ حديث أبي هريرة (t) من أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب، باطراد قياس الأصل العام الثابت بقوله تعالى: ﮋ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮊ (المائدة:4) وردّه حديثَ المصرَّاة، المخالفَ لقياس الأصل الثابت بحديث أمِّ المؤمنين عائشةَ : "أن رسول الله (r) قضى أن الخراجَ بالضَّمان."

ولعلَّ الشافعيَّ عدَّ على مالكٍ أحاديثَه التي خالفها بدعوى معارضتها الأصول، ثمَّ تتبعها فوجدها كذلك في جملة منها، ولكنه وجدها على خلاف ذلك في الجملة الأخرى منها؛ إذ ترك الأصل وأخذ بالفرع. أورد ابن حجر العسقلاني (ت852ﻫ) عن الربيع المرادي (ت270ﻫ) عن الشافعي قال: "قدمتُ مصرَ ولا أعرف أن مالكاً يخالف أحاديثه إلاَّ ستة عشر حديثاً، فنظرتُ فإذا هو يقول بالأصل ويَدَع الفرع، ويقول بالفرع ويدَع الأصل."

وتفسير القياس الذي يردُّ به خبر الواحد بقياس الأصول أو القاعدة العامة هو ما استخلصه كلٌّ من: الشيخ أبو زهرة (ت1394ﻫ/1974م)، والشيخ البرزنجي (ت1993م) من مناقشات العلماء في هذه المسألة؛ فيستخلص أبو زهرة أنه "إذا عارضت أخبار الآحاد، أصلاً عامّاً من أصول الشرع ثبتت قطعيَّته، وكان تطبيقه على الفروع قطعياً، فأبو حنيفة يُضعّف بذلك خبر الآحاد وينفي نسبته إلى الرسول (r)، ويحكم بالقاعدة العامَّة التي لا شبهة فيها،" ويرى أن مالكاً "إنَّما قدَّم القياس على خبر الواحد إذا اعتمد على قاعدةٍ قطعيَّة، ولم يكن خبر الواحد معاضَداً بقاعدة أخرى قطعيَّة؛ وذلك لأن خبر الآحاد في هذه الحال يكون معارضاً للنصوص التي استنبطت منها هذه القاعدة، والأحكام المتضافرة التي وردت من الشارع الحكيم، التي تكونت منها هذه القاعدة، حتَّى صارتْ من الأصول للفقه الإسلاميّ." ومثلَه قال البرزنجي.

وقد نفى الشافعي الاعتراف بهذا النوع من القياس في ردّ الخبر؛ لأنَّ القياس عنده طلبُ الدلائل على موافقة الخبر المتقدم من الكتاب والسُّنة، لا مخالفتِه، وبحجة أنَّه لا يمكن أن تكون لقياس الأصول قوة النص والقياس معاً، فما ردَّ به إن كان نصَّ خبر فليس بقياسٍ، ويجب عندئذٍ أن يكون لفظُ الخبر صريحاً أو ظاهراً في مخالفة عين الخبر المردود، وإن كان قياساً فلم يكن بنص خبر حتى يدَّعي أن الخبر المردود خالف أصلاً من الأصول؛ لأن القياس أصل متأخر عن أصالة النص، وأصالة النص متقدمة على أصالة القياس، وأن أصالة القياس فرع أصالة النص على مستوى الدليل الإجمالي، فلا يمكن خلاف هذا على مستوى الدليل التفصيلي أيضاً. لذا رفض أن يكون القياس جارياً فيما فيه نص حُكْمٍ، وصوَّر القياس بطلب عين الحكم وتأخِّيه من قبل المجتهد، وتعديته بين نازلتين: إحداهما منصوص على حكمها، والثانية مسكوت عنها، فقال: "كل حُكْمٍ لله أو لرسوله (r) وجدت عليه دلالة فيه أو في غيره من أحكام الله أو رسولِه (r) بأنه حُكِم به لمعنىً من المعاني، فنـزلت نازلةٌ ليس بها نصُّ حكمٍ، حُكم فيها حكمَ النازلة المحكوم فيها، إذا كانتْ في معناها."

يقول الشافعي في باب القياس: "قال: فمن أين قلت يقال بالقياس فيما لا كتاب فيه ولا سنة ولا إجماع؟ أفالقياسُ نصُّ خبر لازمٍ؟ قلت: لو كان القياس نصَّ كتابٍ أو سنَّةٍ قيل في كل ما كان نصَّ كتابٍ هذا حكمُ الله، وفي كل ما كان نصَّ السُّنة هذا حكمُ رسول الله (r)، ولم نقل له: قياس."

ويبيِّن الشافعي في باب الاستحسان أن "الخبر من الكتاب والسُّنة عين يتأخَّى معناه المجتهد ليصيبه، كما البيت يتأخاه من غاب عنه ليصيبه أو يقصده بالقياس،" نافياً في السياق نفسه صحةَ الاحتجاج بقياس الأصول "القياس الباطن" في رد الخبر، من حيث إن قياس الأصول لا يمكن أن يكون في نفسه خبراً ونصاً للشارع في مورد الخبر المخالف، فيجب أن يكون عين الخبر ظاهراً، لا اعتباراً باطناً مستوراً؛ محتجاً بأن ما ذكروه (أي: قياس الأصول) لا يمكن تسميته قياساً؛ لأن القياس "لا يكون إلاَّ على مطلوب، والمطلوب لا يكون أبداً إلاَّ على عينٍ قائمةٍ تُطلَبُ بدلالةٍ يقصد بها إليها، أو تشبيهٍ على عين قائمة. وهذا يبيِّن أن حراماً على أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر،" لأن "القول بما استحسن شيء يُحدِثُه لا على مثالٍ سبَقَ."
ويبدو من عبارة الشافعي: "إذا خالف الاستحسان الخبر"، وفي عبارة أخرى له في موضع آخر –سيأتي- أنه يعترف بمعنى ما يسمَّى قياس الأصول في بعض الآثار القياسية، ولكنه لا يردّ به الخبر المخالف، بل يُقرُّ الاستفادةَ منه ويقصرُها في معرفة ما هو أصل وما هو استثناءٌ من خبر الشارع في بابٍ واحدٍ من الأحكام، فيكون الاستثناءُ غيرَ جاري القياس فيه، والأصلُ جاري القياسِ في النظائر، وهذا -باعتراف الشافعي- هو الوجه الثاني للقياس على سنن رسول الله (r). فتراه يقول: "وأما القياس على سنن رسول الله فأصله وجهان:... الوجه الثاني: أن يكون أحلَّ لهم شيئاً جملةً، وحرَّم منه شيئاً بعينه، فيُحلّون الحلال بالجملة، ويحرّمون الشيء بعينه ولا يقيسون عليه: على الأقل الحرام؛ لأن الأكثر منه حلال، والقياس على الأكثر أولى أن يقاس عليه من الأقل، وكذلك إن حرَّم جملةً وأحلَّ بعضها، وكذلك إن فرض شيئاً وخصَّ رسول الله (r) التخفيفَ في بعضه؛" "وهكذا ما كان لرسول الله (r) من حكم عامٍّ بشيء، ثمَّ سنَّ فيه سنةً تفارق حكم العامّ."

ففي هذا النص يضع الشافعي معايير التمييز بين الخبر الذي يقاس عليه والذي لا يقاس عليه، ومن خلالها يمكن التعرف على الأحكام التي تضع الأسس لما يُعرف بـ"الأصول" في مركَّب "قياس الأصول". وهذه المعايير هي معيار الكثرة ضد القلة، فالكثير أصل بالنسبة إلى القليل، ومعيار الجملة ضد التعيين، فالجملة أصل بالنسبة إلى التعيين، ومعيار العزيمة ضد الرخصة والتخفيف، فالأولى أصل بالنسبة إلى الثانية، ومعيار العموم ضد الخصوص، فالعام أصل بالنسبة إلى الخاص. وبهذه المعايير يميز الأصل من الاستثناء، ويعرّف بمواطن جريان القياس من عدمه. ولعلَّه يرى بيعَ العرايا والسلَم وحديثَ التصرية من هذا الباب. يقول الشافعي: "قال: فاذكر منه وجهاً... تجمع فيه ما يقاس عليه ولا يقاس. فقلت له: قضى رسول الله (r) في المصرَّاة من الإبل والغنم إذا حلبها مشتريها إنْ أحبَّ أمسكها، وإن أحبَّ ردَّها وصاعاً من تمْرٍ. وقضى أن الخَراجَ بالضَّمَانِ... فقلنا بالقياس على حديث الخراج بالضمان... وقلنا في المصراة اتباعاً لأمر رسول الله (r)، ولم نقس عليه." وفي هذا اعتراف منه بأنه "ليس كل ما أتتْ به السننُ على ما يقتضيهِ القياسُ،" أو بعبارة أخرى: إن في السنن ما "عُدل بها عن سَنَن القياس،" ويُعدّ هذا خلافاً لمن أنكر أن يكون في السُّنة ما هو على خلاف القياس.

والحاصل أن الشافعي لا يجد تعارضاً واختلافاً جوهرياً بين حديث التصرية وحديث الخراج بالضمان؛ ويرى أنه "يلزَمُ أهلَ العلم أن يُمضوا الخبرين على وجوههما ما وجدوا لإمضائهما وجهاً، ولا يعدُّونهما مختلفين وهما يحتملان أن يُمضَيا، وذلك إذا أمكن فيهما أن يُمضَيا معاً، أو وجد السبيلُ إلى إمضائهما ولم يكن منهما واحدٌ بأوجبَ من الآخر. ولا يُنسب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجه يُمضيان معاً؛ إنَّما المختلف ما لم يُمضَ إلاَّ بسقوط غيره."

ولعلَّ دفاع ابن رشد عن مسلك القياس الباطن وصوابه من أقوى ما عثرت عليه من جواب على نقد الشافعي له. فقد دافع عن القياس الباطن المستند إلى المصالح والمقاصد، وحاول أن يثبت أن الشافعي وغيره من القيَّاسين، الذين لم يجاوزوا القياس الظاهر، وأنكروا الاستدلال المرسل والاستحسان؛ يلحظون الظواهر وما يستنبطون منها، دون المصالح والمقاصد؛ إذ وصَفَ القياسات الظاهرة، التي اعترف بها الشافعي دون غيرها بأنها مأخوذة من دلالات الألفاظ، ثم ادعى أن جميع ما يسميه أهل الصناعة الأصولية قياساً فارغٌ عن فعل القياس، وأنه صناعة ظاهرية بحتة. ولعل القياس الباطن الذي رفضه الشافعي هو القياس الأصيل عند ابن رشد، فهو يقول في صدد الاستحسان والاستصلاح: "هذان إن أريد بهما نوعٌ من أنواع القياس جليٌ أو خفيٌ مما يجوز في الشرع على الجهة التي يجوّزه القائلون به، فهو على رأيهم أصل، وأمَّا إنْ لم يُرَدْ به ذلك فليس بأصلٍ" من أصول الفقه. وفي هذا دلالة على أن ابن رشد يخالف الشافعيَّ في تصوير معنى القياس، فما يسميه الشافعي بالقياس الظاهر يراه ابن رشد خارجاً عن حدّ القياس؛ بل يراه صناعةً ظاهريةً بحتةً، وما يراه الشافعي قياساً باطناً ومرفوضاً فهو القياسُ الأصلُ عنده.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14224
نقاط : 27127
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

https://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty رد: نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي

مُساهمة من طرف سامح عسكر في السبت يوليو 16, 2011 10:44 am

خاتمة:

على الرغم من ظهور الشافعي بمظهر من يخالف مدرستي الآثار والرأي في بعض التأصيلات المتعلقة بالسُّنة، إلا أنَّهُ قد جمعَ عيوناً من الْمَعينَيْنِ، واغْتَرَف غرفاً من الرَّافدَيْنِ، وزاد عليهما ما يلاحِم به بينهما، ويجعلهما نسيجاً واحداً أكْثَرَ تماسُكاً وانْسِجاماً. يقول القاضي عياض: "تمسك الشافعي بصحيح الآثار واستعملها، ثم أراهم أنَّ من الرأي ما يُحتاج إليه، وتنبني أحكام الشرع عليه، وأنَّه قياس على أصولها ومنتزَعٌ منها، وأراهم كيفية انتزاعها، والتعلق بعللها وتنبيهاتها. فعلم أصحاب الحديث أن صحيح الرأي فرع للأصل، وعلم أصحاب الرأي أنه لا فرع إلا بعد الأصل وأنَّه لا غنى عن تقديم السنن وصحيح الآثار أولاً."

كان للإمام الشافعي إلمام واضح بمناهج العلماء وآراء المذاهب، أهَّله للقيام بالتمحيص والتأصيل والتجديد، وقد تميَّز الشافعي بإدراكه لمغازي قوله ومداليل عباراته، غير غافل عنها في تطبيقه وتفريعه، وهذه سمة قلَّما اتسم بها غيره؛ فقلما تجد بين العلماء من لم يخالف فرعُه أصلَه، أو لم ينكر أصلُه نسبةَ فرعِه.

وكان الشافعي رائد علماء الحديث في إيلائه السندَ الجانبَ الأكبر من الاهتمام في النقد الحديثي، دون المتن إلاّ في الخاصّ القليل، وذلك بأنْ يكون في الحديث ما لا يجوز أن يكون مثلُه (علة)، أو ما يخالفه ما هو أثبتُ وأكثرُ دلالاتٍ بالصدق منه (شذوذ).

لقد دار حوار علمي هادف بين الشافعي وكبار فقهاء المالكية والحنفية في بعض المعايير التي طرحتها المدرستان للنقد الفقهي للمتون، أبرزها: العرض على العمل، وقياس الأصول. وقد أبرزت الدراسة موضع الخلاف والوفاق بين الآراء، فتبين أنَّ الشافعي لا ينازِع في تقديم العمل على خبر الواحد إذا كان عملاً مستمراً، تواترت حكايته عن العصر الأول، حتى وصل إلى مرتبة القطع واليقين، وأنه لا ينازِع في تقديم الأصول من الكتاب والسُّنة في مركب "قياس الأصول"، إذا كان ثمة اختلاف جوهري لا يمكن رفعه إلاَّ بسقوط الخبر؛ غير أنَّه نازَع أن يكون في التطبيقات التي أوردتها المدرستان ما يوجب سقوط الحديث، لإمكان أن يمضيا معاً دون سقوط الخبر.

ولعل من المناسب اقتصاص الآثار في هذا المجال؛ لإبراز خيوط المنهجية الأصولية والحديثية، وإلماع معالمها، لتكون منطلق تجديدٍ جادّ يعيد قواعد فنَّيْ الأصول والمصطلح إلى حالة التزاوج والتوافق، التي كانت قائمةً عند نشوئهما وتطور مباحثهما.




صفحتي على الفيس بوك

الحرية هي مطلب العُقلاء..ولكن من يجعل نفسه أسيراً لردود أفعال الآخرين فهو ليس حُرّاً....إصنع الهدف بنفسك ولا تنتظر عطف وشفقة الناس عليك..ولو كنت قويا ستنجح....سامح عسكر



سامح عسكر
سامح عسكر
المدير العام
المدير العام

نقد متون السُّنة النبوية في تأصيلات الإمام الشافعي Empty
الديانه : الاسلام
البلد : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 14224
نقاط : 27127
السٌّمعَة : 23
العمر : 40
مثقف

https://azhar.forumegypt.net/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى