شبكة واحة العلوم الثقافية
أسعدتنا زيارتك و أضاءت الدنيا بوجودك

أهلا بك فى شبكة واحة العلوم الثقافية

يسعدنا تواجدك معنا يدا بيد و قلبا بقلب

لنسبح معا فى سماء الإبداع

ننتظر دخولك الآن
شبكة واحة العلوم الثقافية
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

القومة أو آلية التغيير في التصور المنهاجي بقلم الأستاذ: لخضر حمادي

اذهب الى الأسفل

القومة أو آلية التغيير في التصور المنهاجي بقلم الأستاذ: لخضر حمادي  Empty القومة أو آلية التغيير في التصور المنهاجي بقلم الأستاذ: لخضر حمادي

مُساهمة من طرف عمرالحسني في الأربعاء يوليو 20, 2011 5:24 pm

القومة أو آلية التغيير في التصور المنهاجي
بقلم الأستاذ: لخضر حمادي

تعتبر مدرسة الأستاذ عبد السلام ياسين، مدرسة التصور المنهاجي، أو الفكر المنهاجي، مدرسة إسلامية رائدة في تاريخنا المعاصر، تنظر إلى تاريخ المسلمين وحاضرهم بهدف إحداث التغيير، بآلة المنهاج النبوي، وهو اجتهاد مؤسس على فهم الأستاذ عبد السلام ياسين لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتجارب المسلمين عبر التاريخ، مطبوع بإرادته، مشتهر بإجرائيته موجه لكل العاملين للإسلام اليوم ومستقبلا.
ويطرح المنهاج النبوي، القومة كآلية للتغيير، فنتقي اليوم وقد حمي الوطيس واحمرت الحدق بهذه المدرسة النبوية الراشدة، التي لا يزال الله تعالى يزيدنا بها يقينا، إذ نشاهد اليوم واقعا ما كنا نقرأه بالأمس مسطورا في كتب الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله ونفع الأمة به، لنعرف مفهوم القومة وملامحها وأهدافها وصفات رجالها، ونبحث عن مفاتيح التغيير ودروس المرحلة.
يرد مصطلح القومة في الفكر المنهاجي كثيرا، فقد تحدث الأستاذ عبد السلام ياسين عن القومة الكبرى، كما تحدث عن القومة النموذجية والقومة الدموية والقومة الاقتصادية والقومة الزراعية والقومة الصناعية والقومة الشورية والقومة السياسية والقومة التربوية التعليمية والقومة المحيية والقومة التغييرية وقومة التجديد والقومة الشاملة ..
ومن المعلوم أن الأستاذ عبد السلام ياسين، يختار بدقة كبيرة المصطلحات، وهو القائل بجناية المصطلحات، فكيف يعرف القومة ؟
1. تأصيل القومة من القرآن الكريم والسنة النبوية:

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: "قال الله تعالى: ﴿وإنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لِبدا). وفي القرآن: ﴿وأن تقوموا لليتامى بالقسط﴾، ﴿كونوا قوامين لله شهداء بالقسط﴾، ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾. المادة في القرآن كثيرة تقترن بالدعوة، والقسط وهو العدل، وتدل على القوة والإتقان، مثل ﴿أقيموا الصلاة﴾، وعلى الاستقامة، وهي بهذا اللفظ ومشتقاته كثير."[1]نستفيد من التأصيل القرآني صفات للقومة وهي:
1-1. الدعوة:

يقول الأستاذ ياسين: " قومة الداعي تبتدِئ بقومة الرسول في قومه يخاطبهم بلسـانهم على الرفق لا على العنف. وكل داع بعد الرسول لم يبدأ ميسرا لا معسرا، مبشرا لا منفرا، جامعا لجهد الصادقين لا مشتتا فما هو من القوة في شيء"[2]يلح الأستاذ عبد السلام ياسين على آداب الدعوة النبوية الراشدة، الرفق لا العنف التيسير لا التعسير، التبشير لا التنفير، جمع الجهود لا تشتيتها، وهي آداب ترتبط بالدعوة قبل القومة، الرفق حتى يعرف الناس لم نقوم، وأثناءها وبعدها، لا تفارق الداعي إلى الله تعالى، إذ " إن الرفق لا يكون في شئ إلا زانه، ولا ينزع من شئ إلا شانه"[3]و"من يحرم الرفق يحرم الخير كله"[4]‏، وهو من أهم أوصاف القومة التي تميزها عن "الثورة"، إلا أنه يلح في ذات الوقت أن الرفق لا يعني تبرير الجمود والخنوع والتراجع وتصور أنه تؤدة ورفق، فيجعل للقومة شرطا ثانيا هو القوة ، القوة صدحا بالحق وعصيانا للظالمين، القوة التنظيمية والمعرفية، القوة العملية التنفيذية لا التحليق في الخيال، ومظاهر القوة كثيرة قبل القومة وبعدها وأثناءها.
1ـ2.العدل:

يقول الأستاذ ياسين: "قومة الشاهد التي يدعو إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: "كونوا قوامين لله شهداء بالقسط"، "كونوا قوامين بالقسط شهداء لله"، "والذين هم بشهادتهم قائمون"، "وأقيموا الوزن بالقسط". قومة لإحلال العدل محل الجوْر. عدليَّةٌ نموذجية تخاطب الإنسان مِنْ قِبَلِ همومه الدنيوية من حيثُ تخاطبه دعوة القائم العبْدِ الرسول أو التابع "المبعوث" المبلغ من قبَل روحانيته."[5]العدل ومحو الطبقية هدف إسلامي، يخاطب به الشعب قبل القومة تأليفا للغضبة الشعبية، إذ أنه لا يسلك في أذن الجائع إلا صوت يبشر بالخبز، هو قبل القومة نافذة النداء في الناس، بل بابه، ويكون تأسيسه والعمل به أولى أهداف القومة، ويحتل الصدارة في برنامج الدولة الإسلامية، ليؤسس هذا التصدي لإقامة العدل أوجها من أوجه القومة، قومة لإحلال العدل والكرامة الآدمية عبر القومة الزراعية والاقتصادية والصناعية، بالتعاون والتشارك والبذل من الجميع، هدفها توفير حافز الاستجابة لدعوة المبعوث المبلغ عن رسول الله، وصمام أمان الدولة الإسلامية أمام الكيد والمؤامرات الخارجية.
1ـ3.إقامة الصلاة:

يقول الأستاذ ياسين: " قومة إلى الصلاة. وإقامة الصلاة. وما أمر الله عز وجل بالصلاة أو مدح المصلين إلا جاءت كلمة الإقامة. فالصلاة عماد الدين. هي العمودُ الفقري للدين. وأداؤها في المسجد والجماعة أساس البناء النفسي للمومن. لا يمكن إعادة ترتيب حياة المسلمين ولا تقعيد السياسة والاقتصاد والأخلاق على الأُسِّ الصحيح دون إقامة الصلاة. وإقامتها الوفاء بشروط الإسلام، والاغتباط بفرائضه، يجد في ذلك المسلمُ رَوْحَه وراحته، ومرتكَزَ أوقاته، وضابط ليله ونهاره، وناهيه عن الفحشاء والمنكر."[6]يحيلنا هذا الوصف على أساس مهم للقومة وهو الإسلام، منطلق القومة ومؤطرها في مختلف مراحلها ومحدد غايتها، حيث يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين أن الشعور الإسلامي هو الروح الباقية في الأمة، التي تأسست عليها قومات كقومة إيران وقومة السيد أحمد الشهيد في الهند وحرب التحرير الجزائرية، فـ".. صوت الإسلام يسمع اليوم في العالم أكثر من أي وقت مضى منذ انهيار الخلافة العثمانية المسلمة"[7]كما يحيلنا على غاية القومة، وهو إقامة الصلاة، رمز إقامة الدين.
هذا ويضيف الأستاذ عبد السلام ياسين أصولا قرآنية ونبوية أخرى للقومة في كتاب العدل، تضيف للقومة أوصاف أخرى هي:
1ـ4.الإحسان:

يقول الأستاذ ياسين :"قومة الإحسان التي تزيح عن وجه الفطرة وعن صفحة القلب ما علق بها في الماضي وما يعلَقُ بها في المعافسات اليومية من غيْن الذنْبِ ومُلاحاة الخلق ومغريات الشهوات. "فأقم وجهك للدين حنيفا فِطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيِّمُ". إقامة الوجه لله عز وجل والطلب القلبي الدائم، الذكر الدائم، لله عز وجل والخضوع له ومناجاتُه هي علائم اكتمال الدين." [8]وهو وصف يبين شروط القائم، أن تكون غايته بقومته الله، واعتماده أثناءها وبعدها على الله، أن تكون القومة، قومة رجال هاجروا ونصروا وجاهدوا. بالله، وفي الله، ولله، على اعتبار أن القومة وهي آلية التغيير في الإسلام، ترتكز أول ما ترتكز على النيات الربانية للقائمين، وأن هذا التغيير مقره الأول النفوس،﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [9].
1ـ5.إقامة حدود الله:

يقول الأستاذ ياسين : "وذلك هو السياج الصائن لبناء الدين. ليس معنى إقامة الحدود تنزيل العقوبات على الناس في فراغ من المسؤولية عن هداية الناس، وتربية الناس، وتوفير الضروريات للناس، وتأمين حياتهم. إقامة حدود الله وحفظ البناء عملية لا معنى لها إلا في سياقها التربوي العدلي العمراني الأخوي الدالَّة عليه آياته تعالى: "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله"."[10]يبين هذا الوصف أن القومة، أو التغيير الإسلامي ليس غاية في حد ذاته، الغاية الاستراتيجية للقومة، إقامة شرع الله تعالى، ﴿ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ [11]، إذ أن العمل بالشريعة سياج للدين ، ودليل عملي على إقامته، في ذات الوقت يتحدث الأستاذ عبد السلام ياسين عن إقامة الشريعة على قاعدة المسؤولية عن هداية الناس وتربيتهم وتوفير العدل والكرامة لهم، الدعوة والتربية أولا يوازيها إقامة العدل وتحقيق الكرامة الآدمية، ثم تقام الحدود، بعد أن يطمئن الناس إلى عدل الإسلام ورحمته ، يقبلون شريعته.
6-1.القيام بأمر الله:

يقول الأستاذ ياسين: "... قيام أولي الأمر منا، العلماءُ الذين يخشَوْن الله ولا يخافون في الله لومة لائم. وفيهم يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيَ أمر الله وهم على ذلك". رواه الشيخان عن معاوية بن أبي سفيان."[12]وهم المشكلون لما يسميه الأستاذ عبد السلام ياسين " الدعوة "، نواة ما قبل القومة المأمور تشكيلها في قول الله تعالى:﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولائك هم المفلحون﴾ [13]هم جند الله، الطليعة المجاهدة التي يتألف حولها الشعب، ليتعلم بمواقفها وتربيتها وثباتها وجهادها ونموذجيتها القيام جهادا و طلبا للتغيير، ثم هي غداة القومة الإسلامية، يد الدولة الإسلامية اليمنى المتعاونة مع اليد اليسرى يد الحكم، وباجتماع جهد اليدين يد الدعوة الرحيمة ويد الدولة الصارمة تعاونا وتناوبا، يكون التغيير الحقيقي، القومة الكبرى.
1ـ7.إقامة الوحدة:

يقول عنها الأستاذ ياسين :"هي القاعدة الضرورية لإقامة دين الفرد ودين الأمة للانطلاق في تبليغ الرسالة الرحيمة للعالمين، تأبيداً مبعوثيا تبليغيا لرسالة الأنبياء والرسل عليهم السلام، وائتِماراً بأمره تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه"[14]من أهداف القومة إقامة الوحدة بين المسلمين ، بين الأقطار المشتتة، وإقامة الوحدة عبر الدمج الإقتصادي، أي محو الفوارق الاجتماعية، والدمج المذهبي أي إزالة مظاهر الاختلاف المذهبي الذي يذكي نار الفرقة بينهم اليوم، وإقامة الوحدة بين الناس جميعا عبر إمامة الأمة المستضعفين في العالم ..
هذه بعض صفات القومة في القرآن والسنة، نستنتج أنها شاملة جامعة بين الدين والدنيا، الفرد والجماعة، مبينة لما يجب قبل وأثناء وبعد التغيير.
2. القومة في تاريخ المسلمين:

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : " كلمة قومة أخذناها من تاريخنا. فقد كان علماؤنا يسمون جند الله الناهضين في وجه الظلمة قائمين. عرف تاريخنا قائمين من آل البيت كالإمام الحسين بن علي، وزيد، ومحمد النفس الزكية، ويحيى، وإبراهيم..."[15]ويقول: "تألفت على مر تاريخنا جماعات تطالب بالحكم، منها ما كان عملها شرعيا سماه علماؤنا قومة (القائم من آل البيت)، ومنها ما كان عصبية وإرادة تسلط على الحكم لإبدال طاغوت بطاغوت سماه علماؤنا ثورة..."[16]ويقول : " ...المسلمون في تواريخهم يستعملون كلمة "ثورة" للدلالة على خروجٍ عنيف بغير حق. وفي كلمة "ثورة" إيحاء بالعجلة والعنف والاضطراب. ويستعمل مؤَرِّخونا كلمة "قومة" للإخبار عن الخارجين على الظلمة بحق. وكلمة "قومة" موحية بالقوة والثبـات والثقـة. لذلك نستعملها تميزا في الاصطلاح لنَنْتَقِدَ أساليب العنف وحرق الناس وبقْرَ بطون النساء وإطفاء السجائر في عيون بني آدم وما إلى ذلك من إفناء الطبقة البائدة وتسليط المخابرات."[17]نستفيد أن القومة في تاريخ المسلمين ارتبطت بآل البيت رضي الله عنهم أجمعين وفي هذا الصدد يسمي الأستاذ عبد السلام ياسين قومة الإمام الحسين عليه السلام بالقومة النموذجية، وإن كانت "دموية" كما نستفيد أن القومة خروج بحق يتسم بالرفق والقوة والثبات والثقة، ويستجيب لداعي رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل:"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله." [18]كما نستفيد من تاريخ المسلمين، تمييزهم بين القومة والثورة، تمييز وتميز يبني عليه الأستاذ ياسين القومة التي يدعو ويعمل لها، يقول: " أستعمل كلمة "قومة" موافَقَةً للقرآن الكريم ومطابقة في تسمية الانطلاقة الثانية بما سمِّيت به الأولى. أستعمل الاسم تحرِّيّا من مسايرة التيار العام الذي يستهلك مصطلحاتهم كما يستهلك منتجاتهم الصناعية، فيَنْبت لحمُ فكرِه ويتكون عظمُه ويجري دمه بعناصر هي خليط من ذاته وذات غيره. أستعمل "قومة" بدل "ثورة" لأسجل اختلاف نيتي عن نياتهم واتساع أهدافي عن أهدافهم وحضور غايتي -وهو الله عز وجل- وغياب هذه الغاية في حسبانهم. " [19]
3.القومة عند المربين:

يقول الأستاذ المرشد حفظه الله :" ...صاحب "المنازل" (يعني شيخ الإسلام الهِروي) يقول: (اليقظة) هي القومة لله المذكورة في قوله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى) (سورة سبأ، الآية: 46). قال: "القومة لله هي اليقظة من سِنة الغفلة، والنهوض عن ورطة الفترة. وهي أول ما يسْتنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه. وهي على ثلاثة أشياء: لَحْظُ القلب إلى النعمة، على اليأس من عدها، والوقوف على حدها، والتفرغ إلى معرفة المِنّة بها، والعلم بالتقصير فيها"."[20]ويقول: " يورد ـ يقصد الإمام عبد القادر الجيلاني ـ كلمة أبي علي الدقاق رحمه الله إذ يقول: "من لم تكن له في بدايته قَومةٌ لم يكن له في نهايته جَلْسَةٌ". يقصد بالجلسة جلوس الشيخ لتربية المريدين. ويقصد بالقومة هذه النهضة القلبية الاجتهادية التي ينهضها طالب الحق بعد اليقظة والتوبة."[21]القومة عند القوم نهضة قلبية إقبالا على الله تعالى، توبة ويقظة ومجاهدة، ويجعل الأستاذ عبد السلام ياسين هذا الأمر لب الحركة التجديدية، حركة القومة، وروحها، يقول حفظه الله : " ... يجب وجوبا أكيدا أن يربى جند الله على لزوم باب العبودية، امتثالا حريصا دقيقا لأمر الله عز وجل، ومناجـــاة له، وحضورا قلبيا عند ذكر اللسان وخارجه، حتى يصبح العبد المؤمن ذاكرا ربه، قائما بين يديه لا يفتر. على هذا يتوقف نجاح القومة الإسلامية، وهذا القيام بين يدي الله عز وجل هو لب القومة ومغزاها وروحها "[22]أبرز صفات القائم أنه عبد لله.
4.بين "القومة" و"قومة":

نستنتج عموما من الفكر المنهاجي أن الأستاذ عبد السلام ياسين، يميز بين ما يمكن أن نسميه "القومة" وبين "قومة"، فأما "القومة" فهي التي وصفها بالكبرى، وهو يقصد بها آلة التغيير القاطع مع مرحلة الحكم الجبري المؤسس لمرحلة الخلافة على منهاج النبوة، المقيم دولة الإسلام، وهي مسألة أجيال طويلة، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: "القومة التغييرية طويلة النفس بعيدة المدى"[23]ويقول: "القومة مجهود، القومة مراحل، القومة مهمة أجيال "[24].. كما يقول: "ما أخذ مقاليد الحكم إلا لحظة من لحظات "القومة" وخطوة لازمة من خطواتها " [25]، ويقول " لا نظن أن القومة جهاد جيل وانتهى الرحيل، ما هي إبطال موجود، بل هي إيجاد مفقود. هي استصلاح وإصلاح، لا انتقام وشفاء غليل. طريق الجهاد طويل، يريد عملا ممنهجا، يريد تنظيم جهود، يريد تعبئة منظمة، يريد ضبطا وانضباطا، يريد استبشارا وتبشيرا لأنفسنا وللإنسان مهما تجهم الزمن في وجهنا، وكلَحت طلعته، واكفهَرَّت ملامحه. " [26]الإيجاد للمفقود، والاستصلاح والإصلاح، العمل الممنهج والتنظيم والتعبئة المنظمة والضبط والانضباط والاستبشار والتبشير، وغيرها من لبنات "القومة"، يشكل كل منها "قومة" في مجاله، مع الإشارة إلى أن الحصول على الحكم لحظة من لحظات القومة أي أنه "قومة"، وأن هذه القومات المتعددة المجالية منها ما يكون قبل "قومة" الحصول على الحكم كالتعبئة وبناء اللبنة، النواة الصلبة للدعوة .. ومنها ما يبدأ بعدها كالقومة الاقتصادية والقومة الزراعية وجهاد البناء عموما، ومنها ما يكون قبل الحصول على الحكم ويستمر بعده بقوة وحرية أكبر، كالدعوة وإيقاظ الشعب والتميز والتفوق والقومة الشورية، وقومة التربية والتعليم ..
5. أشكال القومة ودروس المرحلة:

نتتبع رؤية المدرسة المنهاجية لبعض أشكال القومة ونستنتج بعض المفاتيح العملية والدروس لكل عامل للتغيير من خلال النصوص التالية:
النص الأول:

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين :" ... ينبغي أن نستَحْضر أن الله عز وجل هو ضامن النصر لأوليائه،... وعلى الإسلاميين أن يكونوا في تسمّع مُسْتمر وترقب يقظ لإشارات القَدَر الإلهي. لا أقول باقتناص الفرص وتصيد المناسبات لإبرام "ميثاق" انتهازي بأي ثمن. إننا إن يكن لنا من أسباب الوجود في الميدان، نفرض وجودنا فرضا بدخولنا في التعددية الديمقراطية أو بتكتلنا في الظل إن اقتضى الأمر، لن نعدم وسيلة يوما ما، وبعد أمد يطول أو يقصر، لنرفض الأنظمة الجبارة رفضاً مطلقا بالمقاطعة والإضراب العام والعصيان المبدئي تطبيقا لأمر الله وأمر رسوله أن لا نطيع من عصى الله ولا نتعاون معه ولا نستبقيه متى قدرنا على إزالته... "[27]من دروس النص، ضرورة اليقين بالله تعالى والتوكل عليه والفهم عنه وترقب إشارات سنته في الكون، ومن الدروس أيضا، ألا يكون رواد التغيير الإسلامي انتهازيين، يتصيدون المناسبات لإبرام العهد مع الظالمين بأي ثمن، لأن عصيان الظلمة حكام الجبر عصيان مبدئي لا تكتيك ومدافعة مرحلية تنتهي بالحصول على فتات، من الدروس أن من أشكال القومة الدخول في التعددية الديموقراطية أو التكتل في ظل مقاطعة لهو التعددية الوهمية عملا للحظة تتم فيها المقاطعة التامة والإضراب العام والعصيان لأنظمة الجبر.
النص الثاني:

"الركب يتحرك إلى خير إن شاء الله لكن العمل الميداني إن لم يدخل في خطة محكمة لها وجهة مدروسة، وغاية معروفة، وأهداف مرحلية، وقسمة للمهام بين فئات جند الله، لن يؤدي لتأليف قوة التغيير المرجوة وإن انتهى إلى تكوين تكتل ذي حجم" [28]يتحدث الأستاذ عبد السلام ياسين هنا إضافة إلى اليقين والثقة بالله روح الفكر المنهاجي، عن الشرط الذاتي للقومة، المتعلق بجند الله ، طليعة التغيير، فمن مهام هذه الطليعة أن تكون لها خطة محكمة وأهداف محددة مرحلية ونهائية، وأن يعرف كل فرد منها مهمته ووظيفته، وخط السير العام، متميزة بدرجة عالية من اليقظة والجندية والتغلغل وسط الشعب ..
النص الثالث:

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: "...متى بلغت الصحوة الإسلامية درجة اليقظة والتجند الواسع، وبلغت السخطة الشعبية عرامتها، فقد توفر الشرطان الضروريان للقومة الإسلامية."[29]يستفاد من النص أنه إلى جانب الشرط الذاتي الذي تحدثنا عنه سابقا ، هناك شرط موضوعي يتعلق بالشعب، وسخطته ، غضبه المؤجج بلغة الخبز اليومي والأجور والصحة والسكن والمدرسة والكرامة ... المطبوع بالحافز السامي ، الغضب لله تعالى ما أمكن ، لأن الحركة "تكون ثورة طائشة تهدم لا قومة لله تبني إن غلب الغضب على الحكام الظلمة وأعوانهم الغضب الآخر السامي" [30]مع التنبيه إلى أنه " ينبغي أن لا نكون من البلادة بحيث ننتظر قومة مجردة للحافز السامي وحده، ولا أن نكون من السطحية بحيث نترك الحوافز الدنيا تقود المعركة"[31]وأن القومة يجب ألا تكون رد فعل غير منضبط، لأنها بعدم انضباطها للخط الفكري، والتنظيمي، واستنادها للعنف، تكون طوفانا سمته الفوضى وانفلات الغرائز، لا قومة.
النص الرابع:

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: "هل الديموقراطية التي تنفي كما ننفي أن يكون للحاكم حق الطاعة بدون عقد يلزم الطرفين خطوة إيجابية نحو أهدافنا..؟ ... نحتفظ هنا بهذه الحقيقة: وهي أن الوعي الديموقراطيَّ وقاعدته "حقوق الإنسان" كفر "بدين الانقياد"، ودين الانقياد هو داؤنا العميق."[32]يتحدث الأستاذ ياسين هنا عن القاعدة المتينة المثلى للميثاق بين العاملين للتغيير على اختلاف انتماءاتهم ، هذه القاعدة في التصور المنهاجي هي الغضب المشترك على احتكار السلطة والثروة من قبل الحاكمين والحرص على انقياد الشعب وممثليه للحاكم ، انقياد سماه الأستاذ ياسين دينا ، إشارة إلى مكانته في منظومة الحاكمين المتألهين الحريصين على تعبيد الشعوب و انقيادهم لرغباتهم وخططهم السامية .
النص الخامس:

يقول الأستاذ ياسين :"... مقاومةُ الظلم حتى الموت ولو نشراً بالمناشير واجب الطليعة المجاهدة... مقاطعة الظالمين: لا نواكلهم ولا نشاربهم ولا نجالسهم. وهذه هي الصيغة المُثْلَى للقومة. فلو قدرنا أن نتجنب استعمال السلاح ضد الأنظمة الفاسدة، ونقاطعها حتى تشل حركتها، ويسقطَ سلطانُها، وترْذُلَ كلمتُها كما فعل إخواننا في إيران، لكان ذلك أشبهَ شيء بروح الإسلام الذي يوصي ألا تسفك دماء المسلمين بينهم. وهذا يقتضي صبرا واستشهادا وصمودا. ذلك أنَّ رُوَادَ الباطل وسَدنَتَهُ لن يتعفّفوا عن استعمال سلاحهم وبطشهم الشديد".[33]يعود بنا النص للحديث عن الشرط الذاتي، ليزيد إلى بذل الفكر تخطيطا والحركة تنظيما وزحفا واجبا آخر، هو قاعدة الشرط الذاتي، يتأسس على البعد التربوي الإحساني وهو مقاومة الظلم ولو أدى إلى الاستشهاد، مع التنبيه إلى الحرص على بث روح المقاومة في كل الأمة، كما يذكرنا بموقف القائمين المبدئي من الظالمين، المقاطعة التامة مع اجتناب السلاح وذلك أشبه شيء بروح الإسلام.
النص السادس:

يحدثنا هذا النص خاتمة هذا الموضوع، عن مرونة خامة الزرع التي يجب أن تطبع الحركة التغييرية وصبرها، عن الفرص التاريخية والرأي والخدعة والمكايدة الحربية ، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين :
".. لو تتبعت سيرة المصطفى صلى الله عليه و سلم لرأيت هذا الصبر عند البلاء ومرونة خامة الزرع. مثلا عندما ألح سهيل بن عمرو في كتابة صلح الحديبية على أن يمحي من الصحيفة البسملة ونسبة الرسالة إلى محمد صلى الله عليه و سلم فمحاها نبي الرحمة بيده الكريمة.
على أن التسرب لأجهزة الحكم، وإعداد الرجال لكل مناصب الدولة ومواطن الخبرة والقيادة فيها، جزء أساسي من الخط اللاحب الذي يجب أن يمضي فيكون ذلك الخط صلب العمل وحواشيه مرونة، ويكون النهر وروافده الفرص التاريخية، ويكون الثابت على السير في الوجهة وما يأتي به الله من انعراجات سياسية متحركات لا توقف السير.
السياسة الشرعية تجيب أن القومة الإسلامية على حكام الجبر مشروعة، ولا يصطدم بالشرع أي من الرأي والخدعة الحربية والمكايدة التي وصفنا بعضها. ومن الرأي والخدعة والمكايدة أن نكتب هذا ونعلنه لمن يعلم قواعد اللعبة السياسية ومداخل الأمور. أما غيره فيحسب أن الرأي والحرب والكيد في أن يخفي أمره فلا يعرفه أحد، فتنسب إليه الطوام، وتنصب له الحبائل، ويسقط مضغة في قبضة الطاغوت. والله من ورائهم محيط. وإنها لعقبة واقتحام".[34]
تاريخ النشر : 23 فبراير 2011
[1] الأستاذ عبد السلام ياسين، رجال القومة والإصلاح، فقرة القومة والثورة
[2] الأستاذ عبد السلام ياسين،كتاب العدل، فقرة قومة لا ثورة
[3] رواه مسلم
[4] رواه مسلم
[5] كتاب العدل، فقرة قومة لا ثورة
[6] المصدر نفسه
[7] المنهاج النبوي، ص5
[8] كتاب العدل، قفرة قومة لا ثورة
[9] سورة الرعد، الآية11
[10] كتاب العدل، فقرة ثورة لا قومة
[11] سورة الحج، الآية 41
[12] كتاب العدل، فقرة قومة لا ثورة
[13] سورة آل عمران، الآية104
[14] كتاب العدل، فقرة قوة لا ثورة
[15] المنهاج النبوي، فقرة القومة الإسلامية
[16] المنهاج النبوي، ص7
[17] كتاب العدل، فقرة قومة لا ثورة
[18] رواه الحاكم وصححه، وتابعه الذهبي
[19] كتاب الإحسان، فقرة القومة
[20] كتاب الإحسان، فقرة التوبة واليقظة
[21] كتاب الإحسان، فقرة طريق المجاهدة
[22] المنهاج النبوي، فقرة الإسلام والإيمان والإحسان
[23] كتاب تنوير المؤمنات، فقرة جدال فقهي
[24] كتاب العدل، فقرة قومة لا ثورة
[25] كتاب سنة الله، فقرة القومة
[26] كتاب تنوير المؤمنات، فقرة مجاهدات
[27] كتاب سنة الله، فقرة القومة
[28] كتاب المنهاج النبوي، فقرة من الفتنة إلى الإيمان
[29] نفسه
[30] كتاب المنهاج النبوي، فقرة الثورة والقومة
[31] نفسه
[32] كتاب العدل، فقرة دين الانقياد
[33] رجال القومة والإصلاح، فقرة القومة الإسلامية
[34] كتاب المنهاج النبوي، فقرة المرونة


<br>
عمرالحسني
عمرالحسني
كـاتــــب
كـاتــــب

قلم مبدع
الديانه : الاسلام
البلد : المغرب
ذكر
عدد المساهمات : 1169
نقاط : 4965
السٌّمعَة : 12
متسامح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى